HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٩٦

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حميد (قال عبد: أخبرنا. وقال ابن رافع: حدثنا) عبد الرزاق. أخبرنا معمر عن الزهري، عن عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خلقت الملائكة من نور. وخلق الجان من مارج من نار. وخلق آدم مما وصف لكم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص226
ج ٤ ص ٢٢٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص٢٥٣
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد عن سهيل هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٢٣٦٠) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، وعن ابن أبي سعيد الخدريّ، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ) قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ترجم في النسخة الهنديّة بهذا اللفظ، وترجم الأبيّ بلفظ: «أحاديث مختلفة»، وهما متقاربان، ثم أوردا الأحاديث من هنا إلى باب «النهي عن المدح» كلها تحت هذه الترجمة، وهو الصواب، وأما ما وقع في بعض النسخ من الترجمة المختلفة عند كل حديث تقريبًا بعد هذه الترجمة فمما لا وجه له، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٦٤] (٢٩٩٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارجٍ مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ»). رجال هذا الإسناد: سبعةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد الله النيسابوريّ [١١]، تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ [١٠]، تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام الصنعانيّ [٩]، تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ [٧]، تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم [٤]، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (عُرْوَةُ) بن الزبير [٣]، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣١٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خُلِقَتِ) بالبناء للمفعول (الْمَلَائِكَةُ) جمع مَلَك بفتح اللام، فقيل مخفف من مالك، وقيل: مشتق من الألوكة، وهي الرسالة، وهذا قول سيبويه، والجمهور، وأصله لاك، وقيل: أصله الْمَلْك، بفتح، ثم سكون، وهو الأخذ بقوّة، وحينئذٍ لا مدخل للميم فيه، وأصل وزنه مفعل، فتُركت الهمزة؛ لكثرة الاستعمال، وظهرت في الجمع، وزيدت الهاء إما للمبالغة، وإما لتأنيث الجمع، وجُمع على القلب، وإلا لقيل: مالكة، وعن أبي عبيدة: الميم في الملك أصلية، وزنه فَعَلٌ، كأسد، هو من الْمَلْك، بالفتح، وسكون اللام، وهو الأخذ بقوّة، وعلى هذا فوزن ملائكة فعائلة، ويؤيده أنهم جوّزوا في جمعه أملاك، وأفعال لا يكون جمعًا لِمَا في أوله ميم زائدة، قاله في »الفتح« . وقال الفيّوميّ ﵀: أَلَكَ بين القوم ألْكًا، من باب ضرب، وأُلُوكًا أيضًا: تَرَسَّل، واسم الرسالة: مَأْلُكٌ، بضمّ اللام، ومَأْلَكَةٌ أيضًا بالهاء، ولامها تضم، وتفتح، والملائِكَةُ مشتقة من لفظ الأُلُوكِ، وقيل: من المَالَك، الواحد مَلَكٌ، وأصله مَلْأكٌ، ووزنه مَعْفَلٌ، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، فوزنه مَعَل، فإنَّ الفاء هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لَأَكَ: إذا أرسل، فَمَلْأَك مَفْعَلٌ، فنُقلت الحركة، وسقطت الهمزة، وهي عين، فوزنه مَفَلٌ، وقيل فيه غير ذلك. انتهى . (مِنْ نُورٍ)، أي: من جواهر مضيئة منيرة، فكانوا خيرًا محضًا . قال الحافظ وليّ الدين ﵀: النور: جسم لطيف، مشرق، وفسَّره صاحب «الصحاح» بالضياء، وذكر بعضهم أن الضياء أبلغ منه، بدليل قوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]، وأما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] حيث شبّه هداه بالنور، ولم يشبّهه بالضياء، فأجيب عنه بأنه لو شُبِّه بالضياء لزم أن لا يضل أحد، بخلاف النور، كضوء القمر، فإنه يقع معه الضلال لمن أراد الله تعالى ذلك منه، ويُطلق النور أيضًا على جميع النار، وليس مرادًا هنا، ولم ينحصر النور في ضوء النار، فالملائكة خلقوا من ضوء، لا من نار، والله أعلم بنوع ذلك الضوء، ولو كان من ضوء نار لم يلزم عليه محذور، فالمخلوق من ضوء النار غير مخلوق من النار. انتهى . (وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارجٍ مِنْ نَارٍ) ؛ أي: من نار مختلطة بهواء مشتعل، والمرج: الاختلاط، فهو من عنصرين هواء ونار، كما أن آدم من عنصرين تراب وماء عُجن به، فحدث له اسم الطين، كما حَدَث للجن اسم المارج . وقال القرطبيّ ﵀: «من مارج من نار»: أي: من شواظّ ذي لهب، واتّقاد، ودخان، فكانوا شرًّا محضًا، والخير فيهم قليل . (وَخُلِقَ آدَمُ) ﵇ (مِمَّا وُصِفَ) بالبناء للمفعول، (لَكُمْ»)؛ أي: من تراب ضيِّر طينًا، ثم فَخارًا، كما أخبرنا به تعالى في غير موضع من كتابه، والفخار: الطين اليابس، وفي الخبر:«إن الله تعالى لمّا خلق آدم أمر من قبض قبضة من جميع أجزاء تراب الأرض، فأخذ من حَزْنها، وسهلها، وأحمرها، وأسودها، فجاء ولد كذلك»، قاله القرطبيّ . وقال المناويّ ﵀:«وخُلق آدم مما وُصف لكم»ببناء«وُصف» للمفعول، أي: مما وصفه الله تعالى لكم في مواضع من كتابه، ففي بعضها أنه خلقه من ماء، وفي بعضها من تراب، وفي بعضها من المركَّب منهما، وهو الطين، وفي بعضها من صلصال، وهو طين ضربته الشمس والريح، حتى صار كالفخار. قال الغزاليّ: قد اجتمع في الفخار النار والطين، والطين طبعه السكون، والنار طبعها الحركة، فلا يتصور نار مشعلة تسكن، بل لا تزال تتحرك بطبعها، وقد كُلِّف المخلوق من النار أن يطمئن من حركته ساجدًا لِمَا خُلق من طين، فأبى، واستكبر أن يسجد لآدم، فلا مطمع في سجوده لأولاده، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٧٤٦٤] (٢٩٩٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ٤٢٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٥٣ و١٦٨)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٢٧٧ و٢٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٥٥)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١٤٧٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣) في «الأسماء والصفات» (ص ٣٨٥ - ٣٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال بعضهم: إنما قال: «مما وُصف لكم» ولم يقل كما قال فيما قبله؛ طلبًا للاختصار، فإنه أوتي جوامع الكلم، وهذا منها، إذ الملائكة لم يَختلف أصل خلقتها، ولا الجانّ، وأما الإنسان فاختلف خلقه على أربعة أنواع، فخَلْق آدم لا يشبه خلق حواء، وخَلْق حواء لا يشبه خلق آدم، وخلق عيسى لا يشبه خلق الكل، فأحال على ما وصل إلينا من تفصيل خلق الإنسان، ولمّا كان خلق الجانّ من نار كان فيه طلب القهر، والاستكبار، فإن المار أرفع الأركان مكانًا، ولها سلطان على الإحالة، فلذلك قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، وما عَلِم أن سلطان الماء الذي خُلق منه آدم أقوى منه، فإنه يُذهبه، والتراب أثبت منه، لبرده ويُبسه، فلآدم القوة والثبوت لغلبة ذينك الركنين عليه، وإن كان فيه الآخران، لكن ليس لهما ذلك السلطان، وأعطى آدم التواضع؛ للطينة، فإن تكبر فلعارض بقلبه، لما فيه من النارية، كما يقبل اختلاف الصور في خياله، وأحواله من الهوائية، وأعطى الجانّ التكبر؛ للنارية، فإن تواضع فلعارض؛ لِمَا فيه من الترابية، كما يقبل الثبات على الإغواء، إن كان شيطانًا، وعلى الطاعة إن لم يكن، ففيهم الطائع والعاصي، ولهم التشكل في أي صورة شاؤوا، وفيهم التناسل، كما مر ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في هذا الحديث إثبات وجود الملائكة، وأنهم مخلوقون من نور، قال في «الفتح»: قال جمهور أهل الكلام من المسلمين: الملائكة أجسام لطيفة، أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة، ومسكنها السماوات، وأبطل من قال: إنها الكواكب، أو إنها الأنفس الخيرة التي فارقت أجسادها، وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شيء منها، وقد جاء في صفة الملائكة، وكثرتهم أحاديث: منها: ما أخرجه مسلم عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا: «خُلقت الملائكة من نور …» الحديث. ومنها: ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، والبزار، من حديث أبي ذرّ - ﵁ - مرفوعًا: «أَطَّت السماء، وحُقّ لها أن تَئِطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملَك ساجد …» الحديث. ومنها: ما أخرجه الطبراني من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: «ما في السماوات، السبع موضع قدم، ولا شبر، ولا كفّ إلا وفيه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد». وللطبرانيّ نحوه من حديث عائشة - ﵂ -. وذكر في «ربيع الأبرار» عن سعيد بن المسيِّب قال: الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا، ولا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون، ولا يتوالدون. قال الحافظ: وفي قصة الملائكة مع إبراهيم وسارة ما يؤيد أنهم لا يأكلون. وأما ما وقع في قصة الأكل من الشجرة أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة، فليس بثابت. وفي هذا وما ورد من القرآن ردّ على من أنكر وجود الملائكة، من الملاحدة. قال: ومن أدلة كثرتهم ما يأتي في حديث الإسراء: «أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون». وقد جاء ذِكر بعض من اشتهر من الملائكة، كجبريل، ووقع ذكره في أحاديث كثيرة، وميكائيل، وهو في حديث سمرة وحده، والملَك الموكل بتصوير ابن آدم، ومالك خازن النار، وملك الجبال، والملائكة الذين في كل سماء، والملائكة الذين ينزلون في السحاب، والملائكة الذين يدخلون البيت المعمور، والملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة، وخزنة الجنة، والملائكة الذين يتعاقبون، ووقع ذِكر الملائكة على العموم في كونهم لا يدخلون بيتًا فيه تصاوير، وأنهم يؤمِّنون على قراءة المصلي، ويقولون: «ربنا ولك الحمد»، ويدعون لمنتظر الصلاة، ويلعنون من هجرت فراش زوجها. فأما جبريل فقد وصفه الله تعالى بأنه روح القدس، وبأنه الروح الأمين، وبأنه رسول كريم ذو قوة مكين مطاع أمين، ومعناه عبد الله، وهو وإن كان سريانيًا، لكنه وقع فيه موافقة من حيث المعنى للغة العرب؛ لأن الجبر هو إصلاح ما وَهَى، وجبريل موكل بالوحي الذي يحصل به الإصلاح العام، وقد قيل: إنه عربيّ، وإنه مشتق من جبروت الله، واستُبعد؛ للاتفاق على منع صرفه. وروى الطبريّ عن أبي العالية، قال. جبريل من الكروبيين، وهم سادة الملائكة. وروى الطبراني من حديث ابن عباس قال: «قال رسول الله - ﷺ - لجبريل: على أيّ شيء أنت؟ قال: على الريح والجنود، قال: وعلى أي شيء ميكائيل؟ قال: على النبات والقطر، قال: وعلى أي شيء ملك الموت؟ قال: على قبض الأرواح …» الحديث، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد ضُعِّف لسوء حفظه، ولم يترك. وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني في كيفية خلق آدم ما يدل على أن خلق جبريل كان قبل خلق آدم، وهو مقتضى عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] وفي التفسير أيضًا أنه يموت قبل موت ملك الموت، بعد فناء العالم، والله أعلم. وأما ميكائيل، فروى الطبراني عن أنس: «أن النبيّ - ﷺ - قال لجبريل: ما لي لم أر ميكائيل ضاحكًا؟ قال: ما ضحك منذ خلقت النار». قال: ومن مشاهير الملائكة: إسرافيل، وقد روى النقاش أنه أول من سجد من الملائكة، فجوزي بولاية اللوح المحفوظ. وروى الطبراني من حديث ابن عباس أنه الذي نزل على النبيّ - ﷺ -، فخيّره بين أن يكون نبيًا عبدًا أو نبيًّا ملِكًا، فأشار إليه جبريل أن تواضع، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا. وروى أحمد، والترمذيّ عن أبي سعيد قال: قال رسولى الله - ﷺ -: «كيف أنعم، وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له …» الحديث. وعن علي - ﵁ - أنه ذكر الملائكة، فقال: «منهم الأمناء على وحيه، والحفظة لعباده، والسدنة لجِنانه، والثابتة في الأرض السفلى أقدامهم، المارقة من السماء العليا أعناقهم، الخارجة عن الأقطار أكنافهم، الماسة لقوائم العرش أكتافهم». انتهى ملخّصًا من«الفتح» . (المسألة الخامسة): في هذا الحديث إثبات الجنّ، وأنهم مخلوقون من مارج من نار، ولم يُنكر وجودهم إلا أهل الأهواء الزائغة، فقد نقل إمام الحرمين في «الشامل» عن كثير من الفلاسفة، والزنادقة، والقدرية، أنهم أنكروا وجودهم رأسًا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين، إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآن، والأخبار المتواترة، قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، قال: وأكثر ما استروح إليه من نفاهم حضورهم عند الإنس بحيث لا يرونهم، ولو شاؤوا لأبدوا أنفسهم، قال: وإنما يستبعد ذلك من لم يُحِطْ علمًا بعجائب المقدورات. وقال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم، وينفونه الآن، ومنهم من يثبتهم، وينفي تسلطهم على الإنس، وقال عبد الجبار المعتزليّ: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل؛ إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة؛ لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلّق، ولو كان إثباتهم باضطرار لَمَا وقع الاختلاف فيه إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبيّ - ﷺ - كان يتدين بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده. واختُلف في صفتهم، فقال القاضي أبو بكر الباقلانيّ: قال بعض المعتزلة: الجن أجساد رقيقة بسيطة، قال: وهذا عندنا غير ممتنع إن ثبتٌ به سَمْع. وقال أبو يعلى بن الفراء: الجنّ أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة، وأن تكون كثيفة، خلافًا للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها، وهو مردود، فإن الرقة ليست بمانعة عن الرؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة، إذا لم يخلق الله فينا إدراكها. وروى البيهقيّ في مناقب الشافعيّ بإسناده، عن الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبيًّا. انتهى. وهذا محمول على من يدعي رؤيتهم على صورهم التي خُلقوا عليها، وأما من ادعى أنه يرى شيئًا منهم بعد أن يتطور على صور شتى من الحيوان، فلا يقدح فيه، وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور، واختلف أهل الكلام في ذلك، فقيل: هو تخييل فقط، ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية، وقيل: بل ينتقلون، لكن لا باقتدارهم على ذلك، بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر، وهذا قد يرجع إلى الأول، وفيه أثر عن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: «أن الغيلان ذُكروا عند عمر، فقال: إن أحدًا لا يستطيع أدن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسَحَرَتِكم، فإذا رأيتم ذلك فأَذِّنوا». وإذا ثبتٌ وجودهم فقد اختُلف في أصلهم، فقيل: إن أصلهم من ولد إبليس، فمن كان منهم كافرًا سمي شيطانًا، وقيل: إن الشياطين خاصة أولاد إبليس، ومن عداهم ليسوا من ولده، وحديث ابن عباس - ﵄ - يقوي أنهم نوع واحد، من أصل واحد، اختَلَف صنفه، فمن كان كافرًا سمي شيطانًا، وإلا قيل له: جني. وأما كونهم مكلفين، فقال ابن عبد البرّ: الجن عند الجماعة مكلفون، وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكى زرقان عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين، قال: والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين، والتحرز من شرهم، وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر، وارتكب النهي، مع تمكّنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جدًّا. وإذا تقرر كونهم مكلَّفين فقد اختلفوا، هل كان فيهم نبي منهم أم لا؟ فروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، قال: ومن قال بقول الضحاك احتج بأن الله تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلًا، أرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز عكسه، وهو فاسد. انتهى. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قِبَل الله إليهم، ورسل الجن بثّهم الله في الأرض، فسمعوا كلام الرسل من الإنس، وبلّغوا قومهم، ولهذا قال قائلهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠] الآية، واحتج ابن حزم بأنه - ﷺ - قال: «وكان النبي يبعث إلى قومه»، قال: وليس الجن من قوم الإنس، فثبت أنه كان منهم أنبياء إليهم، قال: ولم يبعث إلى الجن من الإنس نبي إلا نبينا - ﷺ -؛ لعموم بعثته إلى الجن والإنس باتفاق. انتهى. وقال ابن عبد البر: لا يختلفون أنه - ﷺ - بُعث إلى الإنس والجن، وهذا مما فُضِّل به على الأنبياء ﵈، ونُقل عن ابن عباس في قوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤] قال: هو رسول الجن، وهكذا ذكره. وقال إمام الحرمين في «الإرشاد» في أثناء الكلام مع العيسوية: وقد علمنا ضرورة أنه - ﷺ - ادعى كونه مبعوثًا إلى الثقلين. وقال ابن تيمية: اتَّفق على ذلك علماء السلف من الصحابة، والتابعين، وأئمة المسلمين. قال الحافظ: وثبت التصريح بذلك في حديث: «وكان النبيّ يُبعث إلى قومه، وبُعثت إلى الإنس والجن»، فيما أخرجه البزار بلفظ. وعن ابن الكلبيّ: كان النبيّ يُبعث إلى الإنس فقط، وبُعث محمد - ﷺ - إلى الإنس والجن. وإذا تقرر كونهم مكلَّفين، فهم مكلَّفون بالتوحيد، وأركان الإسلام، وأما ما عداه من الفروع، فاختُلف فيه، لِمَا ثبتٌ من النهي عن الروث والعظم، وأنهما زاد الجن، وفي حديث أبي هريرة: «فقلت: ما بال الروث والعظم؟ قال: هما طعام الجن …» الحديث، فدل على جواز تناولهم للروث، وذلك حرام على الإنس، وكذلك روى أحمد، والحاكم، من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: «خرج رجل من خيبر، فتبعه رجلان، وآخر يتلوهما، يقول: ارجعا حتى ردَّهما، ثم لحقه، فقال له: إن هذين شيطانان، فإذا أتيت رسول الله - ﷺ - فاقرأ ﵇، وأخبره أنّا في جَمْع صدقاتنا، ولو كانت تصلح له لبعثنا بها إليه، فلما قدم عليه الرجل المدينة، أخبر النبيّ - ﷺ - بذلك، فنهى عن الخلوة»؛ أي: السفر منفردًا. واختُلف أيضًا هل يأكلون، ويشربون، ويتناكحون أم لا؟ فقيل: بالنفي، وقيل: بمقابله، ثم اختلفوا، فقيل: أكْلهم وشُربهم تشمم، واسترواح، لا مضغ، ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود من حديث أمية بن مخشي قال: «كان رسول الله - ﷺ - جالسًا، ورجل يأكل، ولم يسمّ، ثم سمى في آخره، فقال النبيّ - ﷺ -: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما سمى استقاء ما في بطنه». وروى مسلم من حديث ابن عمر قال: «قال رسول الله - ﷺ -: لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله». وروى ابن عبد البرّ عن وهب بن منبه: أن الجن أصناف، فخالصهم ريح، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك، ومنهم السعالى، والغول، والقطرب، وهذا إن ثبت كان جامعًا للقولين الأولين. ويؤيده ما روى ابن حبان، والحاكم، من حديث أبي ثعلبة الخشنيّ قال: «قال رسول الله - ﷺ - الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات، وعقارب، وصنف يَحِلّون، ويَظعنون». وروى ابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث: «وصنف عليهم الحساب والعقاب». وروى ابن أبي الدنيا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، أحد ثقات الشاميين، من صغار التابعين قال: ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من الجن، وإذا وُضع الغداء نزلوا، فتغدوا معهم، والعشاء كذلك. واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤]، وبقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] والدلالة من ذلك ظاهرة، واعتل من أنكر ذلك بأن الله تعالى أخبر أن الجان خُلق من نار، وفي النار من اليبوسة والخفة ما يمنع معه التوالد، والجواب أن أصلهم من النار كما أن أصل الآدمي من التراب، وكما أن الآدمي ليس طينًا حقيقة، كذلك الجنيّ ليس نارًا حقيقة. وقد وقع في «الصحيح» في قصة تعرض الشيطان للنبيّ - ﷺ - أنه قال: «فأخذته، فخنقته حتى وجدت بَرْد ريقه على يدي». وبهذا الجواب يندفع إيراد من استشكل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١٠] فقال: كيف تحرق النار النار؟ وأما ثوابهم، وعقابهم فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختُلف هل يثابون؟ فروى الطبريّ، وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفًا قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قال الله لمؤمن الجنّ، وسائر الأمم؛ أي: من غير الإنس: كونوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]. وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يُجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا. وروي عن أبي حنيفة نحو هذا القول. وذهب الجمهور إلى أنهم يُثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة، والأوزاعيّ، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الإنس على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول الأكثر. وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك،
مصادر المؤلف (١٢)

١. «صحيح ابن حبان» ٦/ ١٢٤.

٢. وفي نسخة: «وخلق الجانّ من نار».

٣. «الفتح» ٦/ ٣٠٦.

٤. «المصباح المنير»١/ ١٨ - ١٩.

٥. «المفهم»٧/ ٣١٥.

٦. «طرح التثريب في شرح التقريب»٨/ ٢٦٦.

٧. وفي نسخة:«وخلق الجانّ من نار».

٨. «فيض القدير»٣/ ٤٥٠.

٩. «المفهم»٧/ ٣١٥.

١٠. «المفهم» ٧/ ٣١٥.

١١. «فيض القدير» ٣/ ٤٥٠.

١٢. «الفتح» ٧/ ٥١٤ - ٥١٧.