HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٠٧

حدثنا أبو كامل الجحدري وأبو معن، زيد بن يزيد الرقاشي (واللفظ لأبي معن). قالا: حدثنا خالد بن الحارث. حدثنا عبد الحميد بن جعفر عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [٩ /التوبة] و[٦١ /الصف] أن ذلك تاما قال «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله. ثم يبعث الله ريحا طيبة. فتوفى كل من فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ. فيبقى من لا خير فيه. فيرجعون إلى دين آبائهم».
ج ٤ ص ٢٢٣٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٣٨٤
الواردة في الفتن«(٤/ ٨٢٩)، و(نعيم بن حمّاد) في»الفتن«(٢/ ٦٠٠)، و(البغويّ) في»شرح السُّنَّة« (٤٢٨٥)، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٧٢] (٢٩٠٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَبُو مَعْنٍ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ الرَّقاشِيُّ -وَاللَّفْظُ لأَبِي مَعْنٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْد الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا، قَالَ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ) بن جارية -بالجيم- الثقفيّ، ويقال له: سُويد، ثقةٌ [٦] (م س) تقدم في «الحدود» ١٢/ ٤٤٦٥. والباقون تقدّموا قريبًا، و«أبو كامل» هو: فضيل بن حسين، و«خالد بن الحارث» هو: الهُجيميّ، و«أبو سلمة» هو: ابن عبد الرحمن بن عوف. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا) نافيةٌ، ولذا رُفع الفعل بعدها، (يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)؛ أي: لا تنتهي الدنيا (حَتَّى تُعْبَدَ) بالبناء للمفعول، (اللَّاتُ وَالْعُزَّى») اسما صنمين، قال الواحديّ وغيره: وكانوا ويشتقون لها أسماء من أسماء اللَّه تعالى، فقالوا من اللَّه: اللات، ومن العزيز العزّي، وهي تأنيث الأعزّ بمعنى العزيزة، ومناة من مَنَى اللَّه الشيءَ: إذا قدّره. قرأ الجمهور: ﴿اللَّاتَ﴾ [النجم: ١٩] بتخفيف التاء، فقيل: هو مأخوذ من اسم اللَّه سبحانه كما تقدّم، وقيل: أصله: لات يليت، فالتاء أصلية، وقيل: هي زائدة، وأصله لوى يلوي؛ لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها، أو يلتّون عليها، ويطوفون بها. واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء، أو بالهاء؟ فوقف عليها الجمهور بالتاء، ووقف عليها الكسائي بالهاء، واختار الزجاج، والفراء الوقف بالتاء؛ لاتباع رسم المصحف، فإنها تُكتب بالتاء، وقرأ ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، ومنصور بن المعتمر، وأبو الجوزاء، وأبو صالح، وحميد: ﴿اللَّاتَ﴾ بتشديد التاء، ورُويت هذه القراءة عن ابن كثير، فقيل: هو اسم رجل كان يلتّ السويق، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل. قال مجاهد: كان رجلًا في رأس جبل يتخذ من لبنها وسمنها حَيْسًا، ويُطعم الحاج، وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه. وقال الكلبي: كان رجلًا من ثقيف له صِرْمة غنم، وقيل: إنه عامر بن الظرب العدواني، وكان هذا الصنم لثقيف، وفيه يقول الشاعر: لا تنْصُروا اللاتَ إنَّ اللَّهَ مُهْلِكُها … وَكَيْفَ يَنْصُرُكُمْ مَنْ لَيْسَ يَنْتَصِرُ قال في «الصحاح»: و﴿اللَّاتَ﴾ اسم صنم لثقيف، وكان بالطائف، وبعض العرب يقف عليها بالتاء، وبعضهم بالهاء. ﴿وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]: صنم قريش، وبني كنانة. قال مجاهد: هي شجرة كانت بغطفان، وكانوا يعبدونها، فبعث إليها النبيّ -ﷺ- خالد بن الوليد، فقطعها، وقيل: كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة. وقال سعيد بن جبير: العزى: حجر أبيض كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هي بيت كان ببطن نخلة. ﴿وَمَنَاةَ﴾ [النجم: ٢٠]: صنم بني هلال. وقال ابن هشام: صنم هذيل وخزاعة. وقال قتادة: كانت للأنصار. انتهى . قال عائشة -﵂-: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ) «إن» مخفّفة من الثقيلة، ولذا وقعت بعدها اللام لعدم عملها، كما قال في «الخلاصة»: وَخُفِّفَتْ «إِنَّ» فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ (لأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ) -﷾- قوله: (﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾). قال أبو جعفر الطبريّ -﵀-: يقول تعالى ذكره: اللَّه الذي يأبى إلا إتمام دينه، ولو كره ذلك جاحدوه، ومنكروه، (الذي أرسل رسوله)، محمدًا -ﷺ- (بالهدى)؛ يعني: ببيان فرائض اللَّه على خلقه، وجميع اللازم لهم (و) بـ (دين الحق) وهو الإسلام، (ليظهره على الدين كله)، يقول: ليُعلي الإسلام على الملل كلها، (ولو كره المشركون)، باللَّه ظهورَه عليها. ثم ذكر اختلاف أهل التأويل في معنى قوله: (ليظهره على الدين كله) فقال بعضهم: ذلك عند خروج عيسى -﵇-، حين تصير المللُ كلُّها واحدةً، وقال آخرون: معنى ذلك: ليعلمه شرائعَ الدين كلها، فيطلعه عليها، فعن ابن عباس -﵄- قوله: (ليظهره على الدين كله)، قال: ليُظهر اللَّه نبيّه -ﷺ- على أمر الدين كله، فيعطيه إيّاه كله، ولا يخفى عليه منه شيء، وكان المشركون واليهود يكرهون ذلك. انتهى . (أَنَّ ذَلِكَ) المذكور في الآية من ظهور الإسلام على الأديان كلها يكون (تَامًّا) مستمرًّا إلى يوم القيامة، تعني أنها فَهِمت من هذه الآية الكريمة أن المسلمين لن يُغلبوا أبدًا، ولن يعود الكفر بعدما أظهر اللَّه تعالى الإسلام على جميع الأديان، فـ (قَالَ) رسول اللَّه -ﷺ-: («إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الحال والشأن، (سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ) الذي فهمته، من ظهور الإسلام على الأديان كلها (مَا شَاءَ اللَّهُ) كونه. حاصل الجواب: أن ما دلّت عليه الآية من ظهور الإسلام على الدين كلّه ليس قضيّة دائمة مستمرّة إلى يوم القيامة، بل هي مغيّبات بما بيّنه بقوله: (ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ) -﷾- (رِيحًا طَيِّبَةً) في رائحتها، ليّنة في هبوبها، (فَتَوَفَّى) أصله فتتوفَّى، فحُذفت منه إحدى التاءين؛ تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، كما قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ «تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» وقوله: (كُلَّ مَنْ) بالنصب على المفعوليّة، (فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)؛ أي: فيموت بسببها كل مؤمن، (فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ) من الكفرة، والمنافقين، (فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ»)؛ أي: وهو عبادة الأصنام، كما قال في أول الحديث:«لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللاتُ والعزى»، واللَّه تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٧٢٧٢ و٧٢٧٣] (٢٩٠٧)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٤٥٦٤)، و(الحاكم) في«المستدرك»(٧/ ١٣٤)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٩/ ١٨١)، و(الدانيّ) في«السنن الواردة في الفتن»(٤/ ٨٣٠)، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٧٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ -وَهُوَ الْحَنَفِيُّ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عُبيد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في«الصلاة»٤٩/ ١١٣٦. والباقيان ذُكرا في الباب، والباب الماضى. [تنبيه]: رواية أبي بكر الحنفيّ عن عبد الحميد بن جعفر هذه ساقها أبو يعلى -﵀- في«مسنده»، فقال: (٤٥٦٤) - حدّثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدّثنا أبو بكر الحنفيّ، حدّثني عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«لن يذهب الليل والنهار حتى يُعبد اللاتُ والعزى»قالت: قلت: يا رسول اللَّه، فقد كنتُ أظن حين قال اللَّه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣] وأن ذلك تامًّا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-:«سيكون من ذلك ما شاء اللَّه، ثم يبعث اللَّه ريحًا طيبةً، فتَقبِض روح من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، ويبقى الآخرون، فيرجعون إلى دين آبائهم». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ بَيَانِ أُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٧٤] (١٥٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُل بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وقد دخلا المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه أحد ما قيل: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، وفيه أبو هريرة -﵁- أكثر من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا) نافية، (تَقُومُ السَّاعَةُ)؛ أي: القيامة، (حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ) المراد بهما الجنس، فهما في قوة النكرة، ويمكن أن يراد بهما الاستغراق، فكل فرد في هذا الاستحقاق. (فَيَقُولُ: يَما لَيْتَنِي مَكَانَهُ»)؛ أي: ميتًا، وفي الرواية التالية: «وليس به الدّين» بكسر الدال «إلا البلاء»؛ أي: الحامل له على التمني ليس الدِّين، بل البلاء، وكثرة المحن، والفتن، وسائر الضراء. وقال في «الفتح»: قوله: «فيقول: يا ليتني مكانه»؛ أي: كنتُ ميتًا، قال ابن بطال: تَغَبُّط أهل القبور، وتمنّي الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدِّين بغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر. انتهى. قال الحافظ: وليس هذا عامًّا في حق كل أحد، وإنما هو خاصّ بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لِمَا يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه، أو أهله، أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم، عن أبي هريرة، عند مسلم: «لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين، إلا البلاء». وذِكر الرجل فيه للغالب، وإلا فالمرأة يُتصور فيها ذلك، والسبب في ذلك ما ذُكر في رواية أبي حازم أنه يقع البلاء، والشدة، حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وبهذا جزم القرطبيّ، وذكره عياض احتمالًا، وأغرب بعض شرّاح «المصابيح»، فقال: المراد بالدِّين هنا العادة، والمعنى أنه يتمرغ على القبر، ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرّغ فيها من عادته، وإنما الحامل عليه البلاء. وتعقبه الطيبيّ بأن حمل الدِّين على حقيقته أَولى؛ أي: ليس التمني والتمرغ لأمر مر أصابه من جهة الدِّين، بل من جهة الدنيا. وقال ابن عبد البرّ: ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون؛ لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدِّين، أو ضعفه، أو خوف ذهابه، لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال. قال الحافظ: وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدِّين فلا. وقد ذكره عياض احتمالًا أيضًا، وقال غيره: ليس بين هذا الخبر وحديث، النهي عن تمني الموت معارضةٌ؛ لأن النهي صريح، وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل، ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإخبار عما سيقع. قال الحافظ: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: «وليس به الدِّين، إنما هو البلاء»، فإنه سيق مساق الذمّ والانكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسب الدِّين، لكان محمودًا. ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدِّين عن جماعة من السلف، قال النوويّ: لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن الخطاب، وعيس الغفاريّ، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. ثم قال القرطبيّ: كأن في الحديث إشارةً إلى أن الفتن والمشقة المبالغة ستقع حتى يخفّ أمر الدِّين، ويقل الاعتناء بأمره، ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه، ومعاش نفسه، وما يتعلق به، ومن ثَمَّ عَظُم قدر العبادة أيام الفتنة، كما أخرج مسلم من حديث مَعْقِل بن يسار، رفعه: «العبادة في الْهَرْج، كهجرة إليّ». ويؤخذ من قوله: «حتى يمر الرجل بقبر الرجل» أن التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر، وليس ذلك مرادًا، بل فيه إشارة إلى قوّة هذا التمني؛ لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده، قد يذهب ذلك التمني، أو يخفّ، عند مشاهدة القبر، والمقبور، فيتذكر هول المقام، فيضعف تمنّيه، فإذا تمادى على ذلك دلّ على تأكد أمر تلك الشدة عنده، حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر، وتذكّر ما فيه من الأهوال عن استمراره على تمني الموت. وقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة قال: «عُدت أبا هريرة، فقلت: اللَّهُمَّ اشف أبا هريرة، فقال: اللَّهُمَّ لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فَمُت، والذي نفسي بيده ليأتينّ على العلماء زمانٌ الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدهم قبر أخيه، فيقول: ليتني مكانه». وفي «كتاب الفتن» من رواية عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ قال: «يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة، فيراها الرجل، فيهز رأسه، فيقول: يا ليتني مكان هذا، قلت: يا أبا ذرّ: إن ذلك لمن أمر عظيم، قال: أَجَلْ» ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٧٢٧٤ و٧٢٧٥] (١٥٧)، و(البخاريّ) في «الفتن» (٧١١٥ و٧١٢١)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٤١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ٣٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٦ و٥٣٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٠٧)، و(الدانيّ) في «السنن الواردة في الفتن» (٢/ ٤٥٣ و٤٥٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من أشراط الساعة التي لا بدّ من وقوعها مرور الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وهذا إن لم يكن قد وقع فهو واقع لا محالة، وليس يلزم أن يكون في كل البلدان، ولا في كل الأزمنة، ولا لجميع الناس، بل يصدق هذا بأن يتفق لبعضهم في بعض الأقطار، وقد ذكر ابن عبد البرّ، والقاضي عياض أن ذلك قد وقع. ٢ - (ومنها): أنه يَحْتَمِل أن يكون سبب هذا التمني ما يُرى من البلاء، والمحن، والشدائد، والفتن، فيَرى الموت الذي هو أعظم المصائب أهون مما هو فيه، فيتمنى المصيبة الهيّنة في اعتقاده، ويَحْتَمِل أن يكون سببه ما يرى من تغيير الشريعة، وتبديل الدين، فيتمنى الموت لسلامة دينه، وقد ذكر الاحتمالين القاضي عياض، والثاني منهما مردود؛ لقوله في الرواية الأخرى: «وليس به الدِّين إلا البلاء»؛ أي: لا يحمله على ذلك أمر الدين، وإنما يحمله عليه البلاء، وقد جزم ابن عبد البر بهذا الاحتمال المردود، فقال: ظن بعض الناس أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت، وقال: في هذا إباحة تمنيه، وليس كما ظن، وإنما هذا خبر أن ذلك سيكون؛ لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين، وضعفه، وخوف ذهابه، لا لضرر ينزل بالمؤمن في جسمه. انتهى. قال وليّ الدين: وقد عرفت أن رواية مسلم من طريق أبي حازم تردّه. [فإن قلت]: إذا لم يكن كذلك فما الجمع بينه وبين النهي عن تمني الموت؟ [قلت]: لا معارضة بينهما حتى يحتاج إلى الجمع؛ لأن هذا الحديث إخبار عن شدةٍ تحصل، ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه الحكم على هذا التمني بشيء، لا بتحريم، ولا كراهة، ولا إباحة، فالحديث إنما سيق للإخبار عما سيقع، وأما حكم التمني فمأخوذ من حديث آخر، وجزم أبو العباس القرطبيّ بالاحتمال الأول الراجح، ثم قال: وكأن هذا إشارة إلى أن أكثر الفتن والمشقات والأنكَاد قد أذهبت الدِّين من أكثر الناس، أو قلَّلت الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن، ولذلك عَظُم قَدْر العبادة في حالة الفتن، حتى قال: «العبادة في الهرْج كهجرة إليّ». انتهى . ٣ - (ومنها): أن قوله: «حتى يمر الرجل بقبر الرجل» الظاهر أن ذكر الرجل في الموضعين خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، فالمرأة في ذلك كالرجل، ويَحْتَمِل أنه إنما يحصل هذا التمني للرجال خاصة، فإنهم الذين يُبْتَلون بالشدائد، والمحن، ويظهر فيهم ثمرة الفتن، بخلاف النساء، فإنهن محجوبات في الأغلب، لا يَصْلَين نار الفتن، قال الشاعر: كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا … وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ ٤ - (ومنها): أنه قد يُفْهَم من الحديث أن هذا التمني لا يَعرِض للإنسان إلا عند رؤية القبر، وذلك قد يدلّ على خفة هذا التمني، وعدم تأكده، فلو تأكد لاستحضره من غير رؤية القبر. ويَحْتَمِل أن يقال: هذا أبلغ؛ لأن الإنسان قد يتمنى الموت من غير استحضار لهيئته وصورته، فإذا استحضره وتصوّره، وشاهد الموتي، ورأى القبور نفر من هذا الأمر، وأحب الحياة، ولم يعد يتمنى الموت، ولمّا كان الرجل مستمرًّا على تمني الموت مع ذلك، دل على تأكد هذا الأمر، وقوته عنده، إذ لم يصرفه عنه ما شاهد من وحشة القبور، وفي تلك الرواية التي عند مسلم مبالغة في ذلك الأمر، وهو أنه يتمرغ على القبر، وذلك يدل على تأكد تمنّيه، وشدة تعلقه به، واللَّه أعلم . وبالمسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبَانَ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ، فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَني كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ، إِلَّا الْبَلَاءُ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ) هو: محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجليّ، أبو هشام الكوفيّ، قاضي المدائن، ليس بالقويّ، من صغار [١٠] وذكره ابن عديّ في شيوخ البخاريّ، وجزم الخطيب بأن البخاريّ روى عنه، لكن قد قال البخاريّ: رأيتهم مُجْمِعين على ضَعْفه، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين (م د ق) تقدم في «الزكاة» ١٨/ ٢٣٤١. ٢ - (أَبُو إِسْمَاعِيلَ) أو أبو مُنَين -بنونين، مصغّرًا- يزيد بن كيسان
مصادر المؤلف (٨)

١. «فتح القدير» للشوكانيّ -﵀- ٧/ ٧٠ - ٧١.

٢. «تفسير الطبريّ» ١٤/ ٢١٤ - ٢١٥.

٣. «مسند أبي يعلى» ٨/ ٤٧.

٤. هذا مكرّر، هكذا جعله مكرّرًا، وهو غير صحيح، فإن الحديث الذي مضى بهذا الرقم غير هذا الحديث سندًا ومتنًا، فلتراجعه لترى الصواب، واللَّه تعالى أعلم.

٥. «الفتح» ١٦/ ٥٤٨ - ٥٤٩، «كتاب الفتن» رقم (٧١١٥).

٦. «المفهم» ٧/ ٢٤٥.

٧. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٣/ ٢٣٨ - ٢٤٠.

٨. وفي نسخة: «يا ليتني مكان».