تمام شفاعته، ثم يدخلونها معه على قَدْر منازلهم، وسبقهم، والله تعالى أعلم.
وتعقّبه القرطبيّ - ﵀ - قائلًا: وهذا لا يُحتاج إلى تقديره؛ لأنَّ الذي هو فيه من النعيم ربما ذكرناه أعلى وأشرف مما هم فيه، فلا يكون سَبْقهم لأدون النعيمين أشرف ممن سبق إلى أعظمهما، وهذا واضح. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابٌ لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٣٣] (٢٩٨٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَصْحَابِ الْحِجْرِ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمعَذَّبِينَ، إِلَّا أَنْ تكُونُوا بَاكينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) أبو زكرياء المقابريّ البغداديّ [١٠]، تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) القفيّ البغلانيّ [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، من صغار [٩]، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، نزيل بغداد [٨]، تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠.
٥ - (عبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم المدنيّ [٤] تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب - ﵄ -، تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٤٤٤) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالتحديث، والسماع، وبالمدنيين غير شيوخه الثلاثة، كما أسلفته آنفًا، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ العدويّ مولاهم المدنيّ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَصْحَابِ الْحِجْرِ) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم -: بلد بين الشام والحجاز، وعن قتادة فيما ذكره الطبريّ: الحِجر: اسم الوادي الذي كانوا به، وعن الزهريّ: هو اسم مدينتهم، وكان نَهيُ النبيّ - ﷺ - إياهم بقوله: «لا تدخلوا» حين مرُّوا مع النبي - ﷺ - بالحِجر في حال توجههم إلى تبوك.
وفي الرواية التالية: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم»، وقال المهلَّب: إنما قال: «لا تدخلوا» من جهة التشاؤم بتلك البقعة التي نزل بها السخط، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] في مقام التوبيخ على السكنى فيها، وقد تشاءم بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة، ورحل عنها، ثم صلى، فكراهية الصلاة في موضع الخسف أَولى، ثم استثنى من ذلك قوله: «إلا أن تكونوا باكين»، فأباح الدخول فيه على وجه البكاء، والاعتبار، وهذا يدلس على أن من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأن الصلاة موضع بكاء، واعتبار. انتهى .
(لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ) بفتح الذال المعجمة؛ يعني: ديار هؤلاء، وهم أصحاب الحجر، قوم ثمود، وهؤلاء قوم صالح؛ وهذا يتناول مساكن ثمود وغيرهم، ممن هو كصفتهم، وإن كان السبب ورد فيهم. (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول، بل دائمًا عند
كل جزء من الدخول، وأما الاستقرار فالكيفية المذكورة مطلوبة فيه بالأولوية، وسيأتي أنه - ﷺ - لم ينزل فيه البتة. (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ») قال في«الفتح»: بالرفع على أن«لا»نافية، والمعنى لئلا يصيبكم، ويجوز الجزم على أنها ناهية، وهو أوجه، وهو نهيٌ بمعنى الخبر، وفي الرواية التالية:«حذرًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم»، وفيه للبخاريّ بلفظ:«أن يصيبكم»؛ أي: خشية أن يصيبكم، ووجه هذه الخشية أن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أَمَرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء كان تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدةً طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم، وشدة عذابه، وهو - ﷾ - مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، والتفكر أيضًا في مقابلة أولئك نعمةَ الله بالكفر، وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به، والطاعة له، فمَن مَرّ عليهم، ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال، ودلّ على قساوة قلبه، وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجرّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه ما أصابهم.
وبهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالمين من ليس بظالم؟؛ لأنه بهذا التقرير لا يأمَن أن يصير ظالِمًا، فيعذَّب بظلمه. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٧٤٣٣ و٧٤٣٤] (٢٩٨٠)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٣٣) و«المغازي» (٣٣٨٠ و٣٣٨١ و٤٤١٩ و٤٤٢٠) و«التفسير» (٤٧٠٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٧٣ و٣٧٤)، و(ابن المبارك) في «الزهد» (١/ ٥٤٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١/ ٤١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٩ و٥٨ و٧٢ و٧٤ و٩٢ و١١٣ و١٣٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٢٩٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٤٢٥)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (٢/ ٤٠٧)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٢٥٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه»
(٦١٩٩ و٦٢٠٠ و٦٢٠١ و٦٢٠٢ و٦٢٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٥١) و«الدلائل» (٥/ ٢٣٣)، و(البغوي) في «شرح السُّنَّة» (٤١٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على المراقبة، والزجر عن السكنى في ديار المعذبين، والإسراع عند المرور بها، وقد أشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٥].
٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن ديار هؤلاء لا تُسكن بعدهم، ولا تُتخذ وطنًا؛ لأن المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكيًا أبدًا، وقد نُهي أن يدخل دُورهم إلا بهذه الصفة.
٣ - (ومنها): أن فيه الإسراعَ عند المرور بديار المعذبين، كما فعل رسول الله - ﷺ - في وادي محسر؛ لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك.
٤ - (ومنها): أن فيه الأمرَ بالبكاء؛ لأنه ينشأ عن التفكر في مثل ذلك، وقال ابن الجوزيّ - ﵀ -: التفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل ذلك المقام ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: تفكر يتعلق بالله تعالى؛ إذ قضى على أولئك بالكفر.
الثاني: يتعلق بأولئك القوم، إذ بارزوا ربهم الكفر والفساد.
الثالث: يتعلق بالمارّ عليهم؛ لأنه وُفِّق للإيمان، وتمكن من الاستدراك، والمسامحة في الزلل.
٥ - (ومنها): أن فيه دلالة على كراهة الصلاة في موضع الخسف، والعذاب، وقد أشار إلى ذلك البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، حيث عقد بابًا، فقال: «باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب»، ثم أورد أثر عليّ - ﵁ -، فقال: «ويُذكر عن عليّ - ﵁ - كره الصلاة بخسف بابل»، ثم أورد حديث الباب، والظاهر أنه يرى كراهة الصلاة في ذلك، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ - وَهُوَ يَذْكُرُ الْحِجْرَ مَسَاكِنَ ثَمُودَ - قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ:
إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى الْحِجْرِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، حَذَرًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ»، ثُمَّ زَجَرَ، فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ [١١]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ [٩]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ [٧]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ [٤]، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدنيّ الفقيه [٣]، تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب - ﵄ -، تقدم قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (وَهُوَ)؛ أي: والحال أن ابن شهاب (يَذْكُرُ الْحِجْرَ)؛ أي: يتكلّم في شأن الحجر، وقوله: (مَسَاكِنَ ثَمُودَ) بدل، أو عطف بيان لـ «الحجر»، قال ابن شهاب: (قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ)؛ يعني: أباه، (قَالَ: مَرَرْنَا) معاشر الصحابة (مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى الْحِجْرِ)؛ أي: على ديار ثمود، وذلك في غزوة تبوك، كما بيّن في رواية أخرى. (فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالكفر، فعُذّبوا، (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، حَذَرًا)؛ أي: تجنّبًا وخشية (أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ»)؛ أي: خوفًا من أن تعاقبوا كما عوقبوا؛ لأن أكثر المخاطبين والموجودين في ذلك الوقت كانوا ظالمين لأنفسهم، إما بالكفر، وإما بالمعاصي، وإذا كان سبب العقوبة موجودًا تعيّن الخوف من وجود العقوبة، فحق المارّ بموضع المعاقَبين أن يحدد النظر والاعتبار، ويكثر من الاستغفار، ويخاف من نقمة العزيز القهار، وألّا يطيل اللبث في تلك الدار، قاله القرطبيّ .