HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٨٥

حدثني زهير بن حرب. حدثنا إسماعيل بن إبراهيم. أخبرنا روح بن القاسم عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص223
ج ٤ ص ٢٢٨٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص١٩٢
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٤٤] (٢٩٨٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ ﵎: أنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكتُهُ وَشِرْكَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن عُلَيّة [٨] تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ البصريّ [٦] تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ) الجهنيّ المدنيّ [٥] تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الأنصاريّ الجهنيّ المدنيّ [٣] تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. والباقيان ذُكرا قبل حديث. شرج الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ ﵎:) هذا هو الذي يسمّى الحديث القدسيّ، (أنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ)، أي: أغنى من يزعم أنهم شركاء على فرض أن لهم غنى، (عَنِ الشِّرْكِ)؛ أي: عما يشركون به مما بيني وبين غيري في قصد العمل، والمعنى: ما أَقبلُ إلا ما كان خالصًا لوجهي، وابتغاء لمرضاتي، فاسم المصدر الذي هو الشرك مستعمل في معنى المفعول، ويؤيد ما قررناه ما أوضحه بطريق الاستئناف بقوله: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ)؛ أي: في قصد ذلك العمل (مَعِي)؛ أي: مع ابتغاء وجهي (غَيْرِي)، أي: من المخلوقين. وقال القرطبيّ ﵀: أصل الشرك المحرّم: اعتقاد شريك لله تعالى في إلاهيته، وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودًا ما غير الله تعالى يستقلّ بإحداث فعل، وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهًا، ويلي هذا في الرتبة الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئًا من العبادات التي أمر الله تعالى بفعلها له لغير الله، وهذا هو الذي سيق الحديث لبيان تحريمه، وأنه مبطلٌ للأعمال؛ لهذا أشار بقوله: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشريكه»، وهذا هو المسمّى بالرياء، وهو على الجملة مبطل للأعمال، وضده الإخلاص، وهو من شرط صحَّة العبادات، والقُرَب. انتهى . [تنبيه]: قال القاري: لا يضره قصد الجنة وتوابعها مثلًا، فإنها من جملة مرضاته سبحانه، وإن كان المقام الأكمل أن لا يعبده لطمع جنة، أو خوف نار، فإنه عُدّ كفرًا عند بعض العارفين. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كلام القاري هذا يُعدّ من هفوات العلماء، فكيف تكون عبادة الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين كفرًا؟ قال الله تعالى في وصف، الأنبياء ﵈: ﴿زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣] إلى غير ذلك من الآيات، فمن اعتقد أن العبادة لخوف النار، والطمع في الجنة يُعدّ كفرًا فهو ضالّ مضلّ، وأما الذي نقله القاري، فهو منقول عن قوم جهلاء، لا يعرفون نصوص الكتاب والسُّنَّة، فلا تغترّ بنقل مثله عنهم، فإنه عين الضلال، والله تعالى المستعان. وقوله: (تَرَكتُهُ وَشِرْكَهُ) خبر «مَنْ»، والواو بمعنى «مع»، أو المعنى: تركته عن نظر الرحمة، وتركت عمله المشترك عن في درجة القبول، وفي رواية: «فأنا منه بريء» قيل: من ذلك العمل، والأظهر من عامل ذلك العمل؛ لئلا يكون تكرارًا مع قوله: «هو للذي كمله»: «هو»؛ أي: ذلك العمل «للذي عمله»؛ أي: لأجل، ممن قصده بذلك العمل رياء، وسمعة، وهو تأكيد لِمَا قبله. قال القاري ﵀: ولنذكر بقية كلام الشراح، فقال ابن الملك ﵀: «أغنى» أفعل تفضيل مِن غَنِيَ به عنه غنية؛ أي: استغنى به عنه، وإضافته إما للزيادة المطلقة؛ أي: أنا غني من بين الشركاء، وإما للزيادة على ما أضيف إليه؛ أي: أنا أكثر الشركاء استغناء عن الشرك؛ لكون استغنائه من جميع الجهات، وفي جميع الأوقات، قال القاري: وفيما ذكره من الوجه الثاني ما لا يخفى. وقال الطيبيّ ﵀: اسم التفضيل هنا لمجرد الزيادة، والإضافة فيه للبيان، أو على زعم القوم، قال القاري: وفيه أن وجه الإضافة للبيان يحتاج إلي مزيد البيان، وكأنه أراد أن معناه: أنا غني مما بينهم دونهم، ثم قال: والضمير المنصوب في «تركته» يجوز أن يرجع إلى العمل، والمراد من الشرك: الشريك. قال النوويّ ﵀: معناه: أنا غني عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئًا لي ولغيري لم أقبله، بل أتركه مع ذلك الغير. ويجوز أن يرجع إلى العامل، والمراد بالشرك: الشركة، وقوله: «وهو» يعود إلى العمل على الوجه الأول، وإلى العامل على الوجه الثاني؛ أي: العامل لِمَا عمل به من الشرك؛ يعني: يختص به، ولا يتجاوز عنه، وكذا الضمير في «منه»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٧٤٤٤] (٢٩٨٥)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤٢٠٢)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٥٥٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٠١) وفي «الزهد» (ص ٥٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٩٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤١٣٦)، والله تعالى أعلم. (المسالة الثالثة): قد تكلّم العلماء في الرياء، وأقسامه، فمنهم: الغزاليّ ﵀ حيث قال: درجات الرياء أربعة أقسام: الأولى: وهي أغلظها، أن لا يكون مراده الثواب أصلًا، كالذي يصلي بين أظهر الناس، ولو انفرد لكان لا يصلي، بل ربما يصلي من غير طهارة، مع الناس، فهذا جرّد قَصْده للرياء، فهو الممقوت عند الله تعالى. والثانية: أن يكون له قصد الثواب أيضًا، ولكن قصدًا ضعيفًا بحيث لو كان في الخلوة، لكان لا يفعله، ولا يحمله ذلك القصد على العمل، ولو لم يكن الثواب لكان قَصد الرياء يحمله على العمل، فقَصْد الثواب فيه لا ينفي عنه المقت. والثالثة: أن يكون قَصْد الثواب والرياء متساويين، بحيث لو كان واحد خاليًا عن الآخر لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة، وظواهر الأخبار تدلّ على أنه لا يَسْلَم رأسًا برأس. والرابعة: أن يكون اطلاع الناس مرجحًا مقويًا لنشاطه، ولو لم يكن لم يترك العبادة، ولو كان قَصْد الرياء وحده لَمَا أقدم، فالذي نظنه، والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب، ولكنه يُنقص منه، أو يعاقب على مقدار قَصْد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب. وأما قوله: «أنا أغنى الشركاء» فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان، أو كان قصد الرياء أرجح. انتهى، ذكره القاري في «المرقاة» . وقد أجاد الحافظ ابن رجب ﵀ في هذا البحث في كتابه الممتع «جامع العلوم والحكم»، وفصّله تفصيلًا مستوعبًا لأقسامه، حيث قال: واعلم: أن العمل لغير الله أقسام: فتارة: يكون رياء محضًا، بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين؛ لغرض دنيويّ، كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ الآية [النساء: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض، في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة، والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله، والعقوبة. وتارة: يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا، وحبوطه. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يقول الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه»، وخرجه ابن ماجه، ولفظه: «فأنا منه بريء وهو للذي أشرك». وخرّج الإمام أحمد عن شداد بن أوس، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من صلّى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك، فإن الله ﷿ يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئًا، فإن جدة عمله قليلة وكثيرة لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غنيّ». وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة، وكان من الصحابة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله ﷿، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك». وخرّج البزار في «مسنده» من حديث الضحاك بن قيس، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن الله ﷿ يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا، فهو لشريكه، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله ﷿، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أُخلص له، ولا تقولوا: هذا لله والرحم، فإنها للرحم، وليس لله منها شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم، وليس لله منها شيء». وخرّج النسائي بإسناد جيد، عن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - أن رجلًا أتى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ فقال رسول اللهﷺ -: «لا شيء له»، فأعادها عليه ثلاث مرات، يقول له رسول اللهﷺ -: «لا شيء له»، ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغِي به وجهه». وخرّج الحاكم من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يُرَى موطني، فلم يردّ عليه رسول الله - ﷺ - شيئًا، حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]. وممن يُروى عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا طائفة من السلف، منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيِّب، وغيرهم. وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يقبل الله عملًا فيه مثقال حبة من خردل من رياء»، ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين. فإن خالط نيته الجهاد مثل نية غير الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده، ولم يبطل بالكلية. وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن الغزاة إذا غَنِموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئًا تمّ لهم أجرهم». وقد وردت أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عَرَضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا. وقال الإمام أحمد: التاجر، والمستأجر، والمكاري أجْرُهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه، وماله، لا يخلط به غيره. وقال أيضًا فيمن يأخذ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم، فلا بأس أن يأخذ، كأنه خرج لدينه، فإن أُعطي شيئًا أخذه، وكذا رُوي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا جمع أحدكم على الغزو، فعوّضه الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما أحدكم إن أعطي درهمًا غزا، وإن مُنع درهمًا مكث، فلا خير في ذلك، وكذا قال الأوزاعيّ: إذا كانت نية الغازي على الغزو، فلا أرى بأسًا. غيره. وهكذا يقال فيمن أخذ شيئًا في الحج؛ ليحج به، إما عن نفسه، أو عن غيره وقدا روي عن مجاهد أنه قال في حج الحمّال، وحج الأجير، وحج التاجر: هو تامّ لا ينقص من أجورهم شيء، وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج، دون التكسب. وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فلا يضره، فإن كان خاطرًا، ودَفَعه فلا يضره بغير خلاف، فإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبريّ، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيّته الأُولى، وهو مروي عن الحسن البصريّ، وغيره. ويُسْتَدَل لهذا القول بما خرّجه أبو داود في «مراسيله» عن عطاء الخراسانيّ، أن رجلًا قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نَجْدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا. وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله، كالصلاة، والصيام، والحج، فأما ما لا ارتباط فيه، كالقراءة، والذكر، وإنفاق المال، ونشر العلم، فإنه ينقطع بنيّة الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية، وكذلك رُوي عن سليمان بن داود الهاشميّ أنه قال: ربما أحدّث بحديث، ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيّرت نيّتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات. ولا يَرِد على هذا الجهاد، كما في مرسل عطاء الخراسانيّ، فإن الجهاد يلزم بحضور الصفّ، ولا يجوز تركه حينئذ، فيصير كالحج. فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، بفضل ورحمة، واستبشر بذلك لم يضره ذلك. وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذرّ عن النبيّ - ﷺ - أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن». خرّجه مسلم، وخرجه ابن ماجه، وعنده: «الرجل يعمل العمل، فيصحبه الناس عليه»، وبهذا المعنى فسره الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبريّ، وغيرهم. وكدلك الحديث الذي خرّجه الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث أبي
مصادر المؤلف (٢)

١. «المفهم» ٦/ ٦١٥.

٢. «مرقاة المفاتيح» ١٥/ ٢٤٤.