وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥١٠] (٣٠٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَال: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا، فَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ بَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ [٣]، تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١.
٢ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) -﵁- (يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ) هذا ظاهر في اختصاص ذلك بالأنصار، لكن في حديث جابر -﵁- أن سائر العرب كانوا كذلك، إلا قريشًا، ورواه عبد بن حميد من مرسل قتادة، كما قال البراء، وكذلك أخرجه الطبريّ من مرسل الربيع بن أنس نحوه. (إِذَا حَجُّوا) وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عند البخاريّ بلفظ: «إذا أحرموا في الجاهلية». (فَرَجَعُوا) إلى بلدانهم (لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا)؛ أي: نقبوا البيت من قِبَل ظهره، فدخلوا فيه. (قَالَ) البراء: (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو قُطْبة -بضم القاف، وإسكان الطاء المهملة، بعدها موحّدة- ابن عامر بن حَدِيدة -بمهملات، وزن كبيرة- الأنصاريّ الخزرجيّ السَّلَميّ، كما أخرجه ابن خزيمة، والحاكم في «صحيحيهما» من طريق عمار بن رُزيق
عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: «كانت قريش تُدْعَى الْحُمْس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب، لا يدخلون من الأبواب، فبينما رسول الله -ﷺ- في بستان، فخرج من بابه، فخرج معه قُطبة بن عامر الأنصاريّ، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة رجل فاجر، فإنه خرج معك من الباب، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت، قال: إني أحمسيّ، قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله الآية»، وهذا الإسناد وإن كان على شرط مسلم، لكن اختُلف في وصله على الأعمش، عن أبي سفيان، فرواه عبد بن حميد عنه، فلم يذكر جابرًا، أخرجه بَقِيّ، وأبو الشيخ في «تفسيرهما» من طريقه، وكذا سماه الكلبيّ في «تفسيره» عن أبي صالح، عن ابن عباس، وكذا ذكر مقاتل بن سليمان في «تفسيره».
وجزم البغويّ وغيره من المفسرين بأن هذا الرجل يقال له: رفاعة بن تابوت، واعتمدوا في ذلك على ما أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير من طريق داود بن أبي هند، عن قيس بن جبير النَّهْشليّ، قال: «كانوا إذا أحرموا لم يأتوا بيتًا من قِبَل بابه، ولكن من قِبَل ظهره، وكانت الحُمُس تفعله، فدخل رسول الله -ﷺ- حائطًا، فاتّبعه رجل يقال له: رفاعة بن تابوت، ولم يكن من الحمس. . .» فذكر القصة.
قال الحافظ: وهذا مرسل، والذي قبله أقوى إسنادًا، فيجوز أن يُحْمَل على التعدد في القصة، إلا أن في هذا المرسل نظرًا من وجه آخر؛ لأن رفاعة بن تابوت معدود في المنافقين، وهو الذي هَبَّت الريح العظيمة لموته، كما وقع مبهمًا في «صحيح مسلم»، ومفسَّرًا في غيره من حديث جابر، فإن لم يُحْمَل على أنهما رجلان توافق اسمهما واسم أبويهما، وإلا فكونه قطبة بن عامر أَولى.
ويؤيده أن في مرسل الزهريّ عند الطبري: «فدخل رجل من الأنصار، من بني سَلِمة» وقطبة من بني سَلِمة، بخلاف رفاعة.
ويدلّ على التعدد اختلاف القول في الإنكار على الداخل، فإن في حديث جابر: «فقالوا: إن قطبة رجل فاجر»، وفي مرسل قيس بن جبير: «فقالوا: يا رسول الله نافق رفاعة»، لكن ليس بممتنع أن يتعدد القائلون في القصة الواحدة.
وقد وقع في حديث ابن عباس عند ابن جريج أن القصة وقعت أوّل ما قَدِمَ النبيّ -ﷺ- المدينة، وفي إسناده ضعف.
وفي مرسل الزهريّ أن ذلك وقع في عمرة الحديبية، وفي مرسل السدّيّ عند الطبري أيضًا أن ذلك وقع في حجة الوداع، وكأنه أخذه من قوله: «كانوا إذا حجوا»، لكن وقع في رواية الطبريّ: «كانوا إذا أحرموا»، فهذا يتناول الحج والعمرة، والأقرب ما قال الزهريّ.
وبيَّن الزهريّ السبب في صنيعهم ذلك، فقال: «كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة، لم يَحُلْ بينهم وبين السماء شيء، فكان الرجل إذا أهلّ، فبدت له حاجة في بيته لم يدخل من الباب، من أجل أن السقف يحول بينه وبين السماء».
[تنبيه]: اتفقت الروايات على نزول الآية في سبب الإحرام، إلا ما أخرجه عبد بن حميد بإسناد صحيح عن الحسن، قال: «كان الرجل من الجاهلية يَهُمّ بالشيء يصنعه، فيحبس عن ذلك، فلا يأتي بيتًا من قبل بابه، حتى يأتي الذي كان همّ به»، فجعل ذلك من باب الطيرة، وغيره جعل ذلك بسبب الإحرام.
وخالفهم محمد بن كعب القُرظيّ، فقال: «كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزل من باب البيت» فنزلت، أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف.
وأغرب الزجاج في «معانيه»، فجزم بأن سبب نزولها ما رُوي عن الحسن، لكن ما في الصحيح أصحّ، والله أعلم.
[تنبيه آخر]: اتفقت الروايات على أن الحمس كانوا لا يفعلون ذلك، بخلاف غيرهم، وعَكَس ذلك مجاهد، فقال: «كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثَقَب كُوّةً في ظهر بيته، فدخل منها، فجاء رسول الله -ﷺ- ذات يوم، ومعه رجل من المشركين، فدخل من الباب، وذهب المشرك ليدخل من الكوّة، فقال له رسول الله -ﷺ-: ما شأنك؟ فقال: إني أحمسيّ، فقال: وأنا أحمسيّ»، فنزلت، أخرجه الطبريّ، ذكر هذا كلّه في «الفتح» .
(فَدَخَلَ) ذلك الرجل (مِنْ بَابِهِ)؛ أي: من باب بيته، (فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: كلّموه، وعابوه على ما فعل، وتقدّم أنهم قالوا: «نافق رفاعة»، وفي
رواية: «إن قُطبة رجل فاجر»، (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) ردًّا عليهم في إنكارهم، وجعلته من أعمال الجاهليّة، لا من أعمال البرّ. (﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾).
وقال القرطبيّ -﵀-: إنما كان يفعلون ذلك؛ لأنَّهم كانوا إذا أحرموا يكرهون أن يحول بينهم وبين السماء سقف إلى أن ينقضي إحرامهم، ويَصِلوا إلي منازلهم، فإذا دخلوا منازلهم دخلوها من ظهورها، قاله الزهريّ، يعتقدون أن ذلك من البِرّ والقُرَب، فنفى الله ذلك بقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾، ثم بيّن ما يكون فيه البرّ بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: برّ من اتقى الله، وعَمِل بما أمره الله به من طاعته. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٥١٠] (٣٠٢٦)، و(البخاريّ) في «العمرة» (١٨٠٣) و«التفسير» (٤٥١٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٧١٧)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٣٠٧٥ و٣٠٧٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٩٤٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٢٧٤)، و(الواحديّ) في «أسباب النزول» (ص ٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٦١)، و(الخطيب) في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): ما كان عليه الجاهليّة من المشقّة والتعب في إقامة دينهم الباطل.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: يستفاد من الآية أن الطاعات والقُرَب إنما يُتوصّل إليها بالتوقيف الشرعيّ، والتعريف، لا بالعقل والتخريف،