HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٩١

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا حفص (وهو ابن غياث) عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قال: عطس عند النبي ﷺ رجلان. فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر. فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست أنا فلم تشمتني. قال «إن هذا حمد الله. وإنك لم تحمد الله».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص225
ج ٤ ص ٢٢٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص٢٢٤
بحق الله تعالى، ورسوله - ﷺ -، وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تُذلّ أهلها، ومن إقامة الحدّ عليه إن كان فيه حدّ، ومن التعزير إن لم يوجب حدًّا، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀ بعد ذكر اختلاف الراويات كما سبق بيانها ما نصّه: وهذه الروايات، وإن اختلفت ألفاظها، فهي راجعه إلى معنى واحد، قد فسّره في الحديث، وهو أن يعمل الرجل معصية في خفية، وخلوة، ثم يخرج يتحدَّث بها مع الناس، ويجهر بها، ويعلنها، وهذا من أكبر الكبائر، وأفحش الفواحش، وذلك أن هذا لا يصدر إلا من جاهل بقدر المعصية، أو مستهين، مستهزئ بها، مصرّ عليها، غير تائب منها، مظهر للمنكر، والواحد من هذه الأمور كبيرة، فكيف إذا اجتمعت؟! فلذلك كان فاعل هذه الأشياء أشدّ الناس بلاءً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، لأنَّه تجتمع عليه عقوبة تلك الأمور كلّها، وسائر الناس ممن ليس على مثل حاله، وإن كان مرتكب كبيرة، فأمره أخفّ، وعقوبته إن عوقب أهون، ورجوعه عنها أقرب من الأول، لأنَّ ذلك المجاهر قلّ أن يتوب، أو يرجع عما اعتاده من المعصية، وسَهُل عليه منها، فيكون كل العصاة بالنسبة إليه إمّا معاني مطلقًا إن تاب، وإما معاني بالنسبة إليه إن عوقب، والله تعالى أعلم . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١١) - (بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التّثَاؤُبِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٥٥] (٢٩٩١) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - وَهُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلَانِ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقَالَ يُشَمِّتْهُ: عَطسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّتْنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللهَ، وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللهَ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طلق النخعيّ الكوفيّ القاضي [٨]، تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. ٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيِّ) بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ [٤]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٤ - (أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الأنصاريّ الصحابيّ الخادم الشهير - ﵁ -، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀ كلاحقه، وهو (٤٤٥) من رباعيّات الكتاب، وأن نصفه الأول كوفيّ، والثاني بصريّ، وفيه أنس - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ -، وفي رواية شعبة: «عن سليمان التيميّ، سمعت أنسًا»، (قَالَ) أنس: (عَطَسَ) بفتح الطاء في الماضي، وبكسرها، وضمها في المضارع، من بابَي ضرب، ونصر، (عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلَانِ) في حديث أبي هريرة عند البخاريّ في «الأدب المفرد»، وصححه ابن حبان: «أحدهما أشرف من الآخر، وأن الشريف لم يَحْمد»، وللطبرانيّ من حديث سهل بن سعد: أنهما عامر بن الطفيل، وابن أخيه. (فَشَمَّتَ) النبيّ - ﷺ - (أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ) قال النوويّ ﵀: يقال: شَمّت بالشين المعجمة، والمهملة، لغتان مشهورتان، المعجمة أفصح، قال ثعلب: معناه بالمعجمة: أبعد الله عنك الشماتة، وبالمهملة هو من السمت، وهو القصد، والهدى. انتهى . وقال في «الفتح»: «فشمّت» بالمعجمة، وللسرخسيّ بالمهملة، ووقع في روإية أحمد عن يحيى القطان، عن سليمان التيميّ: «فشمّت، أو سمّت» بالشك في المعجمة، أو المهملة، وهو من التشميت، قال الخليل، وأبو عبيد، وغيرهما: يقال بالمعجمة، وبالمهملة، وقال ابن الأنباريّ: كل داع بالخير مُشَمِّت بالمعجمة، وبالمهملة، والعرب تجعل الشين والسين في اللفظ الواحد بمعنى. انتهى. قال الحافظ: وهذا ليس مطردًا، بل هو في مواضع معدودة، وقد جمعها شيخنا شمس الدين الشيرازيّ صاحب «القاموس» في جزء لطيف. قال أبو عبيد: التشميت بالمعجمة أعلى، وأكثر، وقال عياض: هو كذلك للأكثر من هل العربية، وفي الرواية، وقال ثعلب: الاختيار أنه بالمهملة؛ لأنه مأخوذ من السمت، وهو القصد، والطريق القويم، وأشار ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» إلى ترجيحه. وقال القزاز: التشميت التبريك، والعرب تقول: شمّته: إذا دعا له بالبركة، وشمّت عليه: إذا برّك عليه، وفي الحديث في قصة تزويج عليّ بفاطمة - ﵄ - شمّت عليهما: إذا دعا لهما بالبركة. ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك قال: التسميت بالمهملة أفصح، وهو من سمت الإبل في المرعى: إذا جمعت، فمعناه على هذا: جمع الله شملك. وتعقبه بأن سمت الإبل إنما هو بالمعجمة، وكذا نقله غير واحد أنه بالمعجمة، فيكون معنى سمّته: دعا له، بأن يجمع شمله، وقيل: هو بالمعجمة من الشماتة، وهو فرح الشخص بما يسوء عدوه، فكأنه دعا له أن لا يكون في حال من يُشمت به، أو أنه إذا حمد الله أدخل على الشيطان ما يسوؤه، فشمت هو بالشيطان، وقيل: هو من الشوامت جمع شامتة، وهي القائمة، يقال: لا ترك الله له شامتة؛ أي: قائمة. وقال ابن العربي في «شرح الترمذيّ»: تكلم أهل اللغة على اشتقاق اللفظين، ولم يبينوا المعنى فيه، وهو بديع، وذلك أن العاطس ينحلّ كلّ عضو في رأسه، وما يتصل به من العنق، ونحوه، فكأنه إذا قيل له: رحمك الله، كان معناه أعطاه الله رحمة، يرجع بها بذلك العضو إلى حاله قبل العطاس، ويقيم على حاله من غير تغيير، فإن كان التسميت بالمهملة، فمعناه: رجع كل عضو إلى سمته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة فمعناه: صان الله شوامته؛ أي: قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال، قال: وشوامت كل شيء: قوائمه التي بها قوامه، فقوام الدابة بسلامة قوائمها التي ينتفع بها إذا سلمت، وقوام الآدمي بسلامة قوائمه التي بها قوامه، وهي رأسه، وما يتصل به، من عنق، وصدر. انتهى ملخصًا . (فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ) النبيّ - ﷺ - (عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ)؛ أي: دعوت له، (وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّتْني)؛ أي: لم تدع لي، ولماذا هذا التفريق؟. ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «فقيل له»، فقال في «الفتح»: السائل عن ذلك هو العاطس الذي لم يحمد، وقع كذلك في حديث أبي هريرة بلفظ: «فسأله الشريف»، وكذا في رواية شعبة بلفظ: «فقال الرجل: يا رسول الله شمتّ هذا، ولم تشمتني»، وهذا قد يعكر على ما في حديث سهل بن سعد أن الشريف المذكور هو عامر بن الطفيل، فإنه كان كافرًا، ومات على كفره، فيبعد أن يخاطب، النبيّ - ﷺ - بقوله: يا رسول الله، ويَحْتَمِل أن يكون قالها غير معتقد، بل باعتبار ما يخاطبه المسلمون، وَيحْتَمِل أن تكون القصة لعامر بن الطفيل المذكور، ففي الصحابة عامر بن الطفيل الأسلميّ له ذِكر في الصحابة، وحديثه رواه عنه عبد الله بن بريدة الأسلميّ، حدثني عمي عامر بن الطفيل، وفي الصحابة أيضًا عامر بن الطفيل الأزديّ، ذكره وثيمة في «كتاب الردة» وورد له مرثية في النبيّ - ﷺ -، فإن لم يكن في سياق حديث سهل بن سعد ما يدل على أنه عامر المشهور احتَمَل أن يكون أحد هذين. قال الحافظ: ثم راجعت «معجم الطبرانيّ» فوجدت في سياق حديث سهل بن سعد الدلالة الظاهرة على أنه عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب الفارس المشهور، وكان قَدِم المدينة، وجرى بينه وبين ثابت بن قيس بحضرة النبيّ - ﷺ - كلام، ثم عطس ابن أخيه، فحمد، فشمّته النبيّ - ﷺ -، ثم عطس عامر فلم يحمد، فلم يشمته، فسأله … الحديت، وفيه قصة غزوة بئر معونة، وكان هو السبب فيها، ومات عامر بن الطفيل بعد ذلك كافرًا في قصة له مشهورة في موته، ذكرها ابن إسحاق وغيره. انتهى . (قَالَ) النبيّ - ﷺ - ردًّا على سؤاله: («إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللهَ) فاستحقّ التشميت، (وَإنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللهَ) فلم تستحقّ التشميت، وفي حديث أبي هريرة:»إن هذا ذكر الله، فذكرته، وأنت نسيت الله، فنسيتك»، وقد تقدم أن النسيان يُطلق، ويراد به الترك. قال الحليميّ ﵀: الحكمهّ في مشروعية الحمد للعاطس، أن العطاس يدفع الأذى من الدماغ الذي فيه قوة الفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس، وبسلامته تسلم الأعضاء، فيظهر بهذا أنها نعمة جليلة، فناسب أن تقابل بالحمد لله، لِمَا فيه من الإقوار لله بالخلق والقدرة، وإضافة الخلق إليه، لا إلى الطبائع. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٧٤٥٥ و٧٤٥٦] (٢٩٩١)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦٢٢١ و٦٢٢٥) و«الأدب المفرد» (٩٣١)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٠٣٩)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٧٤٢)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٢٢٢)، و(ابن ماجه) في «الأدب» (٣٧١٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٦٧٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٠٦٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٦٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٠ و١١٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٨٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠٠)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٣/ ١٨٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٣٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): بيان مشروعيّة حمد الله تعالى للعاطس. ٢ - (ومنها): أن التشميت إنما يُشرع لمن حمد الله تعالى، قال ابن العربيّ: وهو مجمع عليه. ٣ - (ومنها): جواز السؤال عن علة الحكم، وبيانها للسائل، ولا سيما إذا كان له في ذلك منفعة. ٤ - (ومنها): أن العاطس إذا لم يحمد الله تعالى لا يلقن الحمد ليحمد، فيشمّت، كذا استدل به بعضهم، وهو ظاهر هذا الحديث، فإن النبيّ - ﷺ - لم يلقّن الساكت الحمد حتى يشمّته، بل سكت عنه. ٥ - (ومنها): أن من آداب العاطس أن يخفض بالعطس صوته، ويرفعه بالحمد، وأن يغطي وجهه؛ لئلا يبدو من فيه، أو أنفه ما يؤذي جليسه، ولا يلوي عنقه يمينًا ولا شمالًا؛ لئلا يتضرر بذلك. قال ابن العربيّ: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجًا للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه، ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يأمن من الالتواء، وقد شاهدنا من وقع له ذلك، وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ بسند جيّد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان النبيّ - ﷺ - إذا عطس وضع يده على فيه، وخفض صوته، وله شاهد من حديث ابن عمر بنحوه، عند الطبرانيّ. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد ﵀: ومن فوائد التشميت: تحصيل المودة، والتأليف بين المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النفس عن الكِبْر، والحمل على التواضع؛ لِمَا في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يعرى عنه أكثر المكلفين، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تشميت العاطس: قال النوويّ ﵀: أجمعت الأمة على أن تشميت العاطس مشروع، ثم اختلفوا في، إيجابه، فأوجبه أهل الظاهر، وابن مريم من المالكية، على كل من سمعه؛ لظاهر قوله - ﷺ -: «فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته»، قال القاضي: والمشهور من مذهب مالك أنه فرض كفاية، قال: وبه قال جماعة من العلماء، كردّ السلام، ومذهب الشافعيّ، وأصحا به، وآخرين أنه سُنّة، وأدب، وليس بواجب، ويحملون الحديث على الندب، والأدب، كقوله - ﷺ -: «حقّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام». قال القاضي: واختلف العلماء في كيفية الحمد، والردّ، واختلفت فيه الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله، وقيل: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال، وقال ابن جرير: هو مخير بين هذا كله، وهذا هو الصحيح، وأجمعوا على أنه مأمور بالحمد لله. وأما لفظ التشميت فقيل: يقول: يرحمك الله، وقيل: يقول: الحمد لله، يرحمك الله، وقيل: يقول: يرحمنا الله، وإياكم، قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول: يهديكم الله، ويصلح بالكم، وقيل: يقول: يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك، والشافعيّ: يخيَّر بين هذين، وهذا هو الصواب، وقد صحَّت الأحاديث بهما، قال: ولو تكرر العطاس قال مالك: يشمّته ثلاثًا، ثم يسكت. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح» عند قول البخاريّ: «باب الحمد للعاطس» ما نصّه: أي: مشروعيته، وظاهر الحديث يقتضي وجوبه، لثبوت الأمر الصريح به، ولكن نقل النووي الاتفاق على استحبابه، وأما لفظه، فنقل ابن بطال وغيره عن طائفة أنه لا يزيد على «الحمد لله»، كما في حديث أبي هريرة، وعن طائفة يقول: «الحمد لله على كل حال»، قال: وقد جاء النهي عن ابن عمر، وقال فيه: «هكذا علّمنا رسول الله - ﷺ -»، أخرجه البزار، والطبرانيّ، وأصله عند الترمذيّ، وعند الطبرانيّ من حديث أبي مالك الأشعريّ، رفعه: «إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله على كل حال»، ومثله عند أبي داود، من حديث أبي هريرة، وللنسائيّ من حديث عليّ، رفعه: «يقول العاطس: الحمد لله على كل حال»، ولابن السنيّ من حديث أبي أيوب مثله، ولأحمد، والنسائيّ من حديث سالم بن عبيد، رفعه: «إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله على كل حال، أو الحمد الله رب العالمين». وعن طائفة يقول: «الحمد لله رب العالمين»، ورد ذلك في حديث لابن مسعود، أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد»، والطبرانيّ. وورد الجمع بين اللفظين، فعنده في «الأدب المفرد» عن عليّ قال: «من قال عند عطسة سمعها: الحمد لله رب العالمين، على كل حال ما كان، لم يجد وجع الضرس، ولا الأذن أبدًا»، وهذا موقوف، رجاله ثقات، ومثله لا يقال من قِبَل الرأي، فله حكم الرفع. وقد أخرجه الطبرانيّ من وجه آخر، عن عليّ مرفوعًا بلفظ: «من بادر العاطس بالحمد عوفي من وجع الخاصرة، ولم يشتك ضرسه أبدًا»، وسنده ضعيف، وللبخاريّ أيضًا في «الأدب المفرد»، والطبراني بسند لا بأس به، عن ابن عباس قال: «إذا عطس الرجل، فقال: الحمد لله، قال الملك: رب العالمين، فإن قال: رب العالمين، قال الملك: يرحمك الله». وعن طائفة: ما زاد من الثناء فيما يتعلق بالحمد كان حسنًا، فقد أخرج أبو جعفر الطبريّ في «التهذيب» بسند لا بأس به، عن أم سلمة، قالت: «عطس رجل عند النبيّ - ﷺ -، فقال: الحمد لله، فقال له النبيّ - ﷺ -: يرحمك الله، وعطس آخر، فقال: الحمد لله رب العالمين، حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، فقال: ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة»، ويؤيده ما أخرجه الترمذيّ وغيره من حديث، رفاعة بن رافع، قال: «صليت مع النبيّ - ﷺ -، فعطست، فقلت: الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ ثلاثًا فقلت: أنا، فقال: والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملَكًا، أيهم يصعد بها». وأخرجه الطبرانيّ، وبَيَّن أن الصلاة المذكورة: المغرب، وسنده لا بأس به، وأصله في «صحيح البخاريّ» لكن ليس فيه ذِكر العطاس، وإنما فيه: «كنا نصلي مع النبيّ - ﷺ -، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجل وراءه: ربنا لك الحمد إلخ» بنحوه. ولمسلم وغيره من حديث أنس: «جاء رجل، فدخل في الصفّ، وقد حفزه النَّفَس، فقال: الله أكبر، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه …» الحديث، وفيه: «لقد رأيت اثني عشر ملَكًا يبتدرونها أيهم يرفعها». وأخرج الطبرانيّ، وابن السنيّ من حديث عامر بن ربيعة نحوه، بسند لا بأس به، وأخرجه ابن السنيّ بسند ضعيف، عن أبي رافع، قال: «كنت مع رسول الله - ﷺ -، فعطس، فخلى يدي، ثم قام، فقال شيئًا لم أفهمه، فسألته، فقال: أتاني جبريل، فقال: إذا أنت عطست، فقل: الحمد لله لكرمه، الحمد لله لعز جلاله، فإن الله ﷿ يقول: صدق عبدي - ثلاثًا - مغفورًا له». وأما الثناء الخارج عن الحمد فورد فيه ما أخرجه البيهقيّ في «الشعب» من طريق الضحاك بن قيس اليشكريّ قال: «عطس رجل عند ابن عمر، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال ابن عمر: لو تمَّمتها: والسلام على رسول الله - ﷺ -»، وأخرجه من وجه آخر عن ابن عمر نحوه. ويعارضه ما أخرجه الترمذيّ قال: «عطس رجل، فقال: الحمد لله، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، فقال ابن عمر: الحمد لله، والصلاة على رسول الله، ولكن ليس هكذا علمنا رسول الله - ﷺ -»، قال الترمذيّ: غريب لا نعرفه إلا من رواية زياد بن الربيع، قال الحافظ: وهو صدوق، قال البخاريّ: وفيه نظر، وقال ابن عديّ: لا أرى به بأسًا، ورجّح البيهقيّ ما تقدم على رواية زياد، والله أعلم. قال: ولا أصل لِمَا اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله: «الحمد لله رب العالمين»، وكذا العدول من الحمد إلى أشهد أن لا إله إلا الله، أو تقديمها على الحمد، فمكروه. وقد أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» بسند صحيح عن مجاهد: «أن ابن عمر سمع ابنه عطس، فقال: أب، فقال: وما أب؟ إن الشيطان جعلها بين العطسة والحمد»، وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: «أش» بدل «أب». ونقل ابن بطال عن الطبريّ أن العاطس يتخير بين أن يقول: «الحمد لله»، أو يزيد «رب العالمين»، أو «على كل حال»، والذي يتحرر من الأدلة أن كل ذلك مجزئ، لكن ما كان أكثر ثناء أفضل، بشرط أن يكون مأثورًا. وقال النوويّ في «الأذكار»: اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه: الحمد لله، ولو قال: الحمد لله رب العالمين، لكان أحسن، فلو قال: الحمد لله على كل حال، كان أفضل، كذا قال، والأخبار
مصادر المؤلف (٨)

١. «شرح صحيح البخاريّ» لابن بطال ٩/ ٢٦٣.

٢. «المفهم» ٦/ ٦١٨.

٣. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٢٠.

٤. «الفتح» ١٤/ ١٠٨ - ١٠٩، «كتاب الأدب» رقم (٦٢٢١).

٥. «الفتح» ١٤/ ١٠٩ - ١١٠.

٦. «الفتح» ١٤/ ١١٠.

٧. «الفتح» ١٤/ ١١٠.

٨. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٢٠ - ١٢١.