HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٧٩

وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب. أخبرني يونس عن ابن شهاب. أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول «إذا أراد الله بقوم عذابا، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم». بسم الله الرحمن الرحيم. ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص165
ج ٤ ص ٢٢٠٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص١٦٥
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٠٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«أبو بكر بن نافع» هو: محمد بن أحمد بن نافع، و«سفيان» هو: الثوريّ. وقوله: (وَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) فاعل «قال» ضمير سفيان الثوريّ. [تنبيه]: رواية سفيان عن الأعمش هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٤٩٨٤) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبيّ -ﷺ-: «يُبعَث كل عبد على ما مات عليه». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٠٦] (٢٨٧٩) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد اللَّه المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة ثبتٌ، من كبار [٧] (١٥٩) على الصحيح، وقيل: سنة ستين ومائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب. ٥ - (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٢/ ٩٤٥. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄-، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر -﵄- تقدّم القول فيه قريبًا شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا)؛ أي: عقوبةً لهم، (أَصَابَ) ذلك (الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) كلمة»مَنْ«من صيغ العموم؛ يعني: يصيب الصالحين منهم أيضًا، (ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ»)؛ أي: لكنهم يبعثون يوم القيامة على حسب أعمالهم، فيثاب الصالح بذلك؛ لأنه كان تمحيصًا له، ويعاقَب غيره، قاله في «العمدة» . وقال المناويّ -﵀-: قوله: «إذا أراد اللَّه بقوم عذابًا»؛ أي: عقوبة في الدنيا؛ كقحط، وفناء، وجَور، «أصاب»؛ أي: أوقع العذاب بسرعة وقوّة، «من كان فيهم، ثم بُعثوا» بعد الممات عند النفخة الثانية، «على أعمالهم»؛ ليجازوا عليها، فمن كانت أعماله صالحة أُثيب عليها، أو سيئة جوزي بها، فيجازون في الآخرة بأعمالهم ونياتهم، وأما ما أصابهم في الدنيا عند ظهور المنكر، فتطهير للمؤمنين ممن لم ينكِر، وداهن مع القدرة، ونقمة لغيرهم، وقضية ما تقرّر أن العذاب لا يعم من أنكر، ويؤيده آية: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، لكن ظاهر: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وخبر: «أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم إذا كثر الخبث» العموم. انتهى . وقال ابن الجوزيّ -﵀-: قد يُستشكل هذا، فيقال: كيف يصيب العذاب من لم يفعل أفعالهم، والجواب من وجهين: أحدهما: أن يكون فيهم راضيًا بأفعالهم، أو غير منكِر لها، فيعذَّب برضاه المعصية، وسكوته عن الإنكار، فإن الصالحين من بني إسرائيل لمّا أنكروا على المفسدين، ثم واكلوهم، وصافَوْهم عمّ العذاب الكل. والثاني: أن يكون إصابةُ العذاب لهم، لا على وجه التعذيب، ولكن يكون إماتة لهم عند انتهاء آجالهم، كما هلكت البهائم والمواشي في الطوفان بآجالها، لا بالتعذيب. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «إذا أنزل اللَّه بقوم عذابًا»؛ أي: عقوبةً لهم على سيئ أعمالهم، وقوله: «أصاب العذاب من كان فيهم»، في رواية أبي النعمان، عن ابن المبارك: «أصاب به من بين أظهرهم»، أخرجه الإسماعيليّ، والمراد: من كان فيهم، ممن ليس هو على رأيهم. وقوله: «ثم بُعثوا على أعمالهم»؛ أي: بُعث كلُّ واحد منهم على حسب عمله، إن كان صالحًا فعقباه صالحة، وإلا فسيئة، فيكون ذلك العذاب طهرة للصالحين، ونقمة على الفاسقين. وفي صحيح ابن حبان، عن عائشة، مرفوعًا: «إن اللَّه إذا أنزل سطوته بأهل نقمته، وفيهم الصالحون، قُبضوا معهم، ثم بُعثوا على نياتهم، وأعمالهم»، وأخرجه البيهقيّ في «الشعب»، وله من طريق الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، عنها، مرفوعًا: «إذا ظهر السوء في الأرض، أنزل اللَّه بأسه فيهم»، قيل: يا رسول اللَّه، وفيهم أهل طاعته؟ قال: «نعم، ثم يُبعثون إلى رحمة اللَّه تعالى». قال ابن بطال -﵀-: هذا الحديث يبيّن حديث زينب بنت جحش -﵂- حيث قالت: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث»، فيكون إهلاك الجميع عند ظهور المنكر، والإعلان بالمعاصي. قال الحافظ: الذي يناسب كلامه الأخير حديث أبي بكر الصديق -﵁- سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر، فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم اللَّه بعقاب»، أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان. وأما حديث ابن عمر في الباب، وحديث زينب بنت جحش فمتناسبان، وقد أخرجه مسلم عقبه، ويجمعهما أن الهلاك يعم الطائع مع العاصي، وزاد حديث ابن عمر أن الطائع عند البعث يجازى بعمله، ومثله حديث عائشة مرفوعًا: «العجب أن ناسًا من أمتي يؤمّون هذا البيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم، فقلنا: يا رسول اللَّه إن الطريق قد تجمع الناس؟ قال: نعم، فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم اللَّه على نياتهم»، أخرجه مسلم. وله من حديث أم سلمة -﵂- نحوه، ولفظه: «فقلت: يا رسول اللَّه، فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: يُخسف به معهم، ولكنه يُبعث يوم القيامة على نيته». وله من حديث جابر -﵁- رفعه: «يُبعث كل عبد على ما مات عليه». وقال الداوديّ: معنى حديث ابن عمر: أن الأمم التي تعذَّب على الكفر، يكون بينهم أهل أسواقهم، ومن ليس منهم، فيصاب جميعهم بآجالهم، ثم يُبعثون على أعمالهم. ويقال: إذا أراد اللَّه عذاب أمة أعقم نساءهم خمس عشرة سنة قبل أن يصابوا؛ لئلا يصاب الولدان الذين لم يَجْر عليهم القلم. انتهى. قال الحافظ: وهذا ليس له أصل، وعموم حديث عائشة -﵂- يردّه، وقد شوهدت السفينة ملأى من الرجال والنساء والأطفال، تغرق، فيهلكون جميعًا، ومثله الدار الكبيرة تُحرق، والرفقة الكثيرة تخرج عليها قطاع الطريق، فيهلكون جميعًا، أو أكثرهم، والبلد من بلاد المسلمين يهجمها الكفار، فيبذلون السيف في أهلها، وقد وقع ذلك من الخوارج قديمًا، ثم من القرامطة، ثم من الططر أخيرًا، واللَّه المستعان. قال القاضي عياض: أورد مسلم حديث جابر: «يُبعث كل عبد على ما مات عليه» عقب حديث جابر أيضًا، رفعه: «لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه» يشير إلى أنه مفسِّر له، ثم أعقبه بحديث: «ثم بُعثوا على أعمالهم» مشيرًا إلى أنه وإن كان مفسِّرًا لِمَا قبله، لكنه ليس مقصورًا عليه، بل هو عام فيه وفي غيره، ويؤيده الحديث الذي ذكره بعده: «ثم يبعثهم اللَّه على نياتهم». انتهى ملخصًا. والحاصل: أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب، أو العقاب، بل يجازى كل أحد بعمله على حسب نيته. وجنح ابن أبي جمرة إلى أن الذين يقع لهم ذلك إنما يقع بسبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقًّا، لا يرسل اللَّه عليهم العذاب، بل يدفع بهم العذاب، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]، ويدل على تعميم العذاب لمن لم يَنْه عن المنكر، وإن لم يتعاطاه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٧٢٠٦] (٢٨٧٩)، و(البخاريّ) في «الفتن» (٧١٠٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٣١٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٤٣٠)، و(تمّام الرازي) في «فوائده» (١/ ١٥٢)، و(الخطيب) في «تاريخه» (٦/ ٨٨ - ٨٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٢٠٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عموم عذاب الدنيا الصالح والطالح، وإنما يخصّ عذاب الآخرة. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة -﵀-: في الحديث مشروعية الْهَرَب من الكفار، ومن الظَّلَمة؛ لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يُعِنْهم، ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان، أو رضي فهو منهم، ويؤيده أمْره -ﷺ- بالإسراع في الخروج من ديار ثمود، وأما بعثهم على أعمالهم فحُكم عدل؛ لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة، وأما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيرًا لِمَا قدّموه من عمل سيئ، فكان العذاب المرسَل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم، ولم يُنكِر عليهم، فكا ان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يُبعث كل منهم فيجازى بعمله. ٣ - (ومنها): أن فيه تحذيرًا، وتخويفًا عظيمًا لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضي، فكيف بمن عاون، نسأل اللَّه السلامة، قاله ابن أبي جمرة -﵀-. قال الحافظ: ومقتضى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة، وإلى ذلك جنح القرطبيّ في «التذكرة»، وما قدمناه قريبًا أشبه بظاهر الحديث، وإلى نحوه مال القاضي ابن العربيّ. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * (٥٥) - (كِتَابُ الْفِتَنِ، وأَشْرَاطِ السَّاعَةِ) «الفتن»: جمع فتنة، قال الراغب الأصفهانيّ -﵀-: أصل الفَتْن: إدخال الذهب في النار؛ لتظهر جودته من رداءته، ويُستعمل في إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب، كقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وعلى ما يحصل عند العذاب، كقوله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [لتوبة: ٤٩]، وعلى الاختبار، كقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، وفيما يُدفع إليه الإنسان من شدّة، ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى، وأكثر استعمالًا، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [لإسراء: ٧٣]؛ أي: يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أُوحي إليك. وقال أيضًا: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من اللَّه، ومن العبد؛ كالبلية، والمصيبة، والقتل، والعذاب، والمعصية، وغيرها من المكروهات، فإن كانت من اللَّه فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر اللَّه فهي مذمومة، فقد ذم اللَّه الإنسان بإيقاع الفتنة، كقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]، وقوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ [الصافات: ١٦٢]، وقوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ [القلم: ٦]، وكقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال غيره: أصل الفتنة: الاختبار، ثم استُعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أُطلقت على كل مكروه، أو آيل إليه، كالكفر، والإثم، والتحريق، والفضيحة، والفجور، وغير ذلك. انتهى . و«الأشراط»: بالفتح: جمع شَرَط بفتحتين، مثلُ سبب وأسباب، وهي العلامة، ومنه أشراط الساعة؛ أي: علاماتها، والشُّرَط جمع شرْطة، مثل غُرفة وغُرَف، يُطلق على أعوان السلطان؛ لأنهم يجعلون لأنفسهم علامات يُعرفون بها. (١) - (بَابُ اقْتِرَابِ الْفِتَنِ، وَفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) «يأجوج»، و«مأجوج» بغير همز لأكثر القراء، وقرأ عاصم بالهمزة الساكنة فيهما، وهي لغة بني أسد، وقرأ العجاج وولده رؤبة: أأجوج بهمزة بدل الياء، وهما اسمان أعجميان عند الأكثر، مُنعا من الصرف للعَلَمية والعُجمة، وقيل: بل عربيان، واختُلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار، وهو التهابها، وقيل: من الأجة بالتشديد، وهي الاختلاط، أو شدة الحر، وقيل: من الأج وهو سرعة العَدْو، وقيل: من الأُجاج، وهو الماء الشديد الملوحة، ووزنهما يفعول، ومفعول، وهو ظاهر قراءة عاصم، وكذا الباقين إن كانت الألف مسهّلة من الهمزة، فقيل: فاعول، من يج مج، وقيل: ماجوج من ماج، إذا اضطرب، ووزنه أيضًا مفعول، قاله أبو حاتم، قال: والأصل: موجوج، وجميع ما ذُكر من الاشتقاق مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق، وقول من جعله من ماج إذا اضطرب، قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وذلك حين يخرجون من السدّ . وقال في «الفتح»: إنهم قبيلتان من بني آدم، ثم بني يافث بن نوح، وبه جزم وهب وغيره، وقيل: إنهم من التُّرك، قاله الضحاك، وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الديلم، وعن كعب: هم من ولد آدم من غير حواء، وذلك أن آدم نام، فاحتلم، فامتزجت نطفته بالتراب، فخُلق منها يأجوج ومأجوج، ورُدّ بأن النبي لا يحتلم، وأجيب عنه بأن المنفيّ أن يرى في المنام أنه يجامع، فيحتمل أن يكون دَفَق الماء فقط، وهو جائز، كما يجوز أن يبول، والأول المعتمَد، وإلا فأين كانوا حين الطوفان؟ قال: وجاء في صفتهم ما أخرجه ابن عديّ وابن أبي حاتم، والطبرانيّ في «الأوسط» وابن مردويه، من حديث حذيفة -﵁-، رفعه: «قال: يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذَكَر من صُلبه، كلهم قد حمل السلاح»، وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، والعطار ضعيف جدًّا، ومحمد بن إسحاق قال ابن عديّ: ليس هو صاحب المغازي، بل هو العكاشيّ، قال: والحديث موضوع، وقال ابن أبي حاتم: منكر. قال الحافظ: لكن لبعضه شاهد صحيح، أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود، رفعه: «إن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لِصُلبه ألفًا من الذرية»، وللنسائيّ من رواية عمرو بن أوس، عن أبيه، رفعه: «إن يأجوج ومأجوج يجامِعون ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، وأخرج الحاكم، وابن مردويه، من طريق عبد اللَّه بن عمرو: «إن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، ووراءهم ثلاث أمم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن سلام مثله، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد اللَّه بن عمرو: «قال: الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس»، ومن طريق شُريح بن عُبيد، عن كعب: قال: هم ثلاثة أصناف: صنف أجسادهم كالأَرْز، بفتح الهمزة، وسكون الراء، ثم زاي، هو شجر كبار جدًّا، وصنف = في «التيجان» أن أمة منهم آمنوا باللَّه، فتركهم ذو القرنين لمّا بنى السدّ بأرمينية، فسُمُّوا التُّرك لذلك. انتهى.
مصادر المؤلف (٩)

١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٣٦٦.

٢. «عمدة القاري»٢٤/ ٢٠٧.

٣. «فيض القدير» ١/ ٢٦٥.

٤. «كشف المشكل من حديث الصحيحين» ص ٦٢٧.

٥. «الفتح» ١٦/ ٥٢٤ - ٥٢٦، «كتاب الفتن» رقم (٧١٠٨).

٦. «الفتح» ١٦/ ٥٢٦.

٧. «الفتح» ١٦/ ٤٣٢ رقم (٤٠٤٨).

٨. «الفتح» ١٦/ ٥٩٩ «كتاب الفتن» رقم (٧١٣٥).

٩. وقال في «الفتح» في «كتاب الأنبياء» ٧/ ٦٣٩: ويأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح، روى ابن مردويه، والحاكم، من حديث حذيفة مرفوعًا: «يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف رجل، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صُلبه، كلهم قد حَمَل السلاح، لا يمرّون على شيء إذا خرجوا إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم»، قال: وقد أشار النوويّ وغيره إلى حكاية من زعم أن آدم نام، فاحتلم، فاختلط منيّه بتراب، فتولّد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله، وهو قول منكَر جدًّا، لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب، وذكر ابن هشام =