وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٦٤] (٢٩٠٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا، وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئًا»).
رجال هل الإسناد: خمسةٌ
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد اللَّه بن عبدٍ القاريّ -بتشديد التحتانية- المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (١٨١) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ)؛ أي: القحط الشديد، قال في»النهاية«: السنة: الجدب، وهي من الأسماء الغالبة، ويقال: أسنتوا: إذا أجدبوا، قلبوا لامها تاء. (بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا)؛ أي: بأن لا ينزل عليكم المطر، (وَلَكِنِ) بالتخفيف، (السَّنَةُ)؛ أي: القحط والجدب (أَنْ تُمْطَرُوا، وَتُمْطَرُوا) بالبناء للمفعول، وكرّره للتأكيد والتكثير، (وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئًا») قال القاضي: المعنى: أن القحط الشديد ليس بأن لا تمطروا، بل بأن تمطروا، ولا تنبت الأرض شيئًا، وذلك لأنَّ حصول الشدّة بعد توقّع الرخاء، وظهور مخائله، وأسبابه أفظع مما إذا كان اليأس حاصلًا من أول الأمر، والنفس مترقّبة لحدوثها. انتهى.
قال الشاعر [من الطويل]:
أَظَلَّتْ عَلَيْنَا مِنْ نَدَاكَ غَمَامَةٌ … أَضَاءَ لَنَا بَرْقٌ وَأَبْطَا رَشَاشُهَا
فَلَا غَيْمُهَا يَجْلُو فَيَيْأَسَ طَامِعٌ … وَلَا غَيْثُهَا يَهْمِي فَيَرْوِي عِطَاشُهَا
وقال القرطبيّ -﵀-: أراد النبيّ -ﷺ- بقوله: «ليست السَّنَة ألا تُمطروا»: أن
الأحق باسم السَّنَة والجدب أن يتوالى المطر، حتى تغرق الأرض، ويفسد ما عليها بكثرته، وتواليه، وإنما كان هذا أحقّ بالاسم؛ لأنه أمنع من التصرف، وأضيق للحال، وأعدم للقوت، وأسرع في الهلاك، وأسلوب هذا الحديث كأسلوب قوله -ﷺ-: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»، وقوله: «ليس المسكين بالطوّاف عليكم»، إلى غير ذلك مما في بابه. انتهى.
وفي رواية حماد بن سلمة عند أحمد: «إن السَّنَة ليس بأن لا يكون فيها مطر. . .»، المراد بالسنة: القحط، ومنه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٠]، وليس المراد نفي كونه سنة من حيث اللغة، ولكن المراد أن عدم إنبات الأرض بسبب عدم المطر قحط عاديّ، لا عجب فيه، وإنما العجب من قحط ينشأ من عدم إنبات الأرض بالرغم من كون السماء تمطر وتمطر، وفيه إشارة إلى أن مثل ذلك سيقع بقرب من القيامة، قاله صاحب «التكملة» .
قال الجامع عفا اللَّه عنه: مناسبة إيراد المصنّف -﵀- لهذا الحديث هنا بين علامات الساعة إشارة إلى أن عدم إنبات الأرض مع وجود المطر من الفتن التي تكون عند قرب الساعة، واللَّه تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٧٢٦٤] (٢٩٠٤)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٤٢ و٣٥٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩٩٥)، و(الدانيّ) في «السنن الواردة في الفتن» (٣/ ٦٨٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣٦٣)، واللَّه تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.