HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٧٣

حدثنا أبو كريب، محمد بن العلاء بن كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أبيه، عن عائشة قالت: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد. إلا شطر شعير في رف لي. فأكلت منه حتى طال علي. فكلته ففني.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص218
ج ٤ ص ٢٢٨٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص١٣٩
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٢١] (٢٩٧٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ، فَفَنِيَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد ذُكروا قبله. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -؛ أنها (قَالَتْ: تُوُفِّيَ) بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَ) الحال أنه (مَا فِي رَفِّي) - بفتح الراء، وتشديد الفاء -: خشبة عريضة، يُغرَز طرفاها في الجدار، وهو شبه الطاق في البيوت، قاله في «العمدة»، وقال في «الفتح»: قال الجوهريّ: الرفّ: شِبْهُ الطاق في الحائط، وقال عياض: الرف خشب يُرتفع عن الأرض في البيت، يوضع فيه ما يراد حفظه، قال الحافظ: والأول أقرب للمراد. انتهى . وقولها: (مِنْ شَيْءٍ) «من» زائدة للتوكيد، و«شيء» مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله، وقوله: (يَأْكُلُهُ) صفة «شيء»، (ذُو كَبِدٍ) بالفتح، والكسر، وككتف من الأمعاء معروف، يؤنّث، وقد يذكّر، جمعه أكباد، وكُبُود . (إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ)؛ أي: نصفه، والمراد هنا: نصف وسق شعير، وقال في «الفتح»: المراد بالشطر هنا: البعض، والشطر يُطلق على النصف، وعلى ما قاربه، وعلى الجهة، وليست مرادة هنا، ويقال: أرادت نصف وسق. انتهى . (فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ) زمن أَكْله، (فَكِلْتُهُ)، بكسر الكاف، (فَفَنِيَ) بكسر النون؛ أي: فرغ، ونفِد، تعني أنها ما زالت تأكل منه قبل أن تكيله، فلما كالته نفِد، وفرغ. قال ابن بطال - ﵀ -: حديث عائشة - ﵂ - هذا في معنى حديث أنس - ﵁ - في الأخذ من العيش بالاقتصاد، وما يسدّ الجوعة. فتعقّبه الحافظ، فقال: إنما يكون كذلك لو وقع بالقصد إليه، والذي يظهر أنه - ﷺ - كان يؤثر بما عنده، فقد ثبت في «الصحيحين» أنه كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر، وغيرها، من تمر، وغيره، يدّخر قوت أهله سنة، ثم يجعل ما بقي عنده عُدّة في سبيل الله تعالى، ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارئ، أو نزل به ضيف يشير على أهله بإيثارهم، فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عندهم، أو معظمه. وقد روى البيهقيّ من وجه آخر عن عائشة - ﵂ - قالت: «ما شبع رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يُؤْثِر على نفسه»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٧٤٢١] (٢٩٧٣)، و(البخاريّ) في «فرض الخمس» (٣٠٩٧) و«الرقاق» (٦٤٥١)، و(الترمذيّ) في «القيامة» (٢٤٦٧)، و(ابن ماجه) في «الأطعمة» (٣٣٨٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ١٣٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه أزواج النبيّ - ﷺ - من قلّة المعيشة، وصبرهنّ على ذلك. ٢ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ - ﷺ - في تكثيره طعام عائشة - ﵂ -، فكانت تأكل منه، وتنفق على المحتاجين حتى طال عليها الوقت، فكالته، فنفد. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال: فيه أن الطعام المكيل يكون فناؤه معلومًا للعلم بكيله، وأن الطعام غير المكيل فيه البركة؛ لأنه غير معلوم مقداره. وتعقّبه الحافظ، فقال: في تعميم كل الطعام بذلك نظر، والذي يظهر أنه كان من الخصوصية لعائشة - ﵂ - ببركة النبيّ - ﷺ -، وقد وقع مثل ذلك في حديث جابر الآتي بعدُ، ووقع مثل ذلك في مزود أبي هريرة الذي أخرجه الترمذيّ، وحسّنه، والبيهقيّ في «الدلائل» من طريق أبي العالية، عن أبي هريرة: «أتيت رسول الله - ﷺ - بتمرات، فقلت: ادع لي فيهنّ بالبركة، قال: فقبض، ثم دعا، ثم قال: خذهنّ، فاجعلهنّ في مزود، فإذا أردت أن تأخذ منهنّ، فأدخل يدك، فخذ، ولا تنثر بهنّ نثرًا، فحملت من ذلك كذا وكذا وسقًا في سبيل الله، وكنا نأكل، ونُطعم، وكان المزود معلقًا بحقوي، لا يفارقه، فلما قُتل عثمان انقطع». وأخرجه البيهقيّ أيضًا من طريق سهل بن زياد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، مطوّلًا، وفيه: «فأدخل يدك، فخذ، ولا تكفئ، فيكفأ عليك»، ومن طريق يزيد بن أبي منصور، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه. ونحوه ما وقع في عُكّة المرأة، وهو ما أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر: «أن أم مالك كانت تُهدي للنبيّ - ﷺ - في عكة لها سمنًا، فيأتيها بنوها، فيسألون الأُدْم، فتعمِد إلى العكة، فتجد فيها سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بيتها، حتى عصرته، فأتت النبيّ - ﷺ -، فقال: لو تركتها ما زال قائمًا». ٤ - (ومنها): أنه قد استُشكل هذا النهي مع الأمر بكيل الطعام، وترتيب البركة على ذلك، كما في حديث المقدام بن معد يكرب، مرفوعًا: «كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه». وأجيب: بأن الكيل عند المبايعة مطلوب، من أجل تعلّق حق المتبايعين، فلهذا القُصد يُندب، وأما الكيل عند الإنفاق، فقد يبعث عليه الشحّ، فلذلك كُره، ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -: «أن رجلًا أتى النبيّ - ﷺ - يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه، وامرأته، وضيفهما حتى كاله، فأتى النبيّ - ﷺ -، فقال: لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام لكم». ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: سبب رفع النماء من ذلك عند الحصر والكيل - والله أعلم - الالتفات بعين الحرص، مع معاينة إدرار نِعَم الله، ومواهب كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها، والثقة بالذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة. ٦ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن من رُزق شيئًا، أو أُكرم بكرامة، أو لُطف به في أمر مّا، فالمتعين عليه موالاة الشكر، ورؤية المنة لله تعالى، ولا يُحْدِث في تلك الحالة تغييرًا، والله أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٢٢] (٢٩٧٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: وَاللهِ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَارٌ، قَالَ: قُلْتُ: يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كانَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَلْبَانِهَا، فَيَسْقِينَاهُ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (١٨٤) وقيل: قبل ذلك (ع)، تقدم في «الإيمان» ٤٥/ ٢٩٠. ٢ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] مات في خلافة المنصور (ع)، تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ) المدنيّ، أبو رَوح، مولى آل الزبير، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٠) وروايته عن أبي هريرة مرسلة (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٥٧/ ١٩٤٨. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -؛ (أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: وَاللهِ يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء بنت أبي بكر - ﵄ -، (إنْ) مخفّفة من «أنّ» المثقلة، فتدخل على الجملتين، فإن دخلت على الاسمية جاز إعمالها، خلافًا للكوفيين، وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها، والأكثر أن يكون الفعل ماضيًا ناسخًا، وههنا كذلك؛ لأنها دخلت على الماضي الناسخ؛ لأن «كان» من النواسخ، واللام في «لننظر» عند سيبويه والأكثرين لام الابتداء، دخلت لتوكيد النسبة، وتخليص المضارع للحال، وللفرق بين «إن» المخففة من المثقلة و«إن» النافية، ولهذا صارت لازمة بعد أن كانت جائزة، وزعم أبو عليّ، وأبو الفتح، وجماعة أنها لام غير لام الابتداء، اجتنابًا للفرق، قاله في «العمدة» . وإلي هذه القاعدة أشار ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» حيث قال: وَخُفِّفَتْ «إِنَّ» فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا … تَلْفِهِ غَالِبًا بـ «إِنْ» ذِي مُوصَلَا (كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ) بجرّ «ثلاثة» بدلًا من «الهلال»، وبنصبه بفعل مقدّر، تقديره: نرى ثلاثة أهلة، ونكملها في شهرين باعتبار رؤية الهلال في أول الشهر الأول، ثم برؤيته في أول الشهر الثاني، ثم برؤيته في أول الشهر الثالث، فيصدق عليه ثلاثة أهلة، ولكن المدة ستون يومًا، والمرئي ثلاثة أهلة . (وَمَا أُوقِدَ) بالبناء للمفعول، من الإيقاد، (في أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَارٌ) ووقع في رواية سعيد، عن أبي هريرة، عند ابن سعد: «كان يمرّ برسول الله - ﷺ - هلال، ثم هلال، ثم هلال، لا يوقد في شيء من بيوته نارٌ، لا لخبز، ولا لطبخ»، وفي رواية ابن ماجه من طريق أبي سلمة، عن عائشة بلفظ: «لقد كان يأتي على آل محمد الشهر، ما يُرَى في بيت من بيوته الدخان». (قَالَ) عروة: (قُلْتُ: يَا خَالَةُ) بضم التاء؛ لأنه منادى مفرد، (فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟) بضم أوله، يقال: أعاشه الله؛ أي: أعطاه العيش، وضبطه النوويّ بتشديد التحتانيّة، وفي بعض النسخ: «ما يُغنيكم»، قاله في «الفتح». وقال في «العمدة»: «يُعيشكم» بضم الياء، من أعاشه الله تعالى عيشة، وقال النوويّ: بفتح العين، وكسر الياء المشددة، قال: وفي بعض النسخ المعتمدة - يعني: في نسخ مسلم - «فما كان يقيتكم» من القوت، صرح بذلك القونوي في مختصر شرح مسلم، وقال بعضهم : وفي بعض النسخ: «ما يغنيكم» بسكون المعجمة، بعدها نون مكسورة، ثم تحتانية ساكنة. انتهى، قال العينيّ: كأنه صُحِّف عليه، فجعله من الإغناء، وليس هو من القوت، فعلى قول تكون هذه رواية رابعة، فتحتاج إلى البيان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يشير العينيّ بهذا إلى صاحب «الفتح»، ولا يخفى ما فيه من الطعن، والحقّ أن الحافظ إمام لا يُجازف، بل هو متثبّت في نقلها، فلا همز، ولا لمز أيها العينيّ، سامحك الله تعالى. وفي رواية أبي سلمة عن عائشة نحوه، وفيه: «قلت: فما كان طعامكم؟»، (قَالَت) عائشة - ﵂ -: طعامنا (الأَسْوَدَانِ)، وقولها: (التَّمْرُ وَالْمَاءُ) بدل مما قبله، قال في «الفتح»: قولها: «الأسودان: التمر والماء»، وفي حديث أبي هريرة: «قالوا: بأي شيء كانوا يعيشون» نحوه، وفي هذا إشارة إلى ثاني الحال بعد أن فُتحت قريظة، وغيرها، ومن هذا ما أخرجه الترمذيّ من حديث الزبير: «قال: لما نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨] قلت: وأي نعيم نُسأل عنه، وإنما هو الأسودان التمر والماء؟، قال: إنه سيكون»، قال الصغانيّ: الأسودان يُطلق على التمر والماء، والسواد للتمر دون الماء، فنُعتا بنعت واحد تغليبًا، وإذا اقترن الشيئان سُمّيا بِاسم أشهرهما، وعن أبي زيد: الماء يسمى الأسود، واستشهد لذلك بشعر، قلت : وفيه نظر، وقد تقع التحفة، أو الشرف موضع الشهرة، كالعُمَرين لأبي بكر وعمر، والقمرين للشمس والقمر. انتهى. «الفتح». وقال في «موضع آخر: قوله:»الأسودان: التمر والماء«هو على التغليب، وإلا فالماء لا لون له، ولذلك قالوا: الأبيضان: اللبن والماء، وإنما أَطلقت على التمر أسود؛ لأنه غالب تمر المدينة، وزعم صاحب»المحكم«، وارتضاه بعض الشراح المتأخرين أن تفسير الأسودين بالتمر والماء مدرج، وإنما أرادت الحرّة والليل، واستدل بأن وجود التمر والماء يقتضي وصفهم بالسعة، وسياقها يقتضي وصفهم بالضِّيق، وكأنها بالغت في وصف حالهم بالشدة، حتى إنه لم يكن عندهم إلا الليل والحرة. انتهى. قال الحافظ: وما ادعاه ليس بطائل، والإدراج لا يثبت بالتوهم، وقد أشار إلى أن مستنَده في ذلك أن بعضهم دعا قومًا، وقال لهم: ما عندي إلا الأسودان، فَرَضُوا بذلك، فقال: ما أردت إلا الحرة والليل، وهذا حجة عليه؛ لأن القوم فهموا التمر والماء، وهو الأصل، وأراد هو المزح معهم، فألغز لهم بذلك. وقد تظاهرت الأخبار بالتفسير المذكور، ولا شك أن أمر العيش نسبيّ، ومن لا يجد إلا التمر أضيق حالًا ممن يجد الخبز مثلًا، ومن لم يجد إلا الخبز أضيق حالًا ممن يجد اللحم مثلًا، وهذا أمر لا يدفعه الحسّ، وهو الذي أرادت عائشة - ﵂ -، وللبخاريّ في «الرقاق» من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنها بلفظ: «وما هو إلا التمر والماء»، وهو أصرح في المقصود، لا يقبل الحمل على الإدراج. انتهى . (إِلَّا أَنَّهُ)؛ أي: الحال والشأن، (قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - جِيرَانٌ) بكسر الجيم، زاد الإسماعيليّ من طريق محمد بن الصباح، عن عبد العزيز: «نِعم الجيران كانوا»، وفي رواية أبي سلمة: «جيران صِدق»، (مِنَ الأَنْصَارِ) زاد أبو هريرة في حديثه: «جزاهم الله خيرًا»، (وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ) جمع منيحة - بفتح الميم، وكسر النون، وسكون الياء، وفي آخره جاء مهملة - وهي ناقة، أو شاة تعطيها غيرك، ليحتلبها، ثم يردّها عليك، وقد تكون المنيحة عطية للرقبة بمنافعها مؤبّدة، مثل الهبة، وقال الفراء: منحته منيحةً، وهي الناقة، والشاة يعطيها الرجل لآخر يحلبها، ثم يردّها، وزعم بعضهم أن المنيحة لا تكون إلا ناقة، وقال أبو عبيد: المنيحة عند العرب على وجهين: أن يعطي الرجل صاحب صلة، فيكون له، وأن يمنحه ناقة، أو شاة، ينتفع بحلبها، ووَبَرها، وصوفها زمنًا، ثم يردّها، وقال إبراهيم الحربيّ: العرب تقول: منحتك الناقة، وأنحلتك الوبر، وأعريتك النخلة، وأعمرتك الدار، وهذه كلها هبة منافع، يعود بعدها مثلها . (فَكَانُوا) هؤلاء الجيران، (يُرْسِلُونَ) وفي رواية البخاريّ: «يمنحون» من المنح، وهو العطاء، يقال: منحه يمنحه، من باب فتحه يفتحه، ومنحه يمنحه، من باب ضربه يضربه، والاسم: المنحة بالكسر، وهي العطية. (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَلْبَانِهَا)؛ أي: من ألبان تلك المنائح (فَيَسْقِينَاهُ) وفي رواية الإسماعيليّ: «فيسقينا منه». وروى الترمذيّ، وصححه من حديث ابن عباس - ﵄ -: «كان النبيّ - ﷺ - يبيت الليالي المتتابعة، وأهله طاوين، لا يجدون عَشاء». وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة: «أتى النبيّ بطعام سخن، فأكل، فلما فرغ قال: الحمد لله ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا»، وسنده حسن. ومن شواهد الحديث: ما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، عن أنس: «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول مرارًا: والذي نفس محمد بيده، ما أصبح عند آل محمد صاع حَبٍّ، ولا صاع تمر، وإن له يومئذ لتسع نسوة»، وله شاهد عند ابن ماجه عن ابن مسعود - ﵁ -، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٧٤٢٢] (٢٩٧٢)، و(البخاريّ) في «الهبة» (٢٥٦٧) و«الرقاق» (٦٤٥٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٢٤٤)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١٤٩١ و١٥١٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٢٩ و٦٣٤٨ و٦٣٦١ و٦٣٧٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من الزهد في الدنيا، والصبر على التقلل، وأخذ البلغة من العيش، وإيثار الآخرة على الدنيا. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من الصبر على مشاقّ الحياة؛ نصرةً لرسول الله - ﷺ -، وجهادًا في سبيل الله تعالى معه، وإلا فلو خرجوا إلى البلدان الأخرى لوجدوا سعة من العيش، ولكنهم آثروا الصبر عليه، فكان جزاؤهم الجنّة بمقتضى الوعد السابق: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢]. ٣ - (ومنها): أن فيه فضلَ الزهد، وإيثار الواجد للمعدِم، والاشتراك فيما في الأيدي. ٤ - (ومنها): جواز ذِكر المرء ما كان فيه من الضِّيق، بعد أن يوسّع الله عليه؛ تذكيرًا بنعمه، وليتأسى به غيره. ٥ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن آثر الفقر على الغنى. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال - ﵀ -: في هذه الأحاديث جواز الشِّبَع، وإن كان تَرْكه أحيانًا أفضل، وقد ورد عن سليمان، وأبي جحيفة، أن النبيّ - ﷺ - قال: «إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة». وقال الطبريّ: الشبع وإن كان مباحًا، فإن له حدًّا ينتهي إليه، وما زاد على ذلك سَرَف، والمطلق منه ما أعان الأكل على طاعة ربه، ولم يشغله ثِقَله عن أداء ما وجب عليه.
مصادر المؤلف (١٢)

١. «الفتح» ١٤/ ٥٧٢.

٢. راجع: «القاموس» ص ١١١٠.

٣. «الفتح» ١٤/ ٥٧٢.

٤. وفي نسخة: «يقيتكم».

٥. «عمدة القاري» ١٣/ ١٢٧.

٦. راجع: «عمدة القاري» ١٣/ ١٢٧.

٧. وفي نسخة:«يقيتكم».

٨. يريد الحافظ ابن حجر.

٩. القائل هو الحافظ، فتنبّه.

١٠. قال في «العمدة»: الحرّة بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء: البقل الذي يؤكل غير مطبوخ. انتهى.

١١. «الفتح» ٦/ ٤١٨.

١٢. «عمدة القاري» ١٣/ ١٢٧.