HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٣٧

حدثنا أبو خيثمة، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حدثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ. حَدَّثَنِي يحيى بن جابر الطائي، قاضي حمص. حدثني عبد الرحمن بن جبير عن أبيه، جبير بن نفير الحضرمي؛ أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي. ح وحدثني محمد بن مهران الرازي (واللفظ له). حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن أبيه، جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدجال ذات غداة. فخفض فيه ورفع. حتى ظنناه في طائفة النخل. فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا. فقال «ما شأنكم؟» قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداة. فخفضت فيه ورفعت. حتى ظنناه في طائفة النخل. فقال «غير الدجال أخوفني عليكم. إن يخرج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم. وإن يخرج، ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه. والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط. عينه طافئة. كأني أشبهه بعبد العُزَّى بن قطن. فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف. إنه خارج خلة بين الشام والعراق. فعاث يمينا وعاث شمالا. يا عباد الله! فاثبتوا«قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال»أربعون يوما. يوم كسنة. ويوم كشهر. ويوم كجمعة. وسائر أيامه كأيامكم«قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال»لا. اقدروا له قدره«قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال»كالغيث استدبرته الريح. فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له. فيأمر السماء فتمطر. والأرض فتنبت. فتروح عليهم سارحتهم، أطول ما كانت ذرا، وأسبغه ضروعا، وأمده خواصر. ثم يأتي القوم. فيدعوهم فيردون عليه قوله. فينصرف عنهم. فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم. ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل. ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا. فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه. يضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم. فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق. بين مهرودتين. واضعا كفيه على أجنحة ملكين. إذا طأطأ رأسه قطر. وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ. فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات. ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه. فيطلبه حتى يدركه بباب لد. فيقتله. ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه. فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة. فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي، لا يدان لأحد بقتالهم. فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج. وهم من كل حدب ينسلون. فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية. فيشربون ما فيها. ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه، مرة، ماء. ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه. حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه. فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم. فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض. فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله. فيرسل الله طيرا كأعناق البخت. فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر. فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة. ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرك، وردي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة. ويستظلون بقحفها. ويبارك في الرسل. حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس. واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس. واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة. فتأخذهم تحت آباطهم. فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم. ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص196
ج ٤ ص ٢٢٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٦٠
[٩٣٩] وحديث النواس بن سمعان في صفة الدجال ، قال ابن قتيبة : الغرقد: شجر من شجر العَضَاه، والعَضَاه: كل شجر له شوك؛ مثل الطلح والسمر والسدر، وإنما قيل لمدفن أهل المدينة: بقيع الغرقد؛ لأنه كان فيه غرقد، قال ذو الرمة: أَلِفْنَ ضَالًا نَاعِمًا وغَرْقَدا وقوله: (تُنْزَعُ حُمَةُ كُلِّ دَابَّة) ، يعني: سَمَّها وضُرَّها، وقوله: (كَفَاثُورِ الفِضَّة) قيل: إنه الجَام ، قال لبيد: حَقائِبُهمْ راحٌ عَتِيقٌ ودَرْمَكٌ … ورَيْطٌ وفاثُورِيّةٌ وسَلاسِلُ قيل: الفاثورية الخِوان، وقيل: الجَامُ، والدَّرْمَك: الحوَّارِي، والسلاسل: ما يتسلسل من صفائه، أراد أن الأرض تُنَقَّى من كل دَغَل وشوك، حتى تعود إلى حالها في زمن آدم ﵇، لأنه يروى في الحديث: أن الأرض أنبتت الشوك بعد قتل ابن آدم أخاه . وروي أن النبي ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنة فقال: (دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ) ويقال: دَرْمَك أيضا، وروي: أنَّ الناس يحشرون على أرضٍ بيضاءَ كقُرصَة النَّقِي ، يريد الحوَّارِي. والقِطف [بالكسر] ، والقَطف بالفتح: مصدر قطفت، ومثل ذلك الذَّبح والذِّبح: فالذَّبح: مصدر ذبحت، والذِّبح: المذبوح، والرَّعي: مصدر رعيت، والرِّعى الكلأ، ومثل هذا كثير. وفي حديث يأجوج ومأجوج: (فَيُرسِلُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِم)؛ النَّغَف: دود يكون في أنوف الإبل، واحدتها نَغَفَة، ويقال للرجل تحتقره: إنما أنت نَغَفَة، وقوله: (فَيُصبِحُونَ فَرْسَى)؛ أي: قتلى؛ جمع فريس، بمعنى مفروس، يقال: فَرَسَ الذئب الشاة فرسا؛ أي قتلها، وأصل الفَرْس: دق العنق، وفَرَسَتْه الأُسْد من ذلك، وقوله: (حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلْفَةِ) الزلفة: مَصْنَعة الماء؛ وجمعها زَلَف، قال لبيد وذكر سانية تسقي زرعا: حَتَّى تَحَيَّرَتِ الدِّبَارُ كأَنَّهَا … زَلَفٌ وأُلْقِيَ قِتْبُها المَحْزُومُ الدِّبَار: المشارات، تحيرت من كثرة الماء حين لم يجد الماء منفذا، وألقي قِتْب الناقة عند فراغها، يعني: القَتَب، وهما لغتان قِتْب وقَتَب، وأراد أن المطر يكثر حتى تصير الأرض كأنها مصنعة من مصانع الماء، وقيل: الزَّلفة: المحارة؛ وهي الصَّدَفة، وقيل: سمي الغدير محارة؛ لأن الماء يحور إليه، ويجتمع فيه، وقوله: (يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُر) الهرج: الاختلاط، يقال: هرج الناس يهرجون هرجا: إذا اختلطوا، وهرج الفرس يَهْرِج: إذا كثر جَرْيه. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٥٥٩
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٤٣] (٢٩٣٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ؛ أَنَّهُ يسَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ، وَرَفَّعَ، حَتَّى ظننَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فِيهِ، وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقَالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ، وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ، قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكهُ مِنْكُمْ ، فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ»سُورَةِ الْكَهْفِ«، إِنَّهُ خَارجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لَبْثُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ، فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ، فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ، فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ، لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كنُوزُهَا، كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا، مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ، رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ، فَيُقْبِلُ، وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ، شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأَسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ، حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ، قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لَا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى، بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهُ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّعَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى، كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ، إِلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ، وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا، كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ، فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا، لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ، وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَفْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (خ م د س ق) تقدم في«المقدمة»٢/ ٣. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين ومائة (ع) تقدم في«الإيمان»١٠/ ١٤٨. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقةٌ [٧] مات سنة بضع وخمسين ومائة (ع) تقدم في«الإيمان»١٠/ ١٤٨. ٤ - (يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ) هو: يحيى بن جابر بن حسّان، وقال أبو بكر بن صدقة صاحب«تاريخ حمص»: هو يحيى بن جابر بن حسان بن عمرو بن ثعلبة بن عديّ بن مُلاءة بن عوف بن أسد بن ربيعة بن سعد بن خُنيس بن جَدِيلة الطائيّ، أبو عمرو الحمصيّ القاضي، ثقةٌ، أرسل كثيرًا [٦]. رَوَى عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، وصالح بن يحيى بن المقدام، ويزيد بن شُريح الحضرميّ، وأبي سَوْرة ابن أخي أبي أيوب، وغيرهم. روى عنه الزُّبيديّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وحبيب بن صالح قاضي حمص، وسليمان بن سليم، وصفوان بن عمرو، ومعاوية بن صالح، وأبو راشد التنُوخيّ. قال الغلابي عن يحيى بن معين: كان قاضي حمص، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره: مات سنة ست وعشرين ومائة، وقيل: مات في خلافة الوليد بن يزيد. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) بجيم، وموحّدة، مصغّرًا، ابن نُفير -بنون، وفاء، مصغّرًا- الحضرميّ الحَمصيّ، ثقةٌ [٤] (١١٨) (بخ م ٤) تقدم في «الجنائز» ٢٥/ ٢٢٣٢. ٦ - (أَبُوهُ) جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ بن مالك بن عامر الْحَضْرَمِيُّ الحمصيّ مخضرم ثقةٌ جليلٌ، ولأبيه صحبة، فكأنه هو ما وفد إلا في عهد عمر -﵁-[٢] مات سنة ثمانين، وقيل: بعدها (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٧ - (النَّوَّاسُ بْنُ سممْعَانَ الْكِلَابِيُّ) هو: النوّاس -بتشديد الواو، ثم مهملة- ابن سمعان بن خالد الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، سكن الشام (بخ م ٤) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٤٣/ ١٨٧٦. ٨ - (مَحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ -بكسر أوله، وسكون الهاء- الرَّازِيُّ) الْجَمّال -بالجيم- أبو جعفر، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان فصل بينهما بالتحويل، وأنه مسلسل بالشاميين، غير شيخيه، فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني رازيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيّه من المقلّين في الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو خمسة أحاديث، في الكتب الخمسة، وليس له عند البخاريّ شيء ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ النَّوَّاسِ) بفتح النون، وتشديد الواو، (ابْنِ سَمْعَانَ) بفتح السين، وكسرها؛ أنه (قَالَ: ذَكَرَ وَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الدَّجَّالَ)؛ أي: خروجه، وسائر أموره، وابتلاء الناس به، (ذَاتَ غَدَاةٍ) «ذات» مقحمة، والغداة بالفتح: الضحوة، وهي مؤنثة، قال ابن الأنباريّ: ولم يُسمع تذكيرها، ولو حملها حامل على معنى أول النهار جاز له التذكير، والجمع غَدَوات، قاله الفيّوميّ -﵀- . (فَخَفَّضَ فِيهِ، وَرَفَّعَ) قال النوويّ -﵀-: هو بتشديد الفاء فيهما، وفي معناه قولان: أحدهما: أن «خفّض» بمعنى حقّر، وقوله: «رفّع»؛ أي: عظّمه، وفخّمه، فمِن تحقيره وهوانه على اللَّه تعالى عَوَرُهُ، ومنه قوله -ﷺ-: «هو أهون على اللَّه من ذلك»، وأنه لا يقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجل، ثم يعجز عنه، وأنه يضمحل أمره، ويُقتل بعد ذلك هو وأتباعه، ومن تفخيمه، وتعظيم فتنبّه، والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة، وأنه ما من نبيّ إلا وقد أنذره قومه. والوجه الثاني: أنه خفّض من صوته في حال الكثرة فيما تكلم فيه، فخفض بعد طول الكلام والتعب؛ ليستريح، ثم رفّع ليبلغ صوته كل أحد. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: بتخفيف الفاء؛ أي: أكثر من الكلام فيه، فتارة يرفع صوته؛ ليسمع من بَعُد، وتارة يخفض؛ ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالة المكثر من الكلام. وقيل: معناه: فحقّره، وصغّره، كما قال: «هو أهون على اللَّه من ذلك»، وتارة عظّمه، كما قال: «ليس بين يدي الساعة خلق أكبر من الدجّال»، والأول أسبق إلى الفهم، وقد رُوي ذلك اللفظ: «فخفّض فيه ورفّع» مشدّد الفاء، وهي للتضعيف، والتكثير. انتهى . (حَتَّى ظَنَنَّاهُ)؛ أي: الدجّال، (فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ)؛ أي: في قطعة من النخل قريبة إلينا، يعني أنه -ﷺ- وصفه بصفات كثيرة حتى ظننا أنه مختف في مكان قريب منا، (فَلَمَّا رُحْنَا) بضمّ الراء بوزن قُلنا؛ أي: رجعنا (إِلَيْهِ) -ﷺ- في الرواح؛ أي: في آخر النهار، (عَرَفَ) -ﷺ- (ذَلِكَ) الظنّ الهائل (فِينَا، فَقَالَ) -ﷺ- عند ذلك: («مَا شَأْنكُمْ؟»)؛ أي: ما حالكم؟ (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً)؛ أي: غداة من الغدوات، (فَخَفَّضْتَ فِيهِ، وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ)؛ أي: فهذا هو الذي أثّر في قلوبنا، وأزعجنا، كما ترى، (فَقَالَ) -ﷺ-: («غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ) قال القرطبيّ -﵀-:»أخوفني«بنون الوقاية عند الجماعة، وهو وجه الكلام، وقد رُوي عن أبي بحر:«أخوفي»، بغير نون، وهي قليلة، حكاها ثابت، وقد وقع في الترمذيّ:«أخوف لي»، قال: وهو وجنه الكلام، وفيه اختصار؛ أي: غير الدجّال أخوف لي عليكم من الدجال، فحُذف للعلم به. انتهى . قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا:«أخوفني»بنون بعد الفاء، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، قال: ورواه بعضهم بحذف النون، وهما لغتان صحيحتان، ومعناهما واحد، قال شيخنا الإمام أبو عبد اللَّه بن مالك -﵀-: الحاجة داعية إلى الكلام في لفظ هذا الحديث، ومعناه. فأما لفظه: لكونه تضمّن ما لا يُعتاد، من إضافة«أخوف» إلى ياء المتكلم، مقرونة بنون الوقاية، وهذا الاستعمال إنما يكون مع الأفعال المتعدية. والجواب أنه كان الأصل إثباتها، ولكنه أصل متروك، فَنُبِّه عليه في قليل من كلامهم، وأنشد فيه أبياتًا، منها ما أنشده الفراء [من الوافر]: فَمَا أَدْرِي فَظَنِّي كُلُّ ظَنِّي … أَمُسْلِمُنِي إِلَى قَوْمِي شَرَاحِي يعني: شراحيل، فرخّمه في غير الندا للضرورة، وأنشد غيره [من الطويل]. وَلَيْسَ الْمُوَافِينِي لِيُرْفَدَ خَائِبًا … فَإِنَّ لَهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ أَمَّلَا ولأفعل التفضيل أيضًا شَبَه بالفعل، وخصوصًا بفعل التعجب، فجاز أن تلحقه النون المذكورة في الحديث، كما لَحِقت في الأبيات المذكورة، هذا هو الأظهر في هذه النون هنا. ويَحْتَمِل أن يكون معناه أخوف لي، فأُبدلت النون من اللام، كما أُبدلت في لَعَنَّ وعَنّ بمعنى لعلّ، وعَلَّ. وأما معنى الحديث: ففيه أوجه: أظهرها: أنه من أفعل التفضيل، وتقديره: غير الدجال أخوف مخوفاتي عليكم، ثم حذف المضاف إلى الياء، ومنه: «أخوفُ ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون»: معناه: أن الأشياء التي أخافها على أمتي أحقها بأن تخاف الأئمة المضلون. والثاني: بأن يكون «أخوف» من أخاف بمعنى خَوّف، ومعناه: غير الدجال أشدّ موجبات خوفي عليكم. والثالث: أن يكون من باب وصف المعاني بما يوصف به الأعيان، على سبيل المبالغة، كقولهم في الشعر الفصيح: شِعْرٌ شاعرٌ، وخوف فلان أخوف من خوفك، وتقديره: خوف غير الدجال أخوف خوفي عليكم، ثم حذف المضاف الأول، ثم الثاني. انتهى كلام الشيخ ابن مالك -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره ابن مالك -﵀- بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ. وخلاصة المسألة أن النون المذكورة في قوله: «أخوفني» هي النون المسمّاة بنون الوقاية، وهي تلحق الأفعال دون الأسماء، وذلك لأن الأفعال إذا اتّصلت بها ياء المتكلّم يلزمها الكسر؛ لأجل الياء، والأفعال لا يدخلها الكسر، فجيء بالنون قبل الياء لأجل أن تكون الكسرة عليها، وهذا معنى ما أشار إليه ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ … نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ وأما الأسماء فلا تحتاج إليها؛ لأنها تقبل الكسر، ولذا قلّ ما يصحبها من الأسماء، كالبيتين السابقين، وكهذا الحديث، واللَّه تعالى أعلم. قال -ﷺ-: (إِنْ يَخْرُجْ) الدجّال (وَ) الحال (أَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ)؛ أي: مخاصمه، ومجادله (دُونَكُمْ) أي دون الحاجة إليكم، والمعنى أنه -ﷺ- يكفي أمته في دفع شرّ الدجال بإفحامه، وقَطْع حججه دون أن يحتاج إلى من يدفعه معه. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إن يخرج وأنا فيكم إلخ» هذا الكلام يدلّ على أن النبيّ -ﷺ- لم يتبيّن له وقت خروجه، غير أنه كان يتوقعه، ويقربه، وكذلك كان يقرّب أمره، حتى يظنوا أنه في النخل القريب منهم، و«حجيجه»: محاجّه، ومخاصمه، وقاطعه بالحجَّة، بإظهار كذبه وإفساد قوله. انتهى . (وَإِنْ يَخْرُجْ، وَ) الحال أني (لَسْتُ فِيكُمْ)؛ أي: بموتي، (فَامْرُؤٌ) التنوين للتعميم، بدليل قوله: «واللَّه خليفتي على كل مسلم»، أي: فأيّ امرئ مسلم (حَجِيجُ نَفْسِهِ)؛ أي: مدافع عن نفسه، ولا يحتاج إلى غيره؛ لأن اللَّه تعالى ينصره، ويعينه عليه، كما قال: (وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى) دفع شرّه، ودحض حججه الباطلة عن (كُلِّ مُسْلِمٍ)؛ أي: ومسلمة. قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فامرؤ حجيج نفسه»، أي: ليحتجّ كل امرئ عن نفسه بما أعلمته من صفته، وبما يدلّ العقل عليه من كذبه في دعوى الإلهية، وهو خبر بمعنى الأمر، وفيه التنبيه على النظر عند المشكلات، والتمسك بالأدلة الواضحات. قال: قوله: «واللَّه خليفتي على كل مسلم»: هذا منه -ﷺ- تفويض إلى اللَّه تعالى في كفاية كل مسلم من تلك الفتن العظيمة، وتوكلٌ عليه في ذلك، ولا شكّ في أن من صحّ إسلامه في ذلك الوقت أنه يُكْفَى تلك الفتن؛ لصدق النبيّ -ﷺ- في توكّله؛ لضمان اللَّه تعالى كفاية من توكّل عليه، بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الآية [الطلاق: ٣]؛ أي: كافيه مشقة ما توكّل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبيّ -ﷺ- إلى ما يقرؤه على الدجال، فَيُؤَمَّن من فتنته، وذلك عشر آيات من أول «سورة الكهف»، أو من آخرها، على اختلاف الرواية في ذلك، والاحتياط والحزم يقتضي أن يقرأ عشرًا من أولها، وعشرإً من آخرها، على أنه قد رَوَى أبو داود من حديث النوّاس -﵁-: «فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنَّها جِوَارٌ لكم من فتنته» . انتهى . وقال القاري -﵀-: قوله: «فقال: إن يخرج، وأنا فيكم»؛ أي: موجود فيه، بينكم فرضًا وتقديرًا، «فأنا حجيجه» فَعِيل بمعنى الفاعل، من الحجة، وهي البرهان؛ أي: غالب عليه بالحجة، دونكم؛ أي: قُدّامكم، ودافِعُه عنكم، وأنا إمامكم، وأمامَكم، وفيه إرشاد إلى أنه كان في المحاجة معه غير محتاج إلى معاونة معاون من أمته، في غلبته عليه بالحجة، قال القاري: كذا ذكره الطيبيّ -﵀-، والأظهر أنه يدفعه بنور النبوة، ويدفع خارق عادته الباطل بمعجزاته المقرونة بالحقّ من غير دليل وبرهان؛ لأن بطلانه أظهر من الشمس عند أرباب العرفان، وأيضًا هو من المصممين على الباطل من دعوته، ولم يلتفت إلى المجادلة، وإثبات الأدلة، وإلا فبحمد اللَّه -﷾- من يوجد في الأمة من يحقق الملة بالحجة، لا سيما خاتمة الأولياء، وهو المهديّ، وزبدة الأنبياء، وهو عيسى -﵇-. وحاصله أنه لا ينفع معه الكلام، فدَفْعه إما بإعدامه مع وجود النبيّ -ﷺ-، أو بذوبانه وقتله على يد عيسى؛ هذا ما ظهر لي -﷾-. وقال التوربشتيّ -﵀-: [فإن قيل]: أوَ ليس قد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد خروج المهديّ، وأن عيسى -﵇- يقتله إلى غير ذلك من الوقائع الدالة على أنه لا يخرج، ونبيّ اللَّه -ﷺ- بين أظهرهم، بل لا تراه القرون الأولى من هذه الأمة، فما وجه قوله: «إن يخرج وأنا فيكم»؟. [قلت]: إنما سلك هذا المسلك من التورية؛ لإبقاء الخوف على المكلفين من فِتَنه، والالتجاء إلى اللَّه تعالى من شره؛ لينالوا بذلك من اللَّه، ويتحققوا بالشح على دينهم. وقال المظهر: يَحْتَمِل أن يريد تحقق خروجه، والمعنى: لا تشكّوا في خروجه، فإنه سيخرج لا محالة، وأن يريد به: عدم علمه بوقت خروجه، كما أنه كان لا يدري متى الساعة. قال الطيبيّ -﵀-: والوجه الثاني من الوجهين هو الصواب؛ لأنه يمكن أن يكون قوله هذا قبل عِلْمه بذلك. قال القاري: كان حقه أن يقول: هو الظاهر؛ ليطابق تعليله بقوله: لأنه يمكن؛ إذ مع الإمكان لا يقال في حق أحدهما: هو الصواب؛ لاحتمال الخطأ في كل واحد منهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وخلاصة المعنى: أني إن كنت فيكم، فأكفيكم شرّه وقت خروجه، «وإن يخرج، ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه»، بالرفع؛ أي: فكل امرئ يحاجّه، ويحاوره، ويغالبه لنفسه، كذا قاله الطيبيّ -﵀-؛ أي: ليدفع شره عن نفسه بما عنده من الحجة، كما قاله ابن الملك، لكن هذا على تقدير أنه يسمع الحجة، وإلا فالمعنى أن كل أحد يدفع عن نفسه شرّه بتكذيبه، واختيار صورة تعذيبه، «واللَّه خليفتي على كل مسلم» يعني: أن اللَّه -﷾- وليّ كل مسلم، وحافظه، فيعينه عليه، ويدفع شرّه، وهذا دليل على أن المؤمن الموقن لا يزال منصورًا، وإن لم يكن معه نبيّ، ولا إمام، ففيه ردّ على الإمامية من الشيعة. انتهى . (إِنَّهُ)؛ أي: الدجال، وهو استئنافٌ؛ بيان لبعض أحواله، وتبيانٌ لبعض ما يفيد في دفع شرّ أفعاله، (شَابٌّ) فيه إشعار بأنه غير ابن الصياد، وإيماء إلى أنه محروم من بياض الوقار، وثابت على اشتداد السواد في الظاهر الذي هو عنوان الباطن، من سواد الفؤاد. (قَطَطٌ) بفتح القاف، والطاء؛ أي: شديد جعودة الشعر، مباعد للجعودة المحبوبة، وفيه إيماء إلى استحباب تسريح الشعر؛ دفعًا للمشابهة بالهيئة البشيعة. (عَيْنُهُ طَافِئَةٌ) وفي نسخة: «عينه عنبة طافئة» بالياء، وتُهمز؛ أي: مرتفعة، وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «طافئة» رويناه بالهمز، وصحّحناه على من يوثق بعلمه، وقد سمعناه بغير همز، وبالوجهين ذكره القاضي أبو الفضل، فقال: هو اسم فاعل من طَفِئت النارُ تَطْفأ، فهي طافئة، وانطفأت فهي منطفئة، وأطفأتها فهي مطفأة، فكأن عينه كانت تُنير كالسراج، فانطفأت؛ أي: ذهب نورها، وهذا المعنى في هذه الرواية التي لم يذكر فيها «عنبة» واضح، ويبعد فيها ترك الهمز، وأما الرواية التي فيها: «كأنها عنبة طافية» فالأَولى ترك الهمز، فإنَّه شبّهها في استدارتها، وبروزها، كحبة العنب، وهو اسم فاعل من طفا يطفو: إذا علا -غير مهموز- فهي طافية؛ أي: قائمة جاحظة، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث. وقد رَوَى أبو داود من حديث عبادة بن الصامت -﵁- عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «إني قد حدّثتكم عن الدّجّال حتى خشيتُ ألا تعقلوا، إن المسيح الدجّال رجل قصيرٌ، أفحج، جعدٌ، أعور، مطموس العين، ليست بناتئة، ولا جحراء»، وهذا الحديث يقتضي أن عينه ليست بالفاحشة النتوء، والجحوظ، ولا غائرة حتى كأنها في جُحر، بل متوسطة، بحيث يصدق عليها أنها قائمة، وجاحظة، واللَّه تعالى أعلم. وقد زاد عبادة في هذا الحديث من أوصافه أنه قصير، أفحج، والفحج: تباعد ما بين الساقين. انتهى . (كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ) بتشديد الموحّدة؛ أي: أمثّله (بِعَبْدِ الْعُزَّى) بضم العين، وتشديد الزاي، (ابْنِ قَطَنٍ) بفتحتين، وفي رواية للبخاريّ: أو أقرب الناس به شبهًا ابن قطن. قال الزهريّ: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، قال الحافظ: اسمه عبد العزى بن قَطَن بن عمرو بن جندب بن سعيد بن عائد بن مالك بن المصطلق، وأمه هالة بنت خويلد، أفاده الدمياطيّ، قال: وقال ذلك أيضًا عن أكثم بن أبي الْجَوْن، وأنه قال: يا رسول اللَّه هل يضرني شبهه؟ قال: «لا، أنت مسلم، وهو كافر» حكاه عن ابن سعد، والمعروف في الذي شبّه به -ﷺ- أكثمَ: عمرُو بن لُحَيّ جدّ خُزاعة، لا الدجال، كذلك أخرجه أحمد وغيره. انتهى . قال الطيبيّ -﵀-: لم يقل: كأنه عبد العزى؛ لأنه لم يكن جازمًا في تشبيهه به. وتعقّبه القاري، فقال: لا شك في تشبيهه به، إلا أنه لما كان معرفة المشبه في عالم الكشف، أو المنام عَبَّر عنه بكأني، كما هو المعتبَر في تعبير حكاية الرؤيا، واللَّه تعالى أعلم. ويمكن أن يقال: لمّا لم يوجد في الكون أقبح صورة منه، فلا يتم التشبيه من جميع الوجوه، بل ولا من وجه واحد، عدل عن صيغة الجزم، وعبّر عنه بما عبر عنه، ثم في صيغة الحال إشعار باستحضار صورة المآل. انتهى . (فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ ، فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ «سُورَةِ الْكَهْفِ»)؛ أي: أوائلها إلى ﴿كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]؛ لدلالة تلك الآيات على معرفة ذات اللَّه تعالى، وصفاته، قال الطيبيّ -﵀-: المعنى: أن قراءته أمان له من فتنته كما أمن تلك الفتية من فتنة دقيانوس الجبار، وفي رواية أبي داود: «فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنها جواركم من فتنته»، والجوار بكسر الجيم: الأمان؛ أي: إنها تحفظكم من فتنته، وضَبَطها بعضهم بفتح الجيم وزاي في آخره، وهو الصكّ الذي يأخذه المسافر من السلطان، أو نوابه؛ لئلا يَتعرَّض لهم المترصدة في الطريق. [تنبيه]: وردت روايات متعددة في هذا المعنى، فمنها: «من قرأها -أي: الكهف- كما أُنزلت كانت له نورًا من مقامه إلى مكة، ومن قرأ بعشر آيات من آخرها، فخرج الدجال لم يسلَّط عليه»، رواه النسائيّ، والحاكم، في «مستدركه»، وصححه، من حديث أبي سعيد الخدريّ، واللفظ للنسائيّ، وقال: رَفْعه خطأ، والصواب أنه موقوف، وأخرج الطبرانيّ في «الأوسط» من حديث أبي سعيد أيضًا، واختُلف في رفعه، ووقفه أيضًا، ولفظه: «من قرأ سورة آخرها، ثم خرج الدجال لم يضرّه»، وروى مسلم، وأبو داود، عن أبي الدرداء، مرفوعًا: «من حَفِظ عشر آيات من أولها عُصم من الدجال»، وفي رواية أبي داود، والنسائيّ عنه: «من فتنة الدجال»، وفي رواية لمسلم، وأبي داواد عنه: «من حَفِظ عشر آيات»، وللنسائي عنه: «من قرأ العشر الأواخر من الكهف، عُصم من فتنة الدجال»، وفي رواية للترمذيّ عنه: «من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف، عُصم من فتنة الدجال»، وفي رواية لمسلم، والأربعة، عن النوّاس بن سمعان: «من أدرك الدجال فليقرأ عليه فواتحها» الحديث. قال القاري -﵀-: قيل: وجه الجمع بين الثلاث، وبين قوله: «من حَفِظ عشر آيات» أن حديث العشر متأخر، ومن عمل بالعشرة فقد عمل بالثلاث، وقيل: حديث الثلاث متأخر، ومن عُصم بثلاث، فلا حاجة إلى العشر، وهذا أقرب إلى أحكام النَّسخ. وتعقبه القاري، قائلًا: أقول: بمجرد الاحتمال لا يحكم بالنسخ، مع أن النسخ إنما يكون في الإنشاء، لا في الإخبار، فالأظهر أن أقل ما يُحفظ به من شرّه قراءة الثلاث، وحفظها أَولى، وهو لا ينافي الزيادة، كما لا يخفى. وقيل: حديث العشر في الحفظ، وحديث الثلاث في القراءة، فمن حفظ العشر، وقرأ الثلاث كُفي، وعُصم من فتنة الدجال، وقيل غير ذلك من الأقوال ، والأَولى أن قراءة الثلاث تكفي، ولكن الزيادة أَولى، واللَّه تعالى أعلم. (إِنَّهُ)؛ أي: الدجال (خَارجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّاْمِ وَالْعِرَاقِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا في نُسخ بلادنا: «خلة» بفتح الخاء المعجمة، واللام، وتنوين الهاء، وقال القاضي: المشهور فيه: «حلةَ» بالحاء المهملة، ونصب التاء، يعني غير منوّنة، قيل: معناه: سَمْتَ ذلك، وقُبَالتَهُ، وفي «كتاب العين»: الحلة موضع حَزْن، وصخور، قال: ورواه بعضهم: «حُلّه» بضم اللام، وبهاء الضمير؛ أي: نزوله، وحلوله، قال: وكذا ذكره الحميديّ في الجمع بين «الصحيحين»، قال: وذكره الهرويّ: «خلة» بالخاء المعجمة، وتشديد اللام المفتوحتين، وفسّره بأنه ما بين البلدين، هذا آخر ما ذكره القاضي. قال النوويّ: وهذا الذي ذكره عن الهرويّ هو الموجود في نُسخ بلادنا، وفي الجمع بين «الصحيحين» أيضًا ببلادنا، وهو الذي رجحه صاحب «نهاية الغريب»، وفسّره بالطريق بينهما. انتهى . وقال القاري: «إنه»؛ أي: الدجال، «خارج خلة» بفتح معجمة، وتشديد لام؛ أي: طريقًا واقعًا بين الشام والعراق، وأصله: الطريق في الرمل، وقال شارح: أي: من سبيل بينهما، ففيه إشارة إلى أنها منصوبة بنزع الخافض، ويؤيده ما في «النهاية»؛ أي: في طريق بينهما. انتهى . قال النووي -﵀-: هكذا هو في نُسخ بلادنا: خلة بفتح الخاء المعجمة وتنوين التاء، وقال القاضي -﵀-: المشهور فيه: حلة بالحاء المهملة ونصب التاء يعني غير منوّنة، ومعناه: سَمْت ذلك وقبالته، قلت: المناسب أن يكون هي الحلة قرية بناحية دجلة من بغداد، أهلها شر من في البلاد من العباد، قال: ورواه بعضهم حله بضم اللام وبهاء الضمير؛ أي: نزوله وحلوله. قال: وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضًا ببلادنا. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إنه خارج حَلّةً بين الشام والعراق»: رويته، وقيّدته بفتح الحاء المهملة، وتشديد اللام، وهي رواية السجزيّ، وقيل: معنى ذلك: قُبالة، وسَمْتٌ. وفي «كتاب العين»، و«الحلّة»: موضع حَزن وصخُور، وسقطت هذه الكلمة من رواية العذريّ. ورُوي عن ابن الحذاء: «حَلُّهُ» بضم اللام، وهاء الضمير؛ أي: نزوله، وحلوله، وكذا في كتاب التميميّ، وهكذا ذكره الحميديّ، ورواه الهرويّ في «غريبه»: «خَلَّةً» بالخاء المعجمة مفتوحة، وتشديد اللام، وفسّره بأنه ما بين البلدتين، وقال غيره: هو الطريق في الرمل. قال: وقد روى الترمذيّ من حديث أبي بكر الصديق -﵁- قال: حدّثنا رسول اللَّه -ﷺ- قال: «الدجّال يخرج من أرض بالمشرق، يقال لها: خُراسان يتبعه أفواجٌ، كأن وجوههم المجانّ المطرقة»، قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة -﵄-، وهذا حديث حسن غريبٌ. ووجه الجمع بين هذا وبين الذي قبل،: أن مبتدأ خروج الدجّال من خُراسان، ثم يخرج إلى الحجاز فيما بين العراق والشام، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . (فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا) بعين مهملة، وثاء مثلثة مفتوحة، وهو فعل ماض، والعيث: الفساد، أو أشد الفساد، والإسراع فيه، يقال منه: عاث يعيث، وحكى القاضي أنه رواه بعضهم: «فعاثٍ» بكسر الثاء منونة، اسم فاعل، وهو بمعنى الأول، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «عاث يمينًا، وعاث شمالًا» رويناه بالعين المهملة، والثاء المثلثة، مفتوحةً، غير منوّنة، على أنه فعل ماضٍ، وبكسرها، وتنوينها، على أنه اسم فاعل، وهو بمعنى الفساد، يقال: عثا في الأرض يعثو: أفسد، وكذلك عَثِي -بالكسر- يَعْثَى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣]. والمعنى: أن الدجال أفسد، أو مفسد يمينًا، وشمالًا، فـ «يمينًا، وشمالًا» ظرفًا لـ «عاث». والمراد: يبعث سراياه يمينًا، وشمالًا، ولا يكتفي بالإفساد فيما يطؤه من البلاد، ويتوجه له من الأغوار والأنجاد، فلا يأمن من شرّه مؤمن، ولا يخلو من فتنته موطن ، اللَّهُمَّ اكفنا شرّه، وجميع المسلمين. (يَا عِبَادَ اللَّهِ)؛ أي: أيها المؤمنون الموجودون في ذلك الزمان، أو أنتم أيها المخاطبون على فرض أنكم تدركون ذلك الأوان، (فَاثْبُتُوا»)؛ أي: على دينكم، وإن عاقبكم، قال الطيبيّ -﵀-: هذا من الخطاب العام، أراد به من يُدرك الدجال من أمته، ثم قيل: هذا القول منه -ﷺ- استمالة لقلوب أمته، وتثبيتهم على ما يعاينونه من شرّ الدجال، وتوطينهم على ما هم فيه من الإيمان باللَّه تعالى، واعتقاده، وتصديق ما جاء به الرسول -ﷺ-. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«يا عباد اللَّه فاثبتوا»: هذا من قول النبيّ -ﷺ- يأمر من لقي الدجّال أن يثبت، ويصبر، فإنَّ لُبثه في الأرض قليل، على ما يأتي، وأما من سمع به، ولم يلقه، فليبعد عنه، وليفرّ بنفسه، كما أخرجه أبو داود من حديث عمران بن حصين -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«من سَمِع بالدجّال فلينأ عنه، فواللَّه إن الرجل ليأتيه، وهو يحسب أنه مؤمن، فيتّبعه، مما يبعث به من الشبهات -أو- لِمَا يبعث به من الشبهات». (قُلْنَا:) معاشرَ الحاضرين مجلس رسول اللَّه -ﷺ-، (يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لَبْثُهُ؟) بفتح اللام، وسكون الموحّدة؛ أي: ما قدر مكثه وتوقفه (فِي الأَرْضِ قَالَ) النبيّ -ﷺ-: («أَرْبَعُونَ يَوْمًا) أما ما ورد في رواية: »يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة«، فقال البغويّ في »شرح السُّنَّة«: إنه لا يصلح أن يكون معارضًا لرواية مسلم هذه، وعلى تقدير صحته لعل المراد بأحد المكثين، مكث خاصّ، على وصف معيَّن ، واللَّه تعالى أعلم. (يَوْمٌ) أي: من تلك الأربعين (كَسَنَةٍ)؛ أي: مقدار عام في طول الزمان، أو في كثرة الغموم والأحزان، والصواب الأول. (وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ») قال القرطبيّ -﵀-: ظاهر هذا أن اللَّه تعالى يَخرق العادة في تلك الأيّام، فيُبطئ بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك الأيام، حتى يكون أوّل يوم كمقدار سنة معتادة، ويبطئ بالشمس حتى يكون كمقدار شهر، والثالث حتى يكون كمقدار جمعة، وهذا ممكن، لا سيما وذلك الزمان تنخرق فيه العوائد كثيرًا، لا سيما على يدي الدجّال. وقد تأوّله أبو الحسين ابن المنادي على ما حكاه أبو الفرج ابن الجوزيّ، فقال: المعنى: يَهْجُم عليكم غمّ عظيم؛ لشدة البلاء، وأيام البلاء طوال، ثم يتناقص ذلك الغمّ في اليوم الثاني، ثم يتناقص في الثالث، ثم يعتاد البلاء، كما يقول الرجل: اليوم عندي سنة، كما قال: وَلَيْلُ الْمُحِبِّ بِلَا آخِرِ قال أبو الفرج: وهذا التأويل يردّه قولهم: «أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره». والمعنى: قدّروا الأوقات للصلاة، غير أن أبا الحسين ابن المنادي قد طَعَن في صحة هذه اللفظات، أعني قولهم: «أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره»، فقال: هذا عندنا من الدسائس التي كادنا بها ذوو الخلاف علينا قديمًا، ولو كان ذلك صحيحًا لاشتهر على ألسنة الرواة، فإن حديث الدجال قد رواه ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وأُبَيّ بن كعب، وسمرة بن جندب، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو مسعود البدريّ، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، ومعاذ بن جبل، ومُجَمِّع بن جارية -﵃- في آخرين، ولو كان ذلك لقوي اشتهاره، ولكان أعظم، وأقطع من طلوع الشمس من مغربها. وتعقّبه القرطبيّ، فأجاد، حيث قال: هذه الألفاظ التي أنكرها هذا الرجل صحيحة في حديث النوّاس، أخرجها الترمذيّ من حديث النوّاس، وذكر الحديث بطوله، نحوًا مِمَّا خرّجه مسلم، وقال في الحديث: حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وقد أخرجه أبو داود أيضًا من حديث عبد الرحمن بن يزيد المذكور، وذكر طرفًا من الحديث، ولم يذكره بطوله، فصحّ الحديث عند هؤلاء الأئمة، وانفراد الثقة بالحديث لا يخرم الثقة به؛ لأنَّه قد يسمع ما لا تسمعه الجماعة في وقت لا يحضر غيره، وكم يوجد من ذلك في الأحاديث، وقد رواه قاسم بن أصبغ من حديث جابر بن عبد اللَّه على ما يأتي. وتطريق إدخال المخالفين الدسائس على أهل العلم والتحرز والثقة بعيدٌ لا يُلتفت إليه؛ لأنه يؤدي إلى القدح في أخبار الآحاد، وإلى خرم الثقة بها، مع أن ما تضمّنته هذه الألفاظ أمورٌ ممكنة الوقوع في زمان خرق العادات، كسائر ما جاء مما قد صحّ، وثبت من خوارق العادات التي تظهر على يدي الدجال، مما تضمنه هذا الحديث وغيره، فلا معنى لتخصيص هذه الألفاظ بالإنكار، والكل ظنون مستندة إلى أخبار العدول، واللَّه أعلم بحقائق الأمور. قال القاضي في قوله: «اقدروا له»: هذا حُكم مخصوص بذلك اليوم، شَرَعه لنا صاحب الشرع، ولو وُكِلنا فيه لاجتهادنا لكافت الصلاة فيه عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم. وقال في «المرقاة»: قال ابن الملك: قيل: المراد منه: أن اليوم الأول لكثرة غموم المؤمنين، وشدة بلاء اللعين يُرَى لهم كسنة، وفي اليوم الثاني يهون كيده، ويضعف أمره، فيُرى كشهر، والثالث يُرى كجمعة؛ لأن الحقّ في كل وقت يزيد قدرًا، والباطل ينقص حتى ينمحق أثرًا، أو لأن الناس كلما اعتادوا بالفتنة والمحنة يهون عليهم إلى أن تضمحل شدتها. ولكن هذا القول مردود؛ لأنه غير مناسب لِمَا ذكر الراوي: «قلنا: يا رسول اللَّه، فذلك اليوم الذي كسنة -أي: مثلًا- أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره» بل هذا جار على حقيقته، ولا امتناع فيه؛ لأن اللَّه تعالى قادر على أن يزيد كل جزء من أجزاء اليوم الأول حتى يصير مقدار سنة خارقًا للعادة، كما يزيد في أجزاء ساعة من ساعات اليوم. انتهى. وفيه أن هذا القول الذي قرره على المنوال الذي حرّوه لا يفيد إلا بسط الزمان، كما وقع له في قصة الإسراء، مع زيادة على المكان، لكن لا يخفى أن سبب وجوب كل صلاة إنما هو وقته المقدر من طلوع صبح، وزوال شمس، وغروبها، وغيبوبة شفقها، وهذا لا يُتصور إلا بتحقق تعدد الأيام والليالي على وجه الحقيقة، وهو مفقود، فالتحقيق ما قاله الشيخ التوربشتيّ -﵀- وهو أنه يشكل من هذا الفصل قوله: «يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة -مع قوله-: وسائر أيامه كأيامكم»، ولا سبيل إلى تأويل امتداد تلك الأيام علي أنها وصفت بالطول والامتداد؛ لِمَا فيها من شدّة البلاء، وتفاقم البأساء والضراء؛ لأنهم قالوا: «يا رسول اللَّه فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا. . .» الحديث، فنقول -وباللَّه التوفيق، ومنه المعونة في التحقيق-: قد تبين لنا بإخبار الصادق المصدوق -صلوات اللَّه تعالى وسلامه عليه- أن الدجال يُبحث معه من الشبهات، ويفيض على يديه من التمويهات، ما يسلب عن ذوي العقول عقولهم، ويخطف من ذوي الأبصار أبصارهم، فمن ذلك تسخير الشياطين له، ومجيئه بجنة ونار، وإحياء الميت على حسب ما يدعيه، وتقويته على من يريد إضلاله تارة بالمطر والعشب، وتارة بالأزمة والجدب، ثم لا خفاء بأنه أسحر الناس، فلم يستقم لنا تأويل هذا القول، إلا أن نقول إنه يأخذ بأسماع الناس، وأبصارهم حتى يُخَيَّل إليهم أن الزمان قد استمرّ على حالة واحدة، إسفار بلا ظلام، وصباح بلا مساء، يحسبون أن الليل لا يَمُدّ عليهم رُواقه، وأن الشمس لا تَطْوِي عنهم ضياءها، فيبقون في حيرة، والتباس من امتداد الزمان، ويدخل عليهم دواخل باختفاء الآيات الظاهرة في اختلاف الليل والنهار، فأمرهم أن يجتهدوا عند مصادفة تلك الأحوال، ويَقْدروا لكل صلاة قَدْرها إلى أن يكشف اللَّه عنهم تلك الغمة، هذا الذي اهتدينا إليه من التأويل، واللَّه الموفق لإصابة الحقّ. وفي «شرح مسلم» للنوويّ -﵀-: قالوا: هذا على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القَدْر المذكور في الحديث، يدل عليه قوله: «وسائر أيامه كأيامكم»، وأما قوله: «اقدروا له قدره» فقال القاضي عياض وغيره: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شَرَعه لنا صاحب الشرع، قالوا: ولولا هذا الحديث، ووُكلنا إلى اجتهادنا اقتصرنا على الصلاة عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام، ومعناه: إذا مضى بعد طلوع الفجر قَدْر ما يكون بينه وبين الظهر في كل يوم، فصلّوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قَدْر ما يكون بينها وبين العصر، فصلّوا العصر، فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب، فصلوا المغرب، وكذا العشاء، والصبح، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، وكذا حتى ينقضي ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سَنَة فرائض، مؤداة في وقتها. وأما الثاني الذي كشهر، والثالث الذي كجمعة، فيقاس على اليوم الأول في أنه يقدّر له كاليوم الأول، على ما ذكرناه. انتهى. وحاصله أن الأوقات للصلوات أسباب، وتقديم المسبَّبات على الأسباب غير جائز، إلا بشرع مخصوص، كما يُقدم العصر على وقته بعرفات . (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟) واحد (قَالَ) -ﷺ-: («لَا) أي لا تكفي فيه صلاة يوم واحد، بل (اقْدُرُوا) بكسر الدال وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، (لَهُ) أي لأداء الصلاة (قَدْرَهُ»)؛ أي: قدره الذي كان له في سائر الأيام، كمحبوس اششبه عليه. (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ)؛ أي: ما قدر إسراعه، أو كيفية إعجاله (فِي الأَرْضِ؟)؛ أي: في سيرها، وطيّ ساحتها، قال الطيبيّ -﵀-: لعلهم علموا أن له إسراعًا في الأرض، فسألوا عن كيفيته، كما كانوا عالمين بلبثه، فسألوا عن كميته بقولهم: «ما لَبثه؟» أي: ما مدة لبثه؟ (قَالَ) -ﷺ-: («كَالْغَيْثِ) المراد به هنا الغيم؛ إطلاقًا للسبب على المسبَّب؛ أي: يُسرع في الأرض إسراع الغيم، وقوله: (اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ) قال ابن الملك: حال، أو صفة للغيث، و»أل« فيه للعهد الذهني، والمعنى: أن هذا مثال لا يُدرك كيفيته، ولا يمكن تقدير كميته. (فَيَأْتِي)؛ أي: فيمرّ الدجال (عَلَى الْقَوْمِ، فَيَدْعُوهُمْ) على باطله (فَيُؤْمِنُونَ بِهِ)؛ أي: يصدّقونه على باطله (وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ)؛ أي: يطيعونه فيما يأمرهم به، (فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ)؛ أي: السحاب، (فَتُمْطِرُ) بالضمّ، من الإمطار؛ أي: تنزل غيثها، (وَالأَرْص)؛ أي: ويأمر الأرض (فَتُنْبِتُ) بالضمّ، من الإنبات، (فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ)؛ أي: فترجع بعد زوال الشمس إليهم (سَارِحَتُهُمْ)؛ أي: مواشيهم التي تذهب بالغدوة إلى مراعيها، (أَطْوَلَ ما كَانَتْ)؛ أي: السارحة من الإبل، ونصب »أطول« على الحالية، (ذُرًا) بضم الذال المعجمة، وحُكي كسرها، وفتح الراء، منوّنًا: جَمْع ذروة مثلثة، وهي أعلى السنام، وذروة كل شيء أعلاه، وهو كناية عن كثرة السِّمَن، وانتصاب «ذرًا» على التمييز. (وَأَسْبَغَهُ)؛ أي: أتمّه (ضُرُوعًا) بضم أوله: جمع ضرع، وهو الثدي، كناية عن كثرة اللبن، (وَأَمَدَّهُ)؛ أي: وأمدّ ما كانت، وهو اسم تفضيل من المدّ، (خَوَاصِرَ) جمع خاصرة، وهي ما تحت الجَنْب، ومدّها كناية عن الامتلاء، وكثرة الأكل. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فتغدو عليهم سارحتهم إلخ»: تغدو: تبكر. والسارحة: المواشي التي تخرج للسرح، وهو الرعي، كالإبل، والبقر، والغنم. والذُّرى: جمع ذروة، وهي الأسنمة، وأسبغه: أطوله ضروعًا؛ لكثرة اللبن. وأمدّه خواصر: لكثرة أكلها، وخصب مرعاها. انتهى . (ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ)؛ أي: قومًا آخرين، وفي العدول عن قوله: «على» بناءً على ما سبق إشعار بأن إتيانه على الأولين ضررٌ في الحقيقة، دون الآخرين . (فَيَدْعُوهُمْ) أي إلى عبادته بدعواه الألوهيّة، (فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ) أي لا يقبلونه، أو يبطلونه بالحجة، (فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ) فيه إشارة إلى أنه ليس له قدرة الإجبار، قال تعالى -ﷻ-: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢] والمعنى فيصرفه اللَّه عنهم، (فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ) بضم الميم، وبالحاء؛ أي: داخلين في الْمَحْل، قال التوربشتيّ -﵀-: أمحل القومُ: أصابهم المحل، وهو انقطاع المطر، ويبس الأرض من الكلأ، وقوله: (لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) بيان لإمحالهم، والحاصل أن القوم صاروا به مبتلين بأنواع من البلاء، والمحن، والضرّاء، ولكن اللَّه -﷿- أمدّهم بالصبر والثبات، وقوّة اليقين، فهم صابرون، راضون، شاكرون. (وَيَمُرُّ) الدجّال (بِالْخَرِبَةِ) بفتح الخاء، وكسر الراء، أو بكسر الخاء، وسكون الراء أو بكسر الراء؛ أي: بالأرض الخراب (فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي) بقطع الهمزة، من الإخراج، (كنُوزَكِ)؛ أي: مدفونك، أو معادنك، (فَتَتْبَعُهُ) الفاء فصيحية؛ أي: فتخرج، فتتبع الدجال (كُنُوزُهَا، كيَعَاسِيبِ النَّحْلِ)؛ أي: كما يتبع النحلُ اليعسوب، قال النوويّ -﵀-: اليعاسيب ذكور النحل، هكذا فسَّره ابن قتيبة، وآخرون، قال القاضي -﵀-: المراد: جماعة النحل، لا ذكورها خاصّة، لكنه كنى عن الجماعة باليعسوب، وهو أميرها؛ لأنه متى طار تبعته جماعته، ومنه قيل للسيد: يعسوب، ففي الكلام نوع قلب؛ إذ حق الكلام: كنحل اليعاسيب، ولعل النكتة في جمع اليعاسيب، هو الإيماء إلى كثرة الكنوز التابعة، وأنه قُدِّر كأنه جَمْع باعتبار جوانبه، وأطرافه، والمراد: جَمْع من أمرائه، ووكلائه، وقال الأشرف: قوله: «كاليعاسيب» كناية عن سرعة اتّباعه؛ أي: تتبعه الكنوز بالسرعة، وقال الطيبيّ -﵀-: إذا كان قوله: «كاليعاسيب» حالًا من الدجال فالخربة صفة البقاع، وإذا كان حالًا من الكنوز، فيجوز أن يكون الموصوف جمعًا، أو مفردًا. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: يعاسيب النحل: فُحولها، واحدها يعسوب، وقيل: أمراؤها، ووجه التشبيه: أن يعاسيب النحل يتبع كلَّ واحد منهم طائفة من النحل، فتراها جماعات في تفرقة، فالكنوز تتبع الدجال كذلك . (ثُمَّ يَدْعُو)؛ أي: يطلب الدجال (رَجُلًا) لم يُعرف، وقيل: هو الخضر -﵇-، ولا يصحّ، كما سيأتي، حال كونه (مُمْتَلِئًا)؛ أي: تامًا كاملًا قويًا، وقوله: (شَبَابًا) تمييز عن النسبة، قال الطيبيّ -﵀-: الممتلئ شبابًا هو الذي يكون في غاية الشباب، (فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ) أي غضبًا عليه؛ لإبائه قبول دعوته الألوهية، أو إظهارًا للقدرة، وتوطئة لخرق العادة، (فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ) بفتح الجيم، وتكسر؛ أي: قطعتين، متباعدتين، (رَمْيَةَ الْغَرَضِ)؛ أي: قَدْر حذف الْهَدَف، فهي منصوبة بمقدَّر، وفائدة التقييد به أن يظهر عند الناس أنه هلك بلا شبهة، كما يفعله السحرة، والمشعبذة، قال النوويّ -﵀-: هو بفتح الجيم على المشهور، وحَكَى ابن دُريد كسرها، ومعنى رمية الغرض: أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية الغرض، هذا هو الظاهر المشهور، وحكى القاضي هذا، ثم قال: وعندي أن فيه تقديمًا وتأخيرًا، وتقديره: فيصيبه إصابة رمية الغرض، فيقطعه جزلتين، والصحيح الأول، قال التوربشتيّ -﵀-: أراد برمية الغرض: إما سرعة نفوذ السيف، وإما إصابة الْمَحَزّ، قال الطيبيّ -﵀-: ويؤيده تأويل النوويّ قوله في الحديث الآخر: «ثم يمشي الدجال بين القطعتين» . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فيقطعه جزلتين» هو بفتح الجيم، وحكاه ابن دُريد بكسرها، قال: والأَولى الفتح؛ لأن جزلتين هنا مصدر ملاقٍ في المعنى لـ «يقطعه»، فكأنه قال: قطعه قطعتين، أو جزله جَزلتين، وجزلة مصدر محدود لجزل جزلًا، وجزلةً، ويجوز الكسر على أنه اسم، يعني قَسَمه قطعتين وفرقتين، و«رميةَ الغرض» منصوب نصب المصدر؛ أي: كرمية الغرض في السرعة والإصابة، وقيل: جُعل بين القطعتين مثل رمية الغرض، وفيه بُعد، والأول أشبه. انتهى . (ثُمَّ يَدْعُوهُ)؛ أي: يطلب الدجّال الشاب الذي قطعه بالسيف لكي يأتيه، (فَيُقْبِلُ) الشابّ على الدجّال، وقوله: (وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، ومعنى «يتهلّل»: أي يتلألأ، ويضيء، وقوله: (يَضْحَكُ) جملة حاليّة من «وجهه». (فَبَيْنَمَا هُوَ)؛ أي: الدجّال (كَذَلِكَ) أي: على تلك الحال، وذلك المنوال، (إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) عليهما الصلاة والسلام، فسبحان من يدفع المسيحَ بالمسيح، قال تعالى جل شأنه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]، (فَيَنْزِلُ) عيسى -﵇- (عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ) «عند» ظرف لـ «ينزل»، وقوله: (شَرْقِيَّ دِمَشْقَ) بالنصب على الظرفية مضافًا إلى قوله: «دمشق» بكسر الدال، وفتح الميم، وتُكسر، وهو المشهور الآن بالشام، فإنه تحت ملكه، وذكر السيوطي في تعليقه على ابن ماجه أنه قال الحافظ ابن كثير: في رواية أن عيسى -﵇- ينزل ببيت المقدس، وفي رواية بالأردنّ، وفي رواية بمسكر المسلمين. قال: حديث نزوله ببيت المقدس عند ابن ماجه، وهو عندي أرجح، ولا ينافي سائر الروايات؛ لأن بيت المقدس شرقيّ دمشق، وهو معسكر المسلمين إذ ذاك، والأردنّ اسم الكورة، كما في «الصحاح»، وبيت المقدس داخل فيه، وإن لم يكن في بيت المقدس الآن منارة، فلا بدّ أن تَحْدث قبل نزوله، واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق بين مهرودتين» أما المنارة فبفتح الميم، وهذه المنارة موجودة اليوم شرقيّ دمشق، ودمشق بكسر الدال، وفتح الميم، وهذا هو المشهور، وحكى صاحب «المطالع» كسر الميم، وهذا الحديث من فضائل دمشق، وفي «عند» ثلاث لغات: كسر العين، وضمها، وفتحها، والمشهور الكسر، وأما المهروذتان فروي بالدال المهملة، والذال المعجمة، والمهملة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين، من أهل اللغة، والغريب، وغيرهم، وأكثر ما يقع في النُّسخ بالمهملة، كما هو المشهور، ومعناه: لابس مهروذتين؛ أي: ثوبين مصبوغين بوَرْس، ثم بزعفران، وقيل: هما شقتان، والشقة نصف الملاءة. انتهى . (بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ) بالدال المهملة، ويُعجم؛ أي: حال كون عيسى -﵇- بينهما، بمعنى لابس حُلّتين مصبوغتين بورس، أو زعفران، قال النوويّ -﵀-: روى بالدال المهملة، والذال المعجمة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين، وأكثر ما يقع في النُّسخ بالمهملة، ومعناه: لابس ثوبين مصبوغين بالورس، ثم الزعفران. انتهى. وقال ابن الأنباريّ: يروى بدال مهملة، أو معجمة؛ أي: بين مِخصرتين، على ما جاء في الحديث، ولا نسمعه إلا فيه، وكذلك أشياء كثيرة لم تُسمع إلا في الحديث، والمخصرة من الثياب التي فيها صفوة خفيفة، كذا في «النهاية» . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «بين مهرودتين»: الرواية الصحيحة بالدال المهملة، والتاء المثناة من فوق، وبعض المحدّثين يقولها بالذال المعجمة، وحكى ابن الأنباريّ أنها تقال بهما، والمعروف الأول، وفي «الصحاح»: هَرَدت الثوب: شققته، والْهِرْدى على وزن فِعْلى بكسر الهاء: نبت يُصبغ به، وثواب مهرود؛ أي: صُبغ أصفر. ولمّا كان هذا هو المعروف في اللغة، اختَلَف الشارحون لهذا اللفظ في هذا الحديث، فقيل: إنا عيسى -﵇- ينزل في شقي ثوب، والشقة نصف الْملاءة، أو في حلّتين، مأخوذ من الْهَرْد، وهو القطع والشقّ، وقال أكثرهم: في ثوبين مصبوغين بالصفرة، وكأنه الذي صُبغ بالْهِرْدَى. وقد اجترأ القتبيّ، وخطّأ النقلة في هذا اللفظ، وقال: هو عندي خطأ من النقلة، وأراه مَهْرُوَّتَين، يقال: هَرَيت العمامةَ: إذا لبستها صفراء، وكأن فعلت منه: هروت، وأنشدوا عليها [من الطويل]: رَأَيْتُكَ هَرَّيْتَ الْعِمَامَةَ بَعْدَمَا … أَرَاكَ زَمَانًا حَاسِرًا لَمْ تُعَصّبِ قال: إنما أراد: أنك لبست العمامة صفراء، كما يلبسها السادة، وكان السيد يعتم بعمامة صفراء، ولا يكون ذلك لغيره. قال القرطبيّ: لقد صدق من قال في ابن قتيبة: هَجُوم، ولّاجٌ على ما لا يُحسن، وقد أخطأ ابن قتيبة فيما خَطّأ فيه الثقات، وأهل التقييد والثبت والعلم من وجهين: أحدهما: حكمه بالخطأ وجرأته به على الأئمة الحفّاظ الثقات العلماء، فكان حقّه أن يتوقف إذا لم يجد محملًا لتلك اللفظة على النحو المرويّ. وثانيهما: إن ما استدلّ به، لا حجَّة فيه، لوجهين قد أشار إليهما أبو بكر فيما حكاه الإمام أبو عبد اللَّه عنه، فقال: ما قاله خطأ؛ لأنَّ العرب لا تقول: هروت الثوب، لكن هريت، ولا يقال أيضًا هريت إلا في العمامة خاصّة، فليس له أن يقيس على العمامة؛ لأنَّ اللغة رواية. قال القرطبيّ: والأصحّ قول الأكثر، ويشهد له ما قد وقع في بعض الروايات بدل «مهرودتين»: «ممصّرتين»، والممصّرة من الثياب هي المصبوغة بالصفرة -واللَّه تعالى أعلم- انتهى . حال كون عيسى -﵇- (وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ) وهذا بيان كيفية نزوله، كما أن ما قبله بيان لكيفية لبسه وجماله، ثم بيّن له حالة أخرى بقوله: (إِذَا طَأْطَأَ) بهمزتين؛ أي: خفص (رَأْسَهُ قَطَرَ)؛ أي: عَرِقَ، (وَإِذَا رَفَعَهُ)؛ أي: رأسه، (تَحَدَّرَ) بتشديد الدال؛ أي: نزل (مِنْهُ)؛ أي: شعر رأسه، (جُمَانٌ)؛ أي: قطرات مثل الجمان، بضم الجيم، وتخفيف الميم، وتُشدّد: حَبّ يُتخذ من الفضة، وقال النوويّ: الجمان بضم الجيم، وتخفيف الميم: هي حبات من الفضة، تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه، فسمّي الماء جمانًا؛ لِشَبَهه به في الصفاء. انتهى. (كَاللُّؤْلُؤِ)؛ أي: في الصفاء والبياض، ففي «النهاية»: الجمان بضم الجيم، وتخفيف الميم: يتخذ من الفضة على هيئة اللآلئ الكبار، قال الطيبيّ -﵀-: شبّهه بالجمان في الكِبَر، ثم شبّه الجمان باللؤلؤ في الصفاء والحسن، فالوجه أن يكون الوجه الكِبَر مع الصفاء والحسن. وفي «القاموس»: الجمان كغراب: اللؤلؤ، أو هنوات أشكال اللؤلؤ، وقيل: الجمان بتشديد الميم: اللؤلؤ الصغار، وبتخفيفها: حَب يُتخذ من الفضة، وقيل: المراد بالجمان في صفة عيسى -﵇-: هو الحَب المتخذ من الفضة. وقال القرطبيّ: قوله: «إذا طأطأ رأسه قطر»؛ أي: إذا خفض رأسه سال منه ماء، يعني به العرق، وهذا نحو مما قال في الحديث الذي تقدّم: «يقطر رأسه ماء، كأنما خرج من ديماس»؛ يعني: الحمّام. وقوله: «إذا رفعه تحدّر منه جمانٌ كاللؤلؤ»: الجمان: ما استدار من اللؤلؤ، والدرّ، ويستعار لكل ما استدار من الحلي، قاله أبو الفرج ابن الجوزيّ، شبّه قطرات العرق بمستدير الجوهر، وهو تشبيه واقع . (فَلَا يَحِلُّ) بكسر الحاء؛ أي: لا يمكن (لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ) بفتح الفاء، (إِلَّا مَاتَ) قال النوويّ: هكذا الرواية: «فلا يحل» بكسر الحاء، «نفسه» بفتح الفاء، ومعنى لا يحل: لا يمكن، ولا يقع، وقال القاضي: معناه عندي حقّ وواجب، قال: ورواه بعضهم بضم الحاء وهو وهم وغلط. قال الطيبيّ -﵀-: معناه لا يحصل، أو لا يحقّ أن يجد من ريح نفسه، وله حال من الأحوال إلا حال الموت، فقوله: «يجد» مع ما في سياقه فاعل «يحل» على تقدر «أن». انتهى . (وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ) قال القرطبيّ: «نفسه» بفتح الفاء، و«طرفه» بسكون الراء، وهو عينه، ويعني بذلك أن اللَّه تعالى قوّى نفس عيسى -﵇- حتى يصل إلى المحل الذي يصل إليه إدراك بصره، فمعناه: أن الكفار لا يقربونه، وإنَّما يهلكون عند رؤيته، ووصول نفسه إليهم، تأييدًا من اللَّه له، وعصمةً، وإظهار كرامةٍ ونعمةٍ. وقال القاري: «ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه» بسكون الراء؛ أي، لحظه، ولمحه، ويجوز كون الدجال مستثنى من هذا الحكم؛ لحكمة إراءة دمه في الحربة؛ ليزداد كونه ساحرًا في قلوب المؤمنين، ويجوز كون هذه الكرامة لعيسى أوّلًا حين نزوله، ثم تكون زائلة حين يرى الدجال؛ إذ دوام الكرامة ليس بلازم، وقيل: النفَس الذي يميت الكافر هو النفَس المقصود به إهلاك كافر، لا النفس المعتاد، فعدم موت الدجال؛ لعدم النفَس المراد، وقيل: المفهوم منه أن من وجد من نفس عيسى من الكفار يموت، ولا يفهم منه أن يكون ذلك أول وصول نفسه، فيجوز أن يحصل ذلك بهم بعد أن يريهم عيسى -﵇- دم الدجال في حربته؛ للحكمة المذكورة. قال: ثم من الغريب أن نفس عيسى -﵇- تعلق به الإحياء لبعض، والإماتة لبعض. انتهى . (فَيَطْلُبُهُ)؛ أي: يطلب عيسى -﵇- الدجّال (حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ) بضم اللام، وتشديد الدال مصروف: اسم جبل بالشام، وقيل: قرية من قرى بيت المقدس، وعليه اقتصر النوويّ، وزاد غيره: سُمّي به لكثرة شجره، وفي «النهاية»: موضع بالشام، وقيل: بفلسطين، (فَيَقْتُلُهُ)؛ أي: الدجّال. (ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْقَ مَرْيَمَ) - علي السلام - (قَوْمٌ، قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ)؛ أي: من شرّ الدجال، (فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ)؛ أي: يزيل عنها ما أصابها من غبار سفر الغزو، ووعثائه مبالغةً في إكرامهم، وفي التلطف بهم، أو المعنى: يكشف ما نزل بهم من آثار الكآبة والحزن على وجوطهم بما يَسُرّهم من خبره بقتل الدجال. وقال القاضي عياض: يَحْتمل أن يكون هذا المسح حقيقة على ظاهره، فيمسح وجوههم تبركًا، وبرًّا، ويحتمل أنه إشارةٌ إلى كشف ما هم فيه من الشدّة والخوف. انتهى. (وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ)؛ أي: بما أعدّه -﷿- لهم من الدرجات بصبرهم، ومصابرتهم على فتن الدجّال. (فَبَيْنَمَا هُوَ) أي الشأن، أو عيسى -﵇- (كَذَلِكَ، إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى) -﵇- (إِنِّي) بكسر الهمزة، وفتحها، (قَدْ أَخْرَجْتُ)؛ أي: أظهرت (عِبَادًا لِي)؛ أي: جماعة منقادة لقضائي، (لَا يَدَانِ)؛ أي: لا قدرة، ولا طاقة (لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ) وإنما عبّر عن الطاقة باليد؛ لأن المباشرة والمدافعة إنما تكون باليد، وثنّى مبالغةً، كأن يديه معدومتان لعَجْزه عن دفعه، ويمكن أن يكون في التثنية إيماء إلى العجز عنهما جميعًا. (فَحَرِّزْ) من التحريز، مأخوذ من الحرز؛ أي: احفظ، وضمّ (عِبَادِي إِلَى الطُّورِ)؛ أي: اجعله لهم حرزًا، والطور هو الجبل المعروف. وقال القرطبيّ: قوله: «لا يدان»: أي لا قدرة لأحد على قتال يأجوج ومأجوج، يقال: لا يد لفلان بهذا الأمر؛ أي: لا قوة. وقوله: «فحرِّز عبادي إلى الطور»: هذه الرواية الصحيحة بالزاي؛ أي: ارتحل بهم إلى جبل يحرزون فيه أنفسهم، والطور: الجبل بالسريانية. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك هو طور سيناء، وقد رواه بعضهم: حوِّز بالواو، ولم تقع لنا هذه الرواية، ومعناها واضح، وهو بمعنى الأُولى. انتهى . وقال النوويّ: قوله: «لا يدان» بكسر النون: تثنية يد، قال العلماء: معناه: لا قدرة، ولا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان؛ لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد، وكأن يديه معدومتان؛ لعجزه عن دفعه، ومعنى حَرِّزهم إلى الطور؛ أي: ضمهم، واجعله لهم حرزًا، يقال: أحرزت الشيء أُحرزه إحرازًا: إذا حَفِظته، وضممته إليك، وصُنته عن الأخذ، ووقع في بعض النسخ: «حَزِّب» بالحاء والزاي، والباء؛ أي: اجمعهم، قال القاضي: ورُوي: حَوِّز بالواو، والزاي، ومعناه: نَحِّهم، وأزلهم عن طريقهم إلى الطور. انتهى. (وَيَبْعَثُ)؛ أي: يُخرج (اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) بالهمزة، ودونها، وهما القبيلتان المعروفتان، تقدّم الكلام فيهما، وقوله: (وَهُمْ)؛ أي: جميع القبيلتين، على حدّ قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] (مِنْ كُلِّ حَدَبٍ) بفتحتين؛ أي: مكان مرتفِع من الأرض، (يَنْسِلُونَ) بفتح الياء، وكسر السين؛ أي: يسرعون. وقال القرطبيّ: قد تقدّم القول في يأجوج ومأجوج في أول «كتاب الفتن»، والحدب: النشز من الأرض، وهي الآكام، والكداء، وينسلون: من النسلان، وهي مقاربة الخطو مع الإسراع، كمشي الذئب: إذا بادر، قاله القتبيّ. وقال الزجاج: ينسلون: يسرعون. (فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ) بالإضافة، وبحيرة تصغير بحرة، وهي ماء مجتمع بالشام، طوله محشرة أميال، وطبرية بفتحتين: اسم موضع، وقيل: هي قصبة الأردن بالشام . (فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ)؛ أي: البحيرة، أو البقعة (مَرَّةً)؛ أي: وقتًا من الأوقات الماضية (مَاءٌ) كثير، (وَيُحْصَرُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُحبس (نَبِيُّ اللَّهُ عِيسَى) -﵇- (وَأَصْحَابُهُ) المؤمنون في جبل الطور، (حَتَّى يَكُونَ)؛ أي: يصير من شدة المحاصرة والمضايقة (رَأْسُ الثَّوْرِ)؛ أي: البقر، مع كمال رخصه في تلك الديار، (لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ) قال التوربشتيّ -﵀-؛ أي: تبلغ بهم الفاقة إلى هذا الحدّ، وإنما ذكر رأس الثور ليقاس البقية عليه في القيمة. (فَيَرْغَبُ) أي إلى اللَّه، أو يدعو (نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى) -﵇-، فيه تنبيه نَبِيه على أن عيسى -﵇- مع متابعته لشريعة محمد -ﷺ- باق على نبوّته. (وَأَصْحَابُهُ) قال القاضي: أي يرغبون إلى اللَّه تعالى في إهلاكهم، وإنجائهم عن مكابدة بلائهم، ويتضرعون إليه، فيستجيب اللَّه تعالى، فيهلكهم بالنغف، كما قال: (فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهُمُ)؛ أي: على يأجوج ومأجوج، (النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ) بفتح النون والغين المعجمة: هي دود يكون في أنوف الإبل والغنم، الواحدة نغفة، وهي وإن كانت محتقرة، فإتلافها شديد، ويقال للرجل الحقير: ما أنت إلا نغفة. (فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى) كهلكى وزنًا ومعنى، وهو جمع فريس، كقتيل وقتلى، من فرس الذئب الشاة: إذا كسرها، وقتلها، ومنه فريسة الأسد. (كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) لكمال القدرة، وتعلق المشيئة، قال تعالى ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، قال التوربشتيّ -﵀-: يريد أن القهر الإلهيّ الغالب على كل شيء يَفرسهم دفعة واحدة، فيصبحون قتلى، وقد نبّه بالكلمتين -أعني: النغف، وفرسى- على أنه -﷾- يهلكهم في أدنى ساعة، بأهون شيء، وهو النغف، فيفرسهم فرس السبع فريسته، بعد أن طارت نعرة البغي في رؤوسهم، فزعموا أنهم قاتِلوا من في السماء . (ثُمَّ يَهْبِطُ) بكسر الموحّدة، من باب ضرب؛ أي: ينزل من الطور (نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى) -﵇- (وَأَصْحَابُهُ) المؤمنون (إِلَى الأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ) أي: في وجهها جميعًا، وهذا هو وجه العدول عن الضمير إلى الظاهر، فاللام في الأُولى للعهد، وفي الثانية للاستغراق، بدليل الاستثناء، وبه يتبيّن أن القاعدة المعروفة: أن المعرفة إذا أعيدت تكون عين الأُولى مبنية على الغالب، أو حيث لا قرينة صارفة . قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار بقوله: وبه يتبيّن إلخ إلى القاعدة التي ذكرها السيوطيّ -﵀- في «عقود الجمان»، حيث قال: ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا اتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ شَاهِدُهَا الَّذِي رَوينَا مُسْنَدَا … لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ … وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ قال الجامع: قد أجبت عن استشكال السبكي المذكور، فقلت: قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسَتْعْمَلُ (مَوْضِعَ شِبْرٍ، إِلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ) بفتح الزاي والهاء، وقد تضم الزاي، وتفسيره قوله: (وَنَتْنُهُمْ) بسكون التاء، قال التوربشتيّ -﵀-: الزهم بالتحريك مصدر قولك: زَهِمت يدي بالكسر، من الزهومة، فهي زَهِمة؛ أي: دَسِمة، وعليه أكثر الروايات فيما أعلم، وفيه من طريق المعنى وهنٌ، وضم الزاي مع فتح الهاء أصح معنى، وهو جمع زُهمة؛ يعني: بضم الزاي وسكون الهاء، وهي الريح المنتنة. وفي «القاموس»: الزُّهومة، والزُّهمة بضمها: ريح لحمِ سمينٍ منتن، والزُّهْم بالضم: الريح المنتنة، وبالتحريك: مصدر زَهِمت يدي، كفَرِح، فهي زهمة؛ أي: دسمة. انتهى. (فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى) -﵇- (وَأَصْحَابُهُ) المؤمنون (إِلَى اللَّهِ) -﷾- أن يزيل عنهم تلك الزهمة، (فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا) جمع طائر، وقد يقع على الواحد، والمراد هنا الأول، ولذا قال بعده: «فتحملهم». (كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ) بضم الموحّدة، وسكون الخاء المعجمة: نوع من الإبل؛ أي: طيرًا أعناقها في الطول والكبر كأعناق البخت، (فَتَحْمِلُهُمْ)؛ أي: تحمل تلك الطير يأجوج ومأجوج؛ أي: جُثثهم (فَتَطْرَحُهُمْ)؛ أي: ترميهم (حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ) من البحار، أو مما وراء الديار المعمورة. (ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا)؛ أي: عظيمًا (لَا يَكُنُّ) بفتح الياء، وضم الكاف، وتشديد النون، من كننتُ الشيءَ، من باب نصر؛ أي: سترته، أو بضمّ أوله وكسر ثانيه، من أكننت الشيء بهذا المعنى، والمفعول محذوف، والجملة صفة «مطرًا»؛ أي: لا يستر، ولا يصون شيئًا (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك المطر، (بَيْتُ مَدَرٍ) بفتحتين: أي تراب وحجر، (وَلَا وَبَرٍ) بفتحتين؛ أي: صوف، أو شعر، والمراد: تعميم بيوت أهل البدو، والحضر، قال النوويّ: أي لا يمنع من نزول الماء بيت المدر، وهو الطين الصلب، وقال القاضي: أي لا يحول بينه وبين مكان ما حائل، بل يعمّ الأماكن كلها. وقال القرطبيّ: أي لا يستر من ذلك المطر؛ لكثرته بيت مبنيّ بالطين، وبيت شعر، ولا وبر. (فَيَغْسِلُ) ذلك المطر (الأَرْضَ)؛ أي: وجهها كلها (حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ) بفتح الزاي واللام، وتُسكن، وبالفاء، وقيل: بالقاف، وهي المرآة، بكسر الميم، وقيل: ما يُتخذ لجمع الماء من المصنع، والمراد أن الماء يعم جميع الأرض، بحيث يرى الرائي وجهه فيه، قال النوويّ -﵀-: روي بفتح الزاي واللام، وبالفاء، وبالقاف، ورُوي بضم الزاي، وإسكان اللام، وبالفاء، وقال القاضي -﵀-: رُوي بالفاء، والقاف، وبفتح اللام، وبإسكانها، وكلها صحيحة. قال: واختلفوا في معناها، فقال ثعلب، وأبو زيد، وآخرون: معناه كالمرآة، وحَكَى صاحب «المشارق» هذا عن ابن عباس أيضًا، شبّهها بالمرآة في صفائها، ونظافتها، وقيل: معناه كمصانع الماء؛ أي إن الماء يستنقع فيها حتى تصير الأرض كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء، وقال أبو عبيدة: معناه الإجانة الخضراء، وقيل: كالصحفة، وقيل: كالروضة. انتهى . (ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي) أي: إلى أهلك (بَرَكَتَكِ) أي: من سائر نِعمك، (فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ) بكسر العين؛ أي: الجماعة، (مِنَ الرُّمَّانَةِ)؛ أي: ويشبعون منها (وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا) بكسر القاف؛ أي: بقشرها، قال النوويّ -﵀-: هو مقعر قشرها، شبّهها بقحف الآدميّ، وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: هو ما انفلق من جمجمته، وانفصل، وقيل: أراد نصف قشرها الأعلى، وهو في الأصل: العظم المستدير فوق الدماغ، وهو أيضًا إناء من خشب على مثاله، كأنه نصف صاع، واستعير هنا لِمَا يلي رأسها من القشرة، (وَيُبَارَكُ) بصيغة المجهول: أي توضع البركة، والكثرة (فِي الرِّسْلِ) بكسر الراء، وسكون السين؛ أي: اللَّبَن، (حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ) بكسر اللام، وتُفتح؛ أي: الناقة الحلوبة، قال النوويّ: اللقحة بكسر اللام، وفتحها لغتان مشهورتان، والكسر أشهر، وهي القريبة العهد بالولادة، وجمعها لِقَحٌ، بكسر اللام، وفتح القاف، كبِرْكَةٍ وبِرَك، واللقوح ذات اللبن، وجمعها لقاح. انتهى. وقوله: (مِنَ الإِبِلِ) بيان للّقحة، (لَتَكْفِي)؛ أي: لبنها، (الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ) بهمز على زنة رجال، والعامة تبدل الهمز ياء: الجماعة من الناس، ولا واحد له من لفظة، والمراد به هنا: أكثر من القبيلة، كما أن القبيلة أكثر من الفخذ، وقال النوويّ: الفئام بكسر الفاء وبعدها همزة ممدودة: هي الجماعة الكثيرة، هذا هو المشهور المعروف في اللغة، وروايةِ الحديث، بكسر الفاء، وبالهمز، قال القاضي: ومفهم من لا يجيز الهمز، بل يقوله بالياء، وقال في «المشارق»: وحكاه الخليل بفتح الفاء، قال: وذكره صاحب «العين» غير مهموز، وأدخله في حرف الياء، وحكى الخطابي أن بعضهم ذَكَره بفتح الفاء، وتشديد الياء، وهو غلط فاحش. انتهى . (وَاللِّقْحَةَ) بالنصب عطفًا على اسم «إن»؛ أي: إن اللقحة (مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ) بالنصب أيضًا؛ لِمَا ذُكر. (مِنَ الْغَنَم لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ) قال النوويّ: قال أهل اللغة: الفخذ: الجماعة من الأَقارب، وهو دون البطن، والبطن دون القبيلة، قال القاضي: قال ابن فارس: الفخذ هنا بإسكان الخاء، لا غير، فلا يقال: إلا بإسكانها، بخلاف الفخذ التي هي العضو، فإنها تكسر، وتسكن. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: الفخذ: دون القبيلة، وفوق البطن، قال الزبير بن بكار: العرب على ست طبقات: شعبٌ، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة، وما بينهما من الآباء، فإنَّها يعرفها أهلها، وسُمّيت بالشعوب؛ لأنَّ القبائل تتشعّب منها، وسمّيت القبائل بذلك؛ لأنَّ العمائر تقابلت عليها، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ. قال ابن فارس: لا يقال في فخذ النسب إلا بسكون الخاء، بخلاف الجارحة، تلك يقال بكسر الخاء، وسكونها، وبكسر الفاء أيضًا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أوصل بعضهم أنساب العرب إلى عشرة أقسام، فنظمت ذلك بقولي: اعْلَمْ بِأَنَّ الْعُرْبَ فِي الأَنْسَابِ قَدْ … انْقَسَمَتْ عَشَرَةً فَاسْمَعْ تُفَدْ جِذْمٌ فَجُمْهُورٌ فَشَعْبٌ فَقَبِيلْ … عَمَارَةٌ بَطْنٌ فَفَخْذٌ يَا نَبِيلْ عَشِيرَةٌ فَصِيلَةٌ رَهْطٌ خَتَمْ … وَبَعْضُهُمْ خِلَافَ هَذَا قَدْ رَسَمْ (فَبَيْنَمَا) ظرف متعلّق بـ «بعث»، و«ما» عوض عن المضاف إليه، وقوله: (هُمْ) مبتدأ خبره قوله (كَذَلِكَ)؛ أي: يتنعّمون بما فتح اللَّه عليهم من بركات الأرض، وقوله: (إِذْ) للمفاجأة؛ أي: بين أوقات يتنعمون في طيب عيش وسعة رزق فاجأهم أن (بَعَثَ اللَّهُ) -﷿- (رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ) بهمزة ممدودة: جمع إبط، (فَتَقْبِضُ) تلك الريح، أسند القبض إلى الريح مجازًا، (رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ مُسْلِمٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم: «وكلّ مَسلم» بالواو، يعني كان الظاهر أن يكون بأو التي للشك، فإنه لا فرق بين المؤمن والمسلم، فالمقصود المبالغة في التعميم، والتغاير باعتبار اختلاف الوصفين، كما في التنزيل: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، أو بناء على الفرق اللغوي بينهما، من أن المراد بالمؤمن: المصدق، وبالمسلم: المنقاد، لكن لمّا كان أحدهما لا ينفع بدون الآخر، جُعل الموصوف بهما واحدًا، وأُطلق عليه كل واحد من الوصفين بطريق التساوي، أو لكون أحدهما غالبًا عليه في نفس الأمر. وقال الطيبيّ -﵀-: المراد بالتكرار هنا: الاستيعاب؛ أي: تقبض روح خيار الناس كلهم. (وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ) بكسر الشين: جمع شرّ، (يَتَهَارَجُونَ)؛ أي: يختلطون (فِيهَا)؛ أي: في تلك الأزمنة، أو في تلك الأرض، (تَهَارُجَ الْحُمُرِ)؛ أي: كاختلاطها، ويتسافدون، وقيل: يتخاصمون، فإن الأصل في الهرج: القتل، وسرعة عَدْو الفرس، وهَرِج في حديثه؛ أي: خلط، وقال النوويّ -﵀-: أي يجامع الرجل النساء علانية بحضرة الناس، كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك، والهرج بإسكان الواء: الجماع، ويقال: هرج زوجته؛ أي: جامعها، يهرجها بفتح الراء، وضمها، وكسرها، (فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ») أي: لا على غيرهم، وسيأتي عند مسلم حديث:«لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس»، وقدا تقدّم له في«كتاب الإيمان»حديث:«لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: اللَّه اللَّه»، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النوّاس بن سمعان -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٧٣٤٣ و٧٣٤٤] (٢٩٣٧)، و(أبو داود) في«الملاحم»(٤٣٢١)، و(الترمذيّ) في«الفتن»(٢٢٤٠)، و(ابن ماجه) في«الفتن»(٤١٢٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ١٨١)، و(الحاكم) في«المستدرك»(٤/ ٥٣٨)، و(الطبرانيّ) في«مسند الشاميين»(١/ ٣٥٦)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٢/ ٩٣٣)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(١٥/ ٥٤)، و(ابن عساكر) في«تاريخ دمشق» (٢/ ٢١٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ -ﷺ- حيث أخبر بما سيقع، وسيقع كما أخبر -ﷺ-. ٢ - (ومنها): بيان شدّة اهتمام النبيّ -ﷺ- في ذكر الدجّال، وبيان ما يظهر علي يديه مما يفتن به الناس. ٣ - (ومنها): بيان عناية اللَّه -﷾- وعظيم فضله على هذه الأمة حيث يدفع عن سوء هذا اللعين، فيستطيع كل مسلم أن يدفع عنه فتنة الدجال بإبطال حججه، ودحض تمويهاته. ٤ - (ومنها): بيان بعض ما يظهر على يدي الدجّال من الشبهات، كأمره السماء أن تمطر، والأرض أن تنبت في يوم واحد، ويستغني أتباعه بذلك، حتى إن من كان منهم فقيرًا في أول النهار يصير من الأثرياء آخر النهار. ٥ - (ومنها): أن في قوله -ﷺ-: «فاقدروا قدره» لعل فيه إشارة إلى تيسر التقدير على المسلمين في ذلك الوقت، بوجود آلات التقدير كالساعة الموجودة الآن، أو نحو ذلك، واللَّه على كل شيء قدير. ٦ - (ومنها): التنويه بنزول عيسى -﵇- رحمة من اللَّه لهذه الأمة حيث يقتل الدجال بباب لُدّ، فيريح المؤمنين، ويكتب الكافرين. ٧ - (ومنها): بيان خروج يأجوج ومأجوج، ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]. ٨ - (ومنها): بيان لُطف اللَّه تعالى بالمؤمنين حيث يأمر عيسى -﵇- بأن يحرزهم بالطور. ٩ - (ومنها): بيان آية اللَّه تعالى في إهلاك يأجوج ومأجوج بإرسال النغف في رقابهم فيموتون موتة واحدة. ١٠ - (ومنها): بيان الريح الطيبة التي تأتي آخر الزمان، فتقبض روح كل مؤمن، ومؤمنة، وهذا من فضل اللَّه تعالى على المؤمنين حتى لا يدركهم هول قيام الساعة، وهم أحياء. ١١ - (ومنها): بيان أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وهم الكفّار؛ إهانة لهم، وانتقامًا منهم، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٤٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ -قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ الآخَرِ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ مَا ذَكَرْنَا ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «لَقَدْ كانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ، وَهُوَ جَبَلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ، مَخْضُوبَةً دَمًا»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: «فَإِنِّي قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَيْ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المرزويّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ أبو إسماعيل الدمشقيّ، ثقة [٨]. روى عن أبيه، وعمه يزيد، وإسماعيل بن عبيد اللَّه بن أبي المهاجر، ومحمد بن الحجاج الخولانيّ، وغيرهم. وروى عنه الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد، وسليمان بن عبد الرحمن، ومحمد بن المبارك الصوريّ، وهشام بن عمار، وعلي بن حجر، وغيرهم. قال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين: لا بأس به، وكذا قال النسائيّ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وكان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة، أو أربع عشرة سنة. أخرج له المصنّف، وأبو داود في «القدر»، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ الآخَرِ)؛ يعني: أن حديث عبد اللَّه بن عبد الرحمن، وحديث الوليد بن مسلم تداخلا، فلم يتميّز حديث أحدهما من حديث الآخر، ومثل هذا لا يضرّ؛ لأن كليهما ثقتان، وقد تقدّم نظيم هذا في حديث الزهريّ لقصّة الإفك، فلا تنس. وقوله: (بِهذَا الإِسْنَادِ إلخ) يعني عن يحيى بن جابر الطائيّ، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن النوّاس بن سمعان -﵁-. وقوله: (وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ إلخ) فاعل «زاد» ضمير عليّ بن حجر. وقوله: (ثُمَّ يَسِيرُونَ)؛ أي: يأجوج ومأجوج، (حَتَّى يَنْتَهُوا)؛ أي: يصلوا (إِلَى جَبَل الْخَمَرِ) بخاء، معجمة، وميم مفتوحتين، وقد فسّره الراوي بقوله: (وَهوَ جَبَل بَيْتِ المَقْدِسِ) والخمر في الأصل: هو الشجر الملتفّ الذي يستر مَن فيه. (فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ)؛ أي: كل من ظهر منهم، وقد سبق أن عيسى -﵇- قد حرّز المؤمنين في الطور، فلم يعلم به يأجوج ومأجوج. وقوله: (هَلُمَّ) بمعنى أقبلوا، قال الفيّوميّ -﵀-: هَلُمَّ كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تعال، قال الخليل: أصله لُمَّ، من الضم والجمع، ومنه: لمّ اللَّه شعثه، وكأن المنادي أراد: لُمَّ نفسك إلينا، و«هَا» للتّنبيه، وحُذفت الألف تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وجُعلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ؛ أي: قُصِد، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء، وأهل الحجاز ينادُون بها بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجد تَلْحَقها الضمائرُ، وتطابق، فيقال: هَلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلًا، فيلحقونها الضمائر، كما يلحقونها قُم، وقوما، وقوموا، وقمن، وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قيس بعدُ، وإلحاق الضمائح من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتستعمل لازمة، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾: أي: أقبل، ومتعدية، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]؛ أي: أحضروهم. انتهى . وقوله: (فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)؛ أي: الملائكة. وقوله: (فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ) قال القاري: الباء زائدة، (إِلَى السَّمَاءِ)؛ أي: يرمي يأجوج ومأجوج بسهامهم نحو السماء. والنّشَّاب بضمّ النون، وتشديد الشين المعجمة، الواحدة نُشَّابَةٌ، وهي النبل، مشتق من نَشِبَ الشيءُ في الشيء، من باب تَعِبَ نُشُوبًا: عَلِق، فهو نَاشِبٌ وقوله: (مَخْضُوبَةً دَمًا)؛ أي: مصبوغة، و«دمًا» تمييز، وهذا مكر، واستدراج منه -﷾-، مع احتمال إصابة سهامهم لبعض الطيور في السماء، فيكون فيه إشارة إلى إحاطة فسادهم بالسفليات والعلويات . وقوله: (لَا يَدَيْ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ)؛ أي: قال علي بن حجر: «لا يدي» بالتثنية بدل قولا زهير: «لا يدان»، و«يدي» منصوب على أنه اسم «لا» التي لنفي الجنس، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه من المثنى الذي رَفْعه بالألف، ونصبه وجرّه بالياء، وهو مضاف لـ «أحد»، واللام زائدة، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عليّ بن حجر هذه ساقها الترمذيّ -﵀- في «جامعه» بسند المصنّف، فقال: (٢٢٤٠) - حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا الوليد بن مسلم، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، دخل حديث أحدهما في حديث الآخر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائيّ، عن عبد الرحمن بن جُبير عن أبيه جبير بن نُفير، عن النوّاس بن سَمعان الكلابيّ قال: ذكر رسول اللَّه -ﷺ- الدجّال ذات غداة، فخفض فيه، ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: فانصرفنا من عند رسول اللَّه -ﷺ-، ثم رجعنا إليه، فعَرَف ذلك فينا، فقال: «ما شأنكم؟» قال: قلنا: يا رسول اللَّه ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه، ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: «غير الدجال أخوف لي عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج، ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه، واللَّه خليفتي على كل مسلم، إنه شابّ، قَطَطٌ، عينه طافئة، شبيه بعبد العزى بن قَطَن، فمن رآه منكم، فليقرأ فواتح سورة أصحاب الكهف -قال-: يخرج ما بين الشام والعراق، فعاث يمينًا، وشمالًا، يا عباد اللَّه اثبتوا»، قال: قلنا: يا رسول اللَّه وما لَبْثه في الأرض؟ قال: «أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم». قال: قلنا: يا رسول اللَّه أرأيت اليوم الذي كالسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، ولكن اقدروا له». قال: قلنا: يا رسول اللَّه فما سرعته في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح، فيأتي القوم، فيَدْعُوهم، فيكذبونه، ويردّون عليه قوله، فينصرف عنهم، فتتبعه أموالهم، ويصبحون ليس بأيديهم شيء، ثم يأتي القوم، فيدعوهم، فيستجيبون له، ويصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم، كأطول ما كانت ذُرًا، وأمدّه خواصر، وأدرّه ضروعًا، قال: ثم يأتي الخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فينصرف منها، فيتبعه كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلًا شابًّا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين، ثم يدعوه، فيُقبل يتهلل وجهه، يضحك، فبينما هو كذلك، إذ هبط عيسى ابن مريم؛ بشرقيّ دمشق، عند المنارة البيضاء، بين مهرودتين، واضعًا يديه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدّر منه جمان كاللؤلؤ، قال: ولا يجد ريح نَفَسه -يعني أحد- إلا مات، وريح نَفَسه منتهى بصره، قال: فيطلبه حتى يدركه بباب لُدّ، فيقتله، قال: فيلبث كذلك ما شاء اللَّه، قال: ثم يوحي اللَّه إليه أن حَرِّز عبادي إلى الطور، فإني قد أنزلت عبادًا لي لا يَدَان لأحد بقتالهم، قال: ويبعث اللَّه يأجوج ومأجوج، وهم كما قال اللَّه: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، قال: فيمر أولهم ببحيرة الطبرية، فيشرب ما فيها، ثم يمر بها آخرهم، فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء، ثم يسيرون، حتى ينتهوا إلى جبل بيت مقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هَلُمّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنُشّابهم إلى السماء، فيردّ اللَّه عليهم نشّابهم مُحَمَّرًا دمًا، ويُحاصر عيسى ابن مريم وأصحابه، حتى يكون رأس الثور يومئذٍ خيرًا لأحدهم من مائة دينار لأحدكم اليوم، قال: فيرغب عيسى ابن مريم إلى اللَّه وأصحابه، قال: فيرسل اللَّه إليهم النَّغَفَ في رقابهم، فيصبحون فرسى موتى كموت نَفْس واحدة، قال: ويهبط عيسى وأصحابه، فلا يجد موضع شبر إلا وقد ملأته زَهْمتهم، ونَتْنهم، ودماؤهم، قال: فيرغب عيسى إلى اللَّه وأصحابه، قال: فيرسل اللَّه عليهم طيرًا كأعناق البخت، قال: فتحملهم، فتطرحهم بالْمَهْبَل ، ويستوقد المسلمون من قسيّهم، ونشّابهم، وجعابهم سبع سنين، قال: ويرسل اللَّه عليهم مطرًا، لا يُكِنّ
مصادر المؤلف (٥٣)

١. وفي نسخة: «عينه عنبة طافئة».

٢. وفي نسخة: «فمن أدرك».

٣. وفي نسخة: «وأمى بيده».

٤. وفي نسخة: «فيغسل اللَّه الأرض».

٥. راجع: «تحفة الأشراف» ٩/ ٥٩ - ٦١.

٦. «المصباح المنير»٢/ ٤٤٣.

٧. «شرح النوويّ»١٨/ ٦٣.

٨. «المفهم»٢٣/ ١١٣.

٩. «المفهم» ٧/ ٢٧٦.

١٠. «شرح النوويّ» ١٨/ ٦٤ - ٦٥.

١١. «المفهم» ٧/ ٢٧٦.

١٢. رواه أبو داود برقم (٤٣٢١).

١٣. «المفهم» ٧/ ٢٧٦ - ٢٧٧.

١٤. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٥/ ٤٨٤.

١٥. «المفهم» ٧/ ٢٧٧ - ٢٧٨.

١٦. «الفتح» ٨/ ٨٣.

١٧. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٥/ ٤٨٤.

١٨. وفي نسخة: «فمن أدرك».

١٩. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٥/ ٤٩٠.

٢٠. «شرح النوويّ» ١٨/ ٦٥.

٢١. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٥/ ٤٩٠.

٢٢. «المفهم» ٧/ ٢٧٨ - ٢٧٩.

٢٣. «شرح النوويّ» ١٨/ ٦٥.

٢٤. «الكاشف عن حقائق السنن»١١/ ٣٤٥٣.

٢٥. رواه برقم (٤٣١٩).

٢٦. «المفهم»٧/ ٢٧٩.

٢٧. راجع:«مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٥/ ٤٩٠.

٢٨. «المفهم» ٧/ ٢٧٩ - ٢٨١.

٢٩. «مرقاة المفاتيح» ١٥/ ٤٩٠.

٣٠. «المفهم» ٧/ ٢٨١.

٣١. «مرقاة المفاتيح» ١٥/ ٤٩٠.

٣٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٥٣.

٣٣. «المفهم» ٧/ ٢٨٢.

٣٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٥٣.

٣٥. «المفهم» ٧/ ٢٨٢.

٣٦. «شرح النوويّ» ١٨/ ٦٧.

٣٧. «مرقاة المفاتيح» ١٥/ ٤٩٠.

٣٨. «المفهم» ٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣.

٣٩. «المفهم» ٧/ ٢٨٤.

٤٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٥٦.

٤١. «مرقاة المفاتيح» ١٥/ ٤٩٠.

٤٢. «المفهم» ٧/ ٢٨٥.

٤٣. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ٣٨٨.

٤٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٥٦.

٤٥. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ٣٨٨.

٤٦. «شرح النوويّ» ١٨/ ٦٩.

٤٧. «شرح النوويّ» ١٨/ ٦٩.

٤٨. «المفهم» ٧/ ٢٨٦.

٤٩. وفي نسخة:«نحو ما ذكرناه».

٥٠. وفي نسخة: «لا يد».

٥١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.

٥٢. «مرقاة المفاتيح» ١٦/ ٢.

٥٣. بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح الموحّدة: موضع، وقيل: مكان ببيت المقدس.