HadithLab
RU
سنن أبي داود

رقم الحديث ١٨٢٣

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ، فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ».
  • محمد محيي الدين عبد الحميد:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن أبي داود ج1 ص512
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري (٥٨٠٦) صحيح مسلم (١١٧٧)
  • شعيب الأرنؤوط:إسناده صحيحسنن أبي داود تخريج شعيب الأرنؤوط ج3 ص227
ج ٢ ص ١٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
تهذيب سنن أبي داود · ابن قيم الجوزية · ج١ ص٣٤٣
١١٤/ ١٧٤٩ - عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجلٌ رسولَ الله - ﷺ -: ما يتركُ المحرمُ من الثياب؟ فقال: لا يلبس القميصَ، ولا البُرْنُسَ، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوبًا مَسَّهُ وَرْسٌ ولا زَعْفران، ولا الخُفَّين، إلا أن لا يجد النعلَين، فمَنْ لم يجد النعلين فليلبَسِ الخُفَّين، وليقْطَعْهما حتى يكونا أسفلَ مِن الكعبين». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه . قال ابن القيم - ﵀ -: حديث ابن عمر هذا فيه أحكام عديدة: الحكم الأول: أنه - ﷺ - سُئل عما يُلْبَس وهو غير محصور، فأجاب بما لا يُلْبَس لحصره. فعُلِم أن غيرَه على الإباحة، ونبَّه بالقميص على ما فُصِّل للبدن كلِّه، مِن جُبّة أو دَلَق أو درَّاعة أو عَرَقْشِين ونحوه. ونبَّه بالعمامة على كلِّ ساترٍ للرأسِ معتادٍ كالقُبْع والطاقية والقَلَنْسُوة والكُلْتة ونحوها. ونبَّه بالبُرْنُس على المحيط بالرأس والبدن جميعًا، كالغفارة ونحوها. ونبَّه بالسراويل على المفصَّل على الأسافل، كالتُّبّان ونحوه. ونبَّه بالخُفَّين على ما في معناهما، من الجُرْمُوق والجورب والزَّرْبول ذي الساق ونحوه. الحكم الثاني: أنه مَنَعه من الثوب المصبوغ بالوَرْس أو الزعفران، وليس هذا لكونه طِيبًا، فإن الطِّيْب في غير الوَرْس والزعفران أشدّ، ولأنه خصَّه بالثوب دون البدن. وإنما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه، أن لا يكون مصبوغًا بوَرْس ولا زعفران، وقد نَهَى أن يتزعفر الرجل ، وهذا منهيٌّ عنه خارج الإحرام، وفي الإحرام أشدّ. والنبيُّ - ﷺ - لم يتعرَّض هنا إلا لأوصاف الملبوس، لا لبيان جميع محظورات الإحرام. الحكم الثالث: أنه - ﷺ - رخَّص في لُبس الخُفّين عند عدم النعلين ولم يذكر فديةً، ورخَّص في حديث كعب بن عُجْرة في حَلْق رأسِه مع الفدية، وكلاهما محظور بدون العذر. والفرق بينهما: أن أذى الرأس ضرورة خاصة لا تعمّ، فهي رفاهية للحاجة. وأما لُبس الخُفّين عند عدم النعلين فبَدَل يقوم مقام المُبْدَل، والمُبْدَل ــ وهو النعل ــ لا فدية فيه، فلا فدية في بدله، وأما حلق الرأس فليس ببدل، وإنما هو ترفُّه للحاجة، فجُبِر بالدم. الحكم الرابع: أنه أمَرَ لابس الخُفَّين بقطعهما أسفل مِن كعبيه، في حديث ابن عمر، لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبيهين بالنعل. فاختلف الفقهاء في هذا القطع، هل هو واجب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه واجب، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك [ق ٦٧] والثوري وإسحاق وابن المنذر، وإحدى الروايتين عن أحمد ، لأمر رسول الله - ﷺ - بقطعهما، وتعجَّبَ الخطّابيُّ من أحمد فقال: العجَبُ من أحمد في هذا! فإنه لا يكاد يخالف سنةً تبلُغُه، وَقلَّت سنةٌ لم تبلُغْه. وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية. والثاني: أن القطع ليس بواجبٍ، وهو أصحّ الروايتين عن أحمد، ويُروى عن عليّ بن أبي طالب، وهو قول أصحاب ابن عباس، وعطاء، وعكرمة . وهذه الرواية أصح، لما في «الصحيحين» عن ابن عباس قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يخطب بعرفات: «مَن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خُفّين». فأطلق الإذن في لبس الخُفّين ولم يشترط القطع، وهذا كان بعرفات، والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبتَه بالمدينة، فإنه كان معه مِن أهل مكة واليمن والبوادي مَن لا يحصيهم إلا الله تعالى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وفي «صحيح مسلم» عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن لم يجد نعلين فليلبس خُفّين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»، فهذا كلام مُبتدأٌ من النبي - ﷺ -،بَيَّن فيه في عَرَفات ــ في أعظم جَمْع كان له ــ أن من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخُفَّين، ولم يأمر بقطعٍ ولا فَتْق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة، ولا سمعوه يأمر بقطع الخُفّين، وتأخير البيان عن وقته ممتنع؛ فدلَّ هذا على أن هذا الجواز لم يكن شُرِع بالمدينة، وأن الذي شُرِع بالمدينة هو الخفّ المقطوع، ثم شرع بعرفات الخف من غير قطع. فإن قيل: فحديث ابن عمر مُقيَّد، وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، وفي مثل هذا يتعيَّن حَمْل المطلق على المقيَّد، وقد أَمَر في حديث ابن عمر بالقطع. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: «وليقطعهما» قد قيل: إنه مُدْرَج من كلام نافع. قال صاحب «المغني» : «كذلك رُوِيَ في »أمالي أبي القاسم بن بشران« بإسناد صحيح: أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: وليقطع الخُفّين أسفلَ مِن الكعبين». والإدراجُ فيه محتمل، لأن الجملة الثانية يستقلّ الكلام الأول بدونها، فالإدراج فيه ممكن، فإذا جاء مصرَّحًا به أن نافعًا قاله زال الإشكال. ويدلُّ على صحة هذا: أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرَتْه صفيةُ بنت أبي عبيد عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - رخَّصَ للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع» . الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله - ﷺ - يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقَطْع، وحديثُ ابن عباس وجابر بعده، وعَمرو بن دينار روى الحديثين معًا ثم قال: انظروا أيهما كان قبل . وهذا يدلُّ على أنهم علموا نسخَ الأمرِ بحديث ابن عباس. وقال الدارقطني : قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل، لأنه قال: نادى رجلٌ رسولَ الله - ﷺ - وهو في المسجد» فذَكَره، وابنُ عباس يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يخطب بعرفات. فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوبُ والثوريُّ وابنُ عيينة وحماد بن زيد وابن جُرَيج وهُشَيم، كلُّهم عن عَمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ولم يقل أحدٌ منهم «بعرفات» غيرُ شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد. قيل: هذا عَنَت ، فإن هذه اللفظة متفق عليها في «الصحيحين»، وناهيك برواية شعبةَ لها، وشعبةُ حفِظَها وغيرُه لم يَنْفِها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلّة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يُقْبَل ولا يُردّ، ولهذا رواها الشيخان. وقد قال عليٌّ - ﵁ -: «قَطْع الخُفّين فسادٌ، يلبسهما كما هما» . وهذا مقتضى القياس، فإن النبيَّ - ﷺ - سوَّى بين السراويل وبين الخفّ في لُبس كلٍّ منهما عند عدم الإزار والنّعْل، ولم يأمر بفتق السراويل، لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما. ولهذا كان مذهب الأكثرين: أنه يلبس السراويل بلا فَتْق عند عدم الإزار، فكذلك الخُفّ يُلْبَس بلا قطعٍ، ولا فرق بينهما. وأبو حنيفة طَرَد القياسَ وقال: تُفْتَق السراويل، حتى تصير كالإزار، والجمهور قالوا: هذا خلاف النص، لأن النبي - ﷺ - قال: «السراويل لمن لم يجد الإزار» وإذا فُتِق لم يبق سراويل. ومَن اشترط قطعَ الخُفّ خالفَ القياس مع مخالفته النصَّ المطلق بالجواز. ولا يسلم مِن مخالفة النصِّ والقياس إلا مَن جوَّز لُبسهما بلا قطع، أما القياس فظاهر، وأما النصّ فما تقدم تقريرُه . والعجبُ أن مَن يوجب القطعَ يوجبُ ما لا فائدةَ فيه، فإنهم لا يجَوِّزون لُبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما، بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لُبسه. فأيُّ معنًى للقطع والمقطوعُ عندكم كالصحيح؟! وأما أبو حنيفة - ﵀ - فيجوِّز لبس المقطوع، وليس عنده كالصحيح، وكذلك المداس والجمجم ونحوهما. قال شيخنا : وأفتى به جدِّي أبو البركات في آخر عمره [ق ٦٨] لمّا حجَّ. قال شيخنا: وهو الصحيح، لأن المقطوع لُبسه أصلٌ لا بَدَل. قال شيخنا : فأبو حنيفة - ﵀ - فهم من حديث ابن عمر أن المقطوعَ لبسه أصلٌ لا بَدَل، فجَوَّز لبسه مطلقًا، وهذا فهمٌ صحيح، وقولُه في هذا أصحّ من قول الثلاثة. والثلاثةُ فهموا منه الرخصة في لُبس السراويل عند عدم الإزار والخفِّ عند عدم النعل، وهذا فهمٌ صحيح، وقولهم في هذا أصح من قوله. وأحمدُ فهم من النص المتأخر لبس الخفِّ صحيحًا بلا قطع عند عدم النعل، وأن ذلك ناسخ للأمر بالقطع، وهذا فهم صحيح، وقوله في ذلك أصح الأقوال. فإن قيل: فلو كان المقطوع أصلًا، لم يكن عدم النعل شرطًا فيه، والنبيُّ - ﷺ - إنما جعله عند عدم النعل. قيل: بل الحديث دليلٌ على أنه ليس كالخفّ، إذ لو كان كالخُفّ لما أمر بقطعه، فدلَّ على أنه بقطعه يخرج عن شَبَه الخفِّ، ويلتحق بالنعل. وأما جَعْله عدم النعل شرطًا فلأجل أن القطعَ إفساد لصورته ومالِيَّته، وهذا لا يُصارُ إليه إلا عند عدم النعل، وأما مع وجود النعل فلا يُفْسِدُ الخفَّ ويُعْدِم مالِيّته، فإذا تبيَّن هذا تبين أن المقطوع ملحقٌ بالنعل لا بالخُفّ، كما قال أبو حنيفة، وأن على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه، فإنهم لا يجوِّزون لبس المقطوع، وهو عندهم كالخفِّ. فإن قيل: فغايةُ ما يدلُّ عليه الحديث جوازُ الانتقال إلى الخفّ والسراويل عند عدم النعل والإزار، وهذا يفيد الجواز، وأما سقوط الفدية فلا، فهلَّا قلتم كما قال أبو حنيفة: يجوز له ذلك مع الفدية؟ فاستفادَ الجوازَ من هذا الحديث، واستفادَ الفديةَ من حديث كعب بن عُجْرة، حيث جوَّز له فِعْل المحظورِ مع الافتداء ، فكان أسعدَ بالنصوص وموافقتها منكم، مع موافقته لابن عمر في ذلك. قيل: بل إيجاب الفدية ضعيف في النصِّ والقياس، فإنّ النبيَّ - ﷺ - ذكر البَدَلَ في حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة، ولم يأمر في شيءٍ منها بالفدية، مع الحاجة إلى بيانها، وتأخيرُ البيان عن وقته ممتنع، فسكوته عن إيجابها مع شدَّة الحاجة إلى بيانه ــ لو كان واجبًا ــ دليلٌ على عدم الوجوب، كما أنه جَوَّز لبس السراويل بلا فتق، ولو كان الفتقُ واجبًا لبيَّنَه. وأما القياس فضعيف جدًّا؛ فإن مثل هذا من باب الأبدال التي تجوز عند عدم مُبْدَلاتها، كالتراب عند عدم الماء، وكالصيام عند العجز [عن] الإعتاق والإطعام، وكالعدة بالأشهر عند تعذُّر الأقراء ونظائره، ليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية. والفرقُ بينهما: أن الناس مشتركون في الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتِهم، ويَقُوْنَ به أرجلَهم الأرضَ والحرَّ والشوكَ ونحوَه، فالحاجة إلى ذلك عامة، ولما احتاج إليه العموم لم يُحْظَر عليهم، ولم يكن عليهم فيه فدية، بخلاف ما يحتاج إليه لمرض أو برد، فإنَّ ذلك حاجة لعارض، ولهذا رخَّص النبيُّ - ﷺ - للنساء في اللباس مطلقًا بلا فدية، ونهى عن النقاب والقُفَّازين، فإن المرأة لما كانت كلها عورة، وهي محتاجة إلى ستر بدنها، لم يكن عليها في ستر بدنها فدية، وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخِفاف هي عامة، إذا لم يجدوا الإزار والنعال، وابنُ عمر لمَّا لم يبلُغْه حديث الرخصة مطلقًا أخذ بحديث القطع، وكان يأمر النساءَ بقطع الخِفاف، حتى أخبرَتْه بعد هذا صفيةُ زوجتُه عن عائشة: «أن النبيَّ - ﷺ - أرخص للنساء في ذلك»، فرجع عن قوله . ومما يبيِّن أنّ النبي - ﷺ - أرخص في الخفين بلا قطع بعد أن منع منهما: أن في حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقًا، ولم يبيِّن فيه حالة من حالة، وفي حديث ابن عباس وجابر المتأخِّرَين ترخيصُه في لبس السراويل عند عدم الإزار، فدلَّ على أن رُخصة البدل لم تكن شُرِعت في لبس السراويل، وأنها إنما شُرِعت وقت خُطبته بها، وهي متأخرة، فكان الأخْذُ بالمتأخِّر أولى، لأنه إنما يُؤخَذ بالآخر فالآخر مِن أَمْرِ رسول الله - ﷺ -. فمدار المسألة على ثلاث نُكَت: إحداها: أن رُخصة البدليَّة إنما شُرِعت بعرفات لم تُشْرَع قَبْلُ. والثانية: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. والثالثة: أن المقطوعَ كالنعل أصلٌ، لا أنه بدل. والله أعلم. فصل وأما نهيه - ﷺ - في حديث ابن عمر المرأةَ أن تنتقب، وأن تلبس القُفَّازَين، فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وُضِع وفُصِّل على قَدْر الوجه كالنقاب والبرقع، ولا يحرم عليها ستره بالمقنعة والجلباب ونحوهما، وهذا أصحّ القولين. فإن النبيَّ - ﷺ - سوى بين وجهها ويديها، ومنَعَها من القُفّازَين والنقاب، ومعلومٌ أنه لا يحرم عليها سَتْر يديها ، وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصَّل على قدرهما وهما القفازان، فهكذا الوجه إنما يَحْرُم سَتْره بالنقاب ونحوه، وليس عن النبيِّ - ﷺ - حرفٌ واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام، إلا النهي عن النقاب، وهو كالنهي عن القُفَّازَين، [ق ٦٩] فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القُفّازَين إلى اليد سواء. وهذا واضح بحمد الله. وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تُغطِّي وجهها وهي محرمة ، وقالت عائشة: «كانت الركبانُ يمرون بنا، ونحن محرمات مع رسول الله - ﷺ -، فإذا حاذوا بنا سدلَتْ إحدانا جلبابَها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا» ذكَرَه أبو داود . واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي وغيره ضعيفٌ لا أصل له دليلًا ولا مذهبًا. قال صاحب «المغني» : «ولم أر هذا الشرط ــ يعني المجافاة ــ عن أحمد ولا هو في الخَبَر، مع أن الظاهر خلافُه، فإن الثوب المسدولَ لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطًا لَبُيِّن، وإنما مُنِعَت المرأةُ مِن البرقع والنقاب ونحوهما مما يُعَدّ لستر الوجه، قال أحمد: لها أن تسدل على وجهها مِن فوق، وليس لها أن ترفع الثوبَ مِن أسفل. كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها. تم كلامه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المرويِّ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها» فجعَلَ وجهَ المرأة كرأس الرجل، وهذا يدلُّ على وجوب كشفه؟ قيل: هذا الحديث لا أصل له، ولم يروه أحدٌ مِن أصحاب الكتب المعتمد عليها، ولا يُعْرَف له إسناد، فلا تقوم به حُجّة ، ولا يُتْرَك له الحديثُ الصحيحُ الدالُّ على أن وجهها كبدنها، وأنه يحرم عليها فيه ما أُعِدّ للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه، لا مطلق الستر كاليدين. والله أعلم. أما المرفوع فأخرجه الدارقطني (٢٧٦٠)، وابن عدي: (١/ ٣٥٧)، ومن طريقه البيهقي: (٥/ ٤٧) من طريق أيوب بن محمد أبو الجمل، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: «ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها». قال ابن عدي: لا أعلمه يرفعه عن عبيد الله غير أبي الجمل هذا. قال البيهقي: «وأيوب بن محمد أبو الجمل ضعيف عند أهل العلم بالحديث، فقد ضعفه يحيى بن معين وغيره، وقد رُوي هذا الحديث من وجه آخر مجهول عن عبيد الله بن عمر مرفوعًا والمحفوظ موقوف». وانظر «علل الدارقطني» (٢٩٣٨)، و«نصب الراية»: (٣/ ٩٣)، و«البدر المنير»: (٦/ ٣٢٩ - ٣٣١).
مصادر المؤلف (٤٠)

١. أخرجه أبو داود (١٨٢٣)، والبخاري (٣٦٦)، ومسلم (١١٧٧)، والنسائي (٢٦٦٧). ولفظ أبي داود: «ما يترك المحرم ...»، ولفظ الصحيحين: «ما يلبس المحرم ...».

٢. زاد في ط. الفقي: «المحرم» ولا وجود لها في الأصل وش.

٣. نوع من الرداء طويل مؤلف من خرق الجوخ من ملابس القضاة والصوفية. ينظر «قاموس الملابس» (ص ١٥٠ - ١٥٢)، و«تكملة المعاجم»: (٤/ ٣٩٧) كلاهما لدوزي. و«مسالك الأبصار»: (٤/ ٤٤٩).

٤. ويقال: عرقـچـين، وهي نوع من اللباس يستعمل لامتصاص العرق، وهي كلمة فارسية مركبة من كلمتين «عَرَق چين»، ينظر «المعجم العربي لأسماء الملابس» (ص ٣٢٤).

٥. وهو ما يُلبس تحت الخوذة لحماية الرأس، أو طاقية صغيرة توضع تحت العمامة. ينظر «المعجم العربي لأسماء الملابس» (ص ٣٧٦).

٦. كذا في الأصل، وفي (ش): «الكلية» تحريف، ويقال: «الكُلُوتة»، وهي غطاء للرأس مثل الطاقية ونحوها، ينظر المصدر السابق (ص ٤٣٤ - ٤٣٥).

٧. الغفارة: خرقة تلبسها المرأة تغطي بها رأسها. ينظر «اللسان»: (٥/ ٢٦).

٨. الجرموق: خفّ صغير يلبس فوق الخف، ينظر «اللسان»: (١٠/ ٣٥). والكلمة فارسية معربة.

٩. الزربول أو الزربون: نوعٌ من الأحذية، مولّدة. ينظر «تاج العروس»: (١٨/ ٢٥٨)، و«تكملة المعاجم»: (٥/ ٢٩٩).

١٠. أخرجه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١) من حديث أنسٍ - ﵁ -.

١١. ينظر: «التمهيد»: (١٥/ ١٤)، و«المغني»: (٥/ ١٢٠ - ١٢١)، و«شرح مسلم»: (٨/ ٧٥)، و«بدائع الصنائع»: (٢/ ١٨٤).

١٢. في «معالم السنن»: (٢/ ١٧٧).

١٣. ينظر: «المغني»: (١٢٠ - ١٢١)، و«التمهيد»: (١٥/ ١١٤).

١٤. البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٧٨).

١٥. (١١٧٩).

١٦. زاد في ط. الفقي في هذا الموضع والذي قبله كلمة «لبس» قبل «الخف»، والسياق لا يحتاج إليها.

١٧. (٥/ ١٢١). وفي «المغني»: «رُوّيناه». وليس الحديث فيما طُبع من «أمالي ابن بشران».

١٨. أخرجه أبو داود (١٨٣١)، وأحمد (٢٤٠٦٧)، وابن خزيمة (٢٦٨٦)، والبيهقي: (٥/ ٥٢). وإسناده حسن.

١٩. أخرجه الدارقطني (٢٤٧١)، والبيهقي: (٥/ ٥١).

٢٠. في «السنن» عقب حديث (٢٤٧١).

٢١. ط. الفقي: «عَبَث».

٢٢. ذكره في «المغني»: (٥/ ١٢٠)، وعنه في كتب المذهب، والأثر نسبه أبو يعلى في «التعليقة»: (١/ ٣٤٧) وشيخ الإسلام في «شرح العمدة»: (٤/ ٤٧٧) إلى رواية أبي طالب عن الإمام أحمد. ورواه بنحوه ابن أبي شيبة (١٤٨٥٨) عن عكرمة، وابن عبد البر في «الاستذكار»: (١١/ ٣٢) عن عطاء.

٢٣. ينظر: «بدائع الصنائع»: (٢/ ١٨٨)، وهو مذهب المالكية أيضًا كما في «التمهيد»: (١٥/ ١١٢).

٢٤. في حديث ابن عباس، وقد تقدم تخريجه.

٢٥. في الطبعتين: «تقديره».

٢٦. ينظر: «بدائع الصنائع»: (٢/ ١٨٤).

٢٧. أي ابن تيمية، ينظر: «مجموع الفتاوى»: (٢١/ ١٩٦).

٢٨. ينظر المصدر نفسه.

٢٩. ط. الفقي: «الفدية».

٣٠. ط. الفقي: «قيل» تصحيف.

٣١. في الأصل و(ش، هـ): «و» بدلا من «عن» واستفيد الإصلاح من الطبعتين، لكنهم لم يشيروا إلى ما في الأصل.

٣٢. تقدم تخريجه (ص ٣٤٧).

٣٣. ط. الفقي: «الخف المقطوع» بزيادة الخف.

٣٤. (ش): «بدنها» تصحيف.

٣٥. أخرجه ابنُ خزيمة (٢٦٩٠)، والحاكم: (١/ ٤٥٣) وصححه على شرط الشيخين.

٣٦. (١٨٣٣)، وأخرجه أحمد (٢٤٠٢١)، وابن ماجه (٢٩٣٥). وفي إسناده ضعف.

٣٧. لم أره في «التعليقة» المطبوعة، وذكره عنه ابن قدامة في «المغني»، والزركشي في «شرح الخرقي»: (٣/ ١٤٠).

٣٨. (٥/ ١٥٥).

٣٩. لم أجده مرفوعًا بهذا اللفظ، وأخرجه الدارقطني (٢٧٦١)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٤٧)، وأخرجه العقيلي: (١/ ١١٦) من طريق هشام بن حسان، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. قال البيهقي: هكذا رواه الدراوردي وغيره موقوفًا على ابن عمر.

٤٠. ينظر «مجموع الفتاوى»: (٢٦/ ١١٢).

عون المعبود · العظيم آبادي · ج٥ ص١٨٨
وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ دَمٌ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ يَجِبُ مُطْلَقًا ٢ - (بَابُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ) [١٨٢٣] قَالَ الْحَافِظُ الْمُرَادُ بِالْمُحْرِمِ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أو قرن وحكى بن دقيق العيد أن بن عَبْدِ السَّلَامِ كَانَ يَسْتَشْكِلُ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ يَعْنِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ النِّيَّةُ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْحَجِّ الَّذِي الْإِحْرَامُ رُكْنُهُ وَشَرْطُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ وَيَعْتَرِضُ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ التَّلْبِيَةُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا وَكَأَنَّهُ يَحُومُ عَلَى تَعْيِينِ فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ النِّيَّةُ فِي الِابْتِدَاءِ انْتَهَى وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَجْمُوعُ الصِّفَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ تَجَرُّدٍ وتلبية ونحو ذلك (وَلَا الْبُرْنُسَ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَالنُّونِ هُوَ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ مُلْتَزِقٌ بِهِ مِنْ دُرَّاعَةٍ أَوْ جُبَّةٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ كَانَ النُّسَّاكُ يَلْبَسُونَهَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْبِرْسِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْقُطْنِ كَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَطَّى رَأْسَهُ مِنْ مُعْتَادِ اللِّبَاسِ كَالْعَمَائِمِ وَالْقَلَانِسِ وَنَحْوِهَا وَكَالْبُرْنُسِ أَوِ الْحِمْلِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَالْمِكْتَلِ يَضَعُهُ فَوْقَهُ وَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي مَعْنَاهُ فَإِنَّ فِيهِ الْفِدْيَةُ (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ) الْوَرْسُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ نَبْتٌ أَصْفَرُ طيب الرائحة يصبغ به قال بن الْعَرَبِيِّ لَيْسَ الْوَرْسُ مِنَ الطِّيبِ وَلَكِنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى اجْتِنَابِ الطِّيبِ وَمَا يُشْبِهُهُ فِي مُلَاءَمَةِ الشَّمِّ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّطَيُّبُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ مَسَّهُ تَحْرِيمُ مَا صبغ كله أو بعضه ولكنه لابد عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْمَصْبُوغِ رَائِحَةٌ فَإِنْ ذَهَبَتْ جَازَ لُبْسُهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ (إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَاجِدَ النَّعْلَيْنِ لا يلبس الخفين المقطوعين وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُهُ وَالْمُرَادُ بِالْوِجْدَانِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّحْصِيلِ (أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مِفْصَلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﵌ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ شَرْطٌ لجواز لبس الخفين خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ أَجَازَ لُبْسَهُمَا من غير قطع لإطلاق حديث بن عَبَّاسٍ الْآتِي وَأَجَابَ عَنْهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاجِبٌ وَهُوَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ وَقَلَّتْ سُنَّةٌ لَمْ تَبْلُغْهُ