HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٠١٨

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سرح وحرملة بن يحيى التجيبي (قال أبو الطاهر: حَدَّثَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا) ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزبير؛ أنه سأل عائشة عن قول الله: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [٤ /النساء] قالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حجر وليها. تشاركه في ماله. فيعجبه مالها وجمالها. فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن. ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق. وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء، سواهن. قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فيهن. فأنزل الله ﷿: ﴿ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾ [٤ /النساء]. قالت: والذي ذكر الله تعالى؛ أنه يتلى عليكم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله فيها: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [٤ /النساء/ ٣]. قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: وترغبون أن تنكحوهن، رغبة أحدكم عن اليتيمة التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط. من أجل رغبتهم عنهن.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص239
ج ٤ ص ٢٣١٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص٣٧٨
رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميّ الكوفيّ [٩]، تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. ٢ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ [٧]، تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى قبل حديث، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٩] (٣٠١٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ -قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا- ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَةُ، تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا، وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا، وَجَمَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ [١٠]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصريّ [١١]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ [٩]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، من كبار [٧]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام المدنيّ الفقيه [٣]، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق -﵂-، تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣١٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة -﵂-. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂-، وإنما سألها هذا السؤال؛ لأنه ليس نكاح ما طاب سببًا للعدل في الظاهر حتى يُؤَمَّنَ به من يَخَاف عدمه، بل قد يكون النكاح سببًا للجور للحاجة إلى الأموال. (عَنْ قَوْلِ اللهِ -﷿-: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣])؛ أي: إن خفتم أن لا تعدِلُوا في مهورهنّ، وفي النفقة عليهنّ، فانكحوا غيرهنّ من النساء. قال أبو عبد الله القرطبيّ -﵀-: «خفتم» من الأضداد، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونًا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف، فقال أبو عبيدة: «خفتم» بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: «خفتم» ظننتم، قال ابن عطيّة: وهذا الذي اختاره الْحُذّاق، وأنه على بابه من الظنّ، لا من اليقين، التقدير: من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة، فليعدل عنها. انتهى. ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾؛ أي: تعدلوا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل، وقَسَط إذا جار، وظلم صاحبه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]؛ يعني: الجائرين. ﴿فِي الْيَتَامَى﴾ قال النسفيّ: يقال للإناث: اليتامى، كما يقال: للذكور، وهو جمع يتيمة، ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم، لا غير. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ -﵀- في «المفهم»: اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْد الأب، وفي غيرهم من قِبَل فقد الأمّ، وأصل اليتيم أن يقال: على من لم يبلُغ، وقد أُطلق في هذه الآية على المحجور عليها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً؛ استصحابًا لإطلاق اسم اليتيم لبقاء الحَجْر عليها. وإنما قلنا: إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنها قد أُبيح العقد عليها في الآية، ولا تُنكح اليتيمة الصغيرة، إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن بإذنها، كما قال -ﷺ- فيما خرّجه الدارقطنيّ وغيره في بنت عثمان بن مظعون: «وإنها يتيمة، ولا تُنكح إلا بإذنها»، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ، بناءً على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحّة النكاح. انتهى . ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. قال أبو عبد الله القرطبيّ -﵀-: إن قيل: كيف جاءت «ما» للآدميين، وإنما أصلها لِمَا لا يعقِلُ، فعنه أجوبة خمسة: [الأول]: أن «من» و«ما» قد يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ [الشمس: ٥]؛ أي: ومن بناها، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] فـ«ما» ههنا لمن يعقل، وهنّ النساء؛ لقوله بعد ذلك، مبيّنًا لمبهم «ما»، وقرأ ابن أبي عبلة: «من طاب» على ذِكر من يعقل. [الثاني]: قال البصريون: «ما» تقع للنعوت كما تقع لِمَا لا يعقل، يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريفٌ وكريمٌ، فالمعنى: فانكحوا الطيّب من النساء؛ أي: الحلال، وما حرّمه الله فليس بطيّب، وفي التنزيل: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، فأجابه موسى على وفق ما سأل. وحكى بعض الناس أن «ما» في هذه الآية ظرفيّة؛ أي: ما دمتم تستحسنون النكاح. قال ابن عطيّة: وفي هذا المنزع ضعفٌ. [الرابع]: قال الفرّاء: «ما» ههنا مصدرية. وقال النحاس: وهذا بعيدٌ جدًّا، لا يصحّ، فانكحوا الطيّبة. [الخامس]: أن المراد بـ«ما» هنا العقد؛ أي: فانكحوا نكاحًا طيبًا، وقراءة ابن أبي عَبْلَة تردّ الأقوال الثلاثة. واتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يَخَف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنين، أو ثلاثًا، أو أربعًا كمن خاف، فدلّ على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعمّ من ذلك. انتهى كلام القرطبيّ باختصار . (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (يَا ابْنَ أُخْتِي) أختها هي أسماء بئت أبي بكر الصدّيق -﵃-، والدة عبد الله بن الزبير، وعروة. (هِيَ الْيَتِيمَةُ)؛ أي: التي مات أبوها، (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا)؛ أي: الذي يَلِي مالها. قال الفيّوميّ -﵀-: «حَجر الإنسان» بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنه، وهو ما دون إبطه إلى الكشح، وهو في حَجْره؛ أي: كَنَفه، وحِمَايته، والجمع حُجور. انتهى . (تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا، وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا) بضمّ الياء، من الإقساط؛ أي: يَعدِل في مهرها، وفي رواية: «ويريد أن ينتقص من صداقها»، (فَيُعْطِيَهَا) عطف على «يُقسِط»، عطف تفسير، وفيه دلالةٌ على النهي عن تزوّج امرأة يخاف في شأنها الجور، منفردةً، أو مجتمعة مع غيرها. (مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ)؛ يعني: أنه يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها مثل ما يُعطيها غيره؛ أي: ممن يَرغَب في نكاحها سواه، ويدلّ على هذا قوله: (فَنُهُوا) بضم النون، والهاء، مبنيًّا للمفعول، (أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ) بفتح الياء بالبناء للمفعول؛ أي: يتزوّجوهنّ (إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ)؛ أي: أعلى عادة مهر مثلهنّ، (وَأُمِرُوا) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول، (أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ)؛ أي: يتزوّجوا غيرهنّ من النساء بأيّ مهر توافقوا عليه. قال في «الفتح»: وتأويل عائشة هذا جاء عن ابن عبّاس -﵄- مثله، أخرجه الطبريّ. وعن مجاهد في مناسبة ترتّب قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ على قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ شيء آخر، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾؛ أي: إذا كنتم تخافون أن لا تعدلوا في مال اليتامى، فتحرّجتم أن لا تَلُوها، فتحرّجوا من الزنا، وانكحوا ما طاب لكم من النساء، وعلى تأويل عائشة يكون المعنى: وإن خفتم أن لا تُقسطوا في نكاح اليتامى. انتهى . وقال الخطّابيّ: وتأويل الآية، وبيان معناها: أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى، فقال: وإن خفتم من أنفسكم المشاحّة في صدقاتهنّ، وأن لا تعدلوا، فتبلغوا بهنّ صداق أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، وانكحوا غيرهنّ من الغرائب اللواتي أُحلّ لكم خطبتهنّ من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فانكحوا منهنّ واحدةً، أو ما ملكتم من الإماء. انتهى . (قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-، وهو معطوفٌ على المذكور، وإن كان بغير أداة عطف، (ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ)؛ أي: في شأن النساء، (فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾)؛ أي: يسألونك الإفتاء في النساء، والإفتاء تبيين المبهم، (﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾) قال النسفيّ: أي الله يفتيكم، والمتلوّ في الكتاب؛ أي: القرآن في معنى اليتامى، يعني قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وهو من قولك: أعجبني زيد وكرمُهُ، (﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾) في محلّ الرفع بالعطف على الضمير في ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، أو على لفظ ﴿اللَّهُ﴾، و(﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾) صلة ﴿يُتْلَى﴾؛ أي: يتلى عليكم في معناهنّ، ويجوز أن يكون في ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بدلًا من ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾، والإضافة بمعنى «من». (﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾)؛ أي: ما أثبت لهن في الشرع، (﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾). (قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ) قال في «الفتح»: فيه تعيين أحد الاحتمالين في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾؛ لأن رغب يتغيّر معناه بمتعلقه، يقال: رغب فيه إذا أراده، ورغب عنه إذا لم يُرِدْه؛ لأنه يحتمل أن تحذف «في»، وأن تُحذف «عن». وقد تأوّله سعيد بن جبير على المعنيين، فقال: نزلت في الغنيّة، والمُعْدَمة، والمرويّ هنا عن عائشة أوضح في أن الآية الأولى نزلت في الغنيّة، وهذه الآية نزلت في الْمُعدمة. انتهى . (حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا، وَجَمَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ)؛ أي: نُهُوا عن نكاح المرغوب فيها لجمالها، ومالها؛ لأجل زُهدهم فيها، إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل. وقال صاحب «التكملة»: حاصل كلام عائشة -﵂- أن من وَلِيَ يتيمة من أبناء أعمامها كان يظلمها في الجاهليّة من ناحيتين، فإن كانت ذات مال وجمال رغب في أن يتزوجها بنفسه دون أن يعطيها صداق مثلها، فكان ينكحها بأقل مهر من مهر المِثل، فأمره الله -﷾- أن لا يتزوجها في هذه الحالة، بل يتزوج غيرها ممن أحلّ الله له بما شاء من المهر؛ لئلا يبخس اليتيمة حقّها في المهر، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وأما إذا كانت قليلة الجمال، ولها مال، فلا يتزوجها الوليّ؛ لعدم رغبته في جمالها، ولا يزوجها غيره خشية أن يذهب الزوج بمالها، فيمسكها عنده غير مزوّجة، ولا يخفى ما في ذلك من الظلم لها، فنهاه الله -﷿- عن هذا الظلم، وأمره بأحد أمرين: إما أن يتزوجها بنفسه على مهر مِثلها، وإما أن يُنكحها غيره، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. وقال الآلوسيّ في «روح المعاني» : قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ أي: في أن تنكحوهن، أو عن أن تنكحوهن، فإن أولياء اليتامى كما ورد في غير خبر كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات، ويأكلن أموالهن، وإلا كانوا يعضلونهن طمعًا في ميراثهنّ، وحَذْف الجارّ هنا لا يُعدّ لَبسًا، بل هو إجمال، فكلّ من الحرفين مراد على سبيل البدل ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٨٩ و٧٤٩٠ و٧٤٩١ و٧٤٩٢ و٧٤٩٣] (٣٠١٨)، و(البخاريّ) في «الشركة» (٢٤٩٤) و«الوصايا» (٢٧٦٣) و«التفسير» (٤٥٧٣ و٤٦٠٠) و«النكاح» (٥٠٦٤ و٥٠٩٢ و٥٠٩٨ و٥١٣١) و«الحيل» (٦٩٦٥)، و(أبو داود) في «النكاح» (٢٠٦٨)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٣٣٦٧) وفي «الكبرى» (٥٥١٤ و١١٠٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب العدل في مهور النساء. ٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن للوليّ أن يزوّج محجورته من نفسه. ٣ - (ومنها): أن له حقًّا في التزويج؛ لأن الله تعالى خاطب الأولياء بذلك. ٤ - (ومنها): اعتبار مهر الْمِثل في المحجورات، وأن غيرهنّ يجوز نكاحها بدون ذلك. ٥ - (ومنها): جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ؛ لأنهنّ بعد البلوغ، لا يقال لهنّ: يتيمات، إلا أن يكون أطلق استصحابًا لحالهنّ. ٦ - (ومنها): بيان سبب نزول الآيتين، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): كتب أبو العبّاس القرطبيّ -﵀- على حديث عائشة -﵂- بحثًا مطوّلًا أحببت إيراده؛ لِمَا فيه من الفوائد الغزيرة، قال -﵀-: قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]: فزعتم، وفرَقتم، وهو ضد الأمن، ثم قد يكون الخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونًا، فلذلك اختَلَف العلماء في تفسير هذا الحديث، هل هو بمعنى العلم، أو بمعنى الظنّ، فقال بعضهم: خفتم: علمتم، وقال آخرون: ﴿خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩]: ظننتم، وحقيقة الخوف ما ذكرناه أوّلًا. ﴿وَتُقْسِطُوا﴾ [الممتحنة: ٨]: تعدلوا، وقد تقدَّم: أن أقسط بمعنى عدل، وقسط: بمعنى جارَ، وقد تقدم أن اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْد الأب، وفي غيرهم من قِبَل فَقْد الأم، وأن اليتيم إنما أصله أن يقال على من لم يبلغ، وقد أُطلق في هذه الآية على المحجور عليها، صغيرة كانت، أو كبيرة؛ استصحابًا لإطلاق اسم اليتيم؛ لبقاء الحجر عليها، وإنما قلنا: إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنَّها قد أبيح العقد عليها في الآية، ولا تنكح اليتيمة الصغيرة؛ إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن بإذنها، كما قال النبيّ -ﷺ- فيما خَرَّج الدارقطنيّ، وغيره في بنت عثمان بن مظعون، وأنها يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها ، وهذا مذهب الجمهور؛ خلافًا لأبي حنيفة، فإنَّه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ؛ بناءً على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحة النكاح -كما قدمناه في كتاب النكاح-. وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] قد تقدَّم أن «ما» أصلها لِمَا لا يعقل، وقد تجيء بمعنى الذي، فتُطلق على من يعقل، كما جاءت في هذه الآية، فإنَّها فيها للنساء، وهنّ ممن يعقل، ولا يُلتفت لقول من قال: إن المراد بها هنا العقد؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ مبينًا لمبهم «ما». وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ قد فَهِمَ من هذا من بَعُدَ فهمه للكتاب والسُّنَّة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وقلَّ علمه باللسان، واللغة: أنه يجوز لنا أن ننكح تسعًا، ونجمع بينهنّ في عصمة واحدة من هذه الآية، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبيّ -ﷺ- نكح تسعًا، وجمع بينهن في عصمة، والذي صار إلى هذه الجهالة الرافضةُ، وطائفة من أهل الظاهر، فجعلوا مثنى، وثلاث، ورباع مثل اثنين، وثلاث، وأربع، وبينهما من الفرقان ما بين الجماد والإنسان، فإنَّ أهل اللغة مطبقون على الفرق بينهما، ولا نعلم بينهم خلافًا في ذلك، وبيان الفرق أن العرب إذا قالت: جاءت الخيل مثنى مثنى إنما تعني بذلك: اثنين، اثنين؛ أي: جاءت مزدوجة، قال الجوهريّ: وكذلك جميع معدول العدد. قال القرطبيّ: وعلى هذا جاء قوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، ويُعلم على القطع والبتات أنه لم يرد هنا توزيع هذه الأعداد على الملائكة حتى يكونوا هم: أولي تسعة أجنحة يشتركون فيها، ولا أنه جمع كل واحد من آحاد الملائكة تسعة أجنحة، وتلزم هذه الفضائح من قال بالجمع في آية النكاح؛ إذ لا فرق بين هاتين الآيتين في هذا اللفظ في العدل، والعطف بالواو الجامعة، وإنما المراد: أن الله تعالى خلق الملائكة أصنافًا، فمنهم صنف جعل لكل واحد منهم جناحين، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم ثلاثة، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم أربعة، وكذلك آية النكاح معناها: أن الله تعالى أباح لكل واحد منهم من الزوجات ما يقدر على العدول فيه، فمن يقدر على العدل في اثنتين أبيح له ذلك، ومن يقدر على العدل في أكثر أبيح له ذلك، فإن خاف أن لا يعدل فواحدة، كما قال تعالى، وغاية الإباحة أربع؛ لأنَّه انتهى إليهن في العدد، ولقول النبيّ -ﷺ- لغيلان بن أمية: «أمسك أربعًا، وفارق سائرهنّ» ، ولأنه لم يُسمع عن أحد من الصحابة، ولا التابعين: أنه جمع في عصمته بين أكثر من أربع، وما أبيح للنبيّ -ﷺ- من ذلك، فذلك من خصوصياته، بدليل: أن أصحابه قد علموا ذلك، وتحقّقوه، فلو علموا أن ذلك مسوَّغ لهم لاقتدوا به في ذلك، فكانوا يجمعون بين تسع، فإنَّهم كانوا لا يعدلون عن الاقتداء به في جميع أفعاله، وأحواله، وببادرون إلى ذلك مبادرة من علم أن التوفيق والفلاح، والحصول على خير الدنيا والآخرة في الاقتداء به، فلولا أنهم علموا خصوصيته بذلك لَمَا امتنعوا منه، وما يروي الرافضة في ذلك عن عليّ -﵁-، أو غيره من السّلف، فغير معروف عند أهل السُّنّة، ولا مأخوذ عن أحد من علماء الأمة، وكيف لا؟ وقوله لغيلان قد بيّن القدر المباح غاية البيان، وهو من الأحاديث المعروفة المشهورة عند كل أحد، بحيث لا يحتاج فيه إلى إقامة سند. وقد ذهب بعض أهل الظاهر إلى إباحة الجمع بين ثماني عشرة؛ تمسُّكًا بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار لمّا لم يمكنه لذلك إنكار، لكنه لمّا حمل الواو على الجمع جمع بين هذه الأعداد، وقصر كل صيغة على أقله، فجعل: مثنى بمعنى: اثنين واثنين، وثلاث: بمعنى ثلاث وثلاث، ورباع: بمعنى أربع وأربع. قال: وهذا القائل أعور بأيّ عينيه شاء، فإنَّ كل ما ذكرناه يبطل دعواه. ونزيد هنا نكتة تضمنها الكلام المتقدِّم، وهي أن قصره كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه، تحكّم بما لا يوافقه أهل اللسان عليه، ولا يرشد معنى الاثنين إليه؛ لأنَّ مقصود الآية إباحة نكاح اثنتين لمن أراد، نكاح ثلاث لمن أراد، ونكاح أربع لمن أراد، وكل واحد من آحاد كل نوع من هذه الثلاثة لا ينحصر، فكل اثنين، وثلاث، وأربع لا ينحصر، فقَصْره على بعض أعداد ما تضمّنه ذلك مخالف لمقصود الآية، فتفهّم ذلك، فإنَّه من لطيف الفهم، وللكلام في هذه الآية متّسعٌ، وفيما ذكرناه تنبيه ومقنع. وبعد أن فهمت أفراد تلك الكلمات، فاعلم أن العلماء اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، وفي معناها، فذهبت عائشة -﵂- إلى ما ذُكر في الباب عنها، وحاصل الروايات المذكورة عنها: أنها نزلت في ولي اليتيمة التي لها مال، فأراد وليّها أن يتزوجها، فأُمر بأن يوفيها صداق أمثالها، أو يكونُ لها مالٌ عنده بمشاركة أو غيرها، وهو لا حاجة له لتزويجها لنفسه، ويَكره أن يزوجها غيره؛ مخافة أخْذ مالها من عنده، فأمَر الله الأولياء بالقسط، وهو العدل، بحيث: إن تزوَّجها بذل لها مهر مثلها، وإن لم تكن له رغبة فيها زوّجها من غيره، وأوصلها إلى مالها على الوجه المشروع. وتكميل معنى الآية: أن الله تعالى قال للأولياء: إن خفتم ألا تقوموا بالعدل، فتزوَّجوا غيرهنّ، ممن طاب لكم من النساء، اثنتين اثنتين، إن شئتم، وثلاثًا ثلاثًا لمن شاء، وأربعًا أربعًا لمن شاء، هذا قول عائشة -﵂- في الآية. وقال ابن عباس -﵄- في معنى الآية: إنه قَصَر الرجال على أربع؛ لأجل أموال اليتامى، فنزلت جوابًا لتحرّجهم عن القيام بإصلاح أموال اليتامى. وفسَّر عكرمة قول ابن عباس هذا بألّا تكثروا من النساء، فتحتاجوا إلى أخذ أموال اليتامى. وقال السّدّيّ، وقتادة: معنى الآية: إن خفتم الجور في أموال اليتامى، فخافوا مثله في النساء، فإنَّهن كاليتامى في الضعف، فلا تنكحوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن بالمعروف. قال القرطبيّ: وأقرب هذه الأقوال وأصحها قول عائشة -إن شاء الله تعالى-. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صححه القرطبيّ هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم. قال: وقد اتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، كمن خاف، فدلّ ذلك على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف، وأن حكمها أعمّ من ذلك، وفي الآية مباحث تسكت الناقث . والمعدولة عن أسماء العدد صفات، وقيل: للعدل والتأنيث؛ لأنَّ أسماء العدد مؤنثة، وقيل: لتكرار العدد في اللفظ، والمعنى؛ لأنه عدل عن لفظ اثنين إلى لفظ مثنى، وإلى معنى: اثنين اثنين، ومبدأ العدل آحاد، ومنتهاه رباع، ولم يسمع فيما فوق ذلك إلا في عُشار في قول الكميت [من المتقارب]: وَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حَتَّى رَمَيْـ … ـتَ فَوْقَ الرِّجَالِ خِصَالًا عُشَارَا وتختلف صيغ المعدول عن العدد، فيقال: مَوْحَد، وآحاد، وأُحَد، ومثنى، وثُنا، وثُناي، ومثلث، وثُلاث وثُلَث، ومَربع، ورُباع، ورُبَع، وقرأ النخعي: (ثُلَث)، و(رُبَع). انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. وقد ذكرت في «شرح النسائي» هنا مسائل مفيدة، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٩٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ، إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم ذُكروا في الباب. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير صالح، وكذا فاعل «زاد». [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٤٢٩٨) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير؛ أنه سأل عائشة، عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة، تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ، قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله -ﷺ- بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنُهوا أن ينكحوا عمن رغبوا في ماله وجماله، في يتامى النساء، إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ، وَهُوَ وَلِيُّهَا، وَوَارِثُهَا، وَلَهَا مَالٌ، وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا، فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا، فَيَضُرُّ بِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يَقُولُ: مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ، وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة الكوفيّ [٩]، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٢ - (هِشَامُ) بن عروة المدنيّ [٥]، تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣٥٠. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي
مصادر المؤلف (١٥)

١. «تفسير النسفيّ» ١/ ٢٠٥.

٢. «المفهم» ٧/ ٣٢٦.

٣. «تفسير القرطبيّ» ٥/ ١٢ - ١٣.

٤. «المصباح المنير» ١/ ١٢٢.

٥. «الفتح» ٩/ ١١١.

٦. «معالم السنن» ٣/ ١٥ - ١٦.

٧. «الفتح» ٩/ ١١٢.

٨. «روح المعاني» ٥/ ١٩٠.

٩. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٥٤١ - ٥٤٢.

١٠. رواه الدارقطنيّ ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠.

١١. رواه البيهقيّ في «الكبرى» ٧/ ١٨١، وصححه ابن حبّان (٤١٥٧).

١٢. قال الجامع عفا الله عنه: نسبة هذا القول إلى أهل الظاهر فيه نظر، فإن ابن حزم -﵀- قد ذكر في «المحلّى» (٩/ ٤٤١) أن أهل الإسلام مجمعون على تحريم أكثر من أربع نسوة، واحتج بحديث غيلان الثقفيّ المذكور، وقال: لم يقل بإباحة أكئر من أربع إلا الرافضة، فلو كان من أهل الظاهر أحد قال ذلك لَمَا أهمله، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

١٣. يقال: نقث حديثه: إذا خلطه كخلط الطعام، ونقث العظم: استخرج مخّه، ونقث عن الشيء: إذا حفر عنه.

١٤. راجع: «المجتبى» ٢٨/ ٢٩ - ٣٦.

١٥. «صحيح البخاري» ٤/ ١٦٦٨.