يخطب، فإنه يتعاوض الأمر بتشميت من سمع العاطس، والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب، والراجح الإنصات؛ لإمكان تدارك التشميت بعد فراغ الخطيب، ولا سيما إن قيل: بتحريم الكلام، والإمام يخطب، وعلى هذا فهل يتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب، أو يشرع له التشميت بالإشارة؟ فلو كان العاطس الخطيب، فحمد، واستمر في خطبته فالحكم كذلك، وإن حمد فوقف قليلًا ليشمت، فلا يمتنع أن يشرع تشميته.
[السادس]: ممن يمكن أن يستثنى: من كان عند عطاسه في حالة يمتنع عليه فيها ذكر الله تعالى، كما إذا كان على الخلاء، أو في الجماع، فيؤخر، ثم يحمد الله، فيشمت، فلو خالف فحمد في تلك الحالة، هل يستحق التشميت؟ فيه نظر. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي لا نظر فيه، بل يُشمّت؛ لعموم النصّ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٥٩] (٢٩٩٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَفتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ [١٠]، تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ [١٠] تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، من صغار [٩]، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ [٨]، تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠.
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الحرقيّ المدنيّ [٥]، تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ المدنيّ [٣]، تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ) قال ابن بطال ﵀: إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة الرضا والإرادة؛ أي: إن الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائبًا؛ لأنها حالة تتغير فيها صورته، فيضحك منه، لا أن المراد أن الشيطان فعل التثاؤب.
وقال ابن العربيّ ﵀: قد بيّنا أن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان؛ لأنه واسطته، وأن كل فعل حَسَن نسبه الشرع إلى الملَك؛ لأنه واسطته، قال: والتثاؤب من الامتلاء، وينشأ عنه التكاسل، وذلك بواسطة الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء، وينشأ عنه النشاط، وذلك بواسطة الملك.
وقال النوويّ ﵀: أضيف التثاؤب إلى الشيطان، لأنه يدعو إلى الشهوات؛ إذ يكون عن ثقل البدن، واسترخائه، وامتلائه، والمراد: التحذير من السبب، الذي يتولد منه ذلك، وهو التوسع في المأكل .
(فَإِذَا تَثَاءَبَ) بالهمز، ويقال: بالواو بدلها، قال في «الفتح»: قوله: «تثاوب» كذا للأكثر، وللمستملي: «تثاءب» بهمزة بدل الواو، قال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: وقع في رواية المحبوبيّ عند الترمذي بالواو، وفي رواية السنجي بالهمز، ووقع عند البخاريّ، وأبي داود، بالهمز، وكذا في حديث أبي سعيد عند أبي داود، وأما عند مسلم فبالواو، قال: وكذا هو في أكثر نُسخ مسلم، وفي بعضها بالهمز، وقد أنكر الجوهريّ كونه بالواو، وقال: تقول: تثاءبت على وزن تفاعلت، ولا تقل: تثاوبت، قال: والتثاؤب أيضًا مهموز، وقد يقلبون الهمزة المضمومة واوًا، والاسم: الثُّؤَباء، بضم، ثم همز،
على وزن الْخُيَلاء، وجزم ابن دريد، وثابت بن قاسم في «الدلائل» بأن الذي بغيم واو بوزن تيممت، فقال ثابت: لا يقال: تثاءب بالمدّ مخففًا، بل يقال تثأدب بالتشديد، وقال ابن دريد: أصله من ثئب فهو مثئوب: إذا استرخى، وكَسِل، وقال غير واحد: إنهما لغتان، وبالهمز، والمدّ أشهر. انتهى .
(فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ) بفتح ياء المضارعة، وكسر الظاء المعجمة، من باب ضرب؛ أي: ليحبسه، وليمسكه بوضع اليد على الفم، أو تطبيق السنّ، وضم الشفتين ، وقوله: (مَا اسْتَطَاعَ) «ما» مصدرّية ظرفيّة؛ أي: مدّة استطاعته على الكظم، وفي الرواية الآتية: «فليُمسك بيده»، ولفظ البخاريّ: «فليردّه ما استطاع»؛ أي: يأخذ في أسباب رده، وليس المراد به أنه يملك دفعه؛ لأن الذي وقع لا يُرَدّ حقيقة، وقيل: معنى إذا تثاءب: إذا أراد أن يتثاءب، وجوّز الكرمانيّ أن يكون الماضي فيه بمعنى المضارع.
زاد في الرواية الآتية: «فإن الشيطان يدخل»، وفي رواية البخاريّ: «فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان»، وفي رواية ابن عجلان: «فإذا قال: آه ضحك منه الشيطان».
وفي الرواية الثالثة: «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة، فليكظم ما استطاع، فإن الشيطان يدخل» هكذا قيّده بحالة الصلاة، وكذا هو عند الترمذيّ، ولفظه: «التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع»، وعاند ابن ماجه: «إذا تثاءب أحدكم، فليضع يده على فيه، ولا يعوي، فإن الشيطان يضحك منه»، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٧٤٥٩] (٢٩٩٤)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢٨٩) و«الأدب» (٦٢٢٣ و٦٢٢٦)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٠٢٨)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٧٤٦ و٢٧٤٧)، و(النسائيّ) في «عمل
اليوم والليلة» (٢١٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٣١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٦٥ و٤٢٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٣٣٢٢)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٢٦٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٨٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٧٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن التثاؤب من عمل الشيطان، وبيان أن الشيطان متسلط على الإنسان في جميع أحواله.
٢ - (ومنها): الأمر بكظم التثاؤب بوضع اليد ونحوه.
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ العراقيّ ﵀ في «شرح الترمذيّ»: أكثر روايات «الصحيحين» فيها إطلاق التثاؤب، ووقع في الرواية الأخرى - هي في حديث أبي سعيد الخدريّ الآتي لمسلم بعد حديثين - تقييده بحالة الصلاة، فيَحْتَمِل أن يُحمل المطلق على المقيد، وللشيطان غرض قويّ في التشويش على المصلي في صلاته، وَيَحْتَمِل أن تكون كراهته في الصلاة أشدّ، ولا يلزم من ذلك أن لا يُكره في غير حالة الصلاة، وقد قال بعضهم: إن المطلق إنما يُحمل على المقيد في الأمر، لا في النهي، ويؤيد كراهته مطلقًا كونه من الشيطان، وبذلك صرح النوويّ.
قال ابن العربيّ ﵀: ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خَصّ الصلاة؛ لأنها أَولى الأحوال بدفعه؛ لِمَا فيه من الخروج عن اعتدال الهيئة، واعوجاج الخلقة.
وأما قوله: «ولا يعوي» فإنه بالعين المهملة، شبّه التثاؤب الذي يسترسل معه بعُواء الكلب، تنفيرًا عنه، واستقباحًا له، فإدن الكلب يرفع رأسه، ويفتح فاه، ويعوي، والمتثائب إذا أفرط في التثاؤب شابهه، ومن هنا تظهر النكتة في كونه يضحك منه؛ لأنه صيّره ملعبة له بتشويه خلقه في تلك الحالة.
٤ - (ومنها): أن قوله في رواية مسلم هنا: «فإن الشيطان يدخل» قيل: يَحْتَمِل أن يراد به الدخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى الدم، لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكرًا لله تعالى، والمتثائب في تلك الحالة غير ذاكر، فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة. وَيحْتَمِل أن يكون أطلق