(١٧) - (بَابٌ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ دَوْسٌ ذَا الْخَلَصَةِ)
أما دوس فهو: ابن عُدْثان -بضم العين المهملة، وبعد الدال الساكنة مثلثة- ابن عبد اللَّه بن زهران بن كعب بن الحارث بن نصر بن الأزد، بطن كبير من الأزد، يُنسب إليهم خلق كثير، قاله في «اللباب» .
وأما ذو الخلصة -فبفتح الخاء المعجمة، واللام، بعدها صاد مهملة- وحَكَى ابن دُريد فتح أوله، وإسكان ثانيه، وحَكَى ابن هشام ضمها، وقيل: بفتح أوله وضم ثانيه، والأول أشهر، والخلصة نبات له حَبّ أحمر، كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت: الخلصة، واسم الصنم: ذو الخلصة، وحَكَى المبرِّد أن موضع ذي الخلصة صار مسجدًا جامعًا لبلدة يقال لها: العَبَلات، من أرض خثعم، ووَهِم من قال: إنه كان في بلاد فارس، قاله في «الفتح» .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٢٧١] (٢٩٠٦) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ»، وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام، أبو بكر الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أو أبو عروة اليمنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁-.
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) وفي رواية الإسماعيليّ: «حدَّثَنِي الزهريّ»، (عَن) سعيد (بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (حَتَّى تَضْطَرِبَ)؛ أي: يضرب بعضها بعضًا، (أَلَيَاتُ) بفتح الهمزة، واللام: جمع أَلْية بالفتح أيضًا، مثل جَفْنة وجَفَنات، والألية: العجيزة، وجمعها أعجاز، و»ألياتُ«مضاف إلى (نِسَاءِ دَوْسِ) بفتح الدال، وإسكان الواو، آخره سين مهملة، القبيلة المشهورة، وهي قبيلة أَبي هريرة -﵁-، (حَوْلَ ذِي الْخَلَصةِ») وفي رواية البخاريّ: «على ذي الخلصة»، (وَكَانَتْ)؛ أي: ذو الخلصة، أنثها لاكتسابها التأنيث من المضاف إليه، (صَنَمًا) الصَّنَمُ -بفتحتين-: يقال: هو الوَثَن المتخذ من الحجارة، أو الخشب، ويُروَى عن ابن عباس، ويقال: الصَّنَمُ: المتخذ من الجواهر المعدنية، التي تذوب، والوَثَنُ: هو المتخذ من حجر، أو خشب، وقال ابن فارس: الصَّنَمُ: ما يُتخذ من خشب، أو نحاس، أو فضة، والجمع: أَصْنَامٌ. انتهى .
(تَعْبُدُهَما) تقدّم وجه تأنيثها، (دَوْسٌ) القبيلة المذكورة، (فِي الْجَاهِلِيَّةِ)؛ أي: في الأيام التي كانت قبل الإسلام، وأما بعد الإسلام فقد هدمها جرير بن عبد اللَّه البجليّ -﵁-، فقد أخرج الشيخان عن جرير -﵁- قال لي النبيّ -ﷺ-: «ألا تُريحني من ذي الخلصة»، وكان بيتًا في خثعم، يسمى الكعبة اليمانية، فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، حتى رأيت أثر أصابعه في صدري، وقال: «اللَّهُمَّ ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا»، فانطلق إليها، فكسرها، وحرّقها، ثم
بعث إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال رسول جرير: والذي بعثك بالحقّ ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبارك في خيل أحمس، ورجالها خمس مرات.
وفي رواية للبخاريّ: «وذو الخلصة طاغيةُ دوس التي كانوا يعبدون».
وقوله: (بِتَبَالَةَ) -بفتح المثناة، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف لام، ثم هاء تأنيث- قرية بين الطائف واليمن، بينهما ستة أيام، وهي التي يُضرب بها المثل، فيقال: أهون من تبالة على الحجاج -﵀-، وذلك أنها أول شيء وَلِيَهُ، فلما قَرب منها سأل من معه عنها، فقال: هي وراء تلك الأكمة، فرجع، فقال: لا خير في بلد يسترها أكمة، وكلام صاحب «المطالع» يقتضي أنهما موضعان، وأن المراد في الحديث غير تبالة الحجاج، وكلام ياقوت يقتضي أنها هي، ولذلك لم يذكرها في المشترك، وعند ابن حبان من هذا الوجه، قال معمر: إن عليه الآن بيتًا مبنيًا مغلقًا.
وقال ابن التين: فيه الإخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان إلى الصنم المذكور، فهو المراد باضطراب ألياتهن.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أنهنّ يتزاحمن بحيث تضرب عجيزة بعضهنّ الأخرى، عند الطواف حول الصنم المذكور.
وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم، عن عبد اللَّه بن عمر قال: «لا تقوم الساعة حتى تَدافَع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة»، وابن عديّ من رواية أبي معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة، رفعه: «لا تقوم الساعة حتى تُعبد اللات والعزى».
قال ابن بطال: هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض، حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف، ويعود غريبًا كما بدأ، ثم ذكر حديث: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق. . .» الحديث، قال: فتبيّن في هذا الحديث تخصيص الأخبار الأخرى، وأن الطائفة التي تبقى على الحقّ تكون ببيت المقدس، إلى أن تقوم الساعة، قال: فبهذا تأتلف الأخبار.
وتعقّبه الحافظ، قائلًا: ليس فيما احتَجّ به تصريح إلى بقاء أولئك إلى
قيام الساعة، وإنما فيه حتى يأتي أمر اللَّه، فيَحْتَمِل أن يكون المراد بأمر اللَّه ما ذُكر من قبض من بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين بكونهم ببيت المقدس أن آخرهم من كان مع عيسى -﵇-، ثم إذا بعث اللَّه الريح الطيبة، فقبضت روح كل مؤمن، لم يبق إلا شرار الناس.
وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود -﵁-، رفعه: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس»، وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد.
وفي مرسل أبي العالية: «الآيات كلُّها في ستة أشهر».
وعن أبي هريرة: «في ثمانية أشهر».
وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة من حديث عائشة ما يشير إلى بيان الزمان الذي لم يقع فيه ذلك، ولفظه: «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات، والعزى -وفيه- يبعث اللَّه ريحًا طيبة، فَتَوفَّى كلَّ من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم».
وعنده في حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-، رفعه: «يخرج الدجال في أمتي. . . الحديث -وفيه- فيبعث اللَّه عيسى ابن مريم، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل اللَّه ريحًا باردةً من قِبَل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من خير، أو إيمان إلا قبضته -وفيه- فيبقى شرار الناس في خِفّة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم يُنفخ في الصُّور».
فظهر بذلك أن المراد «بأمر اللَّه» في حديث: «لا تزال طائفة»: وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلف عنها إلا شيئًا يسيرًا.
ويؤيده حديث عمران بن حصين -﵄-، رفعه: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحقّ، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال»، أخرجه أبو داود، والحاكم.
قال: ويؤخذ منه صحة ما تأولته، فإن الذين يقاتلون الدجال يكونون بعد قتله مع عيسى -﵇-، ثم تُرسل عليهم الريح الطيبة، فلا يبقى بعدهم إلا الشرار، كما تقدم.
قال: ووجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر، ومحمد بن مسلمة، فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شِماسة، أن عبد اللَّه بن عمرو قال: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شرّ من أهل الجاهلية» فقال عقبة بن عامر: عبدُ اللَّه أعلم ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر اللَّه، ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم»، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك«، فقال عبد اللَّه: أَجَلْ، ويبعث اللَّه ريحًا ريحها ريح المسك، ومسّها مسّ الحرير، فلا تترك أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان، إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة».
فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة: «حتى تأتيهم الساعة» ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره الحافظ -﵀- تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
خلاصته: أنه لا تنافي بين قوله -ﷺ-: «حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك»، وبين قصّة الريح الليّنة، فإن تلك الريح هي الساعة في حقّهم، فهم يقومون على القتال في سبيل اللَّه إلى أن تهبّ تلك الريح، فتقبض أرواح جميعهم، فعند ذلك يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فلا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، وهذا فضل اللَّه تعالى عظيم، حيث لا يرى المؤمن أهوال قيام الساعة، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٧٢٧١] (٢٩٠٦)، و(البخاريّ) في «الفتن» (٧١١٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٧٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٧١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٤٩)، و(ابن أبي عاصم) في «السنّة» (٧٧ و٧٨)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٤/ ١٦٦)، و(الدانيّ) في «السنن