HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٧٩

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ. سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادما. قال: فأنت من الملوك.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص220
ج ٤ ص ٢٢٨٥

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص١٦٠
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٣٢] (٢٩٧٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ، سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَلَكَ امْرَأةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا وَاللهِ مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، لَا نَفَقَةٍ، وَلَا دَابَّةٍ، وَلَا مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ، إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا، فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا»، قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ لَا نَسْأَلُ شَيْئًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو هَانِئٍ) حميد بن هانئ الْخَوْلانيّ المصريّ، لا بأس به [٥] وهو أكبر شيخ لابن وهب (ت ١٤٢) (بخ م ٤) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٥. ٢ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) - بضم الحاء المهملة، والموحّدة - عبد الله بن يزيد الْمَعَافريّ ثقة [٣] مات سنة مائة بإفريقية (بخ م ٤) تقدم في «الزكاة» ٤٢/ ٢٤٢٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره، ومسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه صحابيّ ابن صحابيّ - ﵄ -، وهو أحد العبادلة الأربعة. شرح الحديث: (عن أبي هَانِئٍ) حميد بن هانئ أنه (سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو: عبد الله بن يزيد (الْحُبُلِيَّ) بضمّ الحاء المهملة، والباء الموحّدة: نسبة إلى حيّ من اليمن من الأنصار، يقال لهم: بنو الْحُبلى، قاله في «اللباب» . (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵄ -، قال الطيبيّ - ﵀ -: لا بُدّ من محذوف، أي: سمعته يقول قولًا، يفسره ما بعده، قال القاري: ويمكن أن يقدَّر مضاف، ويقال: سمعت قول عبد الله بن عمرو. انتهى . (وَ) الحال أنه قد (سَأَلَهُ رَجُلٌ) لم يُعرف، (فَقَالَ) ذلك السائل: (أَلَسْنَا)؛ أي: نحن وأمثالنا (مِنْ فقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟)؛ أي: من خواصهم الذين يسبقون أغنياءهم. قال القرطبيّ - ﵀ -: قول الرجل لعبد الله بن عمرو: «ألسنا من الفقراء؟» سؤال تقرير، وكأنه سأل شيئًا من الفيء الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨]، وكأنّ ذلك الرجل قال: ألسنا من الفقراء الذين يستحقّون من الفيء سهمًا بنصّ القرآن؟ وكأنه أنجز له مع ذلك الالتفات إلى الفقراء المهاجرين، وتبجح به، فأجابه، عبد الله بما يكسر ذلك منه، ويزيل آفة الالتفات إلى الأعمال بما يقتضي أن الأحق باسم الفقراء المهاجرين من كان متجرّدًا عن الأهل والمسكن، كما كان حال أهل الصفّة في أول الأمر، وصار معنى هذا الحديث إلى نحو قوله - ﷺ -: «ليس الشديد بالصُّرَعة» ، و«ليس المسكين بالطوّاف» ، فكأنّ عبد الله قال له: ليس الفقير الذي تكون له زوجة، ومسكن، وإنما الفقير المتجرّد عن ذلك، ولم يُرد أن من كان فقيرًا مهاجريًّا، له زوجة ومسكن أنه لا يستحق من الفيء شيئًا؛ لأنَّ صاحب العيال الفقير أشدّ فاقة وبلاءً، ولأنه خلاف ما وقع لهم، فإنَّ النبيّ - ﷺ - كان يعطيهم بحسب فاقتهم، وحاجتهم، ويفضّل في العطاء من له عيالٌ على من ليس كذلك، وكذلك فعل الخليفتان بعده، على ما هو المعلوم من حالهما، وإن حُمل قول عبد الله على ظاهره لزم عليه أن من كان له زوجة ومسكن لا غير ذلك، لم يُعَدّ من الفقراء المهاجرين الذين وصفهم الله تعالى، والذين يسبقون إلى الجنة، فيلزم أن لا يكون أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليّ من الفقراء من السابقين إلى الجنة، وذلك باطل قطعًا. انتهى . (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ) بن عمرو: (أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟)؛ أي: تضمها، وتسكن إليها، وتُقْبل عليها، (قَالَ) الرجل: (نَعَمْ) لي زوجة آوي إليها، (قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ) بفتح الميم، والكاف، وتُكسر؛ أي: منزل (تَسْكُنُهُ؟) وتأوي إليه، (قَالَ) الرجل: (نَعَمْ) لي مسكن أسكنه، (قَالَ) عبد الله: (فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ)؛ أي: أغنياء المهاجرين، فإن فقراءهم ما كان لهم امرأة، ولا مسكن، أو إن كان لأحدهم أحدهما، ما كان له الآخر منهما. (قَالَ) الرجل: (فَإِنَّ لِي) زيادة على ما ذكرت (خَادِمًا،) يُطلق على الذكر والأنثى، والخادمة بالهاء للمؤنّث قليل الاستعمال، والجمع خَدَمٌ بفتحتين، وخُدّام بالضم، والتشديد. (قَالَ) عبد الله: (فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ)؛ أي: ولا يصحّ أن يقال لك: الصعلوك، فلست من صعاليك المهاجرين، ولعله اقتبس هذا الكلام من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] على ما رواه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس - ﵄ - في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: الزوجة، والخادم، وزاد ابن جرير عنه: وكان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة، والخادم، والدار، يسمى مَلِكًا . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «أنت من الملوك» لمّا أخبره أن له خادمًا على جهة الإغياء، والمبالغة، لا أنه ألحقه بالملوك حقيقة، ولا بالأغنياء، ولا سلبه ذلك اسم الفقراء؛ إذ لم يكن له غير ما ذكر، والله تعالى أعلم . وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ)؛ أي: الحبليّ، فهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا. (وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]، والجملة عطف على قوله: «وسأله رجل»؛ أي: والحال أنه أتى ثلاثة نفر فقراء (إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵄ - (وَأَنَا)؛ أي: والحال أني (عِنْدَهُ)؛ أي: عند عبد الله بن عمرو. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «جاء ثلاثة نفر إلخ» هذه قضية أخرى غير القضية المتقدمة، وإن اتّفق راوياهما، فإنَّهما من رواية أبي عبد الرحمن الحبليّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -؛ لأنَّ هؤلاء ثلاثة، وذلك واحدٌ، ولأن مقصوده من هذا الحديث غير مقصوده من الأول، وذلك أن هؤلاء الثلاثة شكوا إليه شدّة فاقتهم، وأنهم لا شيء لهم، فخيّرهم بين الصبر على ما هم فيه حتى يلقوا الله، فيحصلون على ما وعدهم الله به على لسان نبيّه - ﷺ - من السبق إلى الجنة قبل الناس كلهم، وبين أن يرفع أمرهم إلى السلطان، فيدفع إليهم ما يغنيهم، وبين أن يواسيهم من ماله، فاختار القوم البقاء على الحالة الأولى، والصبر على مضض الفقر، وشدّته. ويفهم من هذا الحديث أن مذهب عبد الله، وهؤلاء الثلاثة أن الفقر المدقع، والتجرّد عن المكتسبات كلها أفضل، وقد بيّنا آنفًا أن المسألة مسألة خلاف، وأن الكفاف أفضل على ما ذكرناه آنفا. انتهى . (فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ) كنية عبد الله بن عمرو، (إِنَّا وَاللهِ ما نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، لَا نَفقَةٍ) بيان لـ «شيء»، (وَلَا دَابَّةٍ)؛ أي: لنجاهد عليها، أو نحج بها، (وَلَا مَتَاعٍ)؛ أي: زائد يباع، ويُصرف ثمنه في النفقة، والدابة، (فَقَالَ) عبد الله (لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ) «ما» استفهامية؛ أي: أيَّ شيء شئتم؟ ويمكن أن تكون موصولة، مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: ما أردتم من الأمور المعروضة عليكم فعلناه. (إِنْ شِئْتُمْ)؛ أي: أن نعطيكم شيئًا من عندنا (رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا) فإنه لا يحضرنا الآن شيء (فَأَعْطَيْنَاكُمْ)؛ أي: بعد هذا (ما يَسَّرَ اللهُ لَكُمْ)؛ أي: ما سهّله على أيدينا، (وَإِنْ شِئْتُمْ)؛ أي: أن نرفع أمركم إلى الخليفة، أو من يقوم مقامه (ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ)؛ أي: للمتسلِّط على خزانة بيت المال، فيعطيكم ما يوسع عليكم، ويقضي حاجتكم، (وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ)؛ أي: على هذه الحال، فإنه مقام عظيم، وشرف جسيم، ثم بيّن لهم أن هذه الحالة الثالثة، وهي الصبر أَولى بهم؛ واستدلّ على ذلك بقوله: (فَإِنِّي) الفاء تعليليّة؛ أي: إنما اخترت لكم الصبر؛ لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ)؛ أي: أغنياءهم فضلًا عن غيرهم، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجنَّةِ بِأرْبَعِينَ خَرِيفًا»)؛ أي: سنة. (قَالُوا) هؤلاء الناس لمّا سمعوا هذا الفضل العظيم: (فَإِنَّا نَصْبِرُ) على ما نحن عليه من الضيق، حال كوننا (لَا نَسْأَلُ)؛ أي: لا نطلب (شَيْئًا) من أحد بعد سماع هذا الحديث، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٧٤٣٢] (٢٩٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٦٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢/ ٤٥٣)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٧/ ٣٣٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الفقر، وقد اختلف العلماء في تفضيل الفقر على الغنى، وعكسه، وقد حقّقته في غير هذا المحلّ. ٢ - (ومنها): بيان أن من له زوجة، ومسكن يسكنه ليس من الفقراء، لكن هذا إذا كان له كفاية، وإلا فهو فقير، وكذلك كون من له خادم من الملوك إذا كانت له كفايته، وإلا فلا. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: قوله - ﷺ -: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا» هذا الحديث اختلفت ألفاظ الرواة فيه عن النبيّ - ﷺ -، فروى عبد الله بن عمرو بالحديث المتقدم، وروى الترمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمئة عام». قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ويروى أيضًا عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يدخل الفقراء الجنة قبل أغنيائهم بخمسمئة عام، نصف يوم»، قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي طريق أخرى: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمئة عام»، وقال: حديث حسن صحيح. وروي أيضًا عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يدخل فقراء المسلمين الجنّة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا». تقدم في «المقدمة». قال: هذا حديث حسن صحيح. فاختلفت هذه الأحاديث في أيّ الفقراء هم السابقون؟، وفي مقدار المدّة التي بها يسبقون، فهذان موضعان، ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يردّ مطلق حديث أبي هريرة - ﵁ - إلى مقيّد روايته الأخرى، وروايةِ جابر - ﵁ -، فيعني بالفقراء فقراء المسلمين، وحينئذ يكون حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي سعيد مخصوصًا بفقراء المهاجرين، وحديث أبي هريرة، وجابر يعمّ جميع فقراء قرون المسلمين، فيدخل الجنة فقراء كل قرن قبل أغنيائهم بالمقدار المذكور، وهذه طريقة حسنة، ونزيدها وضوحًا بما قد صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: «أصحاب الجنة محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار، يسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم»، وهذا واضح. وأما الموضع الثاني فقد تقدَّم أن الخريف هو العام هنا، وأصل الخريف فصل من فصول السنة، وهو الفصل الذي تُخترف فيه الثمار؛ أي: تُجتَنَى، فسمّي العام بذلك. ويمكن الجمع بين الأربعين، وبين حديث الخمسمئة عام، بأن سُبّاق الفقراء يدخلون قبل سبّاق الأغنياء بأربعين عامًا، وغير سُبّاق الأغنياء بخمسمئة عام؛ إذ في كل صنف من الفريقين سبّاق، والله أعلم. قال: وهذه الأحاديث حجَّة واضحة على تفضيل الفقر على الغنى، ويتقرّر ذلك من وجهين: أحدهما: أن النبيّ - ﷺ - قال هذا لجبر كسر قلوب الفقراء، ويهوّن عليهم ما يجدونه من مرارة الفقر، وشدائده بمزيّة تحصل لهم في الدار الآخرة على الأغنياء، عوضًا لهم عما حُرموه من الدنيا، وصبرهم، ورضاهم بذلك. وثانيهما: أن السبق إلى الجنة، ونعيمها أَولى من التأخر عنها بالضرورة، فهو أفضل. وثالثها: أن السبق إلى الفوز من أهوال يوم القيامة، والصراط أولى من المقام في تلك الأهوال بالضرورة، فالسابق إلى ذلك أفضل بالضرورة، وحينئذ لا يُلتفت لقول من قال: إن السبق إلى الجنة لا يدلّ على أفضلية السابق، وزَخْرف ذلك بأن النبيّ - ﷺ - أفضل الخليقة، ومع ذلك فدخوله الجنة متأخر عن دخول هؤلاء الفقراء؛ لأنَّهم يدخلون قبله، وهو في أرض القيامة، تارة عند الميزان، وتارة عند الصراط، وتارة عند الحوض، كما قد أخبر عن ذلك فيما صحّ عنه. قال القرطبيّ: وهذا قولٌ باطل، صدر عمن هو بما ذكرناه، وبالنقل جاهل، فكأنه لم يسمع ما تقدَّم في «كتاب الإيمان» من قوله - ﷺ -: «أنا أوَّل من يقرع باب الجنة، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فيقول الخازن: بك، أُمرتُ لا أفتح لأحد قبلك»، وفي حديث أنه - ﷺ - قال: «أنا أول من يدخل الجنة، ومعي فقراء المهاجرين»، وعلى هذا فيدخل الجنة، ويتسلّم ما أُعدّ له فيها، ويبوّء الفقراء منازلهم، ثم يرجع إلى أرض القيامة؛ ليخلّص أمته بمقتضى ما جعل الله في قلبه من الحنوّ على أمته، والشفقة عليهم، والرأفة بهم، فيلازمهم في أوقات شدائدهم، ويسعى في نجاتهم، فيحضرهم عند وزن أعمالهم، ويسقيهم عند ظمئهم، ويدعو لهم بالسلامة عند جوازهم، ويشفع لمن دخل النار منهم، وهو مع ذلك كله في أعلى نعيم الجنة الذي هو غاية القرب من الحقّ، والجاه الذي لم ينله أحد غيره من الخلق، ولذة النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه الحكيم بألطف خطاب، وأكرم تكليم، كيف لا؟ وهو يسمع: «يا محمدًا قل يسمع لك، وسل تُعط، واشفع تشفع، فيقول: أمتي، أمتي، أمتي، فيقال: انطلق فأدْخِل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن»، وهذه خطوة لا تتسع لها العبارات، ولا تُحيط بها الإشارات، حشرنا الله تعالى في زمرته، ولا خيّبنا من شفاعته. قال القاضي أبو الفضل - ﵀ -: ويَحْتَمِل أن هؤلاء السابقين إلى الجنة يتنعّمون في أفنيتها، وظلالها، ويتلذذون بما هم فيه إلى أن يدخل محمد - ﷺ - بعد
مصادر المؤلف (٨)

١. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٣٣٧.

٢. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٥/ ١٦٥.

٣. متّفقٌ عليه.

٤. متّفقٌ عليه.

٥. «المفهم» ٧/ ١٣٢.

٦. «مرقاة المفاتيح» ١٥/ ١٦٥.

٧. «المفهم» ٧/ ١٣٣.

٨. «المفهم» ٧/ ١٣٣.