في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كثروا، وكثر سؤالهم عن الأحكام، فكثر النزول بسبب ذلك، قال الحافظ ﵀: ووقع لي سبب تحديث أنس - ﵁ - بذلك من رواية الدراورديّ، عن الإماميّ عن الزهريّ: «سألت أنس بن مالك، هل فتر الوحي عن النبيّ - ﷺ - قبل أن يموت؟، قال: أكثر ما كان، وأجمه». أورده ابن يونس في «تاريخ مصر» في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي مريم. انتهى .
(حتَّى تُوُفِّيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: مات النبيّ - ﷺ -، وفي رواية البخاريّ: «حتى توفاه أكثر ما كان الوحي»؛ أي: الزمان الذي وقعت فيه وفاته كان نزول الوحي فيه أكثر من غيره من الأزمنة. (وَأَكثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فيه إظهار ما تضمنته الغاية في قوله «حتى توفي»، وهذا الذي وقع أخيرًا على خلاف ما وقع أولًا، فإن الوحي في أول البعثة فتر فترة، ثم كثر، وفي أثناء النزول بمكة لم ينزل من السُّوَر الطوال إلا القليل، ثم بعد الهجرة نزلت السور الطوال المشتملة على غالب الأحكام، إلا أنه كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر الأزمنة نزولًا بالسبب المتقدم، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٨٥] (٣٠١٦)، و(البخاريّ) في «فضائل القرآن» (٤٩٨٢)، و(النسائيّ) في «فضائل القرآن» (٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٣٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوَّل الكتاب قال:
[٧٤٨٦] (٣٠١٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لِابْنِ - الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ - حَدَّثنا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْس بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِعُمَرَ: إِنَّكمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ
حَيْثُ أُنْزِلَتْ، وَأَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَيْثُ أُنْزِلَتْ، أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكُّ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، أَمْ لَا، يَعْنِي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغدادي [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ الزمن البصريّ [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) أبو سعيد البصريّ [٩]، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣٨٨.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ [٧]، تقدم في «المقدمة» ١/ ١.
٥ - (قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الجدليّ الكوفيّ [٦]، تقدم في «الإيمان» ٢٢/ ١٨٥.
٦ - (طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ) البجليّ الكوفيّ [٢]، تقدم في «الإيمان» ٢٢/ ١٨٥.
٧ - (عُمَرَ) بن الخطاب - ﵁ -، تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩.
شرح الحديث:
(عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليّ الأحمسيّ، رأى النبيّ - ﷺ -، وأدرك الجاهلية، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب - ﵄ - ثلاثًا وأربعين من بين غزوة وسرية، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة، سكن الكوفة، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة . (أَنَّ الْيَهُودَ) هو عَلَم على قوم موسى ﵇، وفي «العباب»: اليهود: اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء الإضافة، كما قالوا: زنجيّ وزنج، وروميّ وروم، وإنما عرِّف على هذا الحدّ، فجُمع على قياس شعيرة وشعير، ثم عُرِّف الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يَجُز دخول الألف واللام؛ لأنه معرفة مؤنث، يجري في كلامهم مجرى القبيلة، ولم يجر كالحيّ. انتهى . (قَالُوا لِعُمَرَ) وفي الرواية الثالثة؛ «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ
إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ. . .»، قال في «الفتح»: هذا الرجل هو كعب الأحبار، بَيّن ذلك مسدّد في «مسنده»، والطبريّ في «تفسيره»، والطبرانيّ في «الأوسط»، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عبادة بن نسَيّ - بضم النون، وفتح المهملة - عن إسحاق بن خَرَشة، عن قَبيصة بن ذُؤيب، عن كعب، وللبخاريّ في «المغازي» من طريق الثوريّ عن قيس بن مسلم: «أن ناسًا من اليهود»، وله في «التفسير» من هذا الوجه بلفظ: «قالت اليهود»، فيُحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعب على لسانهم. انتهى .
(إِنَّكمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا)، أي: لعظّمناه، وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة؛ لِعِظم ما حصل فيه من إكمال الدين، والعيد فعل من العَوْد، وإنما سمّي به؛ لأنه يعود في كل عام. (قَالَ عُمَرُ) - ﵁ -: (إِنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ)؛ أي: في أيّ مكان أُنزلت، (وَأَيَّ يَوْم أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: وفي أيّ مكان كان - ﷺ - (حَيْثُ أُنْزِلَتْ) ثُمَّ بيّن ذلك، فقال: (أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ) بيان للمكان، (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) بيان لمكانه - ﷺ -، وفي الرواية الآتية: «إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه» وزاد في رواية: «والساعة التى نزلت فيها على النبيّ - ﷺ -».
ومعنى كلام عمر - ﵁ -: أنّا ما أهملناه، ولا خفي علينا زمان نزولها، ولا مكان نزواها، وضبطنا جميع ما يتعلق بها، حتى صفة النبيّ - ﷺ -، وموضعه في زمان النزول، وهو كونه - ﷺ - قائمًا حينئذ، وهو غاية في الضبط.
وقال النوويّ: معناه: أنّا ما تركنا تعظيم ذلك اليوم، والمكان، أما المكان فهو عرفات، وهو معظم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام، وأما الزمان فهو يوم الجمعة، ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان، وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا.، وعظّمنا مكانه أيضًا، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش النبيّ - ﷺ - بعدها ثلاثة أشهر، قاله في «العمدة» .
[فإن قيل]: كيف طابق الجواب السؤال؛ لأنه قال: «لاتخذناه عيدًا»، وأجاب عمر - ﵁ - بمعرفة الوقت، والمكان، ولم يقل: جعلناه عيدًا؟.
[والجواب] عن هذا: أنها نزلت في أخريات نهار عرفة، ويوم العيد، إنما يتحقق بأوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة.
قال الحافظ ﵀: قاله هكذا بعض من تقدم، وعندي أن هذه الرواية اكتُفي في بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق عن قبيصة قد نصت على المراد، ولفظه: «نزلت يوم جمعة، يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد»، لفظ الطبريّ، والطبرانيّ: «وهما لنا عيدان»، وكذا عند الترمذيّ من حديث ابن عباس: «أن يهوديًّا سأله عن ذلك، فقال: نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة، ويوم عرفة».
فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنه ليلة العيد، وهكذا كما جاء في الحديث المتقدّم في «الصيام»: «شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة»، فسمّي رمضان عيدًا؛ لأنه يعقبه العيد. انتهى.
[تنبيه]: في هذا الحديث بيانُ ضَعْف ما أخرجه الطبريّ بسند فيه ابن لهيعة، عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت يوم الإثنين، وضَعْف ما أخرجه من طريق العوفيّ عن ابن عباس: أن اليوم المذكور ليس بمعلوم، وعلى ما أخرجه البيهقيّ بسند منقطع: أنها نزلت يوم التروية، ورسول الله - ﷺ - بفناء الكعبة، فأمر الناس أن يروحوا إلى منى، وصلى الظهر بها، قال البيهقيّ: حديث عمر أولى، قال الحافظ: وهو كما قال. انتهى .
وقوله: (قَالَ سُفْيَانُ)؛ يعني: الثوريّ، (أَشُكُّ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، أَمْ لَا، يَعْنِي: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾) سيأتي في الرواية التالية عن قيس بن مسلم الجزم بأن ذلك كان يوم الجمعة، فلا يضرّ شكّ سفيان، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٨٦ و٧٤٨٧ و٧٤٨٨] (٣٠١٧)، و(البخاريّ) في «الإيمان» (٤٥) و«المغازي» (٤٤٠٧) و«التفسير» (٤٦٠٦) و«الاعتصام» (٧٢٦٨)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠٤٣)، و(النسائيّ) في «الحج» (٥/ ٢٥١) و«الإيمان» (٨/ ١١٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٣١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٨٥)، و(الآجريّ) في «الشريعة» (ص ١٠٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ١١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
١ - (منها): بيان فضل يوم عرفة، حيث إنه نزلت فيه هذه الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): بيان وقت، ومكان نزول هذه الآية.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر - ﵁ - من العناية بمكان نزول الآية، وزمانها.
٤ - (ومنها): أن هذه الآية فيها بيان ما منّ الله تعالى به على هذه الأمة، حيث أكمل دينها، وأتمّ نعمه عليها، بحيث لا تحتاج إلى زيادة في أمر الدين، فكلّ ما حدث بعد أن أكمله الله تعالى، مما لا دليل له منه يُعتبر بدعة ضلالة، كما ثبت ذلك من حديث عائشة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ»، متّفق عليه، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ».
٥ - (ومنها): أنه استُدل بهذا الحديث على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام، لأن الله تعالى إنما يختار لرسوله - ﷺ - الأفضل، وأن الأعمال تَشْرُف بشرف الأزمنة كالأمكنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة. . .» الحديث؛ ولأن في يوم الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء، ولا سيما على قول من قال: إنها بعد العصر.
قال الحافظ ﵀: وأما ما ذكره رزين في «جامعه» مرفوعًا: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها» فهو حديث لا أعرف حاله، لأنه لم يذكر صحابيه، ولا من أخرجه، بل أدرجه في حديث «الموطأ» الذي ذكره مرسلًا عن طلحة بن عبيد الله بن
كريز، وليست الزيادة المذكورة في شيء من الموطآت، فإن كان له أصل احتَمَل أن يراد بالسبعين التحديد، أو المبالغة، وعلى كل منهما فثبتت المزية بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ .
٦ - (ومنها): ما كتبه الحافظ ابن رجب من بحث ممتع، قد أجاد فيه، وأفادا، قال ﵀ ما حاصله:
هذا الحديث قد يؤخذ منه أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا؛ إنما تكون بالشرع والاتباع، فهذه الآية لمّا تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيدًا لهذه الأمة من وجهين:
أحدهما: أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة.
والثاني: أنه يوم عيد أهل الموسم، وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم، وقد قيل: إنه يوم الحج الأكبر.
وقد جاء تسميته عيدًا من حديث مرفوع خرّجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب».
وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين، وحمله بعضهم على أهل الموقف، وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم، بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر، وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكْلهم من نُسُكهم. هذا قول جمهور العلماء.
وقال عطاء: إنما هي أعياد لأهل الموسم، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها. وقول الجمهور أصح. ولكن الأيام التي يحدث فيها حوادث من نِعَم الله على عباده، لو صامها بعض الناس شكرًا من غير اتخاذها عيدًا، كان حسنًا استدلالًا بصيام النبيّ - ﷺ - عاشوراء لمّا أخبره اليهود بصيام موسى ﵇ له
شكرًا، وبقول النبيّ -ﷺ- لمّا سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: «ذلك يوم وُلدت
فيه، وأُنزل علي فيه».
فأما الأعياد التي يجتمع عليه الناس فلا يُتجاوز بها ما شرعه الله لرسوله -ﷺ- وشرعه الرسول لأمته. والأعياد: هي مواسم الفرح والسرور؛ وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فشرع لهم عيدين في سنة وعيدًا في كل أسبوع، فأما عيدا السنة:
فأحدهما: تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار، فشَرَع لهم عيدًا بعد إكمال صيامهم، وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة، وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد شكرًا لذلك.
والعيد الثاني: أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه، فجعل الله عقب ذلك عيدًا، بل هو العيد الأكبر، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ويقضوا فيه تفثهم، ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت العتيق ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة؛ لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام، بخلاف الصيام ويكون الشكر عند أهل الأمصار: الصلاة والنحر، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر؛ ولهذا أمر الله نبيّه -ﷺ- أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر كما شرع ذلك لإبراهيم خليله؛ عند أمْره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم.
وأما عيد الأسبوع: فهو يوم الجمعة، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات، فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها وأكملوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها -وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق، وفيه خُلق آدم وأدخل الجنة- عيدًا يجتمعون فيه على صلاة الجمعة، وشرع لهم الخطبة تذكيرًا بنِعَم الله عليهم وحثًّا لهم على شكرها، وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام.
وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر. خرّجه الإمام أحمد في «مسنده»، وقال مجاهد وغيره. وروي أنه حج المساكين، وروي عن علي أنه يوم نُسك المسلمين. وقال ابن المسيب: الجمعة أحب إليّ من حج التطوع. وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي؛ فالمبكر في أول ساعة كالمُهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي كبشًا، ثم كالمهدي دجاجة، ثم كالمهدي بيضة. ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة. وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة لا يزورون ربهم فيهما، وأنه يتجلى فيهم لأهل الجنة عمومًا يشارك الرجال فيها النساء. فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا والآخرة عمومًا.
وأما خواص المؤمنين: فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين. وروي عن بعضهم: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد. ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشيًّا. وقد خرّجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا.
ولهذا المعنى -والله أعلم- لمّا ذكر النبيّ -ﷺ- الرؤية في حديث جرير بن عبد الله البجلي أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ فإن هذين الوقتين وقت رؤية خواص أهل الجنة ربهم، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتها وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله في الجنة في وقتهما.
فتبيَّن بهذا: أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام؛ فالأعياد الثلاثة المجتمَع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج؛ فأما الزكاة: فليس لها زمان معين تكمل فيه، وأما الشهادتان: فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما. وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالي أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٨٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ يَهُودَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] نَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالسَّاعَةَ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حِينَ نَزَلَتْ، نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِعَرَفَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ [١٠]، تقدم في «المقدمة» ١/ ١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الكوفيّ [١٠]، تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ [٨]، تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤.
٤ - (أَبُوهُ) إدريس بن يزيد الأوديّ الكوفيّ [٧]، تقدم في «الإيمان» ٥٩/ ٣٣٥.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٨٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِعَرَفَاتٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ).