HadithLab
RU
سنن أبي داود

رقم الحديث ٦١

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»
  • محمد محيي الدين عبد الحميد:حسن صحيح
  • الألباني:حسن صحيحصحيح سنن أبي داود ج1 ص27
  • زبير علي زئي:حسن
  • شعيب الأرنؤوط:حسن لغيرهسنن أبي داود تخريج شعيب الأرنؤوط ج1 ص45
ج ١ ص ١٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, مسند أحمد
تهذيب سنن أبي داود · ابن قيم الجوزية · ج١ ص١٩
٤/ ٥٦ - وعن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ». وأخرجه الترمذي وابن ماجه . وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن. قال ابن القيم - ﵀ -: قوله - ﷺ -: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام: الحكم الأول: أن مفتاح الصلاة الطهور، والمفتاح: ما يُفتح به الشيء المغلق، فيكون فاتحًا له، ومنه: «مفتاح الجنة لا إله إلا الله» . وقوله: «مفتاح الصلاة الطهور» يفيد الحصرَ، وأنه لا مفتاح له سواه من طريقين: قلت: وهو أيضًا ضعيف من جهة حفظه. ولفظ أحمد «مفاتيح الجنة .. ». ورواه البخاري معلقًا عن وهب بن منبّه، كتاب الجنائز، باب (١). ووصله الحافظ في «تغليق التعليق»: (٢/ ٤٥٣). وذكر هناك بعض شواهده. أحدهما: حصر المبتدأ في الخبر إذا كانا مَعْرفتين، فإن الخبر لا بدّ وأن يكون مساويًا [ق ٥] للمبتدأ أو أعمَّ منه، ولا يجوز أن يكون أخصّ منه. فإذا كان المبتدأ معرّفًا بما يقتضي عمومه كـ«اللام» و«كل» ونحوهما، ثم أخبر عنه بخبر، اقتضى صحَّةُ الإخبار أن يكون إخبارًا عن جميع أفراد المبتدأ، فإنه لا فرد من أفراده إلا والخبرُ حاصلٌ له. وإذا عُرِف هذا لزم الحَصْر، وأنه لا فرد من أفراد ما يُفْتَتح به الصلاة إلا وهو الطهور. فهذا أحد الطريقين. والثاني: أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة، والإضافة تعُمّ. فكأنه قيل: جميع مفتاح الصلاة هو الطهور. وإذا كان الطهور هو جميع ما يُفْتَتح به، لم يكن لها مفتاح غيره. ولهذا فهم جمهور الصحابة والأمة أن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] أنه على الحصر، أي: مجموعُ أجلهنّ الذي لا أجل لهنّ سواه: وَضْعُ الحمل. وجاءت السنةُ مفسرةً لهذا الفَهْم مُقرِّرةً له، بخلاف قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنه فِعْل لا عموم له، بل هو مطلق. وإذا عُرِف هذا ثبت أن الصلاة لا يمكن الدخول فيها إلا بالطهور. وهذا أدّل على الاشتراط من قوله: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحْدَثَ حتى يتوضأ» من وجهين: أحدهما: أن نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه. وقد يكون لمقارنة محرَّمٍ يمنعُ من القبول، كالإباق، وتصديق العرَّاف، وشرب الخمر، وتطيّب المرأة إذا خرجت للصلاة، ونحوه. الثاني: أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها، وأنه مصدود عنها، كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح. وأما عدم القبول فمعناه: عدم الاعتداد بها، وأنه لم يُرَتَّب عليها أثرها المطلوب منها، بل هي مردودة عليه. وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها، ورضا الربّ عنه بها، وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جُمْلةً، بل عقوبته ترك ثوابه، وفوات الرضا لها بعد دخوله فيها، بخلاف من لم يَفْتتحها أصلًا بمفتاحها، فإن عقوبته عليها عقوبة تاركها. وهذا واضح. فإن قيل: فهل في الحديث حجة لمن قال: إن عادم الطهورَين لا يصلي حتى يقدر على أحدهما؛ لأن صلاته غير مفتتحةٍ بمفتاحها، فلا تُقبل منه؟ قيل: قد استدلَّ به من يرى ذلك، ولا حجة فيه. ولا بدَّ من تمهيد قاعدةٍ يتبين بها مقصود الحديث، وهي: أنّ ما أوجبه الله ورسوله، أو جعله شرطًا للعبادة، أو ركنًا فيها، أو وقَفَ صحّتَها عليه= هو مُقيَّد بحال القدرة؛ لأنها الحال التي يؤمر فيها به. وأما في حال العجز فغير مقدور ولا مأمور، فلا تتوقف صحة العبادة عليه. وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة، وسقوط ذلك بالعجز. وكاشتراط سَتْر العورة واستقبال القبلة عند القدرة، ويسقط بالعجز. وقد قال - ﷺ -: «لا يقبلُ الله صلاةَ حائضٍ إلا بخمار» . ولو تعذَّر عليها الخمار صلَّتْ بدونه، وصحَّت صلاتُها. وكذلك قوله: «لا يقبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحْدَث حتى يتوضّأ» فإنه لو تعذَّر عليه الوضوء صلى بدونه، وكانت صلاته مقبولة. وكذلك قوله - ﷺ -: «لا تُجزِئ صلاةٌ لا يقيمُ الرجلُ فيها صُلْبَه في الرّكوع والسجود» فإنه لو كُسِر صُلبه وتعذَّر عليه إقامته أجزأته صلاته. ونظائره كثيرة. فكون الطهور مفتاحًا للصلاة هو من هذا. لكن هنا نظرٌ آخر، وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذُّره، فإنه يسقط وجوبه، فمن أين لكم أن الصلاة تُشرع بدونه في هذه الحال؟ وهذا حَرْف المسألة، وهلَّا قلتم: إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة، لمَّا كان الطهور غير مقدور للمرأة، فلمَّا صار مقدورًا لها شُرعت لها الصلاة وترتَّبت في ذمتها، فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعًا والعاجز عنه حسًّا؟ فإنّ كلًّا منهما غير متمكِّن من الطهور؟ قيل: هذا سؤال يحتاج إلى جواب، وجوابه أن يقال: زمن الحيض جعله الشارع منافيًا لشرعيّة العبادات، من الصلاة والصوم والاعتكاف. فليس وقتًا لعبادة الحائض، فلا يُرتَّب عليها فيه شيء. وأما العاجز فالوقت في حقّه قابل لترتُّب العبادة المقدورة في ذمّته، فالوقت في حقِّه غير منافٍ لشرعية العبادة بحسب قدرته، بخلاف الحائض، فالعاجز ملحَقٌ بالمريض المعذور الذي يُؤمر بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف، فافترقا. ونُكْتة الفرق: أنَّ زمن الحيض ليس بزمنِ تكليفٍ بالنسبة إلى الصلاة، بخلاف العاجز، فإنه مكلَّف بحسب الاستطاعة، وقد ثبت في «صحيح مسلم» : أن النبيَّ - ﷺ - بعث أُناسًا لطلب قلادةٍ أضلّتها عائشة، فحضرت الصلاةُ، فصلَّوا بغير وضوء، فأتوا النبيَّ - ﷺ - فذكروا ذلك له، فنزلت آية التيمم. فلم يُنكر النبيُّ - ﷺ - عليهم، ولم يأمرهم بالإعادة. وحالةُ [ق ٦] عدم التراب كحالة عدم مشروعيته ولا فرق، فإنهم صلَّوا بغير تيمُّم لعدم مشروعية التيمم حينئذٍ. فهكذا من صلى بغير تيمّم لعدم ما يتيمم به، فأي فرقٍ بين عدمه في نفسه وعدم مشروعيته؟ فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله، فإنّ الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا يعيد، لأنه فَعَل ما أُمِر به، فلم تجب عليه الإعادة، كمن ترك القيام والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك، فهذا موجَب النص والقياس. فإن قيل: القيام له بدَلٌ، وهو القعود، فقام بدله مقامه، كالتراب عند عدم الماء، والعادمُ هنا صلَّى بغير أصلٍ ولا بدَلٍ. قيل: هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة والموجبين للإعادة، ولكنه منتقضٌ بالعاجز عن السُّترة، فإنه يصلي من غير اعتبار بَدَل، وكذلك العاجز عن الاستقبال، وكذلك العاجز عن القراءة والذِّكر. وأيضًا فالعجز عن البَدَل في الشرع كالعجز عن المبْدَل سواء. هذه قاعدة الشريعة. وإذا كان عجزه عن المبْدَل لا يمنعه من الصلاة، فكذلك عجزه عن البدل. وستأتي المسألة مستوفاة في باب التيمم إن شاء الله . وفي الحديث دليل على اعتبار النية في الطهارة بوجهٍ بديع. وذلك لأنه - ﷺ - جعل الطهور مفتاح الصلاة، التي لا تُفْتَتح ويُدْخَل فيها إلا به، وما كان مفتاحًا للشيء كان قد وُضع لأجله وأُعدّ له. فدلَّ على أن كونه مفتاحًا للصلاة هو جهة كونه طهورًا، فإنه إنما شُرع للصَّلاة وجُعِل مفتاحًا لها. ومن المعلوم أن ما شُرِع للشيء ووُضِع لأجله لا بدّ أن يكون الآتي به قاصدًا ما جُعِل مفتاحًا له ومدخلًا إليه. هذا هو المعروف حسًّا كما هو ثابت شرعًا. ومن المعلوم أن من سقط في ماء وهو لا يريد التطهُّر، لم يأتِ بما هو مفتاح الصلاة، فلا تُفْتَح له الصلاة. وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال: «لا إله إلا الله» وهو غير قاصد لقولها، فإنها لا تكون مفتاحًا للجنة منه؛ لأنه لم يقصدها. وهكذا هذا، لمَّا لم يقصد الطهور لم يحصل له مفتاح الصلاة. ونظيرُ ذلك الإحرام، هو مفتاح عبادة الحج، ولا يحصل له إلا بالنية، فلو اتفق تجرّده لحَرٍّ أو غيره، ولم يخطر بباله الإحرامُ، لم يكن محرمًا بالاتفاق. فهكذا هذا يجب أن لا يكون متطهِّرًا. وهذا بحمد الله بَيِّن. فصل الحكم الثاني: قوله: «وتحريمها التكبير». وفي هذا مِن حصر التحريم في التكبير نظير ما تقدَّم في حصر مفتاح الصلاة في التطهُّر من الوجهين، وهو دليل بَيِّن أنه لا تحريمَ لها إلا التكبير. وهذا قول الجمهور وعامّة أهل العلم قديمًا وحديثًا. وقال أبوحنيفة: ينعقد بكلّ لفظٍ يدلّ على التعظيم. فاحتجَّ الجمهورُ عليه بهذا الحديث. ثم اختلفوا، فقال أحمد ومالك وأكثر السلف: تتعيّن لفظة «الله أكبر» وَحْدها. وقال الشافعي: يتعيّن أحد اللفظين: «الله أكبر» أو«الله الأكبر». وقال أبو يوسف: يتعيَّن التكبير وما تصرَّف منه، نحو «الله الكبير» ونحوه. وحجَّته: أنه يسمّى تكبيرًا حقيقةً، فيدخل في قوله: «تحريمها التكبير» . وحجة الشافعي: أن المُعرَّف في معنى المُنَكَّر، فاللام لم يخرجه عن موضوعه، بل هي زيادة في اللفظ غير مُخلّة بالمعنى، بخلاف «الله الكبير» «وكبَّرت الله» ونحوه، فإنه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما في لفظة «الله أكبر». والصحيح قول الأكثرين، وأنه يتعيَّن «الله أكبر» لخمس حجج: أحدها : قوله: «تحريمها التكبير»، واللام هنا للعهد، فهي كاللام في قوله: «مفتاح الصلاة الطهور» وليس المراد به كلّ طهور، بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله - ﷺ - وشرعَه لأمَّته، وكان فِعلُه له تعليمًا وبيانًا لمراد الله من كلامه. وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود الذي نقلَتْه الأمةُ نقلًا ضروريًّا، خلَفًا عن سَلَف عن نبيها - ﷺ - أنه كان يقوله في كل صلاة، لا يقول غيرَه ولا مرَّة واحدة. فهذا هو المراد بلا شك في قوله: «تحريمها التكبير»، وهذا حجّة على من جَوَّز «الله الأكبر» و«الله الكبير» فإنه وإن سُمّي تكبيرًا، لكنه ليس التكبيرَ المعهودَ المراد بالحديث. الحجة الثانية: أن النبيَّ - ﷺ - قال للمسيء في صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكَبِّر» ، ولا يكون ممتثلًا للأمر إلا بالتكبير. وهذا أمر مطلق يتقيّد بفعله الذي لم يخلّ به هو ولا أحدٌ من خلفائه ولا أصحابه. الحجة الثالثة: ما روى أبو داود من حديث رفاعة أنّ النبيَّ - ﷺ - قال: «لا يقبل الله صلاةَ امرئ حتى [ق ٧] يضعَ الطهورَ مواضِعَه، ثم يستقبل القبلةَ ويقول: الله أكبر» . الحجة الرابعة: أنه لو كانت تنعقد الصلاةُ بغير هذا اللفظ لترَكَه النبيُّ - ﷺ - ولو في عمره مرةً واحدة لبيان الجواز، فحيث لم ينقل أحدٌ عنه قطُّ أنه عَدَل عنه حتى فارق الدنيا، دلَّ على أن الصلاة لا تنعقد بغيره. الحجة الخامسة: أنه لو قام غيره مَقامه لجاز أن يقوم غير كلمات الأذان مَقامها، وأن يقول المؤذن: «كبّرت الله»، أو «الله الكبير»، أو «الله أعظم» ونحوه. بل تتعيّن لفظة «الله أكبر» في الصلاة أعظمَ من تعيّنها في الأذان؛ لأن كلّ مسلم لا بدّ له منها، وأما الأذان فقد يكون في المِصْر مؤذّن واحد أو اثنان، والأمر بالتكبير في الصلاة آكد من الأمر بالتكبير في الأذان. وأما حجَّة أصحاب الشافعي على ترادُف: «الله أكبر»، و«الله الأكبر»، فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين، فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ ونقص في المعنى. أقول: وقد ذكره عدد من الفقهاء في كتبهم من الشافعية والحنفية أيضًا. قال ابن الملقن في «البدر المنير»: (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩): هذا الحديث لا نعرفه كذلك في كتاب حديث! ثم ذكر عزو ابن الجوزي السالف وقال: والحديث من هذا الوجه في «سنن أبي داود» (٨٥٧)، والنسائي (١٠٥٢) لكن بلفظ «كبر» بدل «الله أكبر». ثم ذكر عددًا من روايات الحديث ليس فيها هذا اللفظ «الله أكبر» بل ألفاظ «كبّر» «فكبّر» «يكبّر». وانظر «التلخيص الحبير»: (١/ ٢٣١). وبيانه: أن «أَفْعَل» التفضيل إذا نُكِّر وأُطْلِق تضمَّن من عموم المفضّل عليه وإطلاقه ما لم يتضمنه المعرَّف. فإذا قيل: «الله أكبر» كان معناه: من كلّ شيء. وأما إذا قيل: «الله الأكبر» فإنه يتقيَّد معناه ويتخصَّص، ولا يُستعمل هذا إلا في مُفضّل معيّن على مفضّل عليه معيّن، كما إذا قيل: من أفضل، أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل. هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال. فإن أداة «مِن» لا يمكن أن يؤتى بها مع «اللام» . وأما بدون «اللام» فيؤتى بالأداة، فإذا حذف المفضّل عليه مع الأداة أفاد التعميم، وهذا لا يتأتى مع اللام. وهذا المعنى مطلوب من القائل: «الله أكبر» بدليل ما روى الترمذيُّ من حديث عَديّ بن حاتم الطويل: أن النبي - ﷺ - قال له: «ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ » . وهذا مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام: ١٩]، وهذا يقتضي جوابًا: لا شيء أكبر شهادةً من الله، فالله أكبر شهادةً مِن كلّ شيء. كما أن قوله لعَديّ: «هل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ » يقتضي جوابَ : لا شيء أكبر من الله، فالله أكبر من كلِّ شيء. وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ ــ المقصود منه: استحضار هذا المعنى، وتصورّه ــ سرٌّ عظيم يعرفه أهل الحضور، المصلّون بقلوبهم وأبدانهم. فإن العبد إذا وقف بين يدي الله ﷿، وقد علم أنه لا شيءَ أكبر منه، وتحقَّق قلبُه ذلك، وأُشْرِبه سرّه= استحيى من الله، ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يَشغَل قلبه بغيره. وما لم يستحضر هذا المعنى، فهو واقف بين يديه بجسمه، وقلبُه يهيم في أودية الوساوس والخَطَرات، وبالله المستعان . فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلبِ هذا لما اشتغل عنه وصَرَف كُلّيةَ قلبِه إلى غيره، كما أن الواقف بين يدي المَلِك المخلوق لمَّا لم يكن في قلبه أعظم منه لم يَشغَل قلبَه بغيره ولم يصرفه عنه . فصل الحكم الثالث: قوله «وتحليلها التسليم». والكلام في إفادته الحصر كالكلام في الجملتين قبله. والكلام [في هذا اللفظ ودلالته] على شيئين: أحدهما: أنه لا ينصرف من الصلاة إلا بالتسليم. وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يتعيَّن التسليم، بل يخرج منها بالمنافي لها مِن حَدَثٍ أو عملٍ مُبطل ونحوه. رواه أحمد وأبو داود . وبأنّ النبي - ﷺ - لم يُعَلِّمه المسيء في صلاته، ولو كان فرضًا لعلّمه إياه، وبأنه ليس من الصلاة، فإنه ينافيها ويُخرَج به منها، ولهذا لو أتى به في أثنائها أبطلها. وإذا لم يكن منها، عُلِم أنه شُرِع منافيًا لها، والمنافي لا يتعين ... . هذا غاية ما يُحتجّ له به. والجمهور أجابوا عن هذه الحجج: أما حديث ابن مسعود، فقال الدارقطني والخطيب والبيهقي وأكثر الحفاظ: الصحيح أن قوله: «إذا قلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتَك» من كلام ابن مسعود، فَصَلَه شَبَابةُ عن زهير، وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه ويمكن تقدير هذا البياض بقولنا: «واحتجوا على ذلك بحجج، منها حديث ابن مسعود لما علمه النبي - ﷺ - التشهد ثم قال له: فإذا فعلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد». بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق مَن روى تشهّد ابنِ مسعود على حذفه . وأما كون النبي - ﷺ - لم يعلِّمه المسيءَ في صلاته، فما أكثرَ ما يُحتجّ بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة، ولا تدل، لأن المسيء لم يسئ في كلِّ جزء من الصلاة، فلعله لم يسئ في السلام، بل هذا هو الظاهر، فإنهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلا بالسلام. وأيضًا فلو قُدِّر أنه أساء فيه لكان غاية ما يدلّ عليه تركُه التعليمَ = استصحابَ براءةِ الذّمة من الوجوب، فكيف يقدَّم على الأدلة الناقلة لحكم [ق ٨] الاستصحاب؟ وأيضًا فأنتم لم توجبوا في الصلاة كلَّ ما أَمَر به المسيءَ، فكيف تحتجّون بترك أَمْره على عدم الوجوب؟ ودلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة تركه على نفي الوجوب، فإنه قال: «إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر» ولم توجبوا التكبيرَ، وقال: «ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا»، وقلتم: لو ترك الطمأنينة لم تبطل صلاته وإن كان مسيئًا. وأما قولكم: إنه ليس من الصلاة، فإنه ينافيها ويخرج منها به. فجوابه: أن السلام مِن تمامها، وهو نهايتها، ونهاية الشيء منه ليس خارجًا عن حقيقته، ولهذا أضيف إليها إضافة الجزء، بخلاف مفتاحها، فإن إضافته إضافة مُغاير، بخلاف تحليلها فإنه يقتضي أنه لا يتحلَّل منها إلا به. وأما بطلان الصلاة إذا فعله في أثنائها؛ فلأنه قَطْع لها قبل إتمامها، وإتيانُ نهايتِها قبل فراغها، فلذلك أبطلها، فالتسليم آخرها وخاتمها، كما في حديث أبي حُميد «ويختمُ صلاتَه بالتسليم» فنِسْبةُ التسليم إلى آخرها كنِسْبة تكبيرة الإحرام إلى أولها. فقول: «الله أكبر» أول أجزائها، وقول: «السلام عليكم» آخر أجزائها. ثم لو سُلِّم أنه ليس جزءًا منها، فإنه تحليلٌ لها لا يخرَج منها إلا به، وذلك لا ينفي وجوبه، كتحلّلات الحجّ، فكونه تحليلًا لا يمنع الإيجاب. فإن قيل: ولا يقتضيه . قيل: إذا ثبت انحصار التحليل في التسليم تعيّن الإتيانُ به. وقد تقدَّم بيانُ الحصر من وجهين. فصل وقد دلَّ هذا الحديث على أن كلّ ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور، فيدخل في هذا الوتر بركعة، خلافًا لبعضهم . واحتجَّ بقوله - ﷺ -: «صلاةُ الليل والنهار مَثْنى مَثْنى» . قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ. وقال الترمذي: «اختلف أصحاب شعبة في حديث ابن عمر، فرفعه بعضهم وأوقفه بعضهم، وروي عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - نحو هذا، والصحيح ما روي عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: »صلاة الليل مثنى مثنى«. وروى الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ -، ولم يذكروا فيه صلاة النهار» اهـ. وجوابه: أن كثيرًا من الحفَّاظ طعن في هذه الزيادة، ورأوها غير محفوظة. وأيضًا فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فيجب أن يكون مفتاحه الطهور. وأيضًا فالمغرب وتر، لا مثنى، والطهارة شرط فيها. وأيضًا فالنبي - ﷺ - سمَّى الوترَ صلاة بقوله: «فإذا خِفْتَ الصبحَ فصلّ ركعةً تُوتر لك ما قد صلَّيتَ» . وأيضًا فإجماع الأمة مِن الصحابة ومَن بعدهم على إطلاق اسم الصلاة على الوتر. فهذا القول في غاية الفساد. ويدخل في الحديث أيضًا صلاة الجنازة؛ لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. وهذا قول أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يُعرف عنهم فيه خلاف، وقولُ الأئمة الأربعة وجمهور الأمة، خلافًا لبعض التابعين . وقد ثبت عن النبي - ﷺ - تسميتها صلاةً، وكذلك الصحابة. وحَمَلَة الشرع كلّهم يسمّونها صلاة. وقول النبي - ﷺ -: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» هو فَصْل الخطاب في هذه المسائل وغيرها، طردًا وعكسًا، فكلُّ ما كان تحريمه التكبير، وتحليله التسليم فلا بدَّ من افتتاحه بالطهارة. فإن قيل: فما تقولون في الطواف بالبيت، فإنه يُفْتَتح بالطهارة، ولا تحريم فيه ولا تحليل؟ قيل: شرط النقض أن يكون ثابتًا بنصٍّ أو إجماع. وقد اختلف السلف والخلف في اشتراط الطهارة للطواف على قولين: أحدهما: أنها شرط، كقول الشافعي ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد . والثاني: ليست بشرط، نصَّ عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره، بل نصُّه في رواية عبد الله تدلّ على أنها ليست بواجبة، فإنه قال: أَحبّ إليَّ أن يتوضأ . وهذا مذهب أبي حنيفة . قال شيخ الإسلام : وهذا قول أكثر السلف، قال: وهو الصحيح، فإنه لم يَنقل أحدٌ عن النبيِّ - ﷺ - أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عُمَرِه ولا في حجته، مع كثرة مَن حجّ معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا ولا يُبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع. فإن قيل: فقد طاف النبيُّ - ﷺ - متوضّئًا، وقال: «خذوا عَنِّي مناسككم» ؟ قيل: الفعل لا يدلّ على الوجوب. والأخذ عنه هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب فأوجبناه، لم نكن قد أخذنا عنه وتأسّينا به، مع أنه - ﷺ - فعَلَ في حَجَّته أشياءَ كثيرة جدًّا لم يوجبها أحدٌ من الفقهاء. فإن قيل: فما تقولون في حديث ابن عباس: «الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ» ؟ قيل: هذا قد اختلف في رفعه ووقفه، فقال النسائي والدارقطني وغيرهما: الصواب أنه موقوف. وعلى تقدير رفعه، فالمراد تشبيهه بالصلاة، كما يُشبَّه انتظارُ الصلاة بالصلاة، وكما قال أبو الدرداء: «ما دمتَ تذكر الله فأنتَ في صلاة، وإن كنتَ في السوق» . ومنه قوله - ﷺ -: «إنّ أحدَكم في قال الترمذي: «وقد روي هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره، عن طاووس، عن ابن عباس، موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب» وقد أعلّه أكثر النقّاد بالوقف كالنسائيِّ والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية. وانظر «البدر المنير»: (٢/ ٤٨٧ - ٤٩٨)، و«نصب الراية»: (٣/ ٥٧)، و«التلخيص الحبير»: (١/ ١٣٨ - ١٣٩). صلاة ما دام يَعْمِدُ إلى الصلاة» . فالطواف وإن سُمِّي صلاةً، فهو صلاةٌ بالاسم العام، ليس بصلاة [ق ٩] خاصّةٍ، والوضوء إنما يشترط للصلاة الخاصّة ذاتِ التحريم والتحليل. فإن قيل: فما تقولون في سجود التلاوة والشكر؟ قيل: فيه قولان مشهوران: أحدهما: يُشترط له الطهارة. وهذا هو المشهور عند الفقهاء، ولا يَعرف كثيرٌ منهم فيه خلافًا، وربما ظنَّه بعضُهم إجماعًا . والثاني: لا يشترط له الطهارة، وهذا قول كثير من السلف، حكاه عنهم ابن بطَّال في «شرح البخاري» . وهو قول عبد الله بن عمر، ذكره البخاري عنه في «صحيحه» فقال: «وكان ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء». وترجمة البخاري واستدلاله يدل على اختياره إياه، فإنه قال: «باب من قال: يسجد على غير وضوء» هذا لفظه . واحتجَّ الموجبون للوضوء له بأنه صلاة، قالوا: فإنه له تحريم وتحليل، كما قاله بعض أصحاب أحمد والشافعي . وفيه وجه أنه يتشهَّد له ، وهذا حقيقة الصلاة. والمشهور من مذهب أحمد عند المتأخرين أنه يسلّم له . وقال عطاء وابن سيرين: إذا رفع رأسه يسلم . وبه قال إسحاق بن راهويه ، واحْتَجّ لهم بقوله: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». قالوا: ولأنه يُفعل تبعًا للإمام، ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إمامًا للمستمع، وهذا حقيقة الصلاة. قال الآخرون: ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح. وأما استدلالكم بقوله: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، فهو من أقوى ما يحتجُّ به عليكم. فإنَّ أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحدٌ قطّ نقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه سلَّم منه، وقد أنكر أحمدُ السلامَ منه، قال الخطَّابي: وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا . وقال الحسن البصري: [ليس في السجود تسليم] . ويُذكر نحوه عن إبراهيم النخعي ، وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلِّم فيه . والذي يدلُّ على ذلك: أن الذين قالوا: يسلَّم منه، إنّما احتجّوا بقول النبي - ﷺ -: «وتحليلها التسليم»، وبذلك احتجَّ لهم إسحاق ، وهذا استدلال ضعيف، فإن النبي - ﷺ - وأصحابه فعلوها، ولم يُنْقل عنهم سلامٌ منها، ولهذا أنكره أحمد وغيره. وتجويز كونه سلَّم منه ولم يُنقل، كتجويز كونه سلَّم من الطواف. قالوا: والسجود هو من جنس ذِكْر الله وقراءة القرآن والدعاء، ولهذا يُشرع في الصلاة وخارجها، فكما لا يُشترط الوضوء لهذه الأمور وإن كانت من أجزاء الصلاة، فكذلك لا يشترط للسجود. وكونه جزءًا من أجزائها لا يوجب أن لا يُفْعَل إلا بوضوء. واحتجَّ البخاريُّ بحديث ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنسُ» . ومعلوم أن الكافر لا وضوء له. قالوا: وأيضًا فالمسلمون الذين سجدوا معه - ﷺ - لم يُنقل أن النبي - ﷺ - أمرهم بالطهارة، ولا سألهم هل كنتم متطهِّرين أم لا؟ ولو كانت الطهارة شرطًا فيه للزم أحد الأمرين: إما أن يتقدم أمرُه لهم بالطهارة، وإما أن يسألهم بعد السُّجود ليبين لهم الاشتراط، ولم يَنْقل مسلمٌ واحدًا منهما. فإن قيل: فلعلَّ الوضوءَ تأخرت مشروعيته عن ذلك، وهذا جواب بعض الموجِبين. قيل: الطهارة شُرِعت للصلاة من حين المَبْعَث، ولم يصلِّ قطّ إلا بطهارة، أتاه جبريل فعلَّمه الطهارةَ والصلاةَ . وفي حديث إسلام عمر أنه لم يُمكَّن من مسِّ القرآن إلا بعد تطهُّره ، فكيف نظنّ أنهم كانوا يصلّون بلا وضوء؟ قالوا: وأيضًا فيبعد جدًّا أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء. قالوا: وأيضًا ففي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمر قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ القرآن، فيقرأ السورةَ فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجدُ بعضُنا موضعًا لمكان جبهته». قالوا: وقد كان يقرأ القرآن عليهم في المجامع كلّها، ومن البعيد جدًّا أن يكون كلّهم إذ ذاك على وضوء، وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضُهم مكانًا لجبهته، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضّئ وغيرَه. قالوا: وأيضًا فقد أخبر الله تعالى في غير موضع من القرآن أن السَّحَرَة سجدوا لله سجدة فقبلها الله منهم ومدحهم عليها، ولم يكونوا متطهِّرين قطعًا. ومنازعونا يقولون: مثل هذا السجود حرام، فكيف يمدحهم ويُثني عليهم بما لا يجوز؟! فإن قيل: شرعُ مَن قبلنا ليس بشرع لنا. قيل: قد احتجَّ الأئمةُ الأربعةُ بشرع مَن قبلنا، وذلك منصوص عنهم أنفُسِهم في غير موضع. قالوا: سلمنا، لكن ما لم يَرِد شرعُنا بخلافه. قال المُجوِّزون: فأين ورد في شرعنا خلافُه؟ قالوا: وأيضًا فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة، وتُفْعَل بلا وضوء، [ق ١٠] فالسجود أولى. قالوا: وأيضًا فالله ﷾ أثنى على كُلِّ مَن سَجَد عند التلاوة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وهذا يدلّ على أنهم سجدوا عَقِب تلاوته بلا فصل، وسواءٌ كانوا بوضوء أو بغيره؛ لأنه أثنى عليهم بمجرَّد السجود عقب التلاوة، ولم يشترط وضوءًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. قالوا: وكذلك سجود الشكر مستحبٌّ عند تجدّد النّعَم المُنتظرة. وقد تظاهرت السنةُ عن النبي - ﷺ - بفعله في مواضع متعدّدة ، وكذلك أصحابه ، مع ورود الخبرِ السارِّ عليهم بغتةً، وكانوا يسجدون عَقِبه، ولم يُؤمروا بوضوء، ولم يُخبِروا أنه لا يُفْعَل إلا بوضوء. ومعلوم أنَّ هذه الأمور تَدْهَم العبد وهو على غير طهارة، فلو تركها لفاتت مصلحتها. قالوا: ومن الممتنع أن يكون الله تعالى قد أذن في هذا السجود وأثنى على فاعله وأطلق ذلك، وتكون الطهارةُ شرطًا فيه، ولا سَنَّها ولا يأمر بها رسولُ الله - ﷺ - أصحابه، ولا رُويَ عنه في ذلك حرفٌ واحد. وقياسه على الصلاة ممتنع لوجهين: أحدهما: أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع، إذ لا قراءة فيه ولا ركوع، ولا فرضًا ، ولا سنة ثابتة بالتسليم، ويجوز أن يكون القارئ خلف الإمام فيه، ولا مصافّة فيه. وليس إلحاق محلّ النزاع بصور الاتفاق أولى من إلحاقه بصور الافتراق. الثاني: أن هذا القياس إنما ينفع ــ لو كان صحيحًا ــ إذا لم يكن الشيء المقيس قد فُعِل على عهد النبي - ﷺ -، ثم تقع الحادثة، فيحتاج المجتهد أن يُلْحقها بما وقع على عهده - ﷺ - من الحوادث أو شَمِلها نصُّه، وأما مع سجوده وسجود أصحابه وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوء، فيمتنع التقييدُ به. فإن قيل: فقد روى البيهقي من حديث الليث، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: «لا يسجدُ الرَّجل إلا وهو طاهر» . وهذا يخالف ما رويتموه عن ابن عمر، مع أن في بعض الروايات: «وكان ابن عمر يسجد على وضوء»، وهذا هو اللائق به لأجل رواية الليث. قيل: أما أثر الليث ... . وأما رواية من روى: «يسجد على وضوء» فغلط؛ لأن تبويب البخاري واستدلاله وقوله: «والمشرك ليس له وضوء» يدلّ على أن الرواية بلفظ «غير» وعليها أكثر الرواة . ولعل الناسخ استشكل ذلك، فظن أن لفظة «غير» غلط فأسقطها، ولاسيما إن كان اغترَّ بالأثر الضعيف المروي عن الليث، وهذا هو الظاهر، فإن إسقاط الكلمة للاستشكال كثير جدًّا. وأما زيادة «غير» في مثل هذا الموضع فلا يُظنّ زيادتها غلطًا، ثم تتفق عليها النسخُ المختلفة أو أكثرها . ٥ - باب ما يُنَجّس الماءَ
مصادر المؤلف (٧٦)

١. في نسخةٍ من «المختصر»: «السلام». وقد راجعت عدة نسخ خطية لأبي داود، وفيها كلها «التسليم».

٢. أخرجه أبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥).

٣. أخرجه أحمد (٢٢١٠٢)، والبزار (٢٦٦٠) من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل - ﵁ -. قال البزار: وشهر بن حوشب لم يسمع من معاذ.

٤. كذا، والوجه: «لها».

٥. أخرجه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.

٦. أخرجه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد (٢٥١٦٧)، وابن خزيمة (٧٧٥)، وابن حبان (١٧١١) وغيرهم من حديث عائشة - ﵂ -. قال الترمذي: «حديث حسن». وصححه الحاكم في «المستدرك»: (١/ ٢٥١) على شرط مسلم، وصححه ابن حبان وابن خزيمة وابن الملقن في «البدر المنير»: (٤/ ١٥٥). وأعله الدارقطني بالوقف، انظر «التلخيص الحبير»: (١/ ٢٩٨)، و«نصب الراية»: (١/ ٢٩٦).

٧. تقدم تخريجه.

٨. أخرجه أبو داود (٨٥٥)، والترمذي (٢٦٥)، والنسائي (١٠٢٧)، وابن ماجه (٨٧٠)، وأحمد (١٧٠٧٣)، وابن خزيمة (٦٦٦)، وابن حبان (١٨٩٢)، وغيرهم من حديث أبي مسعود الأنصاري - ﵁ -. قال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني في «السنن» (١٣١٥).

٩. رسمها في الأصل: «فيكون» والظاهر ما أثبتناه.

١٠. في الطبعتين: «يترتب» وما أثبته أقرب إلى رسم الأصل و(ش).

١١. رقم (٣٦٧)، وهو في «صحيح البخاري» (٣٣٦) أيضًا.

١٢. زاد في ط. الفقي بعده «منه» وليس لها داعٍ.

١٣. لعلها فيما لخَّصه المؤلف من كلام المنذري فلم يذكره المجرِّد هنا.

١٤. غير محررة في الأصل، ورسمها يحتمل: «الطهر» كما في نسخة (ش).

١٥. انظر مذاهب العلماء في المسألة في: «الهداية»: (١/ ١١٦ - ١١٧)، و«الذخيرة»: (٢/ ١٦٧)، و«تهذيب المدونة»: (١/ ٢٣١)، و«الأم»: (٢/ ٢٢٧)، «المجموع»: (٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، و«المغني»: (٢/ ١٢٦ - ١٢٨).

١٦. كذا، والوجه «إحداها».

١٧. أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.

١٨. عزاه بهذا اللفظ لأبي داود في «المغني»: (٢/ ١٢٧)، وفي «الشرح الكبير»: (٣/ ٤٠٨)، وابنُ مفلح في «المبدع»: (١/ ٣٧٥). وأشار ابن عبد الهادي إلى وهم هذا العزو في «تنقيح التحقيق»: (٢/ ١٢٥). وذكر ابن الجوزي في «التحقيق»: (١/ ٣٢٩) هذا اللفظ وعزاه إلى بعض الفقهاء من الحنابلة.

١٩. في ط. المعارف: «عموم الفضل وإطلاقه عليه» خلاف الأصل.

٢٠. «معين على مفضل» سقط من ط. الفقي.

٢١. في ط. الفقي: «التعريف».

٢٢. في ط. الفقي: «من» بدل «اللام» في كلا الموضعين.

٢٣. ط. الفقي: «يضرك .. » في الموضعين، ورسمها في الأصل محتمل، وهو خطأ، والمثبت هو الذي في كتب المؤلف «زاد المعاد»: (٣/ ٤٥٠، ٥٨١)، و«هداية الحيارى» (ص ٦٧) وفي مصادر الحديث. ومعنى «يفرّك» أي: يحملك على الفرار.

٢٤. أخرجه الترمذي (٢٩٥٣)، وأحمد (١٩٣٨١)، وابن حبان (٧٢٠٦). قال الترمذي: «حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب». وفي سنده عبّاد بن حُبَيش، قال الذهبي: لا يُعرف، وذكره ابن حبان في «الثقات»: (٥/ ١٤٢). وسماك في حفظه مقال، ولبعض ألفاظ الحديث شواهد.

٢٥. كذا في الأصل، وهو مضاف والجملة بعده مضاف إليه، وفي المطبوع: «جوابًا».

٢٦. ينظر في الكلام على الخشوع «كتاب الصلاة» (ص ٣٣٩)، و«مسألة السماع» (ص ٨٦)، و«شفاء العليل»: (٣/ ١١٥٥) جميعها للمؤلف.

٢٧. ط. الفقي زيادة «صارف» والمعنى ظاهر بدونها.

٢٨. بعده بياض بمقدار أربع كلمات وقدرناها بما بين المعكوفين، وقوله: «شيئين» مهمل فيحتمل «سببين». وأثبتها في ط. الفقي: «والكلام في التسليم على قسمين».

٢٩. ترك المجرِّد بياضًا بمقدار سطرين، فأكمل مكانها من وقف على النسخة بخط مغاير: «واستدل له بما». وأثبتها في ط. الفقي: «واستدل له بحديث ابن مسعود الذي ... ».

٣٠. أخرجه أحمد (٤٠٠٦)، وأبو داود (٩٧٠). وأخرجه أيضًا ابن حبان (١٩٦١)، والدارقطني: (١٣٣٤)، والبيهقي: (٢/ ١٧٤). وسيأتي كلام المؤلف عليه.

٣١. بعده في الأصل بياض بمقدار أربع كلمات.

٣٢. كلام الدارقطني والبيهقي في سننهما، والخطيب في «الفصل للوصل المدرج في النقل»: (١/ ١٠٥ - ١٠٩). وانظر «العلل» (٧٦٦) للدارقطني، و«معرفة علوم الحديث» (ص ١٩٩) للحاكم.

٣٣. تشهّد ابن مسعود أخرجه البخاري (٦٢٦٥)، ومسلم (٤٠٢).

٣٤. سيأتي تخريجه.

٣٥. أي كما أن كونه تحليلًا لا يمنع الإيجاب، فإنه لا يقتضي الإيجاب أيضًا.

٣٦. في المطبوعتين: «السلام» خلاف الأصل.

٣٧. في هامش الأصل تعليق: أن المقصود هو ابن حزم. وانظر كلامه في «المحلى»: (١/ ٨٠)، (٥/ ١١١).

٣٨. أخرجه أحمد (٤٧٩١)، وأبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي (١٦٦٦)، وابن ماجه (١٣٢٢). وغيرهم من حديث ابن عمر.

٣٩. أخرجه البخاري (٤٧٢، ٤٧٣)، ومسلم (٧٤٩، ٧٥١) من حديث ابن عمر - ﵄ -.

٤٠. جاء ذلك عن الشعبي بإسناد صحيح أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١١٥٩٨، ١١٥٩٩).

٤١. انظر لمذاهبهم «الوسيط»: (٢/ ٦٤٢) للغزالي، و«روضة الطالبين»: (٣/ ٧٩). و«تهذيب المدونة»: (١/ ٥٢٥ - ٥٢٧)، و«الذخيرة»: (٣/ ٢٣٨). و«المغني»: (٥/ ٢٢٣).

٤٢. «مسائل عبد الله»: (٢/ ٧٢١).

٤٣. انظر: «الهداية»: (١/ ٤٠٩ - ٤١٠).

٤٤. هو ابن تيمية، انظر «مجموع الفتاوى»: (٢٦/ ٢١٦)، و(٢٦/ ١٢٣، ١٩٩).

٤٥. أخرجه مسلم في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - ﷺ - (١٢٩٧).

٤٦. أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والدارمي (١٨٨٩)، وابن خزيمة (٢٧٣٩) وغيرهم مرفوعًا. والنسائي في «الكبرى» (٣٩٣١) موقوفًا.

٤٧. لم أجده عن أبي الدرداء، ونسَبَه شيخُ الإسلام إليه في «الفتاوى»: (٣٢/ ٢٣٢)، ونسبه في موضع آخر منها (١٤/ ٢١٥)، وفي «شرح العمدة»: (٢/ ٦) و«جامع المسائل ــ السادسة»: (٦/ ٣١٥) إلى ابن مسعود. وأخرجه عن ابن مسعود أبو نعيم في «الحلية»: (٤/ ٢٠٤) بلفظ: «ما دام قلب الرجل يذكر الله فهو في صلاة وإن كان في السوق، فإن يحرك به شفتيه فهو أعظم». ورُوي عن غيره.

٤٨. قطعة من حديث أخرجه مسلم (٦٠٢/ ١٥٢) عن أبي هريرة - ﵁ -.

٤٩. حكى الإجماع أو الاتفاق غير واحد، قال الحافظ ابن عبد البر في «الاستذكار»: (٢/ ٥٠٩): «وأما قوله (يعني مالك): لا يسجد الرجل والمرأة إلا وهما طاهران، فإجماع من الفقهاء أنه لا يسجد أحد سجدة تلاوة إلا على طهارة» اهـ. وذكر ابن قدامة في «المغني»: (٢/ ٣٥٨) أنه لا يعلم خلافًا فيه.

٥٠. (٣/ ٥٦ - ٥٧). وقد حكاه ابن بطال عن ابن عمر والشعبي والبخاري. ثم قال: وذهب فقهاء الأمصار إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا على وضوء. وينظر «مصنف بن أبي شيبة» (٤٣٥٤ - ٤٣٥٨)، و«الأوسط»: (٥/ ٢٨٤).

٥١. قبل حديث رقم (١٠٧١).

٥٢. كذا قال المصنف، والذي في «الصحيح» في كتاب سجود القرآن: «باب سجود المسلمين مع المشركين. والمشرك نَجَسٌ ليس له وضوء. وكان ابن عمر - ﵄ - يسجد على غير وضوء».

٥٣. انظر «المجموع»: (٤/ ٦٣ - ٦٤)، و«المغني»: (٢/ ٣٥٨).

٥٤. ينظر «الإنصاف»: (٢/ ١٩٨).

٥٥. انظر «المغني»: (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣)، و«الإنصاف»: (٢/ ١٩٨).

٥٦. حكاه عنهما ابن المنذر في «الأوسط»: (٥/ ٢٧٩)، والخطابي في «المعالم»: (٢/ ١٢٠ - بهامش مختصر المنذري)، والبغوي في «شرح السنة»: (٣/ ٣١٥). وأخرجه ابن أبي شيبة (٤٢٠١)، وعبد الرزاق: (٣/ ٣٤٩) عن ابن سيرين وأبي قلابة. لكن روى ابن أبي شيبة (٤٢٠٥) عن عطاء أنه لم يكن يسلم فيها.

٥٧. كما في «مسائل الكوسج لأحمد وإسحاق»: (٢/ ٧٥٠ - ٧٥١).

٥٨. ينظر الحاشية (٥) في الصفحة الآتية.

٥٩. الأصل: «تبع».

٦٠. في «معالم السنن»: (٢/ ١٢٠ - بهامش المختصر). وذكره قبله الكوسج في «مسائله» (٢/ ٧٥١) قال: «أما التسليم لا أدري ما هو»، وابن المنذر في «الأوسط»: (٥/ ٢٧٩).

٦١. ما بين المعكوفين بياض بالأصل، والمثبت من «مصنف عبد الرزاق»: (٣/ ٣٥٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٤٢٠٦) بنحوه.

٦٢. رواه عبد الرزاق: (٣/ ٣٥٠)، وابن أبي شيبة (٤٢٠٤).

٦٣. نص عليه الشافعي في «البويطي» (ص ٢٩٨ - ٢٩٩)، وذكره الماوردي في «الحاوي»: (٢/ ٢٠٤) وغيره.

٦٤. في «مسائل الكوسج» (٢/ ٧٥١) لم يذكر احتجاجَ إسحاق بالحديث. فلعل المؤلف فهم ذلك من سياق كلام الخطابي في «المعالم»: (٢/ ١٢٠) حيث قال: «وبه قال إسحاق بن راهويه. واحتجّ لهم بقوله: تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» على أن الضمير في قوله: «واحتج» عائد إلى إسحاق، ولكن لو جعلنا «احْتُجّ» مبنيًّا للمجهول لكان كلامًا مستأنفًا. وهو الظاهر والله أعلم.

٦٥. أخرجه البخاري (١٠٧١).

٦٦. أحاديث تعليم جبريل مواقيت الصلاة للنبي - ﷺ - ليس فيها ذكر للطهارة. انظر البخاري (٥٢١)، ومسلم (٦١٠)، و«سنن أبي داود» (٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥)، والترمذي (١٤٩، ١٥٠)، والنسائي (٢٩٤، ٥٠٢، ٥١٣)، وأحمد (١١٢٤٩، ١٧٠٨٩)، وغيرها.

٦٧. أخرجه الدارقطني: (١/ ١٢٣)، والحاكم: (٤/ ٥٩ - ٦٠)، والبيهقي: (١/ ٨٨) وغيرهم من حديث أنس بن مالك. وسنده منقطع. قاله الذهبي في «تلخيصه». وله طرق أخرى لكنها ضعيفة أيضًا. انظر «دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب»: (١/ ١٣٣ - ١٣٨).

٦٨. البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥).

٦٩. منها حديث البراء - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - خرّ ساجدًا حين جاءه كتاب علي - ﵁ - من اليمن بإسلام هَمْدان. رواه البيهقي في «السنن»: (٢/ ٣٦٩) وقال: «هذا إسناد صحيح، قد أخرج البخاري صدره فلم يسقه بتمامه، وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه».

٧٠. كما في قصة كعب بن مالك - ﵁ - في حديث توبته، أنه لما بلغته البشارة خرَّ ساجدًا. أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٧٦٩).

٧١. كذا في الأصل، وفوق الكلمة إشارة من الناسخ استشكالًا لها، ولعلها: «ولا رفعًا».

٧٢. ط. الفقي: «يمتنع»، وهي غير محررة في الأصل، وهي أقرب إلى ما أثبتنا رسمًا ومعنى.

٧٣. أخرجه البيهقي: (١/ ٩٠، ٢/ ٣٢٥) وصحح إسناده الحافظ في «الفتح»: (٢/ ٥٥٤). وأخرجه مالك في «الموطأ ــ رواية محمد بن الحسن» (٢٩٧). وقد جمع الحافظ بينهما بقوله: «فيجمع بينهما بأنه أراد بقوله (طاهر) الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار والأول على الضرورة». وزاد في «مرعاة المفاتيح»: (٣/ ٤٣٠): «أو الثاني على الأولوية والأول على الجواز والإباحة».

٧٤. بعده في الأصل بياض بمقدار سطر وزيادة، وعلق في الهامش: «بياض في الأصل». وأثبت مكانه في ط. الفقي: «فضعيف» بدون إشارة إلى الإضافة. ولا شك أن المؤلف ضعَّف أثر الليث كما سيأتي، لكن هل تكلم عن موجب التضعيف؟

٧٥. في ط. الفقي: «كان يسجد» ولا موجب للتصرف!

٧٦. قال الحافظ في «الفتح»: (٢/ ٥٥٣) تعليقًا على قوله: «على غير وضوء»: «كذا للأكثر وفي رواية الأصيلي بحذف »غير« والأول أولى، فقد روى ابن أبي شيبة (٤٣٥٤) من طريق عبيد بن الحسن عن رجل زعم أنه كنفسه عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة، فيسجد وما يتوضأ». ورجحه ابن بطال: (٣/ ٥٦)، والعيني: (٧/ ٩٩).

عون المعبود · العظيم آبادي · ج١ ص٥٩
[٦٠] (إِذَا أَحْدَثَ) أَيْ وُجِدَ مِنْهُ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ كَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ أَوِ الْأَصْغَرُ النَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) أَيْ إِلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَتُقْبَلُ حِينَئِذٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْحَدَثِ سَوَاءٌ كَانَ خُرُوجُهُ اخْتِيَارِيًّا أَوِ اضْطِرَارِيًّا لِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَدَثٍ وَحَدَثٍ وَحَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ [٦١] (عَنْ بن عَقِيلٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ جَعْفَرٍ الْحَنَفِيَّةَ نُسِبَ إِلَيْهَا وَكَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْيَمَامَةِ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَقِيلَ كَانَتْ أَمَةً لِبَنِي حَنِيفَةَ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ) بالضم وبفتح ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالَ الشَّيْخ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ فِي باب فرض الوضوء قوله مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَتَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم اِشْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى ثَلَاثَة أَحْكَام الْحُكْم الْأَوَّل أَنَّ مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَالْمِفْتَاح مَا يُفْتَح بِهِ الشَّيْء الْمُغْلَق فَيَكُون فَاتِحًا لَهُ وَمِنْهُ مِفْتَاح الْجَنَّة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَقَوْله مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور يُفِيد الْحَصْر وَأَنَّهُ لَا مِفْتَاح لَهَا سِوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ أَحَدهمَا حَصْر الْمُبْتَدَأ فِي الْخَبَر إِذَا كَانَا مَعْرِفَتَيْنِ فَإِنَّ الْخَبَر لَا بُدّ وَأَنْ يَكُون مُسَاوِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أَوْ أَعَمّ مِنْهُ وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون أَخَصّ مِنْهُ فَإِذَا كَانَ الْمُبْتَدَأ مُعَرَّفًا بِمَا يَقْتَضِي عُمُومه كَاللَّامِ وَكُلّ وَنَحْوهمَا ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْهُ بِخَبَرٍ اِقْتَضَى صِحَّة الْإِخْبَار أَنْ يَكُون إِخْبَارًا عَنْ جَمِيع أَفْرَاد الْمُبْتَدَأ فَإِنَّهُ لَا فَرْد مِنْ أَفْرَاده إِلَّا وَالْخَبَر حَاصِل لَهُ وَإِذَا عُرِفَ هَذَا لَزِمَ الْحَصْر وَإِنَّهُ لَا فَرْد مِنْ أَفْرَاد مَا يُفْتَتَح بِهِ الصَّلَاة إِلَّا وَهُوَ الطَّهُور فَهَذَا أَحَد الطَّرِيقَيْنِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُبْتَدَأ مُضَاف إِلَى الصَّلَاة وَالْإِضَافَة تَعُمّ فَكَأَنَّهُ قِيلَ جَمِيع مِفْتَاح الصَّلَاة هُوَ الطَّهُور وَإِذَا كَانَ الطَّهُور هُوَ جَمِيع مَا يُفْتَح بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِفْتَاح غَيْره وَلِهَذَا فَهِمَ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالْأُمَّة أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أَنَّهُ عَلَى الْحَصْر أَيْ مَجْمُوع أَجَلهنَّ الَّذِي لَا أَجَل لَهُنَّ سِوَاهُ وَضْع الْحَمْل وَجَاءَتْ السُّنَّة مُفَسِّرَة لِهَذَا الْفَهْم مُقَرِّرَة لَهُ بِخِلَافِ قَوْله ﴿وَالْمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصْنَ﴾ فَإِنَّهُ فِعْل لَا عُمُوم له بل وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الطُّهُورَ مِفْتَاحًا مَجَازًا لِأَنَّ الْحَدَثَ مَانِعٌ مِنَ الصَّلَاةِ فَالْحَدَثُ كَالْقُفْلِ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُحْدِثِ حَتَّى إِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّ الْغَلْقُ وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ بَدِيعَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا النُّبُوَّةُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ لِأَنَّ أَبْوَابَ الجنة مغلقة يفتحها الطاعات وركن الطاعات الصلاة قاله بن الْعَرَبِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ مِنْ قَوْلِهِمَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَهَذَا مذهب باطل ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] هُوَ مُطْلَق وَإِذَا عُرِفَ هَذَا ثَبَتَ أَنَّ الصَّلَاة لَا يُمْكِن الدُّخُول فِيهَا إِلَّا بِالطَّهُورِ وَهَذَا أَدَلّ عَلَى الِاشْتِرَاط مِنْ قَوْله لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة أَحَدكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ نَفْي الْقَبُول قَدْ يَكُون لِفَوَاتِ الشَّرْط وَعَدَمه وَقَدْ يَكُون لِمُقَارَنَةِ مُحَرَّم يَمْنَع مِنْ الْقَبُول كَالْإِبَاقِ وَتَصْدِيق الْعَرَّاف وَشُرْب الْخَمْر وَتَطَيُّب الْمَرْأَة إِذَا خَرَجَتْ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوه الثَّانِي أَنَّ عَدَم الِافْتِتَاح بِالْمِفْتَاحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَحْصُل لَهُ الدُّخُول فِيهَا وَأَنَّهُ مَصْدُود عَنْهَا كَالْبَيْتِ الْمُقْفَل عَلَى مَنْ أَرَادَ دُخُوله بِغَيْرِ مِفْتَاح وَأَمَّا عَدَم الْقَبُول فَمَعْنَاهُ عَدَم الِاعْتِدَاد بِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يُرَتَّب عَلَيْهَا أَثَرهَا الْمَطْلُوب مِنْهَا بَلْ هِيَ مَرْدُودَة عَلَيْهِ وَهَذَا قَدْ يَحْصُل لِعَدَمِ ثَوَابه عَلَيْهَا وَرِضَا الرَّبّ عَنْهُ بِهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُعَاقِبهُ عَلَيْهَا عُقُوبَة تَارِكهَا جُمْلَة بَلْ عُقُوبَة تَرْك ثَوَابه وَفَوَات الرِّضَا لَهَا بَعْد دُخُوله فِيهَا بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَفْتَحهَا أَصْلًا بِمِفْتَاحِهَا فَإِنَّ عُقُوبَته عَلَيْهَا عُقُوبَة تَارِكهَا وَهَذَا وَاضِح فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ فِي الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ قَالَ إِنَّ عَادِم الطَّهُورَيْنِ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَقْدِر عَلَى أَحَدهمَا لِأَنَّ صَلَاته غَيْر مُفْتَتَحَة بِمِفْتَاحِهَا فَلَا تُقْبَل مِنْهُ قِيلَ قَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ وَلَا حُجَّة فِيهِ وَلَا بُدّ مِنْ تَمْهِيد قَاعِدَة يَتَبَيَّن بِهَا مَقْصُود الْحَدِيث وَهِيَ أَنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله أَوْ جَعَلَهُ شَرْطًا لِلْعِبَادَةِ أَوْ رُكْنًا فِيهَا أَوْ وَقْف صِحَّتهَا عَلَيْهِ هُوَ مُقَيَّد بِحَالِ الْقُدْرَة لِأَنَّهَا الْحَال الَّتِي يُؤْمَر فِيهَا بِهِ وَأَمَّا فِي حَال الْعَجْز فَغَيْر مَقْدُور وَلَا مَأْمُور فَلَا تَتَوَقَّف صِحَّة الْعِبَادَة عَلَيْهِ وَهَذَا كَوُجُوبِ الْقِيَام وَالْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود عِنْد الْقُدْرَة وَسُقُوط ذَلِكَ بِالْعَجْزِ وَكَاشْتِرَاطِ سَتْر الْعَوْرَة وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَة عِنْد الْقُدْرَة وَيَسْقُط بِالْعَجْزِ وقد قال لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة حَائِض إِلَّا بِخِمَارٍ وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْخِمَار صَلَّتْ بِدُونِهِ وَصَحَّتْ صَلَاتهَا وَكَذَلِكَ قَوْله لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة أَحَدكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ فَإِنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُضُوء صَلَّى بِدُونِهِ وَكَانَتْ صَلَاته مقبولة وكذلك قوله لا تجزىء صَلَاة لَا يُقِيم الرَّجُل فِيهَا صُلْبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فَإِنَّهُ لَوْ كُسِرَ صُلْبه وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِقَامَته أَجْزَأْته صَلَاته وَنَظَائِره كَثِيرَة فَيَكُون الطَّهُور مِفْتَاح الصَّلَاة هُوَ مِنْ هَذَا وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ وَلَوْ صَلَّى مُحْدِثًا مُتَعَمِّدًا بِلَا عُذْرٍ أَثِمَ وَلَا يَكْفُرُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجَمَاهِيرِ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَكْفُرُ لِتَلَاعُبِهِ انْتَهَى (وَتَحْرِيمُهَا التكبير وتحليلها ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] لَكِنْ هُنَا نَظَر آخَر وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِن اِعْتِبَار الطَّهُور عِنْد تَعَذُّره فَإِنَّهُ يَسْقُط وُجُوبه فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ الصَّلَاة تُشْرَع بِدُونِهِ فِي هَذِهِ الْحَال وَهَذَا حَرْف الْمَسْأَلَة وَهَلَّا قُلْتُمْ إِنَّ الصَّلَاة بِدُونِهِ كَالصَّلَاةِ مَعَ الْحَيْض غَيْر مَشْرُوعَة لَمَّا كَانَ الطَّهُور غَيْر مَقْدُور لِلْمَرْأَةِ فَلَمَّا صَارَ مَقْدُورًا لَهَا شُرِعَتْ لَهَا الصَّلَاة وَتَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتهَا فَمَا الْفَرْق بَيْن الْعَاجِز عَنْ الطَّهُور شَرْعًا وَالْعَاجِز عَنْهُ حِسًّا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْر مُتَمَكِّن مِنْ الطَّهُور قِيلَ هَذَا سُؤَال يَحْتَاج إِلَى جَوَاب وَجَوَابه أَنْ يُقَال زَمَن الْحَيْض جَعَلَهُ الشَّارِع مُنَافِيًا لِشَرْعِيَّةِ الْعِبَادَات مِنْ الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالِاعْتِكَاف فَلَيْسَ وَقْتًا لِعِبَادَةِ الْحَائِض فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا فِيهِ شَيْء وَأَمَّا الْعَاجِز فَالْوَقْت فِي حَقّه قَابِل لِتَرَتُّبِ الْعِبَادَة الْمَقْدُورَة فِي ذِمَّته فَالْوَقْت فِي حَقّه غَيْر مُنَافٍ لِشَرْعِيَّةِ الْعِبَادَة بِحَسَبِ قُدْرَته بِخِلَافِ الْحَائِض فَالْعَاجِز مُلْحَق بِالْمَرِيضِ الْمَعْذُور الَّذِي يُؤْمَر بِمَا يَقْدِر عَلَيْهِ وَيَسْقُط عَنْهُ مَا يَعْجِز عَنْهُ وَالْحَائِض مُلْحَقَة بِمَنْ هُوَ مِنْ غَيْر أَهْل التَّكْلِيف فَافْتَرَقَا وَنُكْتَة الْفَرْق أَنَّ زَمَن الْحَيْض لَيْسَ بِزَمَنِ تَكْلِيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة بِخِلَافِ الْعَاجِز فَإِنَّهُ مُكَلَّف بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَة وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أن النبي بَعَثَ أُنَاسًا لِطَلَبِ قِلَادَة أَضَاعَتْهَا عَائِشَةُ فَحَضَرَتْ الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا النبي فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَنَزَلَتْ آيَة التَّيَمُّم فَلَمْ ينكر النبي عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَأْمُرهُمْ بِالْإِعَادَةِ وَحَالَة عَدَمِ التُّرَاب كَحَالَةِ عَدَم مَشْرُوعِيَّته وَلَا فَرْق فَإِنَّهُمْ صَلَّوْا بِغَيْرِ تَيَمُّم لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّة التَّيَمُّم حِينَئِذٍ فَهَكَذَا مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ تَيَمُّم لِعَدَمِ مَا يَتَيَمَّم بِهِ فَأَيّ فَرْق بَيْن عَدَمه فِي نَفْسه وَعَدَم مَشْرُوعِيَّته فَمُقْتَضَى الْقِيَاس وَالسُّنَّة أَنَّ الْعَادِم يُصَلِّي عَلَى حَسَب حَاله فَإِنَّ اللَّه لَا يُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا وَيُعِيد لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ فَلَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْإِعَادَة كَمَنْ تَرَكَ الْقِيَام وَالِاسْتِقْبَال وَالسُّتْرَة وَالْقِرَاءَة لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ فَهَذَا مُوجَب النَّصّ وَالْقِيَاس فَإِنْ قِيلَ الْقِيَام لَهُ بَدَل وَهُوَ الْقُعُود فَقَامَ بَدَله مَقَامه كَالتُّرَابِ عِنْد عَدَم الْمَاء وَالْعَادِم هُنَا صَلَّى بِغَيْرِ أَصْل وَلَا بَدَل قِيلَ هَذَا هُوَ مَأْخَذ الْمَانِعِينَ مِنْ الصَّلَاة وَالْمُوجِبِينَ لِلْإِعَادَةِ وَلَكِنَّهُ مُنْتَقِض بِالْعَاجِزِ عَنْ السُّتْرَة فَإِنَّهُ يُصَلِّي مِنْ غَيْر اِعْتِبَار بَدَل وَكَذَلِكَ الْعَاجِز عَنْ الِاسْتِقْبَال وَكَذَلِكَ الْعَاجِز عَنْ الْقِرَاءَة وَالذِّكْر وَأَيْضًا فَالْعَجْز عَنْ الْبَدَل فِي الشَّرْع كَالْعَجْزِ عَنْ الْمُبْدَل مِنْهُ سَوَاء هَذِهِ قَاعِدَة الشَّرِيعَة وَإِذَا كَانَ عَجْزه عَنْ الْمُبْدَل لَا يَمْنَعهُ مِنْ الصَّلَاة فَكَذَلِكَ عَجْزه عَنْ الْبَدَل وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة مُسْتَوْفَاة فِي بَاب التَّيَمُّم إِنْ شَاءَ الله التسليم) قال بن مَالِكٍ إِضَافَةُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إِلَى الصَّلَاةِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ التَّكْبِيرَ يُحَرِّمُ مَا كَانَ حَلَالًا فِي خَارِجِهَا وَالتَّسْلِيمُ يُحَلِّلُ مَا كَانَ حَرَامًا فِيهَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ سُمِّيَ الدُّخُولُ فِي ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى اِعْتِبَار النِّيَّة فِي الطهارة بوجه بديع وذلك لأنه جَعَلَ الطَّهُور مِفْتَاح الصَّلَاة الَّتِي لَا تُفْتَتَح وَيُدْخَل فِيهَا إِلَّا بِهِ وَمَا كَانَ مِفْتَاحًا لِلشَّيْءِ كَانَ قَدْ وُضِعَ لِأَجْلِهِ وَأُعِدَّ لَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كَوْنه مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ هُوَ جِهَة كَوْنه طَهُورًا فَإِنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ لِلصَّلَاةِ وَجُعِلَ مِفْتَاحًا لَهَا وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ مَا شُرِعَ لِلشَّيْءِ وَوُضِعَ لِأَجْلِهِ لَا بُدّ أَنْ يَكُون الْآتِي بِهِ قَاصِدًا مَا جُعِلَ مِفْتَاحًا لَهُ وَمَدْخَلًا إِلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف حِسًّا كَمَا هُوَ ثَابِت شَرْعًا وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ مَنْ سَقَطَ فِي مَاء وَهُوَ لَا يُرِيد التَّطَهُّر لَمْ يَأْتِ بِمَا هُوَ مِفْتَاح الصَّلَاة فَلَا تُفْتَح لَهُ الصَّلَاة وَصَارَ هَذَا كَمَنْ حَكَى عَنْ غَيْره أَنَّهُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَهُوَ غَيْر قَاصِد لِقَوْلِهَا فَإِنَّهَا لَا تَكُون مِفْتَاحًا لِلْجَنَّةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدهَا وَهَكَذَا هَذَا لَمَّا لَمْ يَقْصِد الطَّهُور لَمْ يَحْصُل لَهُ مِفْتَاح الصَّلَاة وَنَظِير ذَلِكَ الْإِحْرَام هُوَ مِفْتَاح عِبَادَة الْحَجّ وَلَا يَحْصُل لَهُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ فَلَوْ اِتَّفَقَ تَجَرُّده لِحَرٍّ أَوْ غَيْره وَلَمْ يَخْطِر بِبَالِهِ الْإِحْرَام لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا بِالِاتِّفَاقِ فَهَكَذَا هَذَا يَجِب أَنْ لَا يَكُون مُتَطَهِّرًا وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّه بَيِّنٌ فَصْلٌ الْحُكْم الثَّانِي قَوْله وَتَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَفِي هَذَا مِنْ حَصْر التَّحْرِيم فِي التَّكْبِير نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي حَصْر مِفْتَاح الصَّلَاة فِي الطَّهُور مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ دَلِيل بَيِّن أَنَّهُ لَا تَحْرِيم لَهَا إِلَّا التَّكْبِير وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور وَعَامَّة أَهْل الْعِلْم قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْعَقِد بِكُلِّ لَفْظ يَدُلّ عَلَى التَّعْظِيم فَاحْتَجَّ الْجُمْهُور عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيث ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَقَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَأَكْثَر السَّلَف يَتَعَيَّن لَفْظ اللَّه أَكْبَر وَحْدهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَتَعَيَّن أحد اللفظين الله أكبر والله الْأَكْبَر وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَتَعَيَّنُ التَّكْبِير وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ نَحْو اللَّه الْكَبِير وَنَحْوه وَحُجَّته أَنَّهُ يُسَمَّى تَكْبِيرًا حَقِيقَة فَيَدْخُل فِي قَوْله تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَحُجَّة الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُعَرَّف فِي مَعْنَى الْمُنَكَّر فَاللَّام لَمْ تُخْرِجهُ عَنْ مَوْضُوعه بَلْ هِيَ زِيَادَة فِي اللَّفْظ غَيْر مُخِلَّة بِالْمَعْنَى بِخِلَافِ اللَّه الْكَبِير وَكَبَّرْت اللَّه وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ التَّعْظِيم وَالتَّفْضِيل وَالِاخْتِصَاص مَا فِي لَفْظه اللَّه أَكْبَر وَالصَّحِيح قَوْل الْأَكْثَرِينَ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّن اللَّه أَكْبَر لِخَمْسِ حُجَج إِحْدَاهَا قَوْله تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَاللَّام هُنَا لِلْعَهْدِ فَهِيَ كَاللَّامِ فِي قَوْله مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ كُلّ طَهُور بَلْ الطَّهُور الذي واظب عليه رسول الله وَشَرَعَهُ لِأُمَّتِهِ وَكَانَ فِعْله لَهُ تَعْلِيمًا وَبَيَانًا لِمُرَادِ اللَّه مِنْ كَلَامه وَهَكَذَا التَّكْبِير هُنَا هُوَ التَّكْبِير الْمَعْهُود الَّذِي نَقَلَتْهُ الْأُمَّة نَقْلًا ضروريا خلفا عن سلف عن نبيها أَنَّهُ كَانَ يَقُولهُ فِي كُلّ صَلَاة لَا يَقُول غَيْره وَلَا مَرَّة وَاحِدَة فَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِلَا شَكٍّ فِي قَوْله تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَهَذَا حُجَّة عَلَى مَنْ جَوَّزَ اللَّه الْأَكْبَر والله الكبير فإنه وإن سمي تكبيرا لكنه لَيْسَ التَّكْبِير الْمَعْهُود الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُحَرِّمُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْمُصَلِّي وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ التَّحْرِيمَ بِمَعْنَى الْإِحْرَامِ أَيِ الدُّخُولُ فِي حُرْمَتِهَا فَالتَّحْلِيلُ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ عَنْ حُرْمَتِهَا قَالَ السُّيُوطِيُّ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ وَإِحْرَامُهَا التَّكْبِيرُ وَإِحْلَالُهَا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الحجة الثانية أن النبي قَالَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاته إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكَبِّرْ وَلَا يَكُون مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ وَهَذَا أَمْر مُطْلَق يَتَقَيَّد بِفِعْلِهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُ بِهِ هُوَ وَلَا أَحَد مِنْ خُلَفَائِهِ وَلَا أَصْحَابه الْحُجَّة الثَّالِثَة مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث رِفَاعَةَ أَنَّ النَّبِيّ قَالَ لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة اِمْرِئٍ حَتَّى يَضَع الطَّهُور مَوَاضِعه ثُمَّ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَة وَيَقُول اللَّه أَكْبَر الْحُجَّة الرَّابِعَة أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الصَّلَاة تَنْعَقِد بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظ لَتَرَكَهُ النَّبِيّ وَلَوْ فِي عُمْره مَرَّة وَاحِدَة لِبَيَانِ الْجَوَاز فَحَيْثُ لَمْ يَنْقُل أَحَد عَنْهُ قَطّ أَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاة لَا تَنْعَقِد بِغَيْرِهِ الْحُجَّة الْخَامِسَة أَنَّهُ لَوْ قَامَ غَيْره مَقَامه لَجَازَ أَنْ يَقُوم غَيْر كَلِمَات الْأَذَان مَقَامهَا وَأَنْ يَقُول الْمُؤَذِّن كَبَّرَتْ اللَّه أَوْ اللَّه الْكَبِير أَوْ اللَّه أَعْظَم وَنَحْوه بَلْ تَعَيَّنَ لَفْظَة اللَّه أَكْبَر فِي الصَّلَاة أَعْظَم مِنْ تَعَيُّنهَا فِي الْأَذَان لِأَنَّ كُلّ مُسْلِمٍ لَا بُدّ لَهُ مِنْهَا وَأَمَّا الْأَذَان فَقَدْ يَكُون فِي الْمِصْر مُؤَذِّن وَاحِد أَوْ اِثْنَانِ وَالْأَمْر بِالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاة آكَد مِنْ الْأَمْر بِالتَّكْبِيرِ فِي الْأَذَان وَأَمَّا حُجَّة أَصْحَاب الشَّافِعِيِّ عَلَى تَرَادُف اللَّه أكبر والله الْأَكْبَر فَجَوَابهَا أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُتَرَادِفَيْنِ فَإِنَّ الْأَلِف وَاللَّام اِشْتَمَلَتْ عَلَى زِيَادَة فِي اللَّفْظ وَنَقْص فِي الْمَعْنَى وَبَيَانه أَنَّ أَفْعَل التَّفْضِيل إِذَا نُكِّرَ وَأُطْلِقَ تَضَمَّنَ مِنْ عُمُوم الْفَضْل وَإِطْلَاقه عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَضَمَّنهُ الْمُعَرَّف فَإِذَا قِيلَ اللَّه أَكْبَر كَانَ مَعْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء وَأَمَّا إِذَا قِيلَ اللَّه أَكْبَر فَإِنَّهُ يَتَقَيَّد مَعْنَاهُ وَيَتَخَصَّص وَلَا يُسْتَعْمَل هَذَا إِلَّا فِي مُفَضَّل عَلَيْهِ مُعَيَّن كَمَا إِذَا قِيلَ مَنْ أَفْضَل أَزِيد أَمْ عَمْرو فَيَقُول زَيْد الْأَفْضَل هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة وَالِاسْتِعْمَال فَإِنَّ أَدَاة التَّعْرِيف لَا يُمْكِن أَنْ يُؤْتَى بِهَا إِلَّا مَعَ مَنْ وَأَمَّا بِدُونِ مَنْ فَلَا يُؤْتَى بِالْأَدَاةِ فَإِذَا حُذِفَ الْمُفَضَّل عَلَيْهِ مَعَ الْأَدَاة أَفَادَ التَّعَمُّم وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى مَعَ اللَّام وَهَذَا الْمَعْنَى مَطْلُوب مِنْ الْقَائِل اللَّه أَكْبَر بِدَلِيلِ مَا رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عدي بن حاتم الطويل أن النبي قَالَ لَهُ مَا يَضُرّك أَيَضُرُّك أَنْ يُقَال اللَّه أَكْبَر فَهَلْ تَعْلَم شَيْئًا أَكْبَر مِنْ اللَّه وَهَذَا مُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَابًا لَا شَيْء أَكْبَر شَهَادَة مِنْ اللَّه فَاَللَّه أَكْبَر شَهَادَة مِنْ كُلّ شَيْء كَمَا أَنَّ قَوْله لِعَدِيٍّ هَلْ تَعْلَم شَيْئًا أَكْبَر مِنْ اللَّه يَقْتَضِي جَوَابًا لَا شَيْء أَكْبَر مِنْ اللَّه فَاَللَّه أَكْبَر مِنْ كُلّ شَيْء وَفِي اِفْتِتَاح الصَّلَاة بِهَذَا اللَّفْظ الْمَقْصُود مِنْهُ اِسْتِحْضَار هَذَا الْمَعْنَى وَتَصَوُّره سِرّ عَظِيم يَعْرِفهُ أَهْل الْحُضُور الْمُصَلُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وَأَبْدَانهمْ فَإِنَّ الْعَبْد إِذَا وَقَفَ بَيْن يَدَيْ اللَّه ﷿ وَقَدْ عَلِمَ أَنْ لَا شَيْء التَّسْلِيمُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ خِلَافًا لِسَعِيدٍ وَالزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ إِنَّ الْإِحْرَامَ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ وَقَوْلُهُ التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ إِحْرَامِ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] أَكْبَر مِنْهُ وَتَحَقَّقَ قَلْبه ذَلِكَ وَأَشْرَبَهُ سِرّه اِسْتَحَى مِنْ اللَّه وَمَنَعَهُ وَقَاره وَكِبْرِيَاؤُهُ أَنْ يشغل قلبه بغيره وما لَمْ يَسْتَحْضِر هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ وَاقِف بَيْن يَدَيْهِ بِجِسْمِهِ وَقَلْبه يَهِيم فِي أَوْدِيَة الْوَسَاوِس وَالْخَطَرَات وَبِاَللَّهِ الْمُسْتَعَان فَلَوْ كَانَ اللَّه أَكْبَر مِنْ كُلّ شَيْء فِي قَلْب هَذَا لَمَا اِشْتَغَلَ عَنْهُ وَصَرَفَ كُلِّيَّة قَلْبه إِلَى غَيْره كَمَا أَنَّ الْوَاقِف بَيْن يَدَيْ الْمَلِك الْمَخْلُوق لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبه أَعْظَم مِنْهُ لَمْ يَشْغَل قَلْبه بِغَيْرِهِ وَلَمْ يَصْرِفهُ عَنْهُ صَارِف فَصْلٌ الْحُكْم الثَّالِث قَوْله تَحْلِيلهَا التَّسْلِيم وَالْكَلَام فِي إِفَادَته الْحَصْر كَالْكَلَامِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ قَبْله وَالْكَلَام فِي التَّسْلِيم عَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهُ لَا يَنْصَرِف مِنْ الصَّلَاة إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ وَهَذَا قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَتَعَيَّن التَّسْلِيم بَلْ يَخْرُج مِنْهَا بِالْمُنَافِي لَهَا مِنْ حَدَثٍ أَوْ عَمَل مُبْطِل وَنَحْوه واستدل له بحديث بن مَسْعُودٍ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ فِي تعليمه التشهد وبأن النبي لَمْ يُعَلِّمهُ الْمُسِيء فِي صَلَاته وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ وَبِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاة فَإِنَّهُ يُنَافِيهَا وَيَخْرُج بِهِ مِنْهَا وَلِهَذَا لَوْ أَتَى بِهِ فِي أَثْنَائِهَا لَأَبْطَلَهَا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا عُلِمَ أَنَّهُ شُرِعَ مُنَافِيًا لَهَا وَالْمُنَافِي لَا يَتَعَيَّن هَذَا غَايَة مَا يُحْتَجّ لَهُ بِهِ وَالْجُمْهُور أَجَابُوا عَنْ هَذِهِ الْحُجَج أما حديث بن مَسْعُودٍ فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَكْثَر الْحُفَّاظ الصَّحِيح أَنَّ قَوْله إِذَا قُلْت هَذَا فَقَدْ قضيت صلاتك من كلام بن مَسْعُودٍ فَصَّلَهُ شَبَابَةُ عَنْ زُهَيْرٍ وَجَعَلَهُ مِنْ كلام بن مَسْعُودٍ وَقَوْله أَشْبَهَ بِالصَّوَابِ مِمَّنْ أَدْرَجَهُ وَقَدْ اتفق من روى تشهد بن مَسْعُودٍ ﵁ عَلَى حَذْفه وَأَمَّا كون النبي لَمْ يُعَلِّمهُ الْمُسِيء فِي صَلَاته فَمَا أَكْثَر مَا يُحْتَجّ بِهَذِهِ الْحُجَّة عَلَى عَدَم وَاجِبَات فِي الصَّلَاة وَلَا تَدُلّ لِأَنَّ الْمُسِيء لَمْ يُسِيء فِي كُلّ جُزْء مِنْ الصَّلَاة فَلَعَلَّهُ لَمْ يُسِيء فِي السَّلَام بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِر فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الْخُرُوج مِنْهَا إِلَّا بِالسَّلَامِ وَأَيْضًا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أَسَاءَ فِيهِ لَكَانَ غَايَة مَا يَدُلّ عَلَيْهِ تَرْك التَّعْلِيم اِسْتِصْحَاب بَرَاءَة الذِّمَّة مِنْ الْوُجُوب فَكَيْف يُقَدَّم عَلَى الْأَدِلَّة النَّاقِلَة لِحُكْمِ الِاسْتِصْحَاب وَأَيْضًا فَأُنْتَمَ لَمْ تُوجِبُوا فِي الصَّلَاة كُلّ مَا أُمِرَ بِهِ الْمُسِيء فَكَيْف تَحْتَجُّونَ بِتَرْكِ أَمْره عَلَى عَدَم الْوُجُوب وَدَلَالَة الْأَمْر عَلَى الْوُجُوب أَقْوَى مِنْ دَلَالَة تَرْكه عَلَى نَفْي الْوُجُوب فَإِنَّهُ قَالَ إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكَبِّرْ وَلَمْ تُوجِبُوا التَّكْبِير وَقَالَ ثُمَّ اِرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنّ رَاكِعًا وَقُلْتُمْ لَوْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَة لَمْ تَبْطُل صَلَاته وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا صِفَاتِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قوله وذكر اسم ربه فصلى فَخُصَّ التَّكْبِيرُ بِالسُّنَّةِ مِنَ الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ فِي القرآن لاسيما وَقَدِ اتَّصَلَ فِي ذَلِكَ فِعْلُهُ بِقَوْلِهِ فَكَانَ يُكَبِّرُ ﷺ وَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بِكُلِّ لَفْظٍ فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى لِعُمُومِ الْقُرْآنِ وَقَالَ الشافعي ويجوز ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاة فَإِنَّهُ يُنَافِيهَا وَيَخْرُج مِنْهَا بِهِ فَجَوَابه أَنَّ السَّلَام مِنْ تَمَامهَا وَهُوَ نِهَايَتهَا وَنِهَايَة الشَّيْء مِنْهُ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ حَقِيقَته وَلِهَذَا أُضِيفَ إِلَيْهَا إِضَافَة الْجُزْء بِخِلَافِ مِفْتَاحهَا فَإِنَّ إِضَافَته إِضَافَة مُغَايِر بِخِلَافِ تَحْلِيلهَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّل مِنْهَا إِلَّا بِهِ وَأَمَّا بُطْلَان الصَّلَاة إِذَا فَعَلَهُ فِي أَثْنَائِهَا فَلِأَنَّهُ قَطْع لَهَا قَبْل إِتْمَامهَا وَإِتْيَان بِنِهَايَتِهَا قَبْل فَرَاغهَا فَلِذَلِكَ أبطلها فالتسليم آخرها وخاتمها كَمَا فِي حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ يَخْتِم صَلَاته بِالتَّسْلِيمِ فَنِسْبَة التَّسْلِيم إِلَى آخِرهَا كَنِسْبَةِ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام إِلَى أَوَّلهَا فَقَوْل اللَّه أَكْبَر أَوَّل أَجْزَائِهَا وَقَوْل السَّلَام عَلَيْكُمْ آخِر أَجْزَائِهَا ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْهَا فَإِنَّهُ تَحْلِيل لَهَا لَا يَخْرُج مِنْهَا إِلَّا بِهِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وُجُوبه كَتَحَلُّلَاتِ الْحَجّ فَكَوْنه تَحْلِيلًا لَا يَمْنَع الْإِيجَاب فَإِنْ قِيلَ وَلَا يَقْتَضِي قِيلَ إِذَا ثَبَتَ اِنْحِصَار التَّحْلِيل فِي السَّلَام تَعَيَّنَ الْإِتْيَان بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْحَصْر مِنْ وَجْهَيْنِ فَصْلٌ وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ كُلّ مَا تَحْرِيمه التَّكْبِير وَتَحْلِيله التَّسْلِيم فَمِفْتَاحه الطَّهُور فَيَدْخُل فِي هَذَا الوتر بركعة خلافا لبعضهم واحتج بقوله صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مَثْنَى مَثْنَى وَجَوَابه أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحُفَّاظ طَعَنَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَة وَرَأَوْهَا غَيْر مَحْفُوظَة وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوِتْر تَحْرِيمه التَّكْبِير وَتَحْلِيله التَّسْلِيم فَيَجِب أَنْ يَكُون مِفْتَاحه الطَّهُور وَأَيْضًا فَالْمَغْرِب وِتْر لَا مَثْنَى وَالطَّهَارَة شرط فيها وأيضا فالنبي سَمَّى الْوِتْر صَلَاة بِقَوْلِهِ فَإِذَا خِفْت الصُّبْح فَصَلِّ رَكْعَة تُوتِر لَك مَا قَدْ صَلَّيْت وَأَيْضًا فَإِجْمَاع الْأُمَّة مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ عَلَى إِطْلَاق اِسْم الصَّلَاة عَلَى الْوِتْر فَهَذَا الْقَوْل فِي غَايَة الْفَسَاد وَيَدْخُل فِي الْحَدِيث أَيْضًا صَلَاة الْجِنَازَة لِأَنَّ تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التسليم وهذا قول أصحاب رسول الله لَا يُعْرَف عَنْهُمْ فِيهِ خِلَاف وَهُوَ قَوْل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَجُمْهُور الْأُمَّة خِلَافًا لِبَعْضِ التَّابِعِينَ بِقَوْلِكَ اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ بِقَوْلِكَ اللَّهُ الْكَبِيرُ أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ زِيَادَةٌ لَمْ تُخِلَ بِاللَّفْظِ وَلَا بِالْمَعْنَى وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ التَّكْبِيرُ قُلْنَا لِأَبِي يُوسُفَ إِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ اللَّفْظِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وقد ثبت عن النبي تَسْمِيَتهَا صَلَاة وَكَذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَة وَحَمَلَة الشَّرْع كُلّهمْ يُسَمُّونَهَا صَلَاة وَقَوْل النَّبِيّ مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَتَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم هُوَ فَصْل الْخِطَاب فِي هَذِهِ الْمَسَائِل وَغَيْرهَا طَرْدًا وَعَكْسًا فَكُلّ مَا كَانَ تَحْرِيمه التَّكْبِير وَتَحْلِيله التَّسْلِيم فَلَا بُدّ مِنْ اِفْتِتَاحه بِالطَّهَارَةِ فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي الطَّوَاف بِالْبَيْتِ فَإِنَّهُ يُفْتَتَح بِالطَّهَارَةِ وَلَا تَحْرِيم فِيهِ وَلَا تَحْلِيل قِيلَ شَرْط النَّقْض أَنْ يَكُون ثَابِتًا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاع وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف وَالْخَلَف فِي اِشْتِرَاط الطَّهَارَة لِلطَّوَافِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهَا شَرْط كَقَوْلِ الشَّافِعِيّ وَمَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَالثَّانِي لَيْسَتْ بِشَرْطٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة اِبْنه عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْره بَلْ نَصّه فِي رِوَايَة عَبْدِ اللَّهِ تَدُلّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَإِنَّهُ قَالَ أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأ وَهَذَا مَذْهَب أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ شَيْخ الْإِسْلَام أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَهَذَا قَوْل أَكْثَر السَّلَف قَالَ وَهُوَ الصَّحِيح فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُل أَحَد عن النبي أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عمره وَلَا فِي حَجَّته مَعَ كَثْرَة مَنْ حَجَّ مَعَهُ وَاعْتَمَرَ وَيَمْتَنِع أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَاجِبًا وَلَا يُبَيِّنهُ لِلْأُمَّةِ وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْته ممتنع فإن قيل فقد طاف النبي متوضأ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ قِيلَ الْفِعْل لَا يَدُلّ عَلَى الْوُجُوب وَالْأَخْذ عَنْهُ هُوَ أَنْ يَفْعَل كَمَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْه الَّذِي فَعَلَ فَإِذَا كَانَ قَدْ فَعَلَ فِعْلًا عَلَى وَجْه الِاسْتِحْبَاب فَأَوْجَبْنَاهُ لَمْ نَكُنْ قَدْ أَخَذْنَا عَنْهُ ولا تأسينا به مع أنه فَعَلَ فِي حَجَّته أَشْيَاء كَثِيرَة جِدًّا لَمْ يُوجِبهَا أَحَد مِنْ الْفُقَهَاء فَإِنْ قِيلَ فَمَا تقولون في حديث بن عَبَّاسٍ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ صَلَاة قِيلَ هَذَا قَدْ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعه وَوَقْفه فَقَالَ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا الصَّوَاب أَنَّهُ مَوْقُوف وَعَلَى تَقْدِير رَفْعه فَالْمُرَاد شَبِيه بِالصَّلَاةِ كَمَا شَبَّهَ اِنْتِظَار الصَّلَاة بِالصَّلَاةِ وَكَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَا دُمْت تَذْكُر اللَّه فَأَنْتَ فِي صَلَاة وَإِنْ كُنْت في السوق ومنه قوله إِنَّ أَحَدكُمْ فِي صَلَاة مَا دَامَ يَعْمِد إِلَى الصَّلَاة فَالطَّوَاف وَإِنْ سُمِّيَ صَلَاة فَهُوَ صَلَاة بِالِاسْمِ الْعَامّ لَيْسَ بِصَلَاةٍ خَاصَّة وَالْوُضُوء إِنَّمَا يُشْتَرَط لِلصَّلَاةِ الْخَاصَّة ذَات التَّحْرِيم وَالتَّحْلِيل فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي سُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر قِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَحَدهمَا يُشْتَرَط لَهُ الطَّهَارَة وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْفُقَهَاء ولا يعرف الَّذِي جَاءَ بِهِ الْفِعْلُ فَفَسَّرَ الْمُطْلَقَ فِي الْقَوْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا التَّعْلِيلُ وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُفْعَلُ عَلَى الرَّسْمِ الْوَارِدِ دُونَ نَظَرٍ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَعْنَى وَقَوْلُهُ تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ مِثْلُهُ فِي حَصْرِ الْخُرُوجِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي التَّسْلِيمِ دُونَ غَيْرِهِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] كَثِير مِنْهُمْ فِيهِ خِلَافًا وَرُبَّمَا ظَنَّهُ بَعْضهمْ إِجْمَاعًا وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَط لَهُ الطَّهَارَة وَهَذَا قول كثير من السلف حكاه عنهم بن بَطَّالٍ فِي شَرْح الْبُخَارِيِّ وَهُوَ قَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فِي صحيحه فقال وكان بن عُمَرَ يَسْجُد لِلتِّلَاوَةِ عَلَى غَيْر وُضُوء وَتَرْجَمَة الْبُخَارِيِّ وَاسْتِدْلَاله يَدُلّ عَلَى اِخْتِيَاره إِيَّاهُ فَإِنَّهُ قَالَ بَاب مَنْ قَالَ يُسْجَد عَلَى غَيْر وُضُوء هَذَا لَفْظه وَاحْتَجَّ الْمُوجِبُونَ لِلْوُضُوءِ لَهُ بِأَنَّهُ صَلَاة قَالُوا فَإِنَّهُ لَهُ تَحْرِيم وَتَحْلِيل كَمَا قَالَهُ بَعْض أَصْحَاب أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَفِيهِ وَجْه أَنَّهُ يُتَشَهَّد لَهُ وَهَذَا حَقِيقَة الصَّلَاة وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب أَحْمَدَ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ يسلم له وقال عطاء وبن سِيرِينَ إِذَا رَفَعَ رَأْسه يُسَلِّم وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم قَالُوا وَلِأَنَّهُ يَفْعَل تَبَعًا للامام ويعتبر أن يكون القارىء يَصْلُح إِمَامًا لِلْمُسْتَمِعِ وَهَذَا حَقِيقَة الصَّلَاة قَالَ الْآخَرُونَ لَيْسَ مَعَكُمْ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَة لَهُ كِتَاب وَلَا سُنَّة وَلَا إِجْمَاع وَلَا قِيَاس صَحِيح وَأَمَّا اِسْتِدْلَالكُمْ بِقَوْلِهِ تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم فَهُوَ مِنْ أَقْوَى مَا يُحْتَجّ بِهِ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ أَئِمَّة الْحَدِيث وَالْفِقْه لَيْسَ فِيهِمْ أَحَد قط نقل عن النبي وَلَا عَنْ أَحَد مِنْ أَصْحَابه أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْهُ وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ السَّلَام مِنْهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَانَ أَحْمَدُ لَا يَعْرِف التَّسْلِيم فِي هَذَا وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَيَذْكُر نَحْوه عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَكَذَلِكَ الْمَنْصُوص عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُسَلِّم فِيهِ وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا يُسَلَّم مِنْهُ إِنَّمَا اِحْتَجُّوا بقول النبي وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم وَبِذَلِكَ اِحْتَجَّ لَهُمْ إِسْحَاقُ وَهَذَا استدلال ضعيف فإن النبي وَأَصْحَابه فَعَلُوهَا وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُمْ سَلَام مِنْهَا وَلِهَذَا أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ وَغَيْره وَتَجْوِيز كَوْنه سَلَّمَ مِنْهُ وَلَمْ يُنْقَل كَتَجْوِيزِ كَوْنه سَلَّمَ مِنْ الطَّوَاف قَالُوا وَالسُّجُود هُوَ مِنْ جِنْس ذِكْر اللَّه وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالدُّعَاء وَلِهَذَا شُرِعَ فِي الصَّلَاة وَخَارِجهَا فَكَمَا لَا يُشْتَرَط الْوُضُوء لِهَذِهِ الْأُمُور وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْزَاء الصَّلَاة فَكَذَا لَا يُشْتَرَط لِلسُّجُودِ وَكَوْنه جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا لَا يُوجِبُ أَنْ لَا يُفْعَل إِلَّا بِوُضُوءٍ واحتج البخاري بحديث بن عباس أن النبي سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنّ وَالْإِنْس وَمَعْلُوم أَنَّ الْكَافِر لَا وُضُوء لَهُ قالوا وأيضا فالمسلمون الذين سجدوا معه لم ينقل أن النبي أَمَرَهُمْ بِالطَّهَارَةِ وَلَا سَأَلَهُمْ مِنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ الْمُنَاقِضَةِ لِلصَّلَاةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَرَى الْخُرُوجَ مِنْهَا بِكُلِّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ مُضَادٍّ كَالْحَدَثِ وَغَيْرِهِ حَمْلًا عَلَى السَّلَامِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي إِبْطَالَ الْحَصْرِ انتهى بتلخيصه ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] هَلْ كُنْتُمْ مُتَطَهِّرِينَ أَمْ لَا وَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَة شَرْطًا فِيهِ لَلَزِمَ أَحَد الْأَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَتَقَدَّم أَمْره لَهُمْ بِالطَّهَارَةِ وَإِمَّا أَنْ يَسْأَلهُمْ بَعْد السُّجُود لِيُبَيِّن لَهُمْ الِاشْتِرَاط وَلَمْ يَنْقُل مُسْلِمٌ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَإِنْ قِيلَ فَلَعَلَّ الْوُضُوء تَأَخَّرَتْ مَشْرُوعِيَّته عَنْ ذَلِكَ وَهَذَا جَوَاب بَعْض الْمُوجِبِينَ قِيلَ الطَّهَارَة شُرِعَتْ لِلصَّلَاةِ مِنْ حِين الْمَبْعَث وَلَمْ يُصَلِّ قَطّ إِلَّا بِطَهَارَةٍ أَتَاهُ جِبْرِيل فَعَلَّمَهُ الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَفِي حَدِيث إِسْلَامِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُمَكَّن مِنْ مَسّ الْقُرْآن إِلَّا بَعْد تَطَهُّره فَكَيْف نَظُنّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ بِلَا وُضُوء قَالُوا وَأَيْضًا فَيَبْعُد جِدًّا أَنْ يَكُون الْمُسْلِمُونَ كُلّهمْ إِذْ ذَاكَ عَلَى وُضُوء قَالُوا وَأَيْضًا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُول الله يَقْرَأ الْقُرْآن فَيَقْرَأ السُّورَة فِيهَا السَّجْدَة فَيَسْجُد وَنَسْجُد مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِد بَعْضنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَته قَالُوا وَقَدْ كَانَ يَقْرَأ الْقُرْآن عَلَيْهِمْ فِي الْمَجَامِع كُلّهَا وَمِنْ الْبَعِيد جِدًّا أن يكون كُلّهمْ إِذْ ذَاكَ عَلَى وُضُوء وَكَانُوا يَسْجُدُونَ حَتَّى لَا يَجِد بَعْضهمْ مَكَانًا لِجَبْهَتِهِ وَمَعْلُوم أن مجامع الناس تجمع المتوضىء وَغَيْره قَالُوا وَأَيْضًا فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ الْقُرْآن أَنَّ السَّحَرَة سَجَدُوا لِلَّهِ سَجْدَة فَقَبِلَهَا اللَّه مِنْهُمْ وَمَدَحَهُمْ عليها ولم يكونوا متطهرين قطعا ومنازعونا يَقُولُونَ مِثْل هَذَا السُّجُود حَرَام فَكَيْف يَمْدَحهُمْ وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَجُوز فَإِنْ قِيلَ شَرْع مَنْ قَبْلنَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا قِيلَ قَدْ اِحْتَجَّ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة بِشَرْعِ مَنْ قَبْلنَا وَذَلِكَ مَنْصُوص عَنْهُمْ أَنْفُسهمْ فِي غَيْر مَوْضِع قَالُوا سَلَّمْنَا لَكِنْ مَا لَمْ يَرِد شَرْعنَا بِخِلَافِهِ قَالَ الْمُجَوِّزُونَ فَأَيْنَ وَرَدَ فِي شَرَعْنَا خِلَافه قَالُوا وَأَيْضًا فَأَفْضَل أَجْزَاء الصَّلَاة وَأَقْوَالهَا هُوَ الْقِرَاءَة وَيُفْعَل بِلَا وُضُوء فَالسُّجُود أَوْلَى قَالُوا وَأَيْضًا فَاَللَّه ﷾ أَثْنَى عَلَى كُلّ مَنْ سَجَدَ عِنْد التِّلَاوَة فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ سَجَدُوا عَقِب تِلَاوَته بِلَا فَضْل سَوَاء كَانُوا بِوُضُوءٍ أَوْ بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ السُّجُود عَقِب التِّلَاوَة وَلَمْ يَشْتَرِط وُضُوءًا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَات الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَحْسَنُ انْتَهَى ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالُوا وَكَذَلِكَ سُجُود الشُّكْر مُسْتَحَبّ عِنْد تَجَدُّد النِّعَم الْمُنْتَظَرَة وَقَدْ تَظَاهَرَتْ السُّنَّة عَنْ النَّبِيّ بِفِعْلِهِ فِي مَوَاضِع مُتَعَدِّدَة وَكَذَلِكَ أَصْحَابه مَعَ وُرُود الْخَبَر السَّارّ عَلَيْهِمْ بَغْتَة وَكَانُوا يَسْجُدُونَ عَقِبه وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِوُضُوءٍ وَلَمْ يُخْبِرُوا أَنَّهُ لَا يُفْعَل إِلَّا بِوُضُوءٍ وَمَعْلُوم أَنَّ هَذِهِ الْأُمُور تَدْهَم الْعَبْد وَهُوَ عَلَى غَيْر طَهَارَة فَلَوْ تَرَكَهَا لَفَاتَتْ مَصْلَحَتهَا قَالُوا وَمِنْ الْمُمْتَنِع أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى قَدْ أَذِنَ فِي هَذَا السُّجُود وَأَثْنَى عَلَى فَاعِله وَأَطْلَقَ ذَلِكَ وَتَكُون الطَّهَارَة شَرْطًا فِيهِ وَلَا يَسُنّهَا وَلَا يأمر بها رسول الله أَصْحَابه وَلَا رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْف وَاحِد وَقِيَاسه عَلَى الصَّلَاة مُمْتَنِع لِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ الْفَارِق بَيْنه وَبَيْن الصَّلَاة أَظْهَر وَأَكْثَر مِنْ الْجَامِع إِذْ لَا قِرَاءَة فِيهِ وَلَا رُكُوع لَا فَرْضًا وَلَا سُنَّة ثَابِتَة بِالتَّسْلِيمِ ويجوز أن يكون القارىء خَلْف الْإِمَام فِيهِ وَلَا مُصَافَّة فِيهِ وَلَيْسَ إِلْحَاق مَحَلّ النِّزَاع بِصُوَرِ الِاتِّفَاق أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقه بِصُوَرِ الِافْتِرَاق الثَّانِي أَنَّ هَذًّا الْقِيَاس إِنَّمَا يَمْتَنِع لَوْ كَانَ صَحِيحًا إِذَا لَمْ يَكُنْ الشَّيْء الْمَقِيس قَدْ فُعِلَ عَلَى عَهْد النبي ثُمَّ تَقَع الْحَادِثَة فَيَحْتَاج الْمُجْتَهِد أَنْ يُلْحِقهَا بما وقع على عهده مِنْ الْحَوَادِث أَوْ شَمِلَهَا نَصّه وَأَمَّا مَعَ سُجُوده وَسُجُود أَصْحَابه وَإِطْلَاق الْإِذْن فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِوُضُوءٍ فَيَمْتَنِع التَّقْيِيد بِهِ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث الليث عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَسْجُد الرَّجُل إِلَّا وَهُوَ طَاهِر وَهَذَا يُخَالِف مَا رَوَيْتُمُوهُ عَنْ بن عُمَرَ مَعَ أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات وَكَانَ بن عُمَرَ يَسْجُد عَلَى وُضُوء وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بِهِ لِأَجْلِ رِوَايَة اللَّيْثِ قِيلَ أَمَّا أَثَر اللَّيْثِ فَضَعِيف وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى كَانَ يَسْجُد عَلَى وُضُوء فَغَلَط لِأَنَّ تَبْوِيب الْبُخَارِيِّ وَاسْتِدْلَاله وَقَوْله وَالْمُشْرِك لَيْسَ لَهُ وُضُوء يَدُلّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِلَفْظِ غَيْر وَعَلَيْهَا أَكْثَر الرُّوَاة وَلَعَلَّ النَّاسِخ اِسْتَشْكَلَ ذَلِكَ فَظَنَّ أَنَّ لفظه غير غلط فأسقطها ولاسيما إِنْ كَانَ قَدْ اِغْتَرَّ بِالْأَثَرِ الضَّعِيف الْمَرْوِيِّ عَنْ اللَّيْثِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر فَإِنَّ إِسْقَاط الْكَلِمَة لِلِاسْتِشْكَالِ كَثِير جِدًّا وَأَمَّا زِيَادَة غَيْر فِي مِثْل هَذَا الْمَوْضِع فَلَا يُظَنّ زِيَادَتهَا غَلَطًا ثُمَّ تَتَّفِق عَلَيْهَا النُّسَخ الْمُخْتَلِفَة أَوْ أكثرها