هذا هو حل الكلام الصحيح، وأما ما تعب فيه الأبيّ، وتبعه بعض الشراح فغير صحيح، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ)؛ يعني: أن حديث الوليد بن حرب، عن سلمة بن كهيل مثل حديث الثوريّ عن سلمة المذكور.
[تنبيه]: رواية الوليد بن حرب عن سلمة بن كهيل هذه ساقها الحميديّ ﵀ في «مسنده»، فقال:
(٧٧٨) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الوليد بن حرب الصدوق الأمين، قال: سمعت سلمة بن كهيل يقول: ما سمعت من أحد سمع من النبيّ - ﷺ - إلا جندبًا البجليّ، سمعت جندبًا يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من يُسَمِّعْ يسمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به». انتهى .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٤٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الصَّدُوقُ الأَمينُ الْوَلِيدُ بْنُ حَرْبٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدم قريبًا.
و«الوليد بن حرب»، تقدم قبله.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة هذه لم أجد من ساقها، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨) - (بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٥٠] (٢٩٨٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ
مُضَرَ - عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠.
٢ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) أبو محمد المصريّ [٨] تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٤٩.
٣ - (ابْنِ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ [٥]، تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التيميّ المدنيّ [٤]، تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩.
٥ - (عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ المدنيّ [٣] تقدم في «الطهارة» ٨/ ٥٧٠.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه أبو هريرة - ﵁ -.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ) كذا للأكثر ولأبي ذر:»يتكلم «بحذف اللام، (بِالْكَلِمَةِ)، أي: الكلام المشتمل على ما يُفهم الخير، أو الشرّ، سواء طال أم قصر، كما يقال: كلمة الشهادة، وكما يقال للقصيدة: كلمة فلان، زاد في الرواية التالية:»مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا«، فـ»ما«الأولى نافية، و»ما«الثانية موصولة، أو موصوفة، وفي رواية البخاريّ:»ما يتبين فيها«؛ أي: لا يتطلب معناها؛ أي: لا يثبتها بفكره، ولا يتأملها حتى يتثبت فيها، فلا يقولها إلا إن ظهرت المصلحة في القول، وقال بعض الشراح: المعنى أنه لا يبيّنها بعبارة واضحة، وهذا يلزم منه أن يكون بَيَّن وتبيّن بمعنى واحد، ووقع في رواية الكشميهنيّ:»ما يتقي بها«ومعناها يَؤُول لِمَا تقدم.
(يَنْزِلُ بِهَا) وفي الرواية التالية:«يهوي بها»، وفي رواية البخاريّ:«يَزِلّ»بها بفتح أوله، وكسر الزاي، بعدها لام؛ أي: يسقط (فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَما بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ«) ووقع عند البخاريّ بلفظ: »أبعد ما بين المشرق« دون لفظ: »والمغرب«، قال في »الفتح«: كذا في جميع النسخ التي وقعت لنا في البخاريّ، وكذا في رواية إسماعيل القاضي عن إبراهيم بن حمزة، شيخ البخاريّ فيه، عند أبي نعيم، وأخرجه مسلم، والإسماعيليّ، من رواية بكر بن مضر، عن يزيد بن الهاد، بلفظ: »أبعد ما بين المشرق والمغرب«، وكذا وقع عند ابن بطال، وشرحه الكرماني على ما وقع عند البخاريّ، فقال: قوله: »ما بين المشرق«: لفظ »بين« يقتضي دخوله على المتعدد، والمشرق متعدد معنى؛ إذ مشرق الصيف غير مشرق الشتاء، وبينهما بُعْد كبير.
وَيَحْتَمِل أن يكون اكتفى بأحد المتقابلين عن الآخر، مثل: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] قال: وقد ثبت في بعضها بلفظ: «بين المشرق والمغرب».
قال ابن عبد البرّ ﵀: الكلمة التي يهوي صاحبها بسببها في النار هي التي يقولها عند السلطان الجائر، وزاد ابن بطال: بالبغي، أو بالسعي على المسلم، فتكون سببًا لهلاكه، وإن لم يُرد القائل ذلك، لكنها ربما أدت إلى ذلك، فيُكتب على القائل إثمها، والكلمة التي تُرفع بها الدرجات، ويكتب بها الرضوان هي التي يدفع بها عن المسلم مظلمة، أو يفرج بها عنه كربة، أو ينصر بها مظلومًا.
وقال غيره في الأولى: هي الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله تعالى.
قال ابن التين: هذا هو الغالب، وربما كانت عند غير ذي السلطان، ممن يتأتى منه ذلك، ونَقَل عن ابن وهب أن المراد بها: التلفظ بالسوء، والفحش، ما لم يُرِد بذلك الجحد لأمر الله في الدين.
وقال القاضي عياض: يَحْتَمِل أن تكون تلك الكلمة من الخنى، والرفث، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة، أو بمجون، أو استخفاف بحقّ النبوة، والشريعة، وإن لم يعتقد ذلك.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هي الكلمة التي لا يُعرف القائل حُسنها من قبحها، قال: فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يُعرف حسنه من قبحه.
قال الحافظ: وهذا الذي يجري على قاعدة مقدمة الواجب.
وقال النوويّ: في هذا الحديث حثّ على حفظ اللسان، فينبغي لمن أراد أن ينطق أن يتدبر ما يقول قبل أن ينطق، فإن ظهرت فيه مصلحة تكلم، وإلا أمسك، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٧٤٥٠ و٧٤٥١] (٢٩٨٨)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٤٧٧ و٦٤٧٨)، و(الترمذي) في «الزهد» (٢٣١٤)، و(ابن ماجه) في «الفتن» (٣٩٧٠)، و(مالك) في «الموطأ» (٢/ ٩٨٥ - ٩٨٦)، و(ابن المبارك) في «مسنده» (١/ ٢٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٣٤ و٣٥٥ و٥٣٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧٠٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ١٠٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٦٤ و١٦٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤١٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): أخرج البخاريّ ﵀ من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالًا، يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يَهوِي بها في جهنم».
قال في «الفتح»: قوله: «لا يلقي لها بالًا» بالقاف، في جميع الروايات، أي: لا يتأملها بخاطره، ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر شيئًا، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١٥] وقد وقع في حديىث بلال بن الحارث المزني الذي أخرجه مالك، وأصحاب «السنن»، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، بلفظ: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة»، وقال في السخط مثل ذلك.
وقوله: «يرفع الله بها درجات» كذا في رواية المستملي، والسرخسيّ، وللنسفيّ، والأكثر: «يرفع الله له بها درجات»، وفي رواية الكشميهنيّ: «يرفعه الله بها درجات».
وقوله: «يهوي» بفتح أوله، وسكون الهاء، وكسر الواو، قال عياض: المعنى: ينزل فيها ساقطًا، وقد جاء بلفظ: «ينزل بها في النار» لأن دركات النار إلى أسفل، فهو نزول سقوط، وقيل: أهوى من قريب، وهَوَى من بعيد.
وأخرج الترمذيّ هذا الحديث من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم التيميّ، بلفظ: «لا يَرَى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا»، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوَّلَ الكتاب قال:
[٧٤٥١] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّي) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة [١٠] تقدم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ [٨] تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٦ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، من كبار [٩] تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧.
٧ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ [٥]، تقدم في «شرح المقدمة» ج ١ ص ٢٩٧.
٨ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ [٢]، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧.
٩ - (أُسَامَةُ بْنُ زيدِ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ - ﵁ - الأميرٍ، الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة، (٥٤) بالمدينة وهو ابن (٧٥) سنة، تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه خمسة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفته غير مرّة، وهو مسلسل بالكوفيين غير يحيى، وإسحاق، والصحابيّ، كما أسلفته آنفًا، وشيخه أبو غريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو حبّ رسول الله - ﷺ -، وابن حبّه، وابن صحابيّ - ﵄ -.
شرح الحدايث:
(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ) - ﵄ - (قَالَ) شقيق (قِيلَ لَةُ)؛ أي: لأسامة بن زيد - ﵄ -، (أَلا) أداة تحضيض، (تَدْخُل عَلَى عُثْمَانَ) بن عفّان - ﵁ - (فَتُكَلِّمَهُ)؛ أي: فيما يقع من الفتنة بين الناس، والسعي في إطفاء ثائرتها، قاله الكرمانيّ، وفي «التوضيح»: أراد أن يكلمه في شأن أخيه لأمه الوليد بن عتبة لَمّا شُهِد عليه بما شُهد، فقيل لأسامة ذلك؛ لكونه كان من خواصّ عثمان - ﵁ - .
(فَقَال) أسامة - ﵁ -: (أترَوْن) بضم أوله، وفتحه؛ أي: أتظنّون (أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ)؛ أي: عثمان - ﵁ -، (إِلَّا أُسْمِعُكُمْ) بضمّ أوله، من الإسماع؛ أي: أتظنّون أني لا أكلّمه إلا وأنتم تسمعون؟، وفي رواية للبخاريّ: «إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أُسمعكم»؛ أي: إنكم لتظنون أني لا أكلمه، إلا بحضوركم،