وَقَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ لَوْلَا خَوْفِي أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ فَيَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَغْلِبُونَكُمْ وَيَدْفَعُونَكُمْ عَنِ الِاسْتِقَاءِ لَاسْتَقَيْتُ مَعَكُمْ لِكَثْرَةِ فَضِيلَةِ هَذَا الِاسْتِقَاءِ (فَنَاوَلُوهُ) أَيْ أَعْطَوْهُ (دَلْوًا) رِعَايَةً لِلْأَفْضَلِ (فَشَرِبَ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الدَّلْوِ أَوْ مِنَ الْمَاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ مُطَوَّلًا وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا
وَفِي رِوَايَةٍ أَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَاتَّخِذُوا من مقام إبراهيم مصلى قال فقرأ فيها بالتوحيد وقل ياأيها الكافرون
وَفِي رِوَايَةٍ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ
[١٩٠٦] (عَنْ أَبِيهِ) مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (أَنَّ النبي) مُرْسَلًا (فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) أَيْ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ كَمَا يَلُوحُ مِنَ الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ (بِأَذَانٍ وَاحِدٍ إِلَخْ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاتَيْنِ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ بِأَذَانٍ لِلْأُولَى وَإِقَامَتَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إِقَامَةٌ
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ (وَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ) أَيْ بِالْمُزْدَلِفَةِ (بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ) وَفِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاتَيْنِ بِجَمْعِ التَّأْخِيرِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ بِأَذَانٍ لِلْأُولَى وَإِقَامَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا) أَيْ لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا مِنَ النَّوَافِلِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (هَذَا الْحَدِيثُ أَسْنَدَهُ) بِذِكْرِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ أَيِ الْمَذْكُورِ آنِفًا (وَوَافَقَ حَاتِمَ) مَفْعُولُ وَافَقَ (عَلَى إِسْنَادِهِ) أَيْ عَلَى إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بِذِكْرِ جَابِرٍ (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ) وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ وَإِنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا لَكِنْ رَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَكَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنِ جعفر بن مُحَمَّدٍ بِذِكْرِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَصَارَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا (إِلَّا) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَافَقَ أَيْ وَافَقَ حَاتِمًا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ التَّالِيَةَ (قَالَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ) أَيِ الْعِشَاءَ (بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) بِخِلَافِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّهُ قال بأذان
وَإِقَامَتَيْنِ وَرِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ تُؤَيِّدُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُمَا قَالَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ
وَقَدْ وَجَدْتُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَعَامَّتُهَا خَالِيَةٌ عَنْهَا وَهِيَ هَذِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ لِي أَحْمَدُ أَخْطَأَ حَاتِمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ انْتَهَى
قُلْتُ فِي صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذَا الْكَلَامِ إِلَى أَبِي دَاوُدَ ثُمَّ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نَظَرٌ فَقَدْ صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ وَهْمِ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٩٠٧] (قَدْ نَحَرْتُ ها هنا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ) يَعْنِي كُلُّ بُقْعَةٍ مِنْهَا يَصِحُّ النَّحْرُ فِيهَا وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنِ الْأَفْضَلُ النَّحْرُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي نَحَرَ فِيهِ ﷺ كَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ
وَمَنْحَرُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي تَلِي مسجد منى كذا قال بن التين
وحد منى من وادي محس إلى العقبة (قد وقفت ها هنا) يَعْنِي عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِيهَا
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ عَرَفَاتٍ صَحَّ وُقُوفُهُ وَلَهَا أَرْبَعُ حُدُودٍ حَدٌّ إِلَى جَادَّةِ طَرِيقِ الْمَشْرِقِ وَالثَّانِي إِلَى حَافَّاتِ الْجَبَلِ الَّذِي وَرَاءَ أَرْضِهَا وَالثَّالِثُ إِلَى الْبَسَاتِينِ الَّتِي تَلِي قَرْنَيْهَا عَلَى يَسَارِ مُسْتَقْبِلِ الْكَعْبَةِ وَالرَّابِعُ وَادِي عُرَنَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَبِالنُّونِ وَلَيْسَتْ هِيَ وَلَا نَمِرَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَلَا مِنَ الْحَرَمِ (وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا كُلَّهَا مَوْقِفٌ كَمَا أَنَّ عَرَفَاتٍ كُلَّهَا مَوْقِفٌ قَالَهُ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ
مَوْقِفٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ
[١٩٠٨] (فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ) الْمُرَادُ بِالرِّحَالِ الْمَنَازِلُ
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ رَحْلُ الرَّجُلِ مَنْزِلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ وَبَرٍ
[١٩٠٩] (وَاتَّخِذُوا) بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ وَهِيَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَالْأُخْرَى بِالْفَتْحِ عَلَى الْخَبَرِ وَالْأَمْرُ دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ لَكِنِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إِلَى جَمِيعِ جِهَاتِ الْكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ الْآنَ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْمُرَادُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمُ كُلُّهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (فقرأ) النبي (فِيهِمَا بِالتَّوْحِيدِ) أَيْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْقِرَاءَةِ بِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِلَى أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ وَاسْتَدَلُّوا بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ بِاتِّخَاذِ الْمُصَلَّى لَا بِالصَّلَاةِ
وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ إِنَّ قَوْلَهُ (مُصَلًّى) أَيْ قِبْلَةً انْتَهَى
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ تَحْتَ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ لَكِنْ يَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ قَوْلَهُ فَقَرَأَ فِيهِمَا بِالتَّوْحِيدِ هُوَ قَوْلٌ مُدْرَجٌ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ جَابِرٌ وَكَذَا قَوْلُهُ قَالَ عَلِيٌّ بِالْكُوفَةِ فَذَهَبْتُ مُحَرِّشًا إِلَى آخِرِ قِصَّةِ فَاطِمَةَ ﵂ هُوَ ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مُنْقَطِعًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ جَابِرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٨ - (بَاب الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ)
[١٩١٠] (وَمَنْ دَانَ دِينَهَا) أَيْ تَبِعَهُمْ وَاتَّخَذَ دِينَهُمْ دِينًا (يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ) أَيْ حِينَ يَقِفُ النَّاسُ بِعَرَفَةَ (وَكَانُوا) أَيْ قُرَيْشٌ (يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ) جَمَعَ أَحْمَسَ مِنَ الْحَمَاسَةِ بِمَعْنَى الشَّجَاعَةِ وَالشِّدَّةِ وَبِهِ لُقِّبَ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَمَنْ قِبَلَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِتَحَمُّسِهِمْ فِي دِينِهِمْ أَوْ لِالْتِجَائِهِمْ إِلَى الْحُمَسَاءَ وَهِيَ الْكَعْبَةُ لِأَنَّ أَحْجَارَهَا أَبْيَضُ إِلَى السَّوَادِ وَهُوَ يَكُونُ شَدِيدًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَهِيَ مِنَ الْحَرَمِ وَلَا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ فَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ (سَائِرُ الْعَرَبِ) يَعْنِي بَقِيَّتُهُمْ (يقفون بعرفة
عَلَى الْعَادَةِ الْقَدِيمَةِ (ثُمَّ يُفِيضُ مِنْهَا) الْإِفَاضَةُ الدَّفْعُ فِي السَّيْرِ وَأَصْلُهَا الصَّبُّ فَاسْتُعِيرَ لِلدَّفْعِ فِي السَّيْرِ وَأَصْلُهُ أَفَاضَ نَفْسَهُ أَوْ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ تَرَكَ الْمَفْعُولَ رَأْسًا حَتَّى صَارَ كَاللَّازِمِ (ثُمَّ أَفِيضُوا) أَيِ ادْفَعُوا (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) أَيْ عَامَّتُهُمْ وَهُوَ عَرَفَةُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ