HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٥٦

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يعني الدراوردي) عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول الله ﷺ «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص210
ج ٤ ص ٢٢٧٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص٤٣
وأما الرقاق، بكسر الراء، وتخفيف القاف، وكذا الرقائق، فهي: جمع رقيقة، وسُمِّيت هذه الأحاديث بذلك؛ لأن في كل منها ما يُحدث في القلب رِقّة، قال أهل اللغة: الرقة: الرحمة، وضدّ الغِلَظ، ويقال للكثير الحياء: رَقّ وجهه استحياءً، وقال الراغب: متى كانت الرقة في جسم، فضدّها الصَّفَاقة، كثوب رقيق، وثوب صَفيق، ومتى كانت في نفس، فضدّها القسوة، كرقيق القلب، وقاسي القلب، وقال الجوهريّ: وترقيق الكلام: تحسينه، ذكره في «الفتح» . (١) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَيَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٨٧] (٢٩٥٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) وهو ابن (٩٠) سنةً (ع)، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوق، كان يحدِّث من كتب غيره فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه عن عبيد الله العمري منكر [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع)، تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٣ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْل - بكسر المعجمة، وسكون الموحدة - المدنيّ، صدوقٌ، رُبَّما وَهِم [٥] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ز م ٤)، تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ المدنيّ، مولى الْحُرَقة - بضم المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف - ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن أهلها، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الدُّنْيَا)؛ أي: الحياة الدنيا، (سِجْنُ الْمُؤْمِنِ) بالنسبة لِمَا أُعدَّ له في الآخرة من النعيم المقيم، (وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) بالنسبة لِمَا أمامه من عذاب الجحيم، وعما قريب يحصل في السجن المستدام نسأل الله السلامة يوم القيامة، وقيل: المؤمن صَرَف نفسه عن لذاتها، فكأنه في السجن؛ لِمَنْع الملاذّ عنه، والكافر سَرَّحها في الشهوات، فهي له كالجنة. وقال النوويّ - ﵀ -: معناه أن كل مؤمن مسجون، ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة، والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم، والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلّته، وتكديره بالمنغِّصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم، وشقاء الأبد. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: إنما كانت الدنيا كذلك؛ لأن المؤمن فيها مقيّد بقيود التكاليف، فلا يقدر على حركة، ولا سكون إلا أن يفسح له الشرع، فيفك قيده، ويُمكنه من الفعل، أو الترك، مع ما هو فيه من توالي أنواع البلايا، والمحن، والمكابدات من الهموم، والغموم، والأسقام، والآلام، ومكابدة الأنداد، والأضداد، والعيال، والأولاد، وعلى الجملة يبتلى المرء على حسب دينه. أخرج الترمذيّ عن سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشدّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح . وأيُ سجن أعظم من هذا؟ ثم هو في هذا السجن على غاية الخوف والوجل؛ إذ لا يدري بماذا يُختم له من عمل، كيف وهو يتوقّع أمرًا لا شيء أعظم منه، ويخاف هلاكًا لا هلاك فوقه؟! فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك مكانه، لكن الله - ﷿ - لطف به، فهوّن عليه ذلك كلّه بما وعده على صبره، وبما كشف له من حميد عاقبة أمره. والكافر منفكّ عن تلك الحالات بالتكاليف، آمِن من تلك المخاويف، مقبلٌ على لذّاته، منهمك في شهواته، مغترّ بمساعدة الأيام، يأكل، ويتمتع، كما تأكل الأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام، ويحصل في السجن الذي لا يرام، فنسأل الله السلامة من أهوال يوم القيامة. انتهى . وقال السهرورديّ - ﵀ -: إن السجن، والخروج منه يتعاقبان على قلب العبد المؤمن على توالي الساعات، ومرور الأوقات؛ لأن النفس كلما ظهرت صفاتها أظلم الوقت على القلب، حتى ضاق، وانكمد، وهل السجن إلا تضييق، وحجر من الخروج والولوج؟ فكلما هَمّ القلب بالتبري عن مشائم الأهواء الدنيوية، والتخلص عن قيود الشهوات العاجلة؛ تَشَهِّيًا إلى الآجلة، وتَنَزّهًا في فضاء الملكوت، ومشاهدةً للجمال الأزليّ حَجَزه الشيطان المردود عن هذا الباب المطرود بالاحتجاب، فتدلى بحبل النفس الأمّارة إليه، فكدّر صفو العيش عليه، وحال بينه وبين محبوب طبعه، وهذا من أعظم السجون، وأضيقها، فإن من حيل بينه وبين محبوبه ضاقت عليه الأرض بما رحبت،
مصادر المؤلف (٤)

١. «الفتح» ١٤/ ٤٩١.

٢. «شرح النوويّ» ١٨/ ٩٣.

٣. «جامع الترمذيّ» ٤/ ٦٠١.

٤. «المفهم» ٧/ ١٠٩ - ١١٠.