HadithLab
RU
سنن أبي داود

رقم الحديث ٢١٨٥

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ، مَوْلَى عُرْوَةَ، يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ، قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ قَالَ: طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ « ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَأَبُوالزُّبَيْرِ، وَمَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، مَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَنَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَرُوِيَ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ رِوَايَةِ نَافِعٍ، وَالزُّهْرِيِّ، «وَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ: أَبُو الزُّبَيْرِ»
  • محمد محيي الدين عبد الحميد:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن أبي داود ج2 ص7
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم (١٤٧١)
  • شعيب الأرنؤوط:صحيح دون قوله: ولم يرها شيئا، فهي شاذةسنن أبي داود تخريج شعيب الأرنؤوط ج3 ص508
ج ٢ ص ٢٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
عون المعبود · العظيم آبادي · ج٦ ص١٦٥
[٢١٨٥] (أَنَّهُ) أَيْ أَبُو الزُّبَيْرِ (سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ) بِنَصْبِ الدَّالِ مَفْعُولُ (مَوْلَى عُرْوَةَ) بَدَلٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (يَسْأَلُ) أَيْ عَبْدُ الرحمن (بن عُمَرَ) بَالنَّصْبِ (وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (قَالَ) أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (كَيْفَ تَرَى) الْخِطَابُ لِابْنِ عُمَرَ ﵄ (وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا) أَيْ لَمْ يَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ التَّطْلِيقَةَ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ طَلَاقَ الْحَائِضِ لَا يَقَعُ وَالْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ طَلَاقِ الْحَائِضِ قالوا إن قوله ولم يرها شيئا منكر لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ لَمْ يَرْوِ أَبُو الزُّبَيْرِ حَدِيثًا أَنْكَرَ مِنْ هَذَا وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا بَاتًّا تَحْرُمُ مَعَهُ الْمُرَاجَعَةُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ أَوْ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا جَائِزًا فِي السُّنَّةِ مَاضِيًا فِي حُكْمِ الِاخْتِيَارِ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا قَدْ أَشَارَ إِلَى نَكَارَةِ قَوْلِهِ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا حَيْثُ قَالَ وَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم فِي صَحِيحه حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر هَذَا بِحُرُوفِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا بَلْ قَالَ فَرَدَّهَا وَقَالَ إِذَا طَهُرَتْ إِلَى آخِره وَقَدْ دَلَّ حديث بن عُمَر هَذَا عَلَى أُمُور مِنْهَا تَحْرِيم الطَّلَاق فِي الْحَيْض وَمِنْهَا أَنَّهُ حُجَّة لِمَنْ قَالَ بِوُقُوعِهِ قَالُوا لِأَنَّ الرَّجْعَة إِنَّمَا تَكُون بَعْد الطَّلَاق وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا لَا مَعْنَى لِوُقُوعِ الطَّلَاق وَالْأَمْر بِالْمُرَاجَعَةِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعُدّ الطَّلَاق لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِ بِالرَّجْعَةِ مَعْنًى بَلْ أَمَرَهُ بِارْتِجَاعِهَا وَهُوَ رَدّهَا إِلَى حَالهَا الْأُولَى قَبْل تَطْلِيقهَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الطَّلَاق لَمْ يَقَع قَالُوا وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر الْمَذْكُور آنِفًا (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ بن عُمَرَ إِلَخْ) حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أي حديث بن عُمَرَ فِي تَطْلِيقِهِ امْرَأَتَهُ حَائِضًا رَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَنْسُ بْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ وَمَنْصُورٌ وَفِي رِوَايَاتِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ أَنَّ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالُوا وَأَبُو الزُّبَيْر ثِقَة فِي نَفْسه صَدُوق حَافِظ إِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي بَعْض مَا رَوَاهُ عَنْ جَابِر مُعَنْعَنًا لَمْ يُصَرِّح بِسَمَاعِهِ مِنْهُ وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِسَمَاعِهِ مِنْ بن عُمَر فَلَا وَجْه لِرَدِّهِ قَالُوا وَلَا يُنَاقِض حديثه ما تقدم من قول بن عُمَر فِيهِ أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ وَقَوْله فَحَسِبْت مِنْ طَلَاقهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ لفظ مرفوع إلى النبي وَقَوْله وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا مَرْفُوع صَرِيح فِي عَدَم الْوُقُوع قَالُوا وَهَذَا مُقْتَضَى قَوَاعِد الشَّرِيعَة فَإِنَّ الطَّلَاق لَمَّا كَانَ مُنْقَسِمًا إِلَى حَلَال وَحَرَام كَانَ قِيَاس قَوَاعِد الشَّرْع أَنَّ حَرَامه بَاطِل غَيْر مُعْتَدّ بِهِ كَالنِّكَاحِ وَسَائِر الْعُقُود الَّتِي تَنْقَسِم إِلَى حَلَال وَحَرَام وَلَا يَرِد عَلَى ذَلِكَ الظِّهَار فَإِنَّهُ لَا يَكُون قَطّ إِلَّا حَرَامًا لِأَنَّهُ مُنْكَر مِنْ الْقَوْل وَزُور فَلَوْ قِيلَ لَا يَصِحّ لَمْ يَكُنْ لِلظِّهَارِ حُكْم أَصْلًا قَالُوا وَكَمَا أَنَّ قَوَاعِد الشَّرِيعَة أَنَّ النَّهْي يَقْتَضِي التَّحْرِيم فَكَذَلِكَ يَقْتَضِي الْفَسَاد وَلَيْسَ مَعَنَا مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى فَسَاد الْعَقْد إِلَّا النَّهْي عَنْهُ قَالُوا وَلِأَنَّ هَذَا طَلَاق مَنَعَ مِنْهُ صَاحِب الشَّرْع وَحُجِرَ عَلَى الْعَبْد فِي اِتِّبَاعه فَكَمَا أَفَادَ مَنْعه وَحَجْره عَدَم جَوَاز الْإِيقَاع أَفَادَ عَدَم نُفُوذه وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْحَجْرِ فَائِدَة وَإِنَّمَا فَائِدَة الْحَجْر عَدَم صِحَّة مَا حُجِرَ عَلَى الْمُكَلَّف فِيهِ قَالُوا وَلِأَنَّ الزَّوْج لَوْ أَذِنَ لَهُ رَجُل بِطَرِيقِ الْوَكَالَة أَنْ يُطَلِّق اِمْرَأَته طَلَاقًا مُعَيَّنًا فَطَلَّقَ غَيْر مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ لَمْ يُنَفَّذ لِعَدَمِ إِذْنه وَاَللَّه سُبْحَانه إِنَّمَا أَذِنَ لِلْعَبْدِ فِي الطَّلَاق الْمُبَاح وَلَمْ يَأْذَن لَهُ فِي الْمُحَرَّم فَكَيْف تُصَحِّحُونَ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ وَتُوقِعُونَهُ وَتَجْعَلُونَهُ مِنْ صَحِيح أَحْكَام الشَّرْع النبي ﷺ أمره أن يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ أَيْ مِنَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَلَيْسَ فِي رِوَايَاتِهِمْ ذِكْرُ حَيْضَةٍ أُخْرَى سِوَى الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَالِمٍ عن بن عُمَرَ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عن بن عُمَرَ وَنَافِعٌ عَنْهُ وَفِي رِوَايَتِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ أَيْ مِنَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا ثُمَّ تَحِيضُ أَيْ حَيْضَةً أُخْرَى سِوَى الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا ثُمَّ تَطْهُرُ أَيْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ أَوْ أَمْسَكَ فَفِي رِوَايَتِهِمَا زِيَادَةٌ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الخرساني عن الحسن عن بن عُمَرَ مِثْلَ رِوَايَتِهِمَا (وَالْأَحَادِيثُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الطَّلَاق نَافِذًا فِي الْحَيْض لَكَانَ الْأَمْر بِالْمُرَاجَعَةِ وَالتَّطْلِيق بَعْده تَكْثِيرًا مِنْ الطَّلَاق الْبَغِيض إِلَى اللَّه وَتَقْلِيلًا لِمَا بَقِيَ مِنْ عَدَده الَّذِي يَتَمَكَّن مِنْ الْمُرَاجَعَة مَعَهُ وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا مَصْلَحَة فِي ذَلِكَ قَالُوا وَإِنَّ مَفْسَدَة الطَّلَاق الْوَاقِع فِي الْحَيْض لَوْ كَانَ وَاقِعًا لَا يَرْتَفِع بِالرَّجْعَةِ وَالطَّلَاق بَعْدهَا بَلْ إِنَّمَا يَرْتَفِع بِالرَّجْعَةِ الْمُسْتَمِرَّة الَّتِي تَلُمّ شَعَث النِّكَاح وَتُرَقِّع خِرَقه فَأَمَّا رَجْعَة يَعْقُبهَا طَلَاق فَلَا تُزِيل مَفْسَدَة الطَّلَاق الْأَوَّل لَوْ كَانَ وَاقِعًا قَالُوا وَأَيْضًا فَمَا حَرَّمَهُ اللَّه سُبْحَانه مِنْ الْعُقُود فَهُوَ مَطْلُوب الْإِعْدَام بِكُلِّ طَرِيق حَتَّى يُجْعَل وُجُوده كَعَدَمِهِ فِي حُكْم الشَّرْع وَلِهَذَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ فِعْله بَاطِلًا فِي حُكْم الشَّرْع وَالْبَاطِل شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا هُوَ مَقْصُود الشَّارِع مِمَّا حَرَّمَهُ وَنَهَى عَنْهُ فَالْحُكْم بِبُطْلَانِ مَا حَرَّمَهُ وَمَنَعَ مِنْهُ أَدْنَى إِلَى تَحْصِيل هَذَا الْمَطْلُوب وَأَقْرَب بِخِلَافِ مَا إِذَا صَحَّحَ فَإِنَّهُ يَثْبُت لَهُ حُكْم الْوُجُود قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذَا صُحِّحَ اِسْتَوَى هُوَ وَالْحَلَال فِي الْحُكْم الشَّرْعِيّ وَهُوَ الصِّحَّة وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي مُوجِب ذَلِكَ مِنْ الْإِثْم وَالذَّمّ وَمَعْلُوم أَنَّ الْحَلَال الْمَأْذُون فِيهِ لَا يُسَاوِي الْمُحَرَّم الْمَمْنُوع مِنْهُ الْبَتَّة قَالُوا وَأَيْضًا فَإِنَّمَا حَرَّمَ لِئَلَّا يَنْفُذ وَلَا يَصِحّ فَإِذَا نَفَذَ وَصَحَّ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْم الصَّحِيح كَانَ ذَلِكَ عَائِدًا عَلَى مُقْتَضَى النَّهْي بِالْإِبْطَالِ قَالُوا وَأَيْضًا فَالشَّارِع إِنَّمَا حَرَّمَهُ وَنَهَى عَنْهُ لِأَجْلِ الْمَفْسَدَة الَّتِي تَنْشَأ مِنْ وُقُوعه فَإِنَّ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْع وَحَرَّمَهُ لَا يَكُون قَطُّ إِلَّا مُشْتَمِلًا عَنْ مَفْسَدَة خَالِصَة أَوْ رَاجِحَة فَنَهَى عَنْهُ قَصْدًا لِإِعْدَامِ تَلِك الْمَفْسَدَة فَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَنُفُوذه لَكَانَ ذَلِكَ تَحْصِيلًا لِلْمَفْسَدَةِ الَّتِي قَصَدَ الشَّارِع إِعْدَامهَا وَإِثْبَاتًا لَهَا كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ ونافع أثبت عن بن عُمَرَ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَالْأَثْبَتُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِهِ إِذَا خَالَفَهُ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا وَقَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ لَمْ يَرْوِ أَبُو الزُّبَيْرِ حَدِيثًا أَنْكَرَ مِنْ هَذَا وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ وَلَمْ يَقُلْهُ عَنْهُ أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي الزُّبَيْرِ وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ جُلَّةٌ فَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وأبو الزبير ليس بحجة في من ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالُوا وَأَيْضًا فَالْعَقْد الصَّحِيح هُوَ الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَثَره وَيَحْصُل مِنْهُ مَقْصُوده وَهَذَا إِنَّمَا يَكُون فِي الْعُقُود الَّتِي أَذِنَ فِيهَا الشَّارِع وَجَعَلَهَا أَسْبَابًا لِتَرَتُّبِ آثَارهَا عَلَيْهَا فَمَا لَمْ يَأْذَن فِيهِ وَلَمْ يَشْرَعهُ كَيْف يَكُون سَبَبًا لِتَرَتُّبِ آثَاره عَلَيْهِ وَيُجْعَل كَالْمَشْرُوعِ الْمَأْذُون فِيهِ قَالُوا وَأَيْضًا فَالشَّارِع إِنَّمَا جَعَلَ لِلْمُكَلَّفِ مُبَاشَرَة الْأَسْبَاب فَقَطْ وَأَمَّا أَحْكَامهَا الْمُتَرَتِّبَة عَلَيْهَا فَلَيْسَتْ إِلَى الْمُكَلَّف وَإِنَّمَا هِيَ إِلَى الشَّارِع فَهُوَ قد نصب الأسباب جعلها مُقْتَضَيَات لِأَحْكَامِهَا وَجَعَلَ السَّبَب مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ فَإِذَا بَاشَرَهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ الشَّارِع أَحْكَامه فَإِذَا كَانَ السَّبَب مُحَرَّمًا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ وَلَمْ يَنْصِبهُ الشَّارِع مُقْتَضِيًا لِآثَارِ السَّبَب الْمَأْذُون فِيهِ وَالْحُكْم لَيْسَ إِلَى الْمُكَلَّف حَتَّى يَكُون إِيقَاعه إِلَيْهِ غَيْر مَأْذُون فِيهِ وَلَا نَصَبَهُ الشَّارِع لِتَرَتُّبِ الْآثَار عَلَيْهِ فَتَرْتِيبهَا عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّبَب الْمُبَاح الْمَأْذُون فِيهِ وَهُوَ قِيَاس فِي غَايَة الْفَسَاد إِذْ هُوَ قِيَاس أَحَد النَّقِيضَيْنِ عَلَى الْآخَر فِي التَّسْوِيَة بَيْنهمَا فِي الْحُكْم وَلَا يَخْفَى فَسَاده قَالُوا وَأَيْضًا فَصِحَّة الْعَقْد هُوَ عِبَارَة عَنْ تَرَتُّب أَثَره الْمَقْصُود لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ وَهَذَا التَّرَتُّب نِعْمَة مِنْ الشَّارِع أَنْعَمَ بِهَا عَلَى الْعَبْد وَجَعَلَ لَهُ طَرِيقًا إِلَى حُصُولهَا بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَاب الَّتِي أَذِنَ لَهُ فِيهَا فَإِذَا كَانَ السَّبَب مُحَرَّمًا مَنْهِيًّا عَنْهُ كَانَتْ مُبَاشَرَته مَعْصِيَة فَكَيْف تَكُون الْمَعْصِيَة سَبَبًا لِتَرَتُّبِ النِّعْمَة الَّتِي قَصَدَ الْمُكَلَّف حُصُولهَا قَالُوا وَقَدْ عَلَّلَ مَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاق وَأَوْجَبَ الرَّجْعَة إِيجَاب الرَّجْعَة بِهَذِهِ الْعِلَّة بِعَيْنِهَا وَقَالُوا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الرَّجْعَة مُعَامَلَة لَهُ بِنَقِيضِ قَصْده فَإِنَّهُ اِرْتَكَبَ أَمْرًا مُحَرَّمًا يَقْصِد بِهِ الْخَلَاص مِنْ الزَّوْجَة فَعُومِلَ بِنَقِيضِ قَصْده فَأَمَرَ بِرَجْعَتِهَا قَالُوا فَمَا جَعَلْتُمُوهُ أَنْتُمْ عِلَّة لِإِيجَابِ الرَّجْعَة فَهُوَ بِعَيْنِهِ عِلَّة لِعَدَمِ وُقُوع الطَّلَاق الَّذِي قَصَدَهُ الْمُكَلَّف بِارْتِكَابِهِ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ وَلَا رَيْب أَنَّ دَفْع وُقُوع الطَّلَاق أَسْهَل مِنْ دَفْعه بِالرَّجْعَةِ فَإِذَا اِقْتَضَتْ هَذِهِ الْعِلَّة دَفْع أَثَر الطَّلَاق بِالرَّجْعَةِ فَلِأَنْ تَقْتَضِي دَفْع وُقُوعه أَوْلَى وَأَحْرَى قَالُوا وَأَيْضًا فَلِلَّهِ تَعَالَى فِي الطَّلَاق الْمُبَاح حُكْمَانِ أَحَدهمَا إِبَاحَته وَالْإِذْن فِيهِ وَالثَّانِي جَعْله سَبَبًا لِلتَّخَلُّصِ مِنْ الزَّوْجَة فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الطَّلَاق مَأْذُونًا فِيهِ اِنْتَفَى الْحُكْم الْأَوَّل وَهُوَ الْإِبَاحَة فَمَا خَالَفَهُ فِيهِ مِثْلُهُ فَكَيْفَ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا بَاتًّا تَحْرُمُ مَعَهُ الْمُرَاجَعَةُ إِلَى آخِرِ مَا نَقَلْتُ كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ تَحْتَ قَوْلِهِ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الْمُوجِب لِبَقَاءِ الْحُكْم الثَّانِي وَقَدْ اِرْتَفَعَ سَبَبه وَمَعْلُوم أَنَّ بَقَاء الْحُكْم بِدُونِ سَبَبه مُمْتَنِع وَلَا تَصِحّ دَعْوَى أَنَّ الطَّلَاق الْمُحَرَّم سَبَب لِمَا تَقَدَّمَ قَالُوا وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي لَفْظ الشَّارِع يَصِحّ كَذَا وَلَا يَصِحّ وَإِنَّمَا يُسْتَفَاد ذَلِكَ مِنْ إِطْلَاقه وَمَنْعه فَمَا أَطْلَقَهُ وَأَبَاحَهُ فباشره المكلف حكم بصحته بمعى أَنَّهُ وَافَقَ أَمْر الشَّارِع فَصَحَّ وَمَا لَمْ يَأْذَن فِيهِ وَلَمْ يُطْلِقهُ فَبَاشَرَهُ الْمُكَلَّف حُكِمَ بِعَدَمِ صِحَّته بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالَفَ أَمْر الشَّارِع وَحُكْمه وَلَيْسَ مَعَنَا مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى الصِّحَّة وَالْفَسَاد إِلَّا مُوَافَقَة الْأَمْر وَالْإِذْن وَعَدَم مُوَافَقَتهمَا فَإِنْ حَكَمْتُمْ بِالصِّحَّةِ مَعَ مُخَالَفَة أَمْر الشَّارِع وَإِبَاحَته لَمْ يَبْقَ طَرِيق إِلَى مَعْرِفَة الصَّحِيح مِنْ الْفَاسِد إِذْ لَمْ يَأْتِ مِنْ الشَّرْع إِخْبَار بِأَنَّ هَذَا صَحِيح وَهَذَا فَاسِد غَيْر الْإِبَاحَة وَالتَّحْرِيم فَإِذَا جَوَّزْتُمْ ثُبُوت الصِّحَّة مَعَ التَّحْرِيم فَبِأَيِّ شَيْء تَسْتَدِلُّونَ بَعْد ذَلِكَ عَلَى فَسَاد الْعَقْد وَبُطْلَانه قَالُوا وَأَيْضًا فَإِنَّ النبي قَالَ كُلّ عَمَل لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدٌّ وَفِي لَفْظ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدٌّ وَالرَّدّ فِعْل بِمَعْنَى الْمَفْعُول أَيْ فَهُوَ مَرْدُود وَعَبَّرَ عَنْ الْمَفْعُول بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَة حَتَّى كَأَنَّهُ نَفْس الرَّدّ وَهَذَا تَصْرِيح بِإِبْطَالِ كُلّ عَمَل عَلَى خِلَاف أَمْره وَرَدّه وَعَدَم اِعْتِبَاره فِي حُكْمه الْمَقْبُول وَمَعْلُوم أَنَّ الْمَرْدُود هُوَ الْبَاطِل بِعَيْنِهِ بَلْ كَوْنه رَدًّا أَبْلَغَ مِنْ كَوْنه بَاطِلًا إِذْ الْبَاطِل قَدْ يُقَال لِمَا لَا تَقَع فِيهِ أَوْ لِمَا مَنْفَعَته قَلِيلَة جِدًّا وَقَدْ يُقَال لِمَا يُنْتَفَع بِهِ ثُمَّ يَبْطُل نَفْعه وَأُمًّا الْمَرْدُود فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَجْعَلهُ شَيْئًا وَلَمْ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَقْصُوده أَصْلًا قَالُوا فَالْمُطَلِّق فِي الْحَيْض قَدْ طَلَّقَ طَلَاقًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْر الشَّارِع فَيَكُون مَرْدُودًا فَلَوْ صَحَّ وَلَزِمَ لَكَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ وَهُوَ خِلَاف النَّصّ قَالُوا وَأَيْضًا فَالشَّارِع أَبَاحَ لِلْمُكَلَّفِ مِنْ الطَّلَاق قَدْرًا مَعْلُومًا فِي زَمَن مَخْصُوص وَلَمْ يُمَلِّكهُ أَنْ يَتَعَدَّى الْقَدْر الَّذِي حَدَّ لَهُ وَلَا الزَّمَن الَّذِي عَيَّنَ لَهُ فَإِذَا تَعَدَّى مَا حَدَّ لَهُ مِنْ الْعَدَد كَانَ لَغْوًا بَاطِلًا فَكَذَلِكَ إِذَا تَعَدَّى مَا حَدَّ لَهُ مِنْ الزَّمَان يَكُون لَغْوًا بَاطِلًا فَكَيْفَ يَكُون عِدْوَانه فِي الْوَقْت صَحِيحًا مُعْتَبَرًا لَازِمًا وَعِدْوَانه أَنَّهُ فِي الْعَدَد لَغْوًا بَاطِلًا قَالُوا وَهَذَا كَمَا أَنَّ الشَّارِع حَدَّ لَهُ عَدَدًا مِنْ النِّسَاء مُعَيَّنًا فِي وَقْت مُعَيَّن فَلَوْ تَعَدَّى مَا حَدَّ لَهُ مِنْ الْعَدَد كَانَ لَغْوًا وَبَاطِلًا وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَدَّى مَا حَدَّ لَهُ مِنْ الْوَقْت بِأَنْ يَنْكِحهَا قَبْل اِنْقِضَاء الْعِدَّة مَثَلًا أَوْ فِي وَقْت الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يَكُون لَغْوًا بَاطِلًا فَقَدْ شَمَلَ الْبُطْلَان نَوْعَيْ التَّعَدِّي عَدَدًا أَوْ وَقْتًا قَالُوا وَأَيْضًا فَالصِّحَّة إِمَّا أَنْ تُفَسَّر بِمُوَافَقَةِ أَمْر الشَّارِع وَإِمَّا أَنْ تُفَسَّر بِتَرَتُّبِ أَثَر الْفِعْل عَلَيْهِ فَإِنْ فُسِّرَتْ بِالْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيح هَذَا الطَّلَاق مُمْكِنًا وَإِنْ فُسِّرَتْ بِالثَّانِي وَجَبَ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُون الْعَقْد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الْمُحَرَّم صَحِيحًا لِأَنَّ تَرَتُّب الثَّمَرَة عَلَى الْعَقْد إِنَّمَا هُوَ بِجَعْلِ الشَّارِع الْعَقْد كَذَلِكَ وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَر الْعَقْد الْمُحَرَّم وَلَمْ يَجْعَلهُ مُثْمِرًا لِمَقْصُودِهِ كَمَا مَرَّ تَقْدِيره قَالُوا وَأَيْضًا فَوُصِفَ الْعَقْد الْمُحَرَّم بِالصِّحَّةِ مَعَ كَوْنه مُنْشِئًا لِلْمَفْسَدَةِ وَمُشْتَمِلًا عَلَى الْوَصْف الْمُقْتَضِي لِتَحْرِيمِهِ وَفَسَاده جَمَعَ بَيْن النَّقِيضَيْنِ فَإِنَّ الصِّحَّة إِنَّمَا تَنْشَأ عَنْ الْمَصْلَحَة وَالْعَقْد الْمُحَرَّم لَا مَصْلَحَة فِيهِ بل هو منشأ لِمَفْسَدَةٍ خَالِصَة أَوْ رَاجِحَة فَكَيْف تَنْشَأ الصِّحَّة من شيء هو منشأ الْمَفْسَدَة قَالُوا وَأَيْضًا فَوَصْف الْعَقْد الْمُحَرَّم بِالصِّحَّةِ إِمَّا أَنْ يُعْلَم بِنَصٍّ مِنْ الشَّارِع أَوْ مِنْ قِيَاسه أَوْ مِنْ تَوَارُد عُرْفه فِي محال حُكْمه بِالصِّحَّةِ أَوْ مِنْ إِجْمَاع الْأُمَّة وَلَا يُمْكِن إِثْبَات شَيْء مِنْ ذَلِكَ فِي مَحَلّ النِّزَاع بَلْ نُصُوص الشَّرْع تَقْتَضِي رَدَّهُ وَبُطْلَانه كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ قِيَاس الشَّرِيعَة كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَكَذَلِكَ اِسْتِقْرَاء مَوَارِد عُرْف الشَّرْع فِي مَجَال الْحُكْم بِالصِّحَّةِ إِنَّمَا يَقْتَضِي الْبُطْلَان فِي الْعَقْد الْمُحَرَّم لَا الصِّحَّة وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاع فَإِنَّ الْأُمَّة لَمْ تُجْمِع قَطّ وَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى صِحَّة شَيْء حَرَّمَهُ اللَّه وَرَسُوله لَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَلَا فِي غَيْرهَا فَالْحُكْم بِالصِّحَّةِ فِيهَا إِلَى أَيّ دَلِيل يَسْتَنِد قَالُوا وَأَمَّا قَوْل النبي مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَهَذَا حُجَّة لَنَا عَلَى عَدَم الْوُقُوع لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَهَا وَالرَّجُل مِنْ عَادَته إِذَا طَلَّقَ اِمْرَأَته أَنْ يُخْرِجهَا عَنْهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يُرَاجِعهَا وَيُمْسِكهَا فَإِنَّ هَذَا الطَّلَاق الَّذِي أَوْقَعَهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ شَرْعًا وَلَا تَخْرُج الْمَرْأَة عن الزوجية بسببه فهو كقوله لِبَشِيرِ بْن سَعْد فِي قِصَّة نَحْله اِبْنه النُّعْمَان غُلَامًا رُدَّهُ وَلَا يَدُلّ أَمْره إِيَّاهُ بِرَدِّهِ عَلَى أَنَّ الْوَلَد قَدْ مَلَكَ الْغُلَام وَأَنَّ الرَّدّ إِنَّمَا يَكُون بَعْد الْمِلْك فَكَذَلِكَ أَمْره بِرَدِّ الْمَرْأَة وَرَجْعَتهَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُون إِلَّا بَعْد نُفُوذ الطَّلَاق بل لما ظن بن عُمَر جَوَاز هَذَا الطَّلَاق فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ قَاصِدًا لوقوعه رد إليه النبي اِمْرَأَته وَأَمَرَهُ أَنْ يَرُدّهَا وَرَدُّ الشَّيْء إِلَى مِلْك مَنْ أَخْرَجَهُ لَا يَسْتَلْزِم خُرُوجه عَنْ مِلْكه شَرْعًا كَمَا تُرَدّ الْعَيْن الْمَغْصُوبَة إِلَى مَالِكهَا وَيُقَال لِلْغَاصِبِ رُدَّهَا إِلَيْهِ وَلَا يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى زَوَال مِلْك صَاحِبهَا عَنْهَا وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ رُدَّ عَلَى فُلَان ضَالَّته وَلَمَّا بَاعَ عَلَى أَحَد الْغُلَامَيْنِ الْأَخَوَيْنِ قَالَ لَهُ النبي رُدَّهُ رُدَّهُ وَهَذَا أَمْر بِالرَّدِّ حَقِيقَة قَالُوا فَقَدْ وَفَّيْنَا اللَّفْظ حَقِيقَته الَّتِي وُضِعَ لَهَا قالوا وأيضا فقد صرح بن عمر أن النبي رَدَّهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَتَعَلُّقكُمْ عَلَى أَبِي الزُّبَيْر مِمَّا لَا مُتَعَلِّق فِيهِ فَإِنَّ أَبَا الزُّبَيْر إِنَّمَا يَخَاف مِنْ تَدْلِيسه وَقَدْ صَرَّحَ هَذَا بِالسَّمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِمُرَاجَعَتِهَا لَا يَسْتَلْزِم نُفُوذ الطَّلَاق قالوا والذي يدل عليه أن بن عُمَر قَالَ فِي الرَّجُل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] يُطَلِّق اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض لَا يُعْتَدّ بِذَلِكَ ذَكَرَهُ الْإِشْبِيلِيّ فِي الْأَحْكَام مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام الْخُشَنِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب بْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عن نافع عن بن عُمَر أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُل يُطَلِّق اِمْرَأَته وهي حائض قال بن عمر لا يعتد بذلك وذكره بن حَزْم فِي كِتَاب الْمُحَلَّى بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيق الْخُشَنِيِّ وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح قَالُوا وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنه بِإِسْنَادٍ شِيعِيّ عَنْ أَبِي الزبير قال سألت بن عُمَر عَنْ رَجُل طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا وَهِيَ حَائِض فَقَالَ لِي أَتَعْرِفُ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قُلْت نَعَمْ قَالَ طَلَّقْت اِمْرَأَتِي ثَلَاثًا على عهد النبي فَرَدَّهَا رَسُول اللَّه إِلَى السُّنَّة قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كُلّهمْ شِيعَة وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيث بَاطِل قَطْعًا وَلَا تَحْتَجّ بِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِلتَّعْرِيفِ بِحَالِهِ وَلَوْ كَانَ إِسْنَاده ثِقَات لَكَانَ غَلَطًا فَإِنَّ الْمَعْرُوف مِنْ رِوَايَة الأثبات عن بن عُمَر أَنَّهُ إِنَّمَا طَلَّقَ تَطْلِيقَة وَاحِدَة كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم فِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث يُونُس بْن جُبَيْر وَلَكِنْ لَوْ حَاكَمْنَا مُنَازِعِينَا إِلَى مَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ أَنَّ رِوَايَة أَهْل الْبِدَع مَقْبُولَة فَكَمْ فِي الصَّحِيح مِنْ رِوَايَة الشِّيعَة الْغُلَاة وَالْقَدَرِيَّة وَالْخَوَارِج وَالْمُرْجِئَة وَغَيْرهمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ الطَّعْن فِي هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ رُوَاته شِيعَة إِذْ مُجَرَّد كَوْنهمْ شِيعَة لَا يُوجِب رَدَّ حَدِيثهمْ وَبَعْد فَفِي مُعَارَضَته بِحَدِيثِ يُونُس بْن جُبَيْر أَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَة كَلَام لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ الثَّلَاث وَاحِدَة قَالَ هِيَ ثَلَاث فِي اللَّفْظ وَهِيَ وَاحِدَة فِي الْحُكْم عَلَى مَا فِي حَدِيث أبي الصهباء عن بن عَبَّاس وَاَللَّه أَعْلَم قَالُوا وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّ نافعا أثبت في بن عُمَر وَأَوْلَى بِهِ مِنْ أَبِي الزُّبَيْر وَأَخَصّ فَرِوَايَته أَوْلَى أَنْ نَأْخُذ بِهَا فَهَذَا إِنَّمَا يُحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد التَّعَارُض فَكَيْفَ وَلَا تَعَارُض بَيْنهمَا فَإِنَّ رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر صَرِيحَة فِي أَنَّهَا لَمْ تُحْسَب عَلَيْهِ وَأَمَّا نَافِع فَرِوَايَاته لَيْسَ فِيهَا شَيْء صَرِيح قَطّ أَنَّ النَّبِيّ حَسِبَهَا عَلَيْهِ بَلْ مَرَّة قَالَ فَمَهْ أَيْ فَمَا يَكُون وَهَذَا لَيْسَ بِإِخْبَارٍ عَنْ النَّبِيّ أَنَّهُ حَسِبَهَا وَمَرَّة قَالَ أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ وَهَذَا رَأْي مَحْض وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ رَكِبَ خُطَّة عَجْز وَاسْتَحْمَقَ أَيْ رَكِبَ أُحْمُوقَة وَجَهَالَة فَطَلَّقَ فِي زَمَن لَمْ يُؤْذَن لَهُ فِي الطَّلَاق فِيهِ وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْد بن عمر أنه حَسِبَهَا عَلَيْهِ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَقُول لِلسَّائِلِ أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى وُقُوع الطَّلَاق فَإِنَّ مَنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ يُرَدّ إِلَى الْعِلْم وَالسُّنَّة الَّتِي سَنَّهَا رسول الله فَكَيْف يُظَنّ بِابْنِ عُمَر أَنَّهُ يَكْتُم نَصًّا عن رسول الله فِي الِاعْتِدَاد بِتِلْكَ الطَّلْقَة ثُمَّ يُحْتَجّ بِقَوْلِهِ أَرَأَيْت إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ وَقَدْ سَأَلَهُ مَرَّة رَجُل عَنْ شَيْء فَأَجَابَهُ بِالنَّصِّ فَقَالَ السَّائِل أَرَأَيْت إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا قَالَ اِجْعَلْ أَرَأَيْت بِالْيَمَنِ وَمَرَّة قَالَ تُحْسَب مِنْ طَلَاقهَا وهذا قول نافع ليس قول بن عُمَر كَذَلِكَ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ عَبْد اللَّه لِنَافِعٍ مَا فَعَلَتْ التَّطْلِيقَة قَالَ وَاحِدَة أَعْتَدّ بِهَا وَفِي بَعْض أَلْفَاظه فَحُسِبَتْ تَطْلِيقَة وَفِي لَفْظ للبخاري عن سعيد بن جبير عن بن عُمَر فَحُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ وَلَكِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة اِنْفَرَدَ بِهَا سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ وَخَالَفَ نَافِع وَأَنَس بْن سِيرِينَ وَيُونُس بْن جُبَيْر وسائر الرواة عن بن عمر فلم يذكروا فحسبت علي وانفراد بن جُبَيْر بِهَا كَانْفِرَادِ أَبِي الزُّبَيْر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا فَإِنْ تَسَاقَطَتْ الرِّوَايَتَانِ لَمْ يَكُنْ فِي سَائِر الْأَلْفَاظ دَلِيل عَلَى الْوُقُوع وَإِنْ رُجِّحَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَرِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر صَرِيحَة فِي الرَّفْع وَرِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر غَيْر صَرِيحَة فِي الرَّفْع فَإِنَّهُ لم يذكر فاعل الحساب فلعل أباه ﵁ حسبها عليه بعد موت النبي فِي الْوَقْت الَّذِي أَلْزَمَ النَّاس فِيهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاث وَحَسِبَهُ عَلَيْهِمْ اِجْتِهَادًا مِنْهُ وَمَصْلَحَة رَآهَا لِلْأُمَّةِ لِئَلَّا يَتَتَابَعُوا فِي الطَّلَاق الْمُحَرَّم فَإِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ يَلْزَمهُمْ وَيَنْفُذ عَلَيْهِمْ أَمْسَكُوا عَنْهُ وقد كان في زمن النبي لَا يَحْتَسِب عَلَيْهِمْ بِهِ ثَلَاثًا فِي لَفْظ وَاحِد فَلَمَّا رَأَى عُمَر النَّاس قَدْ أَكْثَرُوا مِنْهُ رَأَى إِلْزَامهمْ بِهِ وَالِاحْتِسَاب عَلَيْهِمْ بِهِ قَالُوا وَبِهَذَا تَأْتَلِف الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب وَيَتَبَيَّن وَجْههَا وَيَزُول عَنْهَا التَّنَاقُض وَالِاضْطِرَاب وَيُسْتَغْنَى عَنْ تَكَلُّف التَّأْوِيلَات الْمُسْتَكْرَهَة لَهَا وَيَتَبَيَّن مُوَافَقَتهَا لِقَوَاعِد الشَّرْع وَأُصُوله قَالُوا وَهَذَا الظَّنّ بِعُمَر ﵁ أَنَّهُ إِذَا اِحْتَسَبَ عَلَى النَّاس بِالطَّلَاقِ الثَّلَاث اِحْتَسَبَ عَلَى اِبْنه بِتَطْلِيقَتِهِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِي الْحَيْض وَكَوْن النَّبِيّ لَمْ يَرَهَا شَيْئًا مِثْل كَوْن الطَّلَاق الثَّلَاث عَلَى عَهْده كَانَ وَاحِدَة وَإِلْزَام عُمَر النَّاس بِذَلِكَ كَإِلْزَامِهِ لَهُ بِهَذَا وَأَدَّاهُ اِجْتِهَاده ﵁ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَخْفِيفًا وَرِفْقًا بِالْأُمَّةِ لِعِلَّةِ إِيقَاعهمْ الطَّلَاق وَعَدَم تَتَابُعهمْ فِيهِ فَلَمَّا أَكْثَرُوا مِنْهُ وَتَتَابَعُوا فِيهِ أَلْزَمَهُمْ بِمَا اِلْتَزَمُوهُ وَهَذَا كَمَا أَدَّاهُ اِجْتِهَاده فِي الْجَلْد فِي الْخَمْر ثَمَانِينَ وَحَلْق الرَّأْس فِيهِ والنفي والنبي إِنَّمَا جَلَدَ فِيهِ أَرْبَعِينَ وَلَمْ يَحْلِق فِيهِ رَأْسًا وَلَمْ يُغَرِّب فَلَمَّا رَأَى النَّاس قَدْ أَكْثَرُوا مِنْهُ وَاسْتَهَانُوا بِالْأَرْبَعِينَ ضَاعَفَهَا عَلَيْهِمْ وَحَلَقَ وَنَفَى وَلِهَذَا نَظَائِر كَثِيرَة سَتُذْكَرُ فِي مَوْضِع آخَر إِنْ شَاءَ اللَّه قَالُوا وَتَوَهَّمَ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّا خَالَفْنَا الْإِجْمَاع فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة غَلَط فَإِنَّ الْخِلَاف فِيهَا أَشْهَر مِنْ أَنْ يُجْحَد وَأَظْهَر مِنْ أَنْ يُسْتَر وَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَة مِنْ مَوَارِد النِّزَاع فَالْوَاجِب فِيهَا اِمْتِثَال مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَرَسُوله مِنْ رَدِّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاء إِلَى اللَّه وَرَسُوله وَتَحْكِيم اللَّه وَرَسُوله دُون تَحْكِيم أَحَد مِنْ الْخَلْق قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر ذَلِكَ خَيْر وَأَحْسَن تَأْوِيلًا﴾ فَهَذِهِ بَعْض كَلِمَات الْمَانِعِينَ مِنْ الْوُقُوع وَلَوْ اِسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة لَاحْتَمَلَتْ سَفَرًا كَبِيرًا فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى فَوَائِد الْحَدِيث قَالَ الْمُوَقِّعُونَ وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الرَّجْعَة يَسْتَقِلّ بِهَا الزَّوْج دُون الْوَلِيّ وَرِضَا الْمَرْأَة لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ دُون غَيْره وَدَلَالَة الْقُرْآن عَلَى هَذَا أَظْهَر مِنْ هَذِهِ الدَّلَالَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتهنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فَجَعَلَ الْأَزْوَاج أَحَقَّ بِالرَّجْعَةِ مِنْ الْمَرْأَة وَالْوَلِيّ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْله مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا هَلْ الْأَمْر بِالرَّجْعَةِ عَلَى الْوُجُوب أَوْ الِاسْتِحْبَاب فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيُّ وبن أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَان الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بَلْ أَشْهَرهمَا عَنْهُ الْأَمْر بِالرَّجْعَةِ اِسْتِحْبَاب قَالَ بَعْضهمْ لِأَنَّ اِبْتِدَاء النِّكَاح إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَاسْتِدَامَته كَذَلِكَ وَقَالَ مَالِك فِي الْأَشْهَر عَنْهُ وَدَاوُد وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الرَّجْعَة وَاجِبَة الْأَمْر بِهَا وَلِأَنَّ الطَّلَاق لَمَّا كَانَ مُحَرَّمًا فِي هَذَا الزَّمَن كَانَ بَقَاء النِّكَاح وَاسْتِدَامَته فِيهِ وَاجِبًا وَبِهَذَا يَبْطُل قَوْلهمْ إِذَا لَمْ يَجِب اِبْتِدَاء النِّكَاح لَمْ تَجِب اِسْتِدَامَته فَإِنَّ الِاسْتِدَامَة هَا هُنَا وَاجِبَة لِأَجْلِ الْوَقْت فَإِنَّهُ لَا يَجُوز فِيهِ الطَّلَاق قَالُوا وَلِأَنَّ الرَّجْعَة إِمْسَاك بِدَلِيلِ قَوْله ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ﴾ فَالْإِمْسَاك مُرَاجَعَتهَا فِي الْعِدَّة وَالتَّسْرِيح تَرْكهَا حَتَّى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] تَنْقَضِي عِدَّتهَا وَإِذَا كَانَتْ الرَّجْعَة إِمْسَاكًا فَلَا رَيْب فِي وُجُوب إِمْسَاكهَا فِي زَمَن الْحَيْض وَتَحْرِيم طَلَاقهَا فَتَكُون وَاجِبَة ثُمَّ اِخْتَلَفَ الْمُوجِبُونَ لِلرَّجْعَةِ فِي عِلَّة ذَلِكَ فَقَالَتْ طَائِفَة إِنَّمَا أَمَرَهُ بِرَجْعَتِهَا لِيَقَع الطَّلَاق الَّذِي أَرَادَهُ فِي زَمَن الْإِبَاحَة وَهُوَ الطُّهْر الَّذِي لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ فَلَوْ لَمْ يَرْتَجِعهَا لَكَانَ الطَّلَاق الَّذِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَام هُوَ الطَّلَاق الْمُحَرَّم وَالشَّارِع لَا يُرَتِّب الْأَحْكَام عَلَى طَلَاق مُحَرَّم فَأَمَرَ بِرَجْعَتِهَا لِيُطَلِّقهَا طَلَاقًا مُبَاحًا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام الطَّلَاق وَقَالَتْ طَائِفَة بَلْ أَمَرَهُ بِرَجْعَتِهَا عُقُوبَة لَهُ عَلَى طَلَاقهَا فِي زَمَن الْحَيْض فَعَاقَبَهُ بِنَقِيضِ قَصْده وَأَمَرَهُ بِارْتِجَاعِهَا عَكْس مَقْصُوده وَقَالَتْ طَائِفَة بَلْ الْعِلَّة فِي ذَلِكَ أَنَّ تَحْرِيم الطَّلَاق فِي زَمَن الْحَيْض مُعَلَّل بِتَطْوِيلِ الْعِدَّة فَأَمَرَهُ بِرَجْعَتِهَا لِيَزُولَ الْمَعْنَى الَّذِي حَرُمَ الطَّلَاق فِي الْحَيْض لِأَجْلِهِ وَقَالَ بَعْض الْمُوجِبِينَ إِنَّ أَبَى رَجْعَتهَا أُجْبِرَ عَلَيْهَا فَإِنْ اِمْتَنَعَ ضُرِبَ وَحُبِسَ فَإِنْ أَصَرَّ حُكِمَ عَلَيْهِ بِرَجْعَتِهَا وَأَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ رَدَّهَا عَلَيْهِ فَتَكُون اِمْرَأَته يَتَوَارَثَانِ وَيَلْزَمهُ جَمِيع حُقُوقهَا حَتَّى يُفَارِقهَا فِرَاقًا ثَانِيًا قَالَهُ أَصْبَغُ وَغَيْره مِنْ الْمَالِكِيَّة ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَقَالَ مَالِك يُجْبَر عَلَى الرَّجْعَة إِنْ طَهُرَتْ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّة لِأَنَّهُ وَقْت لِلرَّجْعَةِ وَقَالَ أَشْهَب إِذَا طَهُرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ لَمْ تَجِب رَجْعَتهَا فِي هَذِهِ الْحَال وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّة لِأَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ إِمْسَاكهَا فِي هَذِهِ الْحَال لِجَوَازِ طَلَاقهَا فِيهِ فَلَا يَجِب عَلَيْهِ رَجْعَتهَا فِيهِ إِذْ لَوْ وَجَبَتْ الرَّجْعَة فِي هَذَا الْوَقْت لَحَرُمَ الطلاق فيه وقوله حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْد ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ طلق قال البيهقي أكثر الروايات عن بن عمر أن النبي أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ فَإِنْ كَانَتْ الرواية عن سالم ونافع وبن دِينَار فِي أَمْره بِأَنْ يُرَاجِعهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر مَحْفُوظَة فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الِاسْتِبْرَاء أَنْ يَسْتَبْرِئهَا بَعْد الْحَيْضَة الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا بِطُهْرٍ تَامّ ثُمَّ حَيْض تَامّ لِيَكُونَ تَطْلِيقهَا وَهِيَ تَعْلَم عِدَّتهَا أَبِالْحَمْلِ هِيَ أَمْ بِالْحَيْضِ أَوْ لِيَكُونَ تَطْلِيقهَا بَعْد عِلْمه بِالْحَمْلِ وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] غَيْر جَاهِل مَا صَنَعَ أَوْ يُرَغِّب فَيُمْسِك لِلْحَمْلِ أَوْ لِيَكُونَ إِنْ كَانَتْ سَأَلَتْ الطَّلَاق غَيْر حَامِل أَنْ تَكُفّ عَنْهُ حَامِلًا آخِر كلامه وأكثر الروايات في حديث بن عُمَر مُصَرِّحَة بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ فِي طَلَاقهَا بَعْد أَنْ تَطْهُر مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَة ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر هَكَذَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَة نَافِع عَنْهُ وَمِنْ رِوَايَة اِبْنه سَالِم عَنْهُ وَفِي لَفْظ مُتَّفَق عَلَيْهِ ثُمَّ يُمْسِكهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض عِنْده حَيْضَة أُخْرَى ثُمَّ يُمْهِلهَا حَتَّى تَطْهُر مِنْ حَيْضهَا وَفِي لَفْظ آخَر مُتَّفَق عَلَيْهِ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيض حَيْضَة مُسْتَقْبَلَة سِوَى حَيْضَتهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا فَفِي تَعَدُّد الْحَيْض وَالطُّهْر ثَلَاثَة أَلْفَاظ مَحْفُوظَة مُتَّفَق عَلَيْهَا مِنْ رِوَايَة اِبْنه سَالِم وَمَوْلَاهُ نَافِع وَعَبْد اللَّه بْن دِينَار وَغَيْرهمْ وَاَلَّذِينَ زَادُوا قَدْ حَفِظُوا مَا لَمْ يَحْفَظهُ هَؤُلَاءِ وَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُض فَالزَّائِدُونَ أَكْثَر وأثبت في بن عُمَر وَأَخَصُّ بِهِ فَرِوَايَاتهمْ أَوْلَى لِأَنَّ نَافِعًا مَوْلَاهُ أَعْلَم النَّاس بِحَدِيثِهِ وَسَالِم اِبْنه كَذَلِكَ وَعَبْد اللَّه بْن دِينَار مِنْ أَثْبَت النَّاس فِيهِ وَأَرْوَاهُمْ عَنْهُ فَكَيْف يُقَدَّم اِخْتِصَار أَبِي الزُّبَيْر وَيُونُس بْن جُبَيْر عَلَى هَؤُلَاءِ وَمِنْ الْعَجَب تَعْلِيل حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر فِي رَدّهَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْر اِحْتِسَاب بِالطَّلْقَةِ بِمُخَالَفَةِ غَيْره لَهُ ثُمَّ تَقَدَّمَ رِوَايَته الَّتِي سَكَتَ فِيهَا عَنْ تَعَدُّد الْحَيْض وَالطُّهْر عَلَى رِوَايَة نَافِع وبن دِينَار وَسَالِم فَالصَّوَاب الَّذِي لَا يُشَكّ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة ثَابِتَة مَحْفُوظَة وَلِذَلِكَ أَخْرَجَهَا أَصْحَاب الصَّحِيحَيْنِ وَاخْتُلِفَ فِي جَوَاز طَلَاقهَا فِي الطُّهْر الْمُتَعَقِّب لِلْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَمَالِك أَشْهَرهمَا عِنْد أَصْحَاب مَالِك الْمَنْع حَتَّى تَحِيض حَيْضَة مُسْتَقْبَلَة سِوَى تَلِك الْحَيْضَة ثُمَّ تَطْهُر كَمَا أمر به النبي وَالثَّانِي يَجُوز طَلَاقهَا فِي الطُّهْر الْمُتَعَقِّب لِتِلْكَ الْحَيْضَة وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَوَجْهه أَنَّ التَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْحَيْض فَإِذَا طَهُرَتْ زَالَ مُوجِب التَّحْرِيم فَجَازَ طَلَاقهَا فِي هَذَا الطُّهْر كَمَا يَجُوز فِي الطُّهْر الَّذِي بَعْده وَكَمَا يَجُوز أَيْضًا طَلَاقهَا فِيهِ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّم طَلَاق فِي الْحَيْض وَلِأَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث بن عُمَر فِي الصَّحِيح ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا وَفِي لَفْظ ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْر جِمَاع فِي قُبُل عِدَّتهَا وَفِي لَفْظ فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا قَالَ فَرَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لِطُهْرِهَا وَفِي حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر وَقَالَ إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِك وَكُلّ هَذِهِ الْأَلْفَاظ فِي الصَّحِيح وَأَمَّا أَصْحَاب الْقَوْل الثَّانِي فاحتجوا بما تقدم من أمره بِإِمْسَاكِهَا حَتَّى تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر وَقَدْ تَقَدَّمَ قَالُوا وَحِكْمَة ذَلِكَ من وجوه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] أَحَدهَا أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا عَقِب تَلِك الْحَيْضَة كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا لِيُطَلِّقهَا وَهَذَا عَكْس مَقْصُود الرَّجْعَة فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه إِنَّمَا شُرِعَ الرَّجْعَة لِإِمْسَاكِ الْمَرْأَة وَإِيوَائِهَا وَلَمّ شَعَث النِّكَاح وَقَطْع سَبَب الْفُرْقَة وَلِهَذَا سَمَّاهُ إِمْسَاكًا فَأَمَرَهُ الشَّارِع أَنْ يُمْسِكهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْر وَأَنْ لَا يُطَلِّق فِيهِ حَتَّى تَحِيض حَيْضَة أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُر لِتَكُونَ الرَّجْعَة لِلْإِمْسَاكِ لَا لِلطَّلَاقِ قَالُوا وَقَدْ أَكَّدَ الشَّارِع هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى إِنَّهُ أَمَرَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث بِأَنْ يُمْسِكهَا فِي الطُّهْر الْمُتَعَقِّب لِتِلْكَ الْحَيْضَة فَإِذَا حَاضَتْ بَعْده وَطَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَمَسّهَا فَإِنَّهُ قَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ أُخْرَى فَإِنْ شاء طلقها وإن شاء أمسكها ذكره بن عَبْد الْبَرّ وَقَالَ الرَّجْعَة لَا تَكَاد تُعْلَم صِحَّتهَا إِلَّا بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ الْمُبْتَغَى مِنْ النِّكَاح وَلَا يَحْصُل الْوَطْء إِلَّا فِي الطُّهْر فَإِذَا وَطِئَهَا حَرُمَ طَلَاقهَا فِيهِ حَتَّى تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر فَاعْتَبَرْنَا مَظِنَّة الْوَطْء وَمَحِلّه وَلَمْ يَجْعَلهُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ الثَّانِي أَنَّ الطَّلَاق حَرُمَ فِي الْحَيْض لِتَطْوِيلِ الْعِدَّة عَلَيْهَا فَلَوْ طَلَّقَهَا عَقِب الرَّجْعَة مِنْ غَيْر وَطْء لَمْ تَكُنْ قَدْ اِسْتَفَادَتْ بِالرَّجْعَةِ فَائِدَة فَإِنَّ تِلْكَ الْحَيْضَة الَّتِي طَلُقَتْ فِيهَا لَمْ تَكُنْ تُحْتَسَب عَلَيْهَا مِنْ الْعِدَّة وَإِنَّمَا تُسْتَقْبَل الْعِدَّة مِنْ الطُّهْر الَّذِي يَلِيهَا أَوْ مِنْ الْحَيْضَة الْأُخْرَى عَلَى الِاخْتِلَاف فِي الْأَقْرَاء فَإِذَا طَلَّقَهَا عَقِب تَلِك الْحَيْضَة كَانَتْ فِي مَعْنَى مِمَّنْ طَلُقَتْ ثُمَّ رَاجَعَهَا وَلَمْ يَمَسّهَا حَتَّى طَلَّقَهَا فَإِنَّهَا تُبْنَى عَلَى عِدَّتهَا فِي أَحَد الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْقَطِع بِوَطْءٍ فَالْمَعْنَى الْمَقْصُود إِعْدَامه مِنْ تَطْوِيل الْعِدَّة مَوْجُود بِعَيْنِهِ هُنَا لَمْ يَزَلْ بِطَلَاقِهَا عَقِب الحيضة فأراد رسول الله قَطْع حُكْم الطَّلَاق جُمْلَة بِالْوَطْءِ فَاعْتُبِرَ الطُّهْر الذي هو موضع الوطء فإذا وطىء حَرُمَ طَلَاقهَا حَتَّى تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر وَمِنْهَا أَنَّهَا رُبَّمَا كَانَتْ حَامِلًا وَهُوَ لَا يَشْعُر فَإِنَّ الْحَامِل قَدْ تَرَى الدَّم بِلَا رَيْب وَهَلْ حُكْمه حُكْم الْحَيْض أَوْ دَم فَسَاد عَلَى الْخِلَاف فِيهِ فَأَرَادَ الشَّارِع أَنْ يَسْتَبْرِئهَا بَعْد تِلْكَ الْحَيْضَة بِطُهْرٍ تَامّ ثُمَّ بِحَيْضٍ تَامّ فَحِينَئِذٍ تَعْلَم هَلْ هِيَ حَامِل أَوْ حَائِل فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُمْسِكهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا حَامِل مِنْهُ وَرُبَّمَا تَكُفّ هِيَ عَنْ الرَّغْبَة فِي الطَّلَاق إِذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا حَامِل وَرُبَّمَا يَزُول الشَّرّ الْمُوجِب لِلطَّلَاقِ بِظُهُورِ الْحَمْل فَأَرَادَ الشارع تحيق عِلْمهَا بِذَلِكَ نَظَرًا لِلزَّوْجَيْنِ وَمُرَاعَاة لِمَصْلَحَتِهِمَا وَحَسْمًا لِبَابِ النَّدَم وَهَذَا مِنْ أَحْسَن مَحَاسِن الشَّرِيعَة وَقِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهُ عَاقَبَهُ بِأَمْرِهِ بِتَأْخِيرِ الطَّلَاق جَزَاء لَهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ إِيقَاعه عَلَى الْوَجْه الْمُحَرَّم وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ بن عُمَر لَمْ يَكُنْ يَعْلَم التَّحْرِيم وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا حُكْم شَامِل لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأُمَّة وَكَوْنه ﵁ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ يُفِيد نَفْي الْإِثْم لَا عَدَم تَرَتُّب هَذِهِ الْمَصْلَحَة عَلَى الطَّلَاق الْمُحَرَّم فِي نفسه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَقِيلَ حِكْمَته أَنَّ الطُّهْر الَّذِي بَعْد تِلْكَ الْحَيْضَة هُوَ مِنْ حَرِيم تَلِك الْحَيْضَة فَهُمَا كَالْقُرْءِ الْوَاحِد فَلَوْ شُرِعَ الطَّلَاق فِيهِ لَصَارَ كَمَوْقِعِ طَلْقَتَيْنِ فِي قُرْء وَاحِد وَلَيْسَ هَذَا بِطَلَاقِ السُّنَّة وَقِيلَ حِكْمَته أَنَّهُ نَهَى عَنْ الطَّلَاق فِي الطُّهْر لِيَطُولَ مَقَامه مَعَهَا وَلَعَلَّهُ تَدْعُوهُ نَفْسه إِلَى وَطْئِهَا وَذَهَاب مَا فِي نَفْسه مِنْ الْكَرَاهَة لَهَا فَيَكُون ذَلِكَ حِرْصًا عَلَى اِرْتِفَاع الطَّلَاق الْبَغِيض إِلَى اللَّه الْمَحْبُوب إِلَى الشَّيْطَان وَحَضًّا عَلَى بَقَاء النِّكَاح وَدَوَام المودة والرحمة والله أعلم وقوله ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا وَفِي اللَّفْظ الْآخَر فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ هَلْ الْمُرَاد بِهِ اِنْقِطَاع الدَّم أَوْ التَّطَهُّر بِالْغُسْلِ أَوْ مَا يَقُوم مَقَامه مِنْ التَّيَمُّم عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ اِنْقِطَاع الدَّم وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَالثَّانِيَة أَنَّهُ الِاغْتِسَال وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة إِنْ طَهُرَتْ لِأَكْثَر الْحَيْض حَلَّ طَلَاقهَا بِانْقِطَاعِ الدَّم وَإِنْ طَهُرَتْ لِدُونِ أَكْثَره لَمْ يَحِلّ طَلَاقهَا حَتَّى تَصِير فِي حُكْم الطَّاهِرَات بِأَحَدِ ثَلَاثَة أَشْيَاء إِمَّا أَنْ تَغْتَسِل وَإِمَّا أَنْ تَتَيَمَّم عِنْد الْعَجْز وَتُصَلِّي وَإِمَّا أَنْ يَخْرُج عَنْهَا وَقْت صَلَاة لِأَنَّهُ مَتَى وُجِدَ أَحَد هَذِهِ الْأَشْيَاء حَكَمْنَا بِانْقِطَاعِ حَيْضهَا وَسِرّ الْمَسْأَلَة أَنَّ الْأَحْكَام الْمُتَرَتِّبَة عَلَى الْحَيْض نَوْعَانِ مِنْهَا مَا يَزُول بِنَفْسِ اِنْقِطَاعه كَصِحَّةِ الْغُسْل وَالصَّوْم وَوُجُوب الصَّلَاة فِي ذِمَّتهَا وَمِنْهَا مَا لَا يَزُول إِلَّا بِالْغُسْلِ كَحِلِّ الْوَطْء وصحة الصلاة وجواز الليث فِي الْمَسْجِد وَصِحَّة الطَّوَاف وَقِرَاءَة الْقُرْآن عَلَى أَحَد الْأَقْوَال فَهَلْ يُقَال الطَّلَاق مِنْ النَّوْع الْأَوَّل أَوْ مِنْ الثَّانِي وَلِمَنْ رَجَّحَ إِبَاحَته قَبْل الْغُسْل أَنْ يَقُول الْحَائِض إِذَا اِنْقَطَعَ دَمهَا صَارَتْ كَالْجُنُبِ يَحْرُم عَلَيْهَا مَا يَحْرُم عَلَيْهِ وَيَصِحّ مِنْهَا مَا يَصِحّ مِنْهُ وَمَعْلُوم أَنَّ الْمَرْأَة الْجُنُب لَا يَحْرُم طَلَاقهَا وَلِمَنْ رَجَّحَ الثَّانِي أَنْ يُجِيب عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَالْجُنُبِ لَحَلَّ وَطْؤُهَا وَيُحْتَجّ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان قَالَ سَمِعْت عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ عَبْد اللَّه أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض تَطْلِيقَة فَانْطَلَقَ عُمَر فَأَخْبَرَ النَّبِيّ بذلك فقال النبي مُرْ عَبْد اللَّه فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا اِغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتهَا الْأُخْرَى فَلَا يَمَسّهَا حَتَّى يُطَلِّقهَا فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكهَا فَلْيُمْسِكْهَا فَإِنَّهَا الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء وَهَذَا عَلَى شَرْط الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ مُفَسِّر لِقَوْلِهِ فَإِذَا طَهُرَتْ فَيَجِب حَمْله عَلَيْهِ وَتَمَام هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَنَّ الْعِدَّة هَلْ تَنْقَضِي بِنَفْسِ اِنْقِطَاع الدَّم وَتَنْقَطِع الرَّجْعَة أَمْ لَا تَنْقَطِع إِلَّا بِالْغُسْلِ وَفِيهِ خِلَاف بَيْن السَّلَف وَالْخَلَف يَأْتِي فِي موضعه إن شاء الله تعالى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وقوله ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْل أَنْ يَمَسّ دَلِيل عَلَى أَنَّ طَلَاقهَا فِي الطُّهْر الَّذِي مَسَّ فِيهِ مَمْنُوع مِنْهُ وَهُوَ طَلَاق بِدْعَة وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ فَلَوْ طَلَّقَ فِيهِ قَالُوا لَمْ يجب عليه رجعتها قال بن عَبْد الْبَرّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجْعَة لَا تَجِب فِي هَذِهِ الصُّورَة وَلَيْسَ هَذَا الْإِجْمَاع ثَابِتًا وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَاهُ صَاحِب الْمُغْنِي أَيْضًا فَإِنَّ أَحَد الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمَد وُجُوب الرَّجْعَة فِي هَذَا الطَّلَاق حَكَاهُ فِي الرِّعَايَة وَهُوَ الْقِيَاس لِأَنَّهُ طَلَاق مُحَرَّم فَتَجِب الرَّجْعَة فِيهِ كَمَا تَجِب فِي الطَّلَاق فِي زَمَن الْحَيْض وَلِمَنْ فَرَّقَ بَيْنهمَا أَنْ يَقُول زَمَن الطُّهْر وَقْت لِلْوَطْءِ وَلِلطَّلَاقِ وَزَمَن الْحَيْض لَيْسَ وَقْتًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَظَهَرَ الْفَرْق بَيْنهمَا فَلَا يَلْزَم مِنْ الْأَمْر بِالرَّجْعَةِ فِي غَيْر زَمَن الطَّلَاق الْأَمْر بِهَا فِي زَمَنه وَلَكِنَّ هَذَا الْفَرْق ضَعِيف جِدًّا فَإِنَّ زَمَن الطُّهْر مَتَى اِتَّصَلَ بِهِ الْمَسِيس صَارَ كَزَمَنِ الْحَيْض فِي تَحْرِيم الطَّلَاق سَوَاء وَلَا فَرْق بَيْنهمَا بَلْ الْفَرْق الْمُؤَثِّر عِنْد النَّاس أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَتْ لِأَجْلِهِ الرَّجْعَة إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا مُنْتَفٍ فِي صُورَة الطَّلَاق فِي الطُّهْر الَّذِي مَسَّهَا فِيهِ فَإِنَّهَا إِنَّمَا حَرُمَ طَلَاقهَا فِي زَمَن الْحَيْض لِتَطْوِيلِ الْعِدَّة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا لَا تَحْتَسِب بِبَقِيَّةِ الْحَيْضَة قُرْءًا اِتِّفَاقًا فَتَحْتَاج إِلَى اِسْتِئْنَاف ثَلَاثَة قُرُوء كَوَامِل وَأَمَّا الطُّهْر فَإِنَّهَا تَعْتَدّ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ قُرْءًا وَلَوْ كَانَ لَحْظَة فَلَا حَاجَة بِهَا إِلَى أَنْ يُرَاجِعهَا فَإِنَّ مَنْ قَالَ الْأَقْرَاء الْأَطْهَار كَانَتْ أَوَّل عِدَّتهَا عِنْده عَقِب طَلَاقهَا وَمَنْ قَالَ هِيَ الْحَيْض اِسْتَأْنَفَ بِهَا بَعْد الطُّهْر وَهُوَ لَوْ رَاجَعَهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقهَا لَمْ يُطَلِّقهَا إِلَّا فِي طُهْر فَلَا فَائِدَة فِي الرَّجْعَة هَذَا هُوَ الْفَرْق الْمُؤَثِّر بَيْن الصُّورَتَيْنِ وَبَعْد فَفِيهِ إِشْكَال لَا يُنْتَبَهُ لَهُ إِلَّا مَنْ بِهِ خِبْرَة بِمَأْخَذِ الشَّرْع وَأَسْرَاره وَجَمْعه وَفَرْقه وذلك أن النبي أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقهَا إِذَا شَاءَ قَبْل أَنْ يَمَسّهَا وَقَالَ فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ بِهَا اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الْعِدَّة إِنَّمَا يَكُون اِسْتِقْبَالهَا مِنْ طُهْر لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ إِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا بِالْأَطْهَارِ وَأَمَّا طُهْر قَدْ أَصَابَهَا فِيهِ فلم يجعله النبي مِنْ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء فَكَمَا لَا تَكُون عِدَّتهَا مُتَّصِلَة بِالْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَكُون مُتَّصِلَة بِالطُّهْرِ الَّذِي مَسَّهَا فِيهِ لِأَنَّ النبي سَوَّى بَيْنهمَا فِي الْمَنْع مِنْ الطَّلَاق فِيهِمَا وَأَخْبَرَ أَنَّ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ بِهَا اللَّه أَنْ يُطَلَّق لَهَا النِّسَاء هِيَ مِنْ وَقْت الطُّهْر الَّذِي لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ الطُّهْر الَّذِي مَسَّهَا فِيهِ هُوَ أَوَّل الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء وَهَذَا مَذْهَب أَبِي عُبَيْد وَهُوَ فِي الظُّهُور وَالْحُجَّة كَمَا تَرَى وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد وَالشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَصْحَابهمْ لَوْ بَقِيَ مِنْ الطُّهْر لَحْظَة حُسِبَتْ لَهَا قُرْءًا وَإِنْ كَانَ قَدْ جَامَعَ فِيهِ إِذَا قُلْنَا الْأَقْرَاء الْأَطْهَار قَالَ الْمُنْتَصِرُونَ لِهَذَا الْقَوْل إِنَّمَا حَرُمَ الطَّلَاق فِي زَمَن الْحَيْض دَفْعًا لِضَرَرِ تَطْوِيل الْعِدَّة عَلَيْهَا فَلَوْ لَمْ تُحْتَسَب بِبَقِيَّةِ الطُّهْر قُرْءًا كَانَ الطَّلَاق فِي زَمَن الطُّهْر أَضَرَّ بِهَا وَأَطْوَل عَلَيْهَا وَهَذَا ضَعِيف جِدًّا فَإِنَّهَا إِذْ طَلُقَتْ فِيهِ قَبْل الْمَسِيس اُحْتُسِبَ بِهِ وَأَمَّا إِذَا طَلُقَتْ بَعْد الْمَسِيس كَانَ حُكْمهَا حُكْم الْمُطَلَّقَة فِي زَمَن الْحَيْض فَكَمَا لَا تُحْتَسَب بِبَقِيَّةِ الْحَيْضَة لَا تُحْتَسَب بِبَقِيَّةِ هَذَا الطُّهْر المسوسة فيه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالُوا وَلَمْ يَحْرُم الطَّلَاق فِي الطُّهْر لِأَجْلِ التَّطْوِيل الْمَوْجُود فِي الْحَيْض بَلْ إِنَّمَا حَرُمَ لِكَوْنِهَا مُرْتَابَة فَلَعَلَّهَا قَدْ حَمَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْء فَيَشْتَدّ نَدَمه إِذَا تَحَقَّقَ الْحَمْل وَيَكْثُر الضَّرَر فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقهَا طَلَّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْر جِمَاع لِأَنَّهُمَا قَدْ تَيَقَّنَا عَدَم الرِّيبَة وَأَمَّا إِذَا ظَهَرَ الْحَمْل فَقَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَة وَأَقْدَم عَلَى فِرَاقهَا حَامِلًا قَالُوا فَهَذَا الْفَرْق بَيْن الطَّلَاق فِي الْحَيْض وَالطُّهْر الْمُجَامَع فِيهِ قَالُوا وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَة إِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ هَذَا الْوَطْء فَعِدَّتهَا بِوَضْعِ الْحَمْل وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ حَمَلَتْ مِنْهُ فَهُوَ قُرْء صَحِيح فَلَا ضَرَر عَلَيْهَا فِي طَلَاقهَا فِيهِ وَلِمَنْ نَصَرَ قَوْل أَبِي عُبَيْد أَنْ يَقُول الشَّارِع إِنَّمَا جَعَلَ اِسْتِقْبَال عِدَّة الْمُطَلَّقَة مِنْ طُهْر لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ لِيَكُونَ الْمُطَلِّق عَلَى بَصِيرَة مِنْ أَمْره وَالْمُطَلَّقَة عَلَى بَصِيرَة مِنْ عِدَّتهَا أَنَّهَا بِالْأَقْرَاءِ فَأَمَّا إِذَا مَسَّهَا فِي الطُّهْر ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَدْرِ أَحَامِلًا أَمْ حَائِلًا وَلَمْ تَدْرِ الْمَرْأَة أَعِدَّتهَا بِالْحَمْلِ أَمْ بِالْأَقْرَاءِ فَكَانَ الضَّرَر عَلَيْهِمَا فِي هَذَا الطَّلَاق أَشَدَّ مِنْ الضَّرَر فِي طَلَاقهَا وَهِيَ حَائِض فَلَا تُحْتَسَب بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ الطُّهْر قُرْءًا كَمَا لَمْ يَحْتَسِب الشَّارِع بِهِ فِي جَوَاز إِيقَاع الطَّلَاق فِيهِ وَهَذَا التَّفْرِيع كُلّه عَلَى أَقْوَال الْأَئِمَّة وَالْجُمْهُور وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُوقِع الطَّلَاق الْبِدْعِيّ فَلَا يَحْتَاج إِلَى شَيْء مِنْ هَذَا وَقَوْله لِيُطَلِّقهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحَامِل طَلَاقهَا سُنِّيّ قال بن عَبْد الْبَرّ لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ الْحَامِل طَلَاقهَا لِلسُّنَّةِ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَذْهَب إِلَى حَدِيث سَالِم عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة أُخْرَى أَنَّ طَلَاق الْحَامِل لَيْسَ بِسُنِّيٍّ وَلَا بِدْعِيّ وَإِنَّمَا يَثْبُت لَهَا ذَلِكَ مِنْ جِهَة الْعَدَد لامن جهة الوقت ولفظه الحمل في حديث بن عُمَر اِنْفَرَدَ بِهَا مُسْلِم وَحْده فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث وَلَمْ يَذْكُرهَا الْبُخَارِيّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ طَلَاقهَا سُنِّيًّا وَلَا بِدْعِيًّا لِأَنَّ الشَّارِع لَمْ يَمْنَع مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ سُنِّيًّا كَانَ طَلَاقهَا بِدْعِيًّا لِأَنَّ النَّبِيّ إِنَّمَا أَبَاحَ طَلَاقهَا فِي طُهْر لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ فَإِذَا مَسَّهَا فِي الطُّهْر وَحَمَلَتْ وَاسْتَمَرَّ حَمْلهَا اِسْتَمَرَّ الْمَنْع مِنْ الطَّلَاق فَكَيْف يُبِيحهُ تَجَدُّد ظُهُور الْحَمْل فَإِذَا لَمْ يَثْبُتُوا هَذِهِ اللَّفْظَة لَمْ يَكُنْ طَلَاق الْحَامِل جَائِزًا فَالْجَوَاب أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ حَرُمَ الطَّلَاق بَعْد الْمَسِيس مَعْدُوم عِنْد ظُهُور الْحَمْل لِأَنَّ الْمُطَلِّق عِنْد ظُهُور الْحَمْل قَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَة فَلَا يَخَاف ظُهُور أَمْر يَتَجَدَّد بِهِ النَّدَم وَلَيْسَتْ الْمَرْأَة مُرْتَابَة لِعَدَمِ اِشْتِبَاه الْأَمْر عَلَيْهَا بِخِلَافِ طَلَاقهَا مَعَ الشَّكّ فِي حَمْلهَا وَاَللَّه أَعْلَم وَقَوْله طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا اِحْتَجَّ بِهِ من قال الحامل لا تحيض لأنه حَرَّمَ الطَّلَاق فِي زَمَن الْحَيْض وَأَبَاحَهُ فِي وَقْت الطُّهْر وَالْحَمْل فَلَوْ كَانَتْ الْحَامِل تَحِيض لَمْ يُبَحْ طَلَاقهَا حَامِلًا إِذَا رَأَتْ الدَّم وَهُوَ خِلَاف الْحَدِيث . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَلِأَصْحَابِ الْقَوْل الْآخَر أَنْ يُجِيبُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ حَيْض الْحَامِل لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِير فِي الْعِدَّة بِحَالٍ لَا فِي تَطْوِيلهَا وَلَا تَخْفِيفهَا إِذَا عِدَّتهَا بِوَضْعِ الْحَمْل أَبَاحَ الشَّارِع طَلَاقهَا حَامِلًا مُطْلَقًا وَغَيْر الْحَامِل لَمْ يُبَحْ طَلَاقهَا إِلَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا لِأَنَّ الْحَيْض يُؤَثِّر فِي الْعِدَّة لِأَنَّ عِدَّتهَا بِالْأَقْرَاءِ فَالْحَدِيث دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة لَهَا حَالَتَانِ أَحَدهمَا أَنْ تَكُون حَائِلًا فَلَا تُطَلَّق إِلَّا فِي طُهْر لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ وَالثَّانِيَة أَنْ تَكُون حَامِلًا فَيَجُوز طَلَاقهَا وَالْفَرْق بَيْن الْحَامِل وغيرها في الطلاق إنما هُوَ بِسَبَبِ الْحَمْل وَعَدَمه لَا بِسَبَبِ حَيْض وَلَا طُهْر وَلِهَذَا يَجُوز طَلَاق الْحَامِل بَعْد الْمَسِيس دُون الْحَائِل وَهَذَا جَوَاب سَدِيد وَاَللَّه أَعْلَم وَقَدْ أَفْرَدْت لِمَسْأَلَةِ الْحَامِل هَلْ تَحِيض أَمْ لَا مُصَنَّفًا مُفْرَدًا وَقَدْ اِحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ يَرَى أَنَّ السُّنَّة تَفْرِيق الطَّلْقَات عَلَى الْأَقْرَاء فَيُطَلِّق لِكُلِّ قُرْء طَلْقَة وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة كقولهم قالوا وذلك لأن النبي إِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِهَا فِي الطُّهْر الْمُتَعَقِّب لِلْحَيْضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْصِل بَيْنه وَبَيْن الطَّلَاق طُهْر كَامِل وَالسُّنَّة أَنْ يَفْصِل بَيْن الطَّلْقَة وَالطَّلْقَة قُرْء كَامِل فَإِذَا طَهُرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ طَلَّقَهَا طَلْقَة بَائِنَة لِحُصُولِ الْفَصْل بَيْن الطَّلْقَتَيْنِ بِطُهْرٍ كَامِل قَالُوا فَلِهَذَا الْمَعْنَى اُعْتُبِرَ الشَّارِع الْفَصْل بَيْن الطَّلَاق الْأَوَّل وَالثَّانِي قَالُوا وفي بعض حديث بن عُمَر السُّنَّة أَنْ يَسْتَقْبِل الطُّهْر فَيُطَلِّق لِكُلِّ قرء وروى النسائي في سننه عن بن مَسْعُود قَالَ طَلَاق السُّنَّة أَنْ يُطَلِّقهَا تَطْلِيقَة وَهِيَ طَاهِر فِي غَيْر جِمَاع فَإِذَا حَاضَتْ فَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى ثُمَّ تَعْتَدّ بَعْد ذَلِكَ بِحَيْضَةٍ وَهَذَا الاستدلال ضعيف فإن النبي لَمْ يَأْمُرهُ بِإِمْسَاكِهَا فِي الطُّهْر الثَّانِي لِيُفَرِّق الطَّلْقَات الثَّلَاث عَلَى الْأَقْرَاء وَلَا فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا طَاهِرًا قَبْل أَنْ يَمَسّهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا حِكْمَة إِمْسَاكهَا فِي الطُّهْر الْأَوَّل وَأَمَّا قَوْله وَالسُّنَّة أَنْ يَسْتَقْبِل الطُّهْر فَيُطَلِّق لِكُلِّ قُرْء فَهُوَ حَدِيث قَدْ تَكَلَّمَ النَّاس فِيهِ وَأَنْكَرُوهُ عَلَى عطاء الخرساني فَإِنَّهُ اِنْفَرَدَ بِهَذِهِ اللَّفْظَة دُون سَائِر الرُّوَاة قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَطَاء الخرساني عن بن عمر في هذه القصة أن النبي قَالَ السُّنَّة أَنْ يَسْتَقْبِل الطُّهْر فَيُطَلِّق لِكُلِّ قُرْء فَإِنَّهُ أَتَى فِي هَذَا الْحَدِيث بِزِيَادَاتٍ لَمْ يُتَابَع عَلَيْهَا وَهُوَ ضَعِيف فِي الْحَدِيث لَا يُقْبَل مِنْهُ مَا يَنْفَرِد بِهِ وَأَمَّا حديث بن مَسْعُود فَمَعَ أَنَّهُ مَوْقُوف عَلَيْهِ فَهُوَ حَدِيث يَرْوِيه أَبُو إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه وَاخْتُلِفَ عَلَى أَبِي إِسْحَاق فِيهِ فَقَالَ الْأَعْمَش عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْهُ طَلَاق السُّنَّة أَنْ يُطَلِّقهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْر جِمَاع وَلَعَلَّ هَذَا حَدِيثَانِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَعْمَش قَالَ سَأَلْت إِبْرَاهِيم فَقَالَ لِي مِثْل ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا غايته أن يكون قول بن مَسْعُود وَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيّ وَغَيْره وَقَدْ رُوِيَ عن بن مَسْعُود رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا التَّفْرِيق وَالثَّانِيَة إِفْرَاد الطَّلْقَة وَتَرْكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا قَالَ طَلَاق السُّنَّة أَنْ يُطَلِّقهَا وَهِيَ طَاهِر ثُمَّ يَدَعهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا أَوْ يُرَاجِعهَا إِنْ شَاءَ ذَكَرَهُ بن عَبْد الْبَرّ عَنْهُ وَلِأَنَّ هَذَا أَرْدَأ طَلَاق لِأَنَّهُ طَلَاق مِنْ غَيْر حَاجَة إِلَيْهِ وَتَعْرِيض لِتَحْرِيمِ الْمَرْأَة عَلَيْهِ إِلَّا بَعْد زَوْج وَإِصَابَة وَالشَّارِع لَا غَرَض لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا مَصْلَحَة لِلْمُطَلِّقِ فَكَانَ بِدْعِيًّا وَاَللَّه أَعْلَم وَقَوْله فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى الْأَقْرَاء هِيَ الْأَطْهَار قَالُوا وَاللَّام بِمَعْنَى الْوَقْت كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمْ الصَّلَاة لِدُلُوكِ الشَّمْس﴾ وَقَوْل الْعَرَب كَتَبَ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ وَلِثَلَاثٍ بَقَيْنَ وَفِي الْحَدِيث فَلْيُصَلِّهَا حِين ذَكَرَهَا وَمِنْ الْغَد لِلْوَقْتِ قَالُوا فَهَذِهِ اللَّام الْوَقْتِيَّة بِمَعْنَى (فِيهِ) وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ اللَّام فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ هِيَ اللَّام الْمَذْكُورَة فِي قَوْله أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء وَلَا يَصِحّ أَنْ تَكُون وَقْتِيَّة وَلَا ذَكَرَ أَحَد مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ اللَّام تَأْتِي بِمَعْنَى فِي أَصْلًا ولا يصح أن تكون هنا بِمَعْنَى فِي وَلَوْ صَحَّ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع لِأَنَّ الطَّلَاق لَا يَكُون فِي نَفْس الْعِدَّة وَلَا تَكُون عِدَّة الطَّلَاق ظَرْفًا لَهُ قَطّ وَإِنَّمَا اللَّام هُنَا عَلَى بَابهَا لِلِاخْتِصَاصِ وَالْمَعْنَى طَلِّقُوهُنَّ مُسْتَقْبِلَات عِدَّتِهِنَّ وَيُفَسِّر هَذَا قِرَاءَة النبي في حديث بن عُمَر فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُل عِدَّتِهِنَّ أَيْ فِي الوقت الذي تستقبل فِيهِ الْعِدَّة وَعَلَى هَذَا فَإِذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرهَا اِسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّة مِنْ الْحَيْضَة الَّتِي تَلِيه فَقَدْ طَلَّقَهَا فِي قُبُل عِدَّتهَا بِخِلَافِ مَا إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدّ بِتِلْكَ الْحَيْضَة وَيُنْتَظَر فَرَاغهَا وَانْقِضَاء الطُّهْر الَّذِي يَلِيهَا ثُمَّ تَشْرَع فِي الْعِدَّة فَلَا يَكُون طَلَاقهَا حَائِضًا طَلَاقًا فِي قُبُل عِدَّتهَا وَقَدْ أَفْرَدْت لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة مُصَنَّفًا مُسْتَقِلًّا ذَكَرْت فِيهِ مَذَاهِب النَّاس وَمَآخِذهمْ وَتَرْجِيح الْقَوْل الرَّاجِح وَالْجَوَاب عَمَّا اِحْتَجَّ بِهِ أَصْحَاب الْقَوْل الْآخَر وَقَوْله مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْر بِهِ وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي ذَلِكَ وَفَصْل النِّزَاع أَنَّ الْمَأْمُور الْأَوَّل إِنْ كَانَ مبلغا محضا كأمر النبي آحاد الصحابة أن يأمر الغائب عنه يأمره فَهَذَا أَمْر بِهِ مِنْ جِهَة الشَّارِع قَطْعًا وَلَا يَقْبَل ذَلِكَ نِزَاعًا أَصْلًا وَمِنْهُ قَوْله مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ وَقَوْله مُرُوهُمْ بِصَلَاةٍ كَذَا فِي حِين كَذَا وَنَظَائِره فَهَذَا الثَّانِي مَأْمُور به من جهة الرسول فَإِذَا عَصَاهُ الْمُبَلَّغ إِلَيْهِ فَقَدْ عَصَى أَمْر الرَّسُول صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَالْمَأْمُور الْأَوَّل مُبَلِّغ مَحْض وَإِنْ كَانَ الْأَمْر مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَأْمُور الْأَوَّل تَوَجُّه التَّكْلِيفِ وَالثَّانِي غَيْر مُكَلَّف لَمْ يَكُنْ أَمْرًا لِلثَّانِي مِنْ جِهَة الشَّارِع كقوله مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ فَهَذَا الْأَمْر خِطَاب لِلْأَوْلِيَاءِ بِأَمْرِ الصِّبْيَان بِالصَّلَاةِ فَهَذَا فَصْل الْخِطَاب فِي هَذَا الْبَاب وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ فَهَذِهِ كَانَتْ نبهنا بها على بعض فوائد حديث بن عُمَر فَلَا تَسْتَطِلْهَا فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى فَوَائِد ٥ - (بَاب الرَّجُلِ يُرَاجِعُ وَلَا يُشْهِدُ) (عَنْ يَزِيدَ الرشك) بكسر المهملة وإسكان المعجمة هو بن أَبِي يَزِيدَ الضُّبَعِيُّ (ثُمَّ يَقَعُ بِهَا) أَيْ يُجَامِعُهَا لِلرَّجْعَةِ (وَلَا تَعُدْ) نَهَى عَنِ الْعَوْدِ إِلَى تَرْكِ الْإِشْهَادِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَالْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَى الرَّاجِعَةِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَاسْتُدِلَّ لهم بحديث بن عُمَرَ السَّالِفِ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ فَلْيُرَاجِعْهَا وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِشْهَادَ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِنَّهُ يَجِبُ الْإِشْهَادُ فِي الرَّجْعَةِ وَالِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ الْبَابِ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ لِأَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ فِي أَمْرٍ مِنْ مَسَارِحِ الِاجْتِهَادِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لَوْلَا مَا وَقَعَ مِنْ قَوْلِهِ طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ هَذَا تَلْخِيصُ مَا فِي النيل قال المنذري وأخرجه بن ماجه ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] جَمَّة وَقَوَاعِد مُهِمَّة وَمَبَاحِث لِمَنْ قَصْدُهُ الظُّفْرُ بِالْحَقِّ وَإِعْطَاءُ كُلّ ذِي حَقّ حَقّه مِنْ غَيْر مَيْل مَعَ ذِي مَذْهَبه وَلَا خِدْمَة لإمامة وأصحابه بحديث رسول الله بل تابع للدليل حريص على المظفر بِالسُّنَّةِ وَالسَّبِيل يَدُور مَعَ الْحَقِّ أَنَّى تَوَجَّهَتْ رَكَائِبُهُ وَيَسْتَقِرّ مَعَهُ حَيْثُ اِسْتَقَرَّتْ مَضَارِبه وَلَا يَعْرِف قَدْر هَذَا السَّيْر إِلَّا مَنْ عَلَتْ هِمَّته وَتَطَلَّعَتْ نَوَازِع قَلْبه وَاسْتَشْرَفَتْ نَفْسه إِلَى الِارْتِضَاع مِنْ ثَدْيِ الرِّسَالَةِ وَالْوُرُود مِنْ عَيْن حَوْض النُّبُوَّة وَالْخَلَاص مِنْ شِبَاك الْأَقْوَال الْمُتَعَارِضَة وَالْآرَاء الْمُتَنَاقِضَة إِلَى فَضَاء الْعِلْم الْمَوْرُوث عَمَّنْ لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى وَلَا يَتَجَاوَز نُطْقه الْبَيَان وَالرَّشَاد وَالْهُدَى وَبَيْدَاء الْيَقِين الَّتِي مَنْ حَلَّهَا حُشِدَ فِي زُمْرَة الْعُلَمَاء وَعُدَّ مِنْ وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَمَا هِيَ إِلَّا أَوْقَات مَحْدُودَة وَأَنْفَاس عَلَى الْعَبْد مَعْدُودَة فَلْيُنْفِقْهَا فِيمَا شَاءَ أَنْتَ الْقَتِيل لِكُلِّ مَنْ أَحْبَبْته فَانْظُرْ لِنَفْسِك فِي الْهَوَى مَنْ تَصْطَفِي ٦ - (بَاب فِي سُنَّةِ طَلَاقِ الْعَبْدِ) (أَنَّهُ اسْتَفْتَى بن عباس) أي أنه طلب الفتوى من بن عَبَّاسٍ (فِي مَمْلُوكٍ كَانَتْ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ) أَيْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ (فَطَلَّقَهَا) أَيْ طَلَّقَ الْمَمْلُوكُ الْمَمْلُوكَةَ (ثُمَّ عُتِقَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الطَّلَاقِ (هَلْ يَصْلُحُ لَهُ) أَيْ هَلْ يَجُوزُ لِلْمَمْلُوكِ (أَنْ يَخْطُبَهَا) مِنَ الْخِطْبَةِ بالكسر (قال) أي بن عَبَّاسٍ (نَعَمْ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا أَعْلَمُ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَمْلُوكَةَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ مَمْلُوكٍ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن مَاجَهْ وَأَبُو الْحَسَنِ هَذَا قَدْ ذُكِرَ بِخَيْرٍ وَصَلَاحٍ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيَّانِ غَيْرَ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ عُمَرُ بْنُ مُعَتِّبٍ وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عُمَرُ بْنُ الْمُعَتِّبِ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْهُ فَقَالَ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ يَحْيَى يعني بن أَبِي كَثِيرٍ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ عُمَرُ بْنُ مُعَتِّبٍ لَيْسَ بَالْقَوِيِّ وَقَالَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَمُعَتِّبٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ ثَالِثِ الْحُرُوفِ وَكَسْرِهَا وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ بِلَا إِخْبَارٍ) أَيْ بِإِسْنَادِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَمَعْنَاهُ لَكِنْ بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ دُونَ صِيغَةِ الْإِخْبَارِ (بَقِيَتْ لَكَ وَاحِدَةٌ) أَيْ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً وَطَلَاقُهَا ثلاثة (قال بن الْمُبَارَكِ لِمَعْمَرٍ مَنْ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا لَقَدْ تَحَمَّلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً إِلَخْ) لَيْسَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُنْذِرِيُّ ﵀ وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدُ بِذَلِكَ إِنْكَارَ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ (طَلَاقُ الْأَمَةِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لمفعوله أي تطليقها (تطليقتان وقروؤها حَيْضَتَانِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَة إِجْمَاع فَإِنَّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد الْقَوْل بِهَذَا الْحَدِيث قال ولا أرى شيئا يدفعه وَغَيْر وَاحِد يَقُول بِهِ أَبُو سَلَمَة وَجَابِر وَسَعِيد بْن الْمُسَيَّب هَذَا آخِر كَلَامه وَقَالَ مَرَّة حَدِيث عُثْمَان وَزَيْد فِي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِ جيد وحديث بن عباس يرويه عمر بن معتب ولا أعرفه ثم ذكر كلام بن الْمُبَارَك قَالَ أَحْمَد أَمَّا أَبُو حَسَن فَهُوَ عِنْدِي مَعْرُوف وَلَكِنْ لَا أَعْرِف عُمَر بْن معتب وقال الإمام أحمد في رواية بن مَنْصُور فِي عَبْدٍ تَحْتَهُ مَمْلُوكَة وَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ عُتِقَا يَتَزَوَّجهَا وَتَكُون عَلَى وَاحِدَة عَلَى حَدِيث عُمَر بْن مُعَتِّب وَقَالَ فِي رِوَايَة أَبِي طَالِب فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة يَتَزَوَّجهَا وَلَا يُبَالِي عُتِقَا أَوْ بَعْد الْعِدَّة وَهُوَ قَوْل بن عَبَّاس وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَأَبِي سَلَمَة وَقَتَادَة قَالَ أَبُو بَكْر عَبْد الْعَزِيز إِنْ صَحَّ الْحَدِيث فَالْعَمَل عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَصِحّ فَالْعَمَل عَلَى حَدِيث عُثْمَان وَزَيْد وَحَدِيث عُثْمَان وَزَيْد الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ مَا رَوَاهُ الْأَثْرَم فِي سُنَنه عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتِب أُمّ سَلَمَة طَلَّقَ اِمْرَأَته حُرَّة بِتَطْلِيقَتَيْنِ فَسَأَلَ عُثْمَان وَزَيْد بْن ثَابِت عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا حُرِّمَتْ عَلَيْك قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الطَّلَاقُ بَالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بَالنِّسَاءِ روي ذلك عن بن عمر وزيد بن ثابت وبن عَبَّاسٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ فَإِذَا كَانَتْ أَمَةٌ تَحْتَ حُرٍّ فَطَلَاقُهَا ثَلَاثٌ وَعِدَّتُهَا قراءان وإن كانت حرة تحت عبد فطلاقها اثنتان وَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْحُرَّةُ تَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وطلاقها ثلاث كالعدة والأمة تعتد قرءين وتطلق تَطْلِيقَتَيْنِ سَوَاءً كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ إِنْ ثَبَتَ وَلَكِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ ضَعَّفُوهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَبْدًا انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ حَدِيثٌ مَجْهُولٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُظَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ وَمُظَاهِرٌ لَا يُعْلَمُ لَهُ فِي الْعِلْمِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ حَدِيثًا آخَرَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ آلِ عِمْرَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَلِلْحَدِيثِ بَعْدُ عِلَّةٌ عَجِيبَةٌ ذَكَرهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخه الْكَبِير قَالَ مُظَاهِر بْن أَسْلَمَ عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة رَفَعَهُ طَلَاق الْأَمَة تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتهَا حَيْضَتَانِ قَالَ أَبُو عَاصِم حَدَّثَنَا بن جُرَيْج عَنْ مُظَاهِر ثُمَّ لَقِيت مُظَاهِرًا فَحَدَّثَنَا بِهِ وَكَانَ أَبُو عَاصِم يُضَعَّف مُظَاهِرًا وَقَالَ يحيى بن سليمان حدثنا بن وَهْب قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَة بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْد أَبِيهِ فَأَتَاهُ رَسُول الْأَمِير فَقَالَ إِنَّ الْأَمِير يَقُول لَك كَمْ عِدَّة الْأَمَة قَالَ عِدَّة الْأَمَة حَيْضَتَانِ وَطَلَاق الْحُرّ الْأَمَة ثَلَاث وَطَلَاق الْعَبْد الْحُرَّة تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّة الْحُرَّة ثَلَاث حِيَض ثُمَّ قَالَ لِلرَّسُولِ أَيْنَ تَذْهَب قَالَ أَمَرَنِي أَنْ أَسْأَل الْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه قَالَ فَأُقْسِم عَلَيْك إِلَّا رَجَعْت إِلَيَّ فَأَخْبَرْتنِي مَا يَقُولَانِ فَذَهَبَ وَرَجَعَ إِلَى أَبِي فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمَا قَالَا كَمَا قَالَ وَقَالَا لَهُ قُلْ إِنَّ هَذَا لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه وَلَا فِي سُنَّة رَسُول اللَّه وَلَكِنْ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ قُلْتُ وَمُظَاهِرٌ هَذَا مَخْزُومِيٌّ مَكِّيٌّ ضَعَّفَهُ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثٍ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ إِنْ ثَبَتَ وَلَكِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ ضَعَّفُوهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَبْدًا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَوْ كَانَ ثَابِتًا قُلْنَا بِهِ إِلَّا أَنَّا لَا نُثْبِتُ حَدِيثًا يَرْوِيهِ مَنْ تُجْهَلُ عَدَالَتُهُ وَبَاللَّهِ التَّوْفِيقُ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَمُظَاهِرٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ هَاءٌ مَكْسُورَةٌ وَرَاءٌ مُهْمَلَةٌ (بَاب فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ) (لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ) أَيْ لَا صِحَّةَ لَهُ وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ النَّاجِزُ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَأَمَّا التَّعْلِيقُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّعْلِيقُ مُطْلَقًا وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَرَبِيعَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ والأوزاعي وبن أَبِي لَيْلَى إِلَى التَّفْصِيلِ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِحَاصِرٍ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ بَلَدِ كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ صَحَّ الطَّلَاقُ وَوَقَعَ وَإِنْ عَمَّمَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِحْسَانِ كَمَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِإِطْلَاقِ الصِّحَّةِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الطَّلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَذَكَر الدَّارَقُطْنِيُّ حَدِيث مُظَاهَر ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيح عَنْ الْقَاسِم خِلَاف هَذَا وَذَكَر عَنْ الْقَاسِم أَنَّهُ قِيلَ لَهُ بَلَغَك فِي هَذَا عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا وذكره الدارقطني أيضا من حديث بن عُمَر مَرْفُوعًا وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ عُمَر بْن شبيب والصحيح أنه من قول بن عمر مطلقا كذا في النيل (زاد بن الصَّبَّاحِ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (وَلَا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ) فَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ وَلَمْ يَكُنْ مَلَكَهُ وَقْتَ النَّذْرِ لَمْ يَصِحَّ النَّذْرُ فَلَوْ مَلَكَهُ بَعْدَ هَذَا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَالَ أَيْضًا سَأَلْتَ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ فَقُلْتُ أَيُّ شَيْءٍ أَصَحُّ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ فَقَالَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِظَاهِرِهِ وَأَجْرَاهُ عَلَى عُمُومِهِ إِذْ لَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ) وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ مَعَ أَخِيهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ الْمُطْلَقَةَ مِنَ الْأَيْمَانِ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَمِينَ لَهُ أَيْ لَا يَبَرُّ بِيَمِينِهِ لَكِنْ يَحْنَثُ وَيُكَفِّرُ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ النَّذْرُ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ إِنْ فَعَلْتُ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ وَلَدِي فَإِنَّ هَذِهِ يَمِينٌ بَاطِلَةٌ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا وَلَا يَلْزَمُهُ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَلَا فِدْيَةٌ وَكَذَلِكَ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّرِ وَالتَّقَرُّبِ فَالنَّذْرُ لَا يَنْعَقِدُ فِيهِ وَالْوَفَاءُ بِهِ لَا يَلْزَمُ بِهِ وَلَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَلَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ فِي الطَّاعَةِ لَا فِي الْمَعْصِيَةِ ٨ - (بَاب فِي الطَّلَاقِ) عَلَى غَلَطٍ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى غَيْظٍ بَدَلُ قَوْلِهِ عَلَى غَلَطٍ أَيْ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا عَلَى غَلَطٍ فَالْمَعْنَى فِي حَالَةٍ يَخَافُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَهِيَ حَالَةُ الْغَضَبِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ غَيْظٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ الطَّلَاقُ فِي غَيْظٍ وَاقِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَى قُلْتُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدِي عَلَى غَضَبٍ بَدَلُ قَوْلِهِ عَلَى غَلَطٍ وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ عَلَى إِغْلَاقٍ (كَانَ يَسْكُنُ إِيلِيَّا) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ هُوَ بَالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي غِلَاقٍ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْغِلَاقُ أَظُنُّهُ فِي الْغَضَبِ) فَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ ﵀ مَعْنَى الْإِغْلَاقِ الْغَضَبُ وَفَسَّرَهُ عُلَمَاءُ الغريب بالإكراه وهو قول بن قتيبة والخطابي وبن السَّيِّدِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ الْجُنُونُ وَاسْتَبْعَدَهُ الْمُطَرِّزِيُّ وَقِيلَ الغضب وكذا فسره أحمد ورده بن السَّيِّدِ فَقَالَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ طَلَاقٌ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُطَلِّقُ حَتَّى يَغْضَبَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْإِغْلَاقُ التَّضْيِيقُ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ وَالْحَدِيثُ أَخَذَ بِهِ مَنْ لَمْ يُوقِعِ الطَّلَاقَ وَالْعِتَاقَ مِنَ الْمُكْرَهِ وَهُوَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ شَيْخُنَا وَالْإِغْلَاق اِنْسِدَاد بَاب الْعِلْم وَالْقَصْد عَلَيْهِ يَدْخُل فِيهِ طَلَاق الْمَعْتُوه وَالْمَجْنُون وَالسَّكْرَان وَالْمُكْرَه وَالْغَضْبَان الَّذِي لَا يَعْقِل مَا يَقُول لِأَنَّ كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَاب الْعِلْم وَالْقَصْد وَالطَّلَاق إِنَّمَا يَقَع مِنْ قَاصِدٍ لَهُ عَالِم بِهِ وَاَللَّه أَعْلَم مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وعتاقه قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ صَالِحٍ الْمَكِّيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ إِغْلَاقٌ وَفَسَّرُوهُ بَالْإِكْرَاهِ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ يُغْلَقُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَتَصَرُّفُهُ وَقِيلَ كَأَنَّهُ يُغْلَقُ عَلَيْهِ وَيُحْبَسُ وَيُضَيَّقُ عليه حتى يطلق وقيل الإغلاق ها هنا الْغَضَبُ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ كُلِّهِ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ وَلَكِنْ لِيُطَلِّقْ لِلسُّنَّةِ كَمَا أُمِرَ انْتَهَى (بَاب فِي الطلاق على الهزل) (عن بن مَاهَكَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ هُوَ يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ الْفَارِسِيُّ الْمَكِّيُّ (ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ) الْهَزْلُ أَنْ يُرَادَ بَالشَّيْءِ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ بِغَيْرِ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا وَالْجِدُّ مَا يُرَادُ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوْ مَا صَلُحَ لَهُ اللَّفْظُ مَجَازًا (النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرِّجْعَةُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا فَفِي الْقَامُوسِ بَالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ عَوْدُ الْمُطَلِّقِ إِلَى طَلِيقَتِهِ وَفِي الْمَشَارِقِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ وَرَجْعَةُ الْمُطَلَّقَةِ فِيهَا الْوَجْهَانِ وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ وَأَنْكَرَ بن مَكِّيٍّ الْكَسْرَ وَلَمْ يُصِبْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ اتَّفَقَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَرِيحَ لَفْظِ الطلاق إذا جرى على لسان انسان الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فَإِنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِهِ وَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَقُولَ كُنْتُ لَاعِبًا أَوْ هَازِلًا أَوْ لَمْ أَنْوِهِ طَلَاقًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ ﷾ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ الله هزوا وَقَالَ لَوْ أُطْلِقَ لِلنَّاسِ ذَلِكَ لَتَعَطَّلَتِ الْأَحْكَامُ وَلَمْ يُؤْمَنْ مُطَلِّقٌ أَوْ نَاكِحٌ أَوْ مُعْتِقٌ أَنْ يَقُولُ كُنْتُ فِي قَوْلِي هَازِلًا فَيَكُونُ في ذلك ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى طَلَاق الْمُكْرَه لَازِمًا قَالَ لِأَنَّهُ أَكْثَر مَا فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدهُ وَالْقَصْد لَا يُعْتَبَر فِي الصَّرِيح بِدَلِيلِ وُقُوعه مِنْ الْهَازِل وَاللَّاعِب وَهَذَا قِيَاس فَاسِدٌ فَإِنَّ الْمُكْرَه غَيْر قَاصِد لِلْقَوْلِ وَلَا لِمُوجِبِهِ وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَيْهِ وَأُكْرِه عَلَى التَّكَلُّم بِهِ وَلَمْ يُكْرَه عَلَى الْقَصْد وَأَمَّا الْهَازِل فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ بِاللَّفْظِ اِخْتِيَارًا وَقَصَدَ بِهِ غَيْر مُوجِبه وَهَذَا لَيْسَ إِلَيْهِ بَلْ إِلَى الشَّارِع فَهُوَ أَرَادَ اللَّفْظ الَّذِي إِلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَكُون مُوجِبه وَلَيْسَ إِلَيْهِ فَإِنَّ من باشر سبب لكم بِاخْتِيَارِهِ لَزِمَهُ مُسَبَّبه وَمُقْتَضَاهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ وَأَمَّا الْمُكْرَه فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَقِيَاسه عَلَى الْهَازِل غَيْرُ صَحِيحٍ إِبْطَالُ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَكُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَزِمَهُ حُكْمُهُ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ أَنَّ الْمُدَّعَى خِلَافُهُ وَذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِأَمْرِ الْفُرُوجِ وَاحْتِيَاطٌ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَعَافِرِيُّ رُوِيَ فِيهِ وَالْعِتْقُ وَلَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ يُحَسَّنُ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ (بَاب نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ) (وَالْمُطَلَّقَاتُ يتربصن) أي ينتظرن (ثلاثة قروء) جَمْعُ قَرْءٍ بَالْفَتْحِ وَهُوَ الطُّهْرُ أَوِ الْحَيْضُ قَوْلَانِ (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خلق الله في أرحامهن) من الولد أو الحيض (اية) بالغصب أَيْ أَتِمَّ الْآيَةَ وَتَمَامُ الْآيَةِ (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والله عزيز حكيم) فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا كَلِمَةُ إِنْ وَصْلِيَّةٌ (فَنُسِخَ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ الرَّجُلِ أَحَقَّ بِرَجْعَةِ امْرَأَتِهِ وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا (فَقَالَ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ الْآيَةَ) أَيِ التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ عَلَى التَّفْرِيقِ دُونَ الْجَمْعِ وَالْإِرْسَالِ دَفْعَةً وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان) أَيْ فَعَلَيْكُمْ إِمْسَاكُهُنَّ بَعْدَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ لَمْ يَذْكُر أَبُو دَاوُدَ فِي النُّسَخ غَيْر هَذَيْنَ وَفِيهِ أَحَادِيث أَصَحّ وَأَصْرَح مِنْهَا مِنْهَا حَدِيث مَالِك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ الرَّجُل إِذَا طَلَّقَ اِمْرَأَته ثُمَّ اِرْتَجَعَهَا قَبْل أَنْ تَنْقَضِي عِدَّتهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْف مَرَّة فَعَمَد رَجُل إِلَى اِمْرَأَةٍ لَهُ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أَمْهَلَهَا حَتَّى إِذَا شَارَفَتْ اِنْقِضَاء عِدَّتهَا اِرْتَجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَالَ وَاَللَّه لَا آوِيك إِلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ التَّطْلِيقَتَيْنِ بِأَنْ تُرَاجِعُوهُنَّ مِنْ غَيْرِ ضِرَارٍ أَوْ إِرْسَالَهُنَّ بِإِحْسَانٍ قَالَ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ كَانَ النَّاسُ فِي الِابْتِدَاءِ يُطَلِّقُونَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَلَا عَدٍّ وَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَإِذَا قَارَبَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ ثُمَّ راجعها يقصد مضارتها فنزلت الطلاق مرتان يَعْنِي الطَّلَاقُ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ عَقِيبَهُ مَرَّتَانِ فَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ نَسْخَ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَتْ مُفَرَّقَةً فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ لحديث بن عَبَّاسٍ كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا فَيَجُوزُ للرجل أن يراجع امرأته بعد ما طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَمَا يَجُوزُ له الرجعة بعد ما طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَإِنْ قُلْتَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يدعي أن حديث بن عَبَّاسٍ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ الْمُرْسَلَةِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَاحِدَةً مَنْسُوخٌ أَيْضًا بِحَدِيثِ الْبَابٌ فَمَا الْجَوَابُ قُلْتُ دَعْوَى نَسْخِ حديث بن عَبَّاسٍ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ مُعَارِضٍ مُقَاوِمٍ مُتَرَاخٍ فَأَيْنَ هَذَا وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ فَإِنَّهُ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيُرَاجِعُهَا بِغَيْرِ عَدَدٍ فَنُسِخَ ذَلِكَ وَقُصِرَ عَلَى ثَلَاثٍ فِيهَا تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ فَأَيْنَ فِي ذَلِكَ الْإِلْزَامُ بَالثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ ثُمَّ كَيْفَ يَسْتَمِرُّ الْمَنْسُوخُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ لَا تَعْلَمُ بِهِ الْأُمَّةُ وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحِلِّ الْفُرُوجِ ثُمَّ كَيْفَ يَقُولُ عُمَرُ ﵁ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي شَيْءٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ وَهَلْ لِلْأُمَّةِ أَنَاةٌ فِي الْمَنْسُوخِ بِوَجْهٍ مَا ثُمَّ كَيْفَ يُعَارَضُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِحَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي فِيهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَجَلَّ (الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ فَاسْتَقْبَلَ النَّاس الطَّلَاق جَدِيدًا مِنْ يَوْمئِذٍ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ طَلَّقَ أَوْ لَمْ يُطَلِّق ورواه الترمذي متصلا عن عائشة ثم قال وَالْمُرْسَل أَصَحّ وَفِيهِ حَدِيث عَائِشَة فِي اِمْرَأَة رِفَاعَة وَقَوْل النَّبِيّ ﷺ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ صَرِيح فِي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِ بَعْد الطَّلْقَة الثَّالِثَة (وَإِخْوَتِهِ) بَالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى رُكَانَةَ أَيْ وَأَبُو إِخْوَةِ رُكَانَةَ (أُمَّ رُكَانَةَ) بَالنَّصْبِ مَفْعُولُ طَلَّقَ (فَقَالَتْ مَا يُغْنِي) أَيْ أَبُو رُكَانَةَ (إِلَّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَةُ) تُرِيدُ أَنَّهُ عِنِّينٌ (فأخذت النَّبِيَّ ﷺ حَمِيَّةٌ) بَالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ أَيْ غَيْرَةٌ وَغَضَبٌ (أَتَرَوْنَ فُلَانًا يشبه منه كذا وكذا من عبديزيد) أَيْ أَنَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتَهُ مُتَشَابِهُونَ فِي الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ فَهُمْ أَوْلَادُهُ وَلَا شَكَّ فِي رُجُولِيَّتِهِ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَتِ امْرَأَتُهُ الْمُزَنِيَّةُ (فَفَعَلَ) أَيْ فَطَلَّقَهَا (أُمَّ رُكَانَةَ) بَالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنَ امْرَأَتِكَ (وَإِخْوَتِهِ) بَالْجَرِّ أَيْ وَأُمَّ إِخْوَتِهِ (طَلَّقَهَا ثَلَاثًا) أَيْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ (قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا) أَيْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا وَلَكِنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَاحِدَةٌ فَرَاجِعْهَا وَلَفْظُ أَحْمَدَ طَلَّقَ رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا فَحَزِنَ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهَا وَاحِدَةٌ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ تَقَعُ وَاحِدَةً وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَهُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَيَجِيءُ تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى ياأيها النبي إذا طلقتم النساء ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ والحديث الذي رححه أَبُو دَاوُدَ هُوَ حَدِيث نَافِع بْن عُجَيْر أَنَّ رُكَانَة بْن عُبَيْد طَلَّقَ اِمْرَأَته سُهْمَةِ الْبَتَّة فَأُخْبِر بِذَلِكَ النَّبِيّ ﷺ وَقَالَ وَاَللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ وَاَللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة فَقَالَ رُكَانَة وَاَللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُول اللَّه ﷺ فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَة فِي زَمَن عُمَر ﵁ وَالثَّالِثَة فِي زَمَن عُثْمَان ﵁ قَالَ أبو داود وهذا أصح من حديث بن جُرَيْج يَعْنِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْل هَذَا تَمَّ كَلَامه وَهَذَا هُوَ الْحَدِيث الَّذِي ضَعَّفَهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالنَّاس فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ بْن السَّائِب عَنْ نَافِع بْن عُجَيْر عَنْ رُكَانَة وَمِنْ رِوَايَة الزُّبَيْر بْن سَعِيد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ بْن يَزِيد بْن رُكَانَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه وَكُلّهمْ ضُعَفَاء وَالزُّبَيْر أَضْعَفهمْ وَضَعَّفَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيث قَالَ عَلِيّ بْن يَزِيد بْن رُكَانَة عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَصِحّ حَدِيثه الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ أَوْ عَلَى إِرَادَةِ ضم أمته إليه والتقدير ياأيها النبي وَأُمَّتَهُ وَقِيلَ هُوَ عَلَى إِضْمَارِ قُلْ أَيْ قل لأمتك والثاني أليق فخص النبي ﵊ بَالنِّدَاءِ لِأَنَّهُ إِمَامُ أُمَّتِهِ اعْتِبَارًا بِتَقَدُّمِهِ وَعَمَّمَ بالخطاب كما يقال لأمير القوم يافلان افْعَلُوا كَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فَطَلِّقُوهُنَّ لعدتهن أَيْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ شُرُوعِهِنَّ فِي الْعِدَّةِ وَاللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ كَمَا يُقَالُ لَقِيتُهُ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنَ الشَّهْرِ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَطَلِّقُوهُنَّ لعدتهن قال بن عَبَّاسٍ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَحَدِيثُ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ أَصَحُّ وَحَدِيثُ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ يَأْتِي فِي بَابِ فِي الْبَتَّةَ (وَعَبْدُ الله بن علي بن يزيد بن ركانة) بَالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى نَافِعٍ أَيْ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَحَدِيثُهُ أَيْضًا يَأْتِي فِي الباب المذكور (أصح) أي من حديث بن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ وَالْحَاصِلُ أَنْ حَدِيثَ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْآتِيَيْنِ أصح من حديث بن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ وَبَيْنَ وَجْهِ كَوْنِهِمَا أَصَحَّ مِنْهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُمْ وَلَدُ الرَّجُلِ إِلَخْ) وَحَاصِلُهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عُجَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلَيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ مِنْ أَوْلَادِ رُكَانَةَ وهما ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَأَمَّا قَوْل أَبِي دَاوُدَ إِنَّهُ أَصَحّ مِنْ حديث بن جريج فلأن بن جُرَيْج رَوَاهُ عَنْ بَعْض بَنِي رَافِع مَوْلَى النَّبِيّ ﷺ عَنْ عِكْرِمَة عن بن عَبَّاس وَلِأَبِي رَافِع بَنُونَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُحْتَجّ بِهِ إِلَّا عُبَيْد اللَّه بْن رَافِع وَلَا نَعْلَم هَلْ هُوَ هَذَا أَوْ غَيْره وَلِهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم رَجَّحَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيث نافع بن عُجَيْر عَلَيْهِ وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد في مسنده من حديث بن إِسْحَاق حَدَّثَنِي دَاوُدَ بْن الْحُصَيْن عَنْ عِكْرِمَة عن بن عَبَّاس وَهَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيث نَافِع بْن عجير ومن حديث بن جُرَيْج وَقَدْ صَحَّحَ الْإِمَام أَحْمَد هَذَا السَّنَد فِي قِصَّة رَدّ زَيْنَب اِبْنَة رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بن الربيع وقال الصحيح حديث بن عباس أن رسول الله ﷺ رَدَّهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّل وهو بهذا الإسناد بعينه من رواية بن إِسْحَاق عَنْ دَاوُدَ بْن الحصين عَنْ عِكْرِمَة عن بن عَبَّاس وَهَكَذَا ذَكَر الثَّوْرِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ رِوَايَة بن إِسْحَاق هِيَ الصَّوَاب وَحَكَمُوا لَهُ عَلَى رِوَايَة حَجَّاج بْن أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ النَّبِيّ ﷺ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَحَجَّاج بْن أَرْطَاةَ أَعْرَف مِنْ نَافِع بْن عُجَيْر وَمَنْ مَعَهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَأَبُو دَاوُدَ لَمْ يَتَعَرَّض لِحَدِيثِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَلَا ذَكَره والله أعلم قَدْ بَيَّنَا فِي حَدِيثِهِمَا أَنَّ رُكَانَةَ إِنَّمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَحَدِيثُهُمَا أَصَحُّ لِأَنَّ أَوْلَادَ الرَّجُلِ أَعْلَمُ بِمَا جَرَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَالْمُؤَلِّفُ ﵀ يُعِيدُ كَلَامَهُ هَذَا بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِهِمَا فِي بَابِ فِي الْبَتَّةَ وَهُنَاكَ يَظْهَرُ لَكَ مَا فِيهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مَقَالٌ لِأَنَّ بن جُرَيْجٍ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ بَعْضِ بَنِي أَبِي رَافِعٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ وَالْمَجْهُولُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَحُكِيَ أَيْضًا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يُضَعِّفُ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ كُلَّهَا انْتَهَى حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَادُّهَا إِلَيْهِ) أَيْ حتى ظننت أن بن عَبَّاسٍ يَرُدُّ الْمَرْأَةَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ (فَيَرْكَبُ الْحَمُوقَةَ) أَيْ يَفْعَلُ فِعْلَ الْأَحْمَقِ (عَصَيْتَ رَبَّكَ) أَيْ بِتَطْلِيقِكَ الثَّلَاثَ دَفْعَةً (فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عدتهن) قال النووي هذه قراءة بن عباس وبن عُمَرَ وَهِيَ شَاذَّةٌ لَا يَثْبُتُ قُرْآنًا بَالْإِجْمَاعِ وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ خَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدنَا وَعِنْدَ مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ نُقِلَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وَعُثْمَانَ وَجَابِرٍ وعلي بن الحسين وغيرهم انتهى وفتوى بن عَبَّاسٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مَجْمُوعَةً بَانَتْ مِنْهُ لَكِنْ هَذَا رَأْيُهُ وَرِوَايَتُهُ الْمَرْفُوعَةُ الصَّحِيحَةُ الْآتِيَةُ فِي هَذَا الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبِينُ مِنْهُ بَلْ تَكُونُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ الْمَجْمُوعَةُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ رِوَايَةُ الرَّاوِي لَا رَأْيُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَقَرِّهِ وَأَيْضًا سَيَأْتِي عَنِ بن عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثلاثا بفم واحد فهي واحدة ففتوى بن عَبَّاسٍ هَذَا يُنَاقِضُ فَتْوَاهُ الْأَوَّلُ فَإِذَنْ لَمْ يَبْقَ الِاعْتِبَارُ إِلَّا عَلَى رِوَايَتِهِ ثُمَّ أَوْرَدَ أبو داود عدة متابعات لفتوى بن عَبَّاسٍ وَقَالَ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذَا الحديث حميد الأعرج وغيره عن مجاهد عن بن عَبَّاسٍ) هَذَا هُوَ الْمُتَابِعُ الْأَوَّلُ (وَرَوَاهُ شُعْبَةُ إلى قوله عن بن عباس) هو المتابع الثاني (وأيوب وبن جريج إلى عن بن عباس) أي روى هذا الحديث أيوب وبن جريج الخ وهو الثالث من المتابعات (وبن جريج عن عبد الحميد إلى عن بن عباس) أي روى هذا الحديث بن جُرَيْجٍ إِلَخْ وَهُوَ الرَّابِعُ مِنَ الْمُتَابِعَاتِ (وَرَوَاهُ الأعمش إلى عن بن عباس) هو الخامس من المتابعات (وبن جريج عن عمرو بن دينار عن بن عَبَّاسٍ) هُوَ السَّادِسُ مِنَ الْمُتَابِعَاتِ (كُلُّهُمْ قَالُوا فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إِنَّهُ أَجَازَهَا) أَيْ أَمْضَاهَا وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهَا وَاحِدَةٌ (قَالَ وَبَانَتْ مِنْكَ) هَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ أَجَازَهَا (نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ) بَالنَّصْبِ أَيْ كُلَّهُمْ قَالُوا نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ (بِفَمٍ وَاحِدٍ) أَيْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ (فَهِيَ وَاحِدَةٌ) فتوى بن عَبَّاسٍ هَذَا يُوَافِقُ رِوَايَتَهُ الْآتِيَةَ وَإِسْنَادَهُ عَلَى ما قال بن الْقَيِّمِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ (وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ هَذَا) أَيْ كَوْنُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ وَاحِدَةٌ (قَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ عِكْرِمَةَ (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ إِسْمَاعِيلُ بن إبراهيم (بن عباس) بالنصب على المفعولية واعلم أن بن عَبَّاسٍ كَمَا كَانَ يُفْتِي بِأَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ كَذَلِكَ كَانَ يُفْتِي بِهِ صَاحِبُهُ عِكْرِمَةُ أَيْضًا فَحَدَّثَ أَيُّوبُ عَنْهُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَتْوَى بن عَبَّاسٍ وَحَدَّثَ بَعْضَهُمْ فَتْوَاهُ نَفْسُهُ (وَصَارَ قَوْلُ بن عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَغَرَضُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ بن عَبَّاسٍ تَرَكَ الْإِفْتَاءَ بِكَوْنِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً وَصَارَ قَائِلًا بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحِلُّ بَعْدَ الثَّلَاثِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَلَكِنْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ دَخَلَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى الزُّهْرِيِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْبِكْرِ تُطَلَّقُ ثَلَاثًا فقال سئل عن ذلك بن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكُلُّهُمْ قَالُوا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زوجا غيره قال فخرج الحكم فأتى طاؤسا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ قول بن عَبَّاسٍ فِيهَا وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ قَالَ فَرَأَيْتُ طاؤسا رَفَعَ يَدَيْهِ تَعَجُّبًا مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ وَاللَّهِ ما كان بن عَبَّاسٍ يَجْعَلُهَا إِلَّا وَاحِدَةً (وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَفْظُهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ قَالَ فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ فَقَالَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَاذَا تَرَيَانِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا بَلَغَ لَنَا فِيهِ قَوْلٌ فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَاسْأَلْهُمَا ثُمَّ آتِنَا فَأَخْبِرْنَا فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا فقال بن عباس لأبي هريرة أفته ياأبا هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيره وقال بن عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا قَالَ مَالِكٌ وَالثَّيِّبُ إِذَا مَلَكَهَا الرَّجُلُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إِنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْبِكْرِ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ انْتَهَى (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وقول بن عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مِثْلُ خَبَرُ الصَّرْفِ قَالَ فِيهِ ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ الصَّرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ دَفْعُ ذَهَبٍ وَأَخْذُ فِضَّةٍ وَعَكْسُهُ قَالَهُ الْحَافِظُ وَالْأَوْلَى فِي تَعْرِيفِ الصَّرْفِ أَنْ يُقَالَ هُوَ بَيْعُ النُّقُودِ وَالْأَثْمَانِ بِجِنْسِهَا واعلم أن بن عَبَّاسٍ كَانَ يَعْتَقِدُ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا رِبَا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ وَصَاعِ تَمْرٍ بِصَاعَيْ تَمْرٍ وَكَذَا الْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الرِّبَوِيَّاتِ وَكَانَ مُعْتَمَدُهُ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ حِينَ بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَيَّانَ الْعَدَوِيِّ سَأَلْتُ أَبَا مِجْلَزَ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ كَانَ بن عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَكَانَ يَقُولُ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيدٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَالْحَدِيثَ وَفِيهِ التَّمْرُ بَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بَالشَّعِيرِ وَالذَّهَبُ بَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بَالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ فمن زاد فهو ربا فقال بن عَبَّاسٍ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أن المؤلف يقول إن بن عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا بِجَعْلِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ كَمَا كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا فِي الصَّرْفِ مِنْ أَنَّهُ لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ بِرِبَا الْفَضْلِ قُلْتُ رُجُوعُهُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّرْفِ بِبَلُوغِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ واستغفاره عما أفتى أولا ونهيه عند أَشَدَّ النَّهْيِ ظَاهِرةٌ لَا سُتْرَةَ فِيهِ وَأَمَّا رُجُوعُهُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ فَفِيهِ خَفَاءٌ كَيْفَ وَلَمْ يَثْبُتْ لَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ رِوَايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَاسِخَةٌ لِرِوَايَتِهِ الْآتِيَةِ مُوجِبَةٌ لِرُجُوعِهِ عَنْهَا وَكَذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ عَنْ جَعْلِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً أَوْ نَهَى عَنْهُ أَحَدًا وَأَمْرُ الطَّلَاقِ أَشَدُّ من أمر الربا وإفتائه بِخِلَافِ رِوَايَتِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَلَى وُجُودِ نَاسِخٍ لِرِوَايَتِهِ وَسَيَأْتِي وَجْهٌ وَجِيهٌ لِإِفْتَائِهِ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ في كلام الإمام بن القيم إن شاء الله تعالى (قال بن عَبَّاسٍ بَلَى كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا إِلَى قَوْلِهِ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا) أَيْ فِي التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ دَفْعَةً وَقَوْلُهُ تَتَابَعُوا بَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي بَعْضِ النسخ تَتَايَعُوا بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ وَهُمَا بِمَعْنًى أَيْ أَسْرَعُوا فِي التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ بِأَنْ أَوْقَعُوهَا دَفْعَةً (قَالَ أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ) أَيْ أَمْضُوا الثَّلَاثَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْ ذَهَبَ إن أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولَةً وَقَعَتِ الثَّلَاثُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولَةً فَوَاحِدَةٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِقَبْلِ الدُّخُولِ لَا يُنَافِي صِدْقَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَغَايَةُ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا التَّنْصِيصُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ مَدْلُولِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ بَالْبَعْضِ الَّذِي وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ضَعِيفَةٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ الرُّوَاةُ عن طاؤس مَجَاهِيلُ التَّتَايُعُ التَّهَافُتُ فِي الشَّيْءِ وَاللِّجَاجِ وَلَا يَكُونُ التَّتَايُعُ بَالْيَاءِ إِلَّا بَالشَّرِّ وَوَقَعَ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بَالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَتَعْلَمُ إِلَخْ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فلو أمضيناه ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا الْحَدِيث أَحَد مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَتَرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَظُنّهُ إِنَّمَا تَرَكَهُ لِمُخَالَفَتِهِ سَائِر الرِّوَايَات عن بن عَبَّاس وَسَاقَ الرِّوَايَات عَنْهُ ثُمَّ قَالَ فَهَذِهِ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَعُمَر بْن دِينَار وَمَالِك بْن الْحَارِث وَمُحَمَّد بْن إِيَاس بْن الْبُكَيْر وَرَوَيْنَاهُ عَنْ مُعَاوِيَة بْن أَبِي عَيَّاش الْأَنْصَارِيّ كلهم عن بن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن قال بن الْمُنْذَر فَغَيْر جَائِز أَنْ نَظُنّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَحْفَظ عَنْ النَّبِيّ ﷺ شَيْئًا ثُمَّ يُفْتِي بِخِلَافِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فإن كان يعني قول بن عَبَّاس إِنَّ الثَّلَاث كَانَتْ تُحْتَسَب عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه ﷺ يَعْنِي أَنَّهُ بِأَمْرِ رَسُول اللَّه ﷺ فَاَلَّذِي يُشْبِه وَاَللَّه أَعْلَم أَنْ يَكُون بن عَبَّاس قَدْ عَلِمَ أَنْ كَانَ شَيْءٌ فَنُسِخَ قال البيهقي ورواية عكرمة عن بن عَبَّاس فِيهَا تَأْكِيد لِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيل يُرِيد الْبَيْهَقِيّ الْحَدِيث الَّذِي ذَكَره أَبُو دَاوُدَ فِي بَاب نَسْخ الْمُرَاجَعَة وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ أَنَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ مُهْلَةٌ وَبَقِيَّةُ اسْتِمْتَاعٍ لِانْتِظَارِ الْمُرَاجَعَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ إِذَا أُوقِعَتْ مَجْمُوعَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةً قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ علي وبن مَسْعُودٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ نَقَلَ ذلك بن مُغِيثٍ فِي كِتَابِ الْوَثَائِقِ لَهُ وَعَزَاهُ لِمُحَمَّدِ بن وضاح ونقل الغنوي ذلك عن جماعة مِنْ مَشَايِخِ قُرْطُبَةَ كَمُحَمَّدِ بْنِ تَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا ونقله بن المنذر عن أصحاب بن عَبَّاسٍ كَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَيَتَعَجَّبُ من بن التِّينِ حَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّ لُزُومَ الثَّلَاثِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي التَّحْرِيمِ مَعَ ثُبُوتِ الِاخْتِلَافِ كَمَا تَرَى انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ بن الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَهَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مَعَهُ فِي عَصْرِهِ وَثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ عَصْرِ عُمَرَ ﵁ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ فَلَوْ عَدَّهُمُ الْعَادُّ بِأَسْمَائِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ إِمَّا بِفَتْوَى وَإِمَّا بِإِقْرَارٍ عَلَيْهَا وَلَوْ فُرِضَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا لِلْفَتْوَى بِهِ بَلْ كَانُوا مَا بَيْنَ مُفْتٍ وَمُقِرٍّ بِفُتْيَا وَسَاكِتٍ غَيْرِ مُنْكِرٍ وَهَذَا حَالُ كُلِّ صَحَابِيٍّ مِنْ عَهْدِ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى الْأَلْفِ قَطْعًا كَمَا ذَكَرَ يونس بن بكير عن بن إِسْحَاقَ وَكُلُّ صَحَابِيٍّ مِنْ لَدُنْ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄ كَانَ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْن سُرَيْج يُمْكِن أَنْ يَكُون ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الطَّلَاق الثَّلَاث وَهُوَ أَنْ يُفَرِّق بَيْن اللَّفْظ كَأَنْ يَقُول أَنْتِ طَالِق أَنْتِ طَالِق أَنْتِ طَالِق وَكَانَ فِي عَهْد النَّبِيّ ﷺ وَعَهْد أَبِي بَكْر وَالنَّاس عَلَى صِدْقهمْ وَسَلَامَتهمْ لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ فِيهِمْ الْخِبّ وَالْخِدَاع فَكَانُوا يَصْدُقُونَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ التَّوْكِيد وَلَا يُرِيدُونَ الثَّلَاث وَلَمَّا رَأَى عُمَر ﵁ فِي زَمَانه أُمُورًا ظَهَرَتْ وَأَحْوَالًا تَغَيَّرَتْ مَنَعَ مِنْ حَمْل اللَّفْظ عَلَى التَّكْرَار فَأَلْزَمهُمْ الثَّلَاث وَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ فِي غَيْر الْمَدْخُول بِهَا وَذَهَبَ إلى هذا جماعة من أصحاب بن عَبَّاسٍ وَرَوَوْا أَنَّ الثَّلَاث لَا تَقَع عَلَى غَيْر الْمَدْخُول بِهَا لِأَنَّهَا بِالْوَاحِدَةِ تَبِين فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِق بَانَتْ وَقَوْله ثَلَاثًا وَقَعَ بَعْد الْبَيْنُونَة وَلَا يُعْتَدّ بِهِ وَهَذَا مَذْهَب إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَقَالَ بَعْضهمْ قَدْ ثَبَتَ عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْسٍ أَنَّ أَبَا حَفْص بْن الْمُغِيرَة طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَأَبَانَهَا النَّبِيّ ﷺ وَلَمْ يَجْعَل لَهَا نَفَقَة ولا سكنى وفي حديث بن عُمَر أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا قَالَ إِذْن عَصَيْت رَبّك وَبَانَتْ مِنْك اِمْرَأَتك رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَعَنْ عَلِيّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَمِعَ النَّبِيّ ﷺ رَجُلًا طَلَّقَ اِمْرَأَته الْبَتَّة فَغَضِبَ وَقَالَ يَتَّخِذُونَ آيَات اللَّه هُزُوًا أَوْ دِين اللَّه هُزُوًا وَلَعِبًا مَنْ طَلَّقَ الْبَتَّة أَلْزَمْنَاهُ ثَلَاثًا لَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا فَتْوَى أَوْ إِقْرَارٌ أَوْ سُكُوتٌ وَلِهَذَا ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ قَدِيمٌ وَلَمْ تَجْتَمِعِ الْأُمَّةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى خِلَافِهِ بَلْ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَنْ يُفْتِي بِهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا فَأَفْتَى بِهِ حَبْرُ الْأُمَّةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَفْتَى أَيْضًا بَالثَّلَاثِ أَفْتَى بِهَذَا وَهَذَا وَأَفْتَى بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عوف حكاه عنهما بن وضاح وعن علي وبن مسعود روايتان كما عن بن عَبَّاسٍ وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَأَفْتَى بِهِ عِكْرِمَةُ وَأَفْتَى به طاؤس وَأَمَّا تَابِعُو التَّابِعِينَ فَأَفْتَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْهُ وَأَفْتَى بِهِ خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَأَمَّا أَتْبَاعُ تَابِعِي التَّابِعِينَ فَأَفْتَى بِهِ دَاوُدُ بْنُ علي وأكثر أصحابه حكاه عنهم بن المغلس وبن حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ حَكَاهُ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّفْرِيعِ لِابْنِ حَلَّابٍ قَوْلًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ حَكَاهُ شيخ الإسلام بن تَيْمِيَةَ عَنْهُ قَالَ وَكَانَ الْجَدُّ يُفْتِي بِهِ أَحْيَانًا انْتَهَى كَلَامُهُ وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الثَّلَاثَ تَقَعُ ثَلَاثًا وَحَدِيثُ بن عَبَّاسٍ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ فِي عَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَأُجِيبَ مَنْ قَبْلَهُمْ عَنْ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ بِأَجْوِبَةٍ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا عَنِ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ وَمَحَلُّ بَسْطِهَا وَالْكَشْفِ عَمَّا فِيهَا هُوَ غَايَةُ الْمَقْصُودِ وَلِلْقَائِلِينَ بِأَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ حَدِيثٌ آخَرُ صَحِيحٌ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ مولى بن عباس عن بن عباس قال طلق ركانة بن عبديزيد أَخُو بَنِي الْمُطَّلِبِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا قَالَ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ طلقتها ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالُوا وَهَذِهِ الْأَحَادِيث أَكْثَر وَأَشْهَر مِنْ حَدِيث أَبِي الصَّهْبَاء وَقَدْ عَمِلَ بِهَا الْأَئِمَّة فَالْأَخْذ بِهَا أَوْلَى وَقَالَ بَعْضهمْ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ الْمُعْتَاد فِي زَمَن النَّبِيّ ﷺ تَطْلِيقَة وَاحِدَة وَقَدْ اِعْتَادَ النَّاس الْآن التَّطْلِيقَات الثَّلَاث وَالْمَعْنَى كَانَ الطَّلَاق الْمُوَقَّع الْآن ثَلَاثًا مُوَقَّعًا فِي عَهْد النَّبِيّ ﷺ وَأَبِي بَكْر وَاحِدَة وَقَالَ بَعْضهمْ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَلَغَ النَّبِيّ ﷺ فَيُقِرّ عَلَيْهِ وَالْحُجَّة إِنَّمَا هِيَ فِي إِقْرَاره بَعْد بُلُوغه وَلَمَّا بَلَغَهُ طَلَاق رُكَانَة اِمْرَأَته الْبَتَّة اِسْتَحْلَفَهُ مَا أَرَدْت بِهَا إِلَّا وَاحِدَة وَلَوْ كَانَ الثَّلَاث وَاحِدَة لَمْ يَكُنْ لِاسْتِحْلَافِهِ مَعْنَى وَأَنَّهَا وَاحِدَة سَوَاء أَرَادَ بِهَا الثَّلَاث أَوْ الواحدة قَالَ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا قَالَ فَقَالَ فِي مَجْلِسٍ واحد قال نعم قال فإنما تملك وَاحِدَةٌ فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ قَالَ فَرَاجَعَهَا فَكَانَ بن عَبَّاسٍ يَرَى إِنَّمَا الطَّلَاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ قال بن الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَقَدْ صَحَّحَ الْإِمَامُ هَذَا الْإِسْنَادَ وَحَسَّنَهُ قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ الَّذِي فِي غَيْرِهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءٍ أَحَدُهَا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ وَشَيْخَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمُ احْتَجُّوا فِي عِدَّةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ بِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادِ كَحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ زَيْنَبَ ابْنَتَهُ بَالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مَرْدُودٌ الثاني معارضته بفتوى بن عَبَّاسٍ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ فَلَا يُظَنُّ بَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ هَذَا الْحُكْمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يُفْتِي بِخِلَافِهِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ ظَهَرَ لَهُ وَرَاوِي الْخَبَرِ أَخْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ بِمَا رَوَى وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِرِوَايَةِ الرَّاوِي لَا بِرَأْيِهِ لِمَا يَطْرُقُ رَأْيُهُ مِنَ احْتِمَالِ النِّسْيَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا كَوْنُهُ تَمَسَّكَ بِمُرَجِّحٍ فَلَمْ يَنْحَصِرْ فِي الْمَرْفُوعِ لِاحْتِمَالِ التَّمَسُّكِ بِتَخْصِيصٍ أَوْ تَقْيِيدٍ أَوْ تَأْوِيلٍ وَلَيْسَ قَوْلُ مُجْتَهِدٍ حُجَّةً عَلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ الثَّالِثُ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ رَجَّحَ أَنَّ رُكَانَةَ إِنَّمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ كَمَا أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ آلِ بَيْتِ رُكَانَةَ وَهُوَ تَعْلِيلٌ قَوِيٌّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ حَمَلَ الْبَتَّةَ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَالَ طَلِّقْهَا ثَلَاثًا فَبِهَذِهِ النُّكْتَةِ يَقِفُ الاستدلال بحديث بن عَبَّاسٍ الرَّابِعُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ شَاذٌّ فَلَا يُعْمَلُ به وأجيب بأنه نقل عن علي وبن مَسْعُودٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ مِثْلُهُ نقل ذلك بن مُغِيثٍ فِي كِتَابِ الْوَثَائِقِ لَهُ وَعَزَاهُ لِمُحَمَّدِ بن وضاح ونقل الغنوي ذلك عن جماعة مِنْ مَشَايِخِ قُرْطُبَةَ كَمُحَمَّدِ بْنِ تَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا ونقله بن المنذر عن أصحاب بن عباس كعطاء وطاؤس وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَقَالَ بَعْضهمْ الْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى خِلَاف هَذَا الْحَدِيث وَالْإِجْمَاع مَعْصُوم مِنْ الْغَلَط وَالْخَطَأ دُون خَبَر الْوَاحِد وَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّمَا هَذَا فِي طَلَاق السُّنَّة فَإِنَّهَا كَانَتْ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه ﷺ يُرَاد بِهَا الواحدة كما أراد بها ركانة ثم تتايع النَّاس فِيهَا فَأَرَادُوا بِهَا الثَّلَاث فَأَلْزَمهُمْ عُمَر إِيَّاهَا فَهَذِهِ عَشْرَة مَسَالِك لِلنَّاسِ فِي رَدّ هَذَا الْحَدِيث وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ الْمَعَافِرِيّ فِي كِتَابه النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ (غَائِلَة) قَالَ تَعَالَى (الطَّلَاق مَرَّتَانِ) زَلَّ قَوْم فِي آخِر الزَّمَان فَقَالُوا إِنَّ الطَّلَاق الثَّلَاث فِي كَلِمَةٍ لَا يَلْزَم وَجَعَلُوهُ وَاحِدَة وَنَسَبُوهُ قُلْتُ قَدْ أَجَابَ الْحَافِظُ عَنِ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالرَّابِعِ وَلَمْ يُجِبْ عَنِ الثَّالِثِ بَلْ قواه وجوابه ظاهر من كلام بن الْقَيِّمِ فِي الْإِغَاثَةِ حَيْثُ قَالَ إِنَّ أَبَا دَاوُدَ إِنَّمَا رَجَّحَ حَدِيثَ الْبَتَّةَ عَلَى حَدِيثِ بن جريج لأنه روى حديث بن جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا مَجْهُولٌ وَلَمْ يَرْوِ أَبُو دَاوُدَ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَلِذَا رَجَّحَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَ الْبَتَّةَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ وَحَدِيثُ بن جُرَيْجٍ شَاهِدٌ لَهُ وَعَاضِدٌ فَإِذَا انْضَمَّ حَدِيثُ أبي الصهباء إلى حديث بن إسحاق وإلى حديث بن جُرَيْجٍ مَعَ اخْتِلَافِ مَخَارِجِهَا وَتَعَدُّدِ طُرُقِهَا أَفَادَ الْعِلْمُ بِأَنَّهَا أَقْوَى مِنَ الْبَتَّةَ بِلَا شَكٍّ وَلَا يُمْكِنُ مَنْ شَمَّ رَوَائِحَ الْحَدِيثِ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَرْتَابَ فِي ذَلِكَ فَكَيْفَ يُقَدِّمُ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ الَّذِي ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَرُوَاتُهُ مجاهيل على هذه الأحاديث انتهى كلام بن الْقَيِّمِ فَإِنْ قُلْتَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ فَكَيْفَ خَالَفَهُمْ عُمَرُ ﵁ حَيْثُ أَمْضَاهَا عَلَيْهِمْ قُلْتُ لَمْ يُخَالِفْ عُمَرُ ﵁ إِجْمَاعَ مَنْ تَقَدَّمَهُ بَلْ رَأَى إِلْزَامَهُمْ بَالثَّلَاثِ عُقُوبَةً لَهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ حَرَامٌ وَتَتَابَعُوا فِيهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا سَائِغٌ لِلْأُمَّةِ أَنْ يُلْزِمُوا النَّاسَ مَا ضَيَّقُوا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَقْبَلُوا فِيهِ رُخْصَةَ اللَّهِ ﷿ وَتَسْهِيلَهُ وَرُخْصَتَهُ بَلِ اخْتَارُوا الشِّدَّةَ وَالْعُسْرَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] إِلَى السَّلَف الْأَوَّل فَحَكَوْهُ عَنْ عَلِيّ وَالزُّبَيْر وعبد الرحمن بن عوف وبن مسعود وبن عَبَّاس وَعَزَوْهُ إِلَى الْحَجَّاج بْن أَرْطَاةَ الضَّعِيف الْمَنْزِلَة الْمَغْمُوز الْمَرْتَبَة وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا لَيْسَ لَهُ أَصْل وَغَوَى قَوْم مِنْ أَهْل الْمَسَائِل فَتَتَبَّعُوا الْأَهْوَاء الْمُبْتَدَعَة فِيهِ وَقَالُوا إِنَّ قَوْله أَنْتِ طَالِق ثَلَاثًا كَذِب لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّق ثَلَاثًا كَمَا لَوْ قَالَ طَلَّقْت ثَلَاثًا وَلَمْ يُطَلِّق إِلَّا وَاحِدَة وَكَمَا لَوْ قَالَ أَحْلِف ثَلَاثًا كَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَة (مُنْبِهَة) لَقَدْ طَوَّفْت فِي الْآفَاق وَلَقِيت مِنْ عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأَرْبَاب الْمَذَاهِب كُلّ صَادِق فَمَا سَمِعْت لِهَذِهِ الْمَقَالَة بِخَبَرٍ وَلَا أَحْسَسْت لَهَا بِأَثَرِ إِلَّا الشِّيعَة الَّذِينَ يَرَوْنَ نِكَاح الْمُتْعَة جَائِزًا وَلَا يرون الطلاق واقعا ولذلك قال فيهم بن سَكْرَة الْهَاشِمِيُّ يَا مَنْ يَرَى الْمُتْعَة فِي دِينه حِلًّا وَإِنْ كَانَتْ بِلَا مَهْر وَلَا يَرَى تِسْعِينَ تَطْلِيقَة تَبِين مِنْهُ رَبَّة الْخِدْر من ها هنا طابت مواليدكم فاغتنموها يابني الْقَطْر وَقَدْ اِتَّفَقَ عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأَرْبَاب الْحَلّ وَالْعَقْد فِي الْأَحْكَام عَلَى أَنَّ الطَّلَاق الثَّلَاث في كلمة فَكَيْفَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَكَمَالِ نَظَرِهِ لِلْأُمَّةِ وَتَأْدِيبِهِ لَهُمْ وَلَكِنَّ الْعُقُوبَةَ تَخْتَلِفُ بَاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الْفِعْلِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهِ وَخَفَائِهِ وأمير المؤمنين ﵃ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ إِنَّ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ رَآهُ مَصْلَحَةً لِلْأُمَّةِ يَكُفُّهُمْ بِهَا التَّسَارُعَ إِلَى إِيقَاعِ الثَّلَاثِ وَلِهَذَا قَالَ فَلَوْ أَنَّا أَمْضَيْنَاهُ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ فَأَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ أَفَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا رَأْيٌ مِنْهُ رَآهُ لِلْمَصْلَحَةِ لَا إِخْبَارٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمَّا عَلِمَ ﵁ أَنَّ تِلْكَ الْأَنَاةَ وَالرُّخْصَةَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُطَلِّقِ وَرَحْمَةٌ بِهِ وَإِحْسَانٌ إِلَيْهِ وَأَنَّهُ قَابَلَهَا بِضِدِّهَا وَلَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ وَمَا جَعَلَهُ لَهُ مِنَ الْأَنَاةِ عَاقَبَهُ بِأَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَلْزَمَهُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فِي قَوْل بَعْضهمْ وَبِدْعَة فِي قَوْل الْآخَرِينَ لَازِمٌ وَأَيْنَ هَؤُلَاءِ الْبُؤَسَاء مِنْ عَالِم الدِّين وَعَلَم الْإِسْلَام مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ وَقَدْ قَالَ فِي صَحِيحه بَاب جَوَاز الثَّلَاث لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ وَذَكَر حَدِيث اللِّعَان فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْل أَنْ يَأْمُرهُ رَسُول اللَّه ﷺ وَلَمْ يُغَيِّر عَلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ وَلَا يُقِرّ عَلَى الْبَاطِل وَلِأَنَّهُ جَمَعَ مَا فُسِحَ لَهُ فِي تَفْرِيقه فَأَلْزَمَتْهُ الشَّرِيعَة حُكْمه وَمَا نَسَبُوهُ إِلَى الصَّحَابَة كَذِب بَحْت لَا أَصْل لَهُ فِي كِتَابٍ وَلَا رِوَايَة لَهُ عَنْ أَحَد وَقَدْ أَدْخَلَ مَالك فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَلِيّ أَنَّ الْحَرَام ثَلَاث لَازِمَةٌ فِي كَلِمَةٍ فَهَذَا فِي مَعْنَاهَا فَكَيْف إِذَا صَرَّحَ بِهَا وَأَمَّا حَدِيث الْحَجَّاج بْن أَرْطَاةَ فَغَيْر مَقْبُول فِي الْمِلَّة وَلَا عِنْد أَحَد مِنْ الْأَئِمَّة فَإِنَّ قِيلَ فَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ بن عَبَّاس وَذَكَر حَدِيث أَبِي الصَّهْبَاء هَذَا قُلْنَا هَذَا لَا مُتَعَلَّق فِيهِ مِنْ خَمْسَة أَوْجُه الْأَوَّل أَنَّهُ حَدِيث مُخْتَلَف فِي صِحَّته فَكَيْف يُقَدَّم عَلَى إِجْمَاع الْأُمَّة وَلَمْ يُعْرَف لَهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة خِلَاف إِلَّا عَنْ قَوْم اِنْحَطُّوا عَنْ رُتْبَة التَّابِعِينَ وَقَدْ سَبَقَ الْعَصْرَانِ الْكَرِيمَانِ وَالِاتِّفَاق عَلَى لُزُوم الثَّلَاث فَإِنْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَحَد مِنْهُمْ فَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُمْ إِلَّا مَا يَقْبَلُونَ مِنْكُمْ نَقْل الْعَدْل عَنْ الْعَدْل وَلَا تَجِد هَذِهِ الْمَسْأَلَة مَنْسُوبَة إِلَى أَحَد مِنْ السَّلَف أَبَدًا الثَّانِي إِنَّ هَذَا الحديث لم يرو إلا عن بن عَبَّاس وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ إِلَّا مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ فَكَيْف يُقْبَل مَا لَمْ يَرْوِهِ مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا وَاحِد وَمَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابِيّ إِلَّا وَاحِد وَكَيْف خَفِيَ عَلَى جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا بن عباس وكيف خفي على أصحاب بن عَبَّاس إِلَّا طَاوُس الثَّالِث يُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِهِ قَبْل الدُّخُول وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ النَّسَائِيّ فَقَالَ بَاب طَلَاق الثَّلَاث الْمُتَفَرِّقَة قَبْل الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ وَذَكَر هَذَا الْحَدِيث بِنَصِّهِ الرَّابِع أَنَّهُ يُعَارِضهُ حَدِيث مَحْمُود بْن لَبِيَدٍ قَالَ أُخْبِر رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ رَجُل طلق امرأته مَا الْتَزَمَهُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالِاسْتِعْجَالِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ قَدَرًا وَشَرْعًا فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا تَعَدَّوْا حُدُودَهُ وَلَمْ يَقِفُوا عِنْدَهَا ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ مَا جَعَلَهُ لِمَنِ اتَّقَاهُ مِنَ الْمَخْرَجِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنَ الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا إِنَّكَ لَوِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ لَجَعَلَ لَكَ مخرجا كما قاله بن مسعود وبن عَبَّاسٍ فَهَذَا نَظَرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا أَنَّهُ ﵁ غَيَّرَ أَحْكَامَ اللَّهِ وَجَعَلَ حَلَالَهَا حَرَامًا فَهَذَا غَايَةُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ النُّصُوصِ وَفِعْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ كَذَا فِي زَادِ الْمَعَادِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ١ - (بَاب فِي ما عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ وَالنِّيَّاتُ) (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بَالنِّيَّةِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَالنِّيَّاتِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ صِحَّةَ الْأَعْمَالِ وَوُجُوبَ أَحْكَامِهَا إِنَّمَا تَكُونُ بَالنِّيَّةِ وَأَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْمُصْرِفَةُ لَهَا إِلَى جِهَاتِهَا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَعْيَانَ الْأَعْمَالِ لِأَنَّ أعيانها حاصلة بغير نية (وإنما لامرىء مَا نَوَى) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ تَعْيِينَ الْمَنْوِيِّ شَرْطٌ فَلَوْ كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ صَلَوَاتٌ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ بَلْ شَرْطٌ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهَا ظُهْرًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَوْلَا هَذَا الْقَوْلُ لَاقْتَضَى الْكَلَامُ الْأَوَّلُ أَنْ تصح الفائتة بلا تعيين كذا قال بن ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ثَلَاث تَطْلِيقَات جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَان ثُمَّ قَالَ أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّه وَأَنَا بَيْن أَظْهُركُمْ حَتَّى قَامَ رَجُل فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَلَا أَقْتُلهُ رَوَاهُ النَّسَائِيّ فَلَمْ يُرِدْ النَّبِيّ ﷺ بَلْ أَمْضَاهُ وَكَمَا فِي حَدِيث عُوَيْمِر الْعِجْلَانِيّ فِي اللِّعَان حَيْثُ أَمْضَى طَلَاقه الثَّلَاث وَلَمْ يَرُدّهُ الْخَامِس وَهُوَ قَوِيٌّ فِي النَّظَر وَالتَّأْوِيل أَنَّهُ قَالَ كَانَ الطَّلَاق الثَّلَاث عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه ﷺ وَاحِدَة يُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِهِ كَانَ حُكْم الثَّلَاث إِذَا وَقَعَتْ أَنْ تُجْعَل وَاحِدَةً وَأَنْ يُرِيد بِهِ كَانَتْ عِبَارَة الثَّلَاث عَلَى عَهْده أَنْ تُذْكَر وَاحِدَة فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاس فِي الطَّلَاق وَذَكَرُوا الثَّلَاث بَدَل الْوَاحِدَة أَمْضَى ذَلِكَ عُمَر كَمَا أَمْضَاهُ رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى عُوَيْمِر حِين طَلَّقَ ثَلَاثًا فَلَا يَبْقَى فِي الْمَسْأَلَة إِشْكَال فَهَذَا أَقْصَى مَا يُرَدُّ بِهِ هَذَا الْحَدِيث الْمَلَكِ وَالْعَلْقَمِيُّ (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيِ انْتِقَالُهُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَصْدًا وَعَزْمًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) فَإِنْ قُلْتَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ قَدِ اتَّحَدَا قُلْنَا لَا اتِّحَادَ لِأَنَّ التَّكْرَارَ قَدْ يُفِيدُ الْكَمَالَ كَمَا قَالَ أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي أَيْ شِعْرٌ كَامِلٌ وَالْمَعْنَى فَهِجْرَتُهُ كَامِلَةٌ (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا) اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ بِمَعْنَى إِلَى وَدُنْيَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ لِأَنَّهَا تَأْنِيثٌ أَدْنَى وَجَمْعُهَا دُنَى كَكُبْرَى وَكُبَرُ (يُصِيبُهَا) أَيْ يُحَصِّلُهَا (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) إِنَّمَا ذَكَرَهَا مَعَ كَوْنِهَا مُنْدَرِجَةً تَحْتَ دُنْيَا تَعْرِيضًا لِمَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي نِكَاحِ مُهَاجِرَةٍ فَقِيلَ لَهُ مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ أَوْ تَنْبِيهًا عَلَى زِيَادَةِ التَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِمَزِيَّتِهِ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) يَعْنِي لَا يُثَابُ عَلَى هِجْرَتِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُطَلِّقَ إِذَا طَلَّقَ بِصَرِيحِ لَفْظِ الطَّلَاقِ أَوْ بِبَعْضِ الْكِنَائِيِّ الَّتِي يُطَلَّقُ بِهَا وَنَوَى عَدَدًا مِنْ أَعْدَادِ الطَّلَاقِ كَانَ مَا نَوَاهُ مِنَ الْعَدَدِ وَاقِعًا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَإِلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَصَرْفَ الْأَلْفَاظَ عَلَى مَصَارِفِ النِّيَّاتِ وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى ثَلَاثًا أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ هِيَ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَحَقٌّ بِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ) خَبَرُ إِنَّ قَوْلُهُ قَالَ سَمِعْتُ (وَكَانَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (قَائِدَ كَعْبٍ) مِنَ الْقَوْدِ نَقِيضُ السَّوْقِ فَهُوَ مِنْ أَمَامٍ وَذَاكَ مِنْ خَلْفٍ (مِنْ بَنِيهِ) أَيْ مِنْ بَنِيهِمْ وَكَانَ أَبْنَاؤُهُ أَرْبَعَةً عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ وَعُبَيْدَ اللَّهِ (قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ (فَسَاقَ قِصَّتَهُ) وَقِصَّتُهُ مَذْكُورَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ (حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ) أَيْ يَوْمًا (مِنَ الْخَمْسِينَ) أَيِ الَّتِي مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ مِنَ الْكَلَامِ فِيهَا مَعَ هَؤُلَاءِ (إذا رسول الله ﷺ) قال الْوَاقِدِيُّ هُوَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ (يَأْتِي) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَأْتِينِي (يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ) الِاعْتِزَالُ بَالْفَارِسِيَّةِ بيكسو شدن (فَقُلْتُ أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ) أَيْ مَا الْمُرَادُ بَالِاعْتِزَالِ الطَّلَاقُ أَوْ غَيْرُهُ (قَالَ لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلَا تَقْرَبَنَّهَا) أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بَالِاعْتِزَالِ الطَّلَاقُ بَلْ عَدَمُ الْقُرْبَانِ (فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهَا الْحَقِي بِأَهْلِكِ وَلَمْ يُرِدْهُ طَلَاقًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْكِنَايَاتِ كُلِّهَا عَلَى قِيَاسِهِ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ إِنَّهَا تَطْلِيقَةٌ يَكُونُ فِيهَا الْعَبْدُ مَالِكًا لِلرَّجْعَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ ثَلَاثًا انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ٢ - (بَاب فِي الْخِيَارِ) (عَنْ أَبِي الضُّحَى) هُوَ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ بَالتَّصْغِيرِ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرُ مِنَ اسْمِهِ (خَيَّرَنَا) أَيْ مَعْشَرَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ بعد نزول قوله تعالى ياأيها النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (فَاخْتَرْنَاهُ) أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا (فَلَمْ يَعُدَّ) أي رسول الله ﷺ (ذَلِكَ) أَيِ التَّخْيِيرَ (شَيْئًا) أَيْ مِنَ الطَّلَاقِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَاقًا وَفِي أُخْرَى لَهُ فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا وَلَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْحَسَنِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ نَفْسَ التَّخْيِيرِ يَقَعُ بِهِ بَائِنَةً سَوَاءً اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَمْ لَا وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَالنَّقَّاشُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ هُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ وَلَعَلَّ الْقَائِلِينَ بِهِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ ٣ - (بَاب فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ) (هَلْ تَعْلَمُ أحدا قال يقول الْحَسَنِ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ) أَيْ أَنَّهَا ثَلَاثٌ (قَالَ) أَيْ أَيُّوبُ (لَا) أَيْ لَا أَعْلَمُ أحدا قال يقول الْحَسَنِ إِلَخْ (إِلَّا شَيْءٌ حَدَّثَنَاهُ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى شَيْءٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ) أَيْ قَالَ إِنَّهَا ثَلَاثٌ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قُلْتُ لِأَيُّوبَ هَلْ عَلِمْتَ أَحَدًا قَالَ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ إِلَّا الْحَسَنَ قَالَ لَا إِلَّا الْحَسَنَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ غُفْرًا إِلَّا مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي سَمُرَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ثَلَاثٌ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَعُلِمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ حَذْفًا وَاخْتِصَارًا (فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مَا حَدَّثْتُ بِهَذَا قَطُّ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ (فَقَالَ بَلَى) أَيْ قَدْ حَدَّثَ (وَلَكِنَّهُ نَسِيَ) أَيْ عَنِ التَّحْدِيثِ وَاعْلَمْ أَنَّ إِنْكَارَ الشَّيْخِ أَنَّهُ حَدَّثَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَزْمِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ عِلَّةٌ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَكَذَا وَقَعَ فِي السُّنَن لِأَبِي دَاوُدَ وَلَمْ يُفَسِّر قَوْل الْحَسَن فِي حَدِيثه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُفَسَّرًا عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد قَالَ قُلْت لِأَيُّوبَ هَلْ عَلِمْت أَحَدًا قَالَ أَمْرك بِيَدِك ثَلَاثًا إِلَّا الْحَسَن قَالَ لَا ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ غَفْرًا إِلَّا مَا حَدَّثَنِي قَتَادَة عَنْ كَثِير مَوْلَى بَنِي سَمُرَة عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ ثَلَاث ثُمَّ ذَكَر التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّمَا هُوَ مَوْقُوف قَالَ أَبُو مُحَمَّد بْن حَزْم وَكَثِير مَوْلَى بَنِي سَلَمَة مَجْهُول وَعَنْ الْحَسَن فِي أَمْرك بِيَدِك قال ثلاث قَادِحَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَزْمِ بَلْ عَدَمُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَعَدَمُ ذِكْرِ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ بِدُونِ تَصْرِيحٍ بَالْإِنْكَارِ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ قَادِحًا فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ بُيِّنَ هَذَا فِي عِلْمِ اصْطِلَاحِ الْحَدِيثِ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ كَانَ ذَلِكَ ثَلَاثًا قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ هِيَ وَاحِدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَيْدُ بْنُ ثابت القضاء ما قضت وقال بن عُمَرَ إِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَقَالَ لَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا بِيَدِهَا إِلَّا فِي وَاحِدَةٍ اسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَذَهَبَ سُفْيَانُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَقَالَ الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَأَمَّا إِسْحَاقُ فَذَهَبَ إِلَى قول بن عُمَرَ انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ وَقَوْلُهُ الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ مَعْنَاهُ الْحُكْمُ مَا نَوَتْ مِنْ رَجْعِيَّةٍ أَوْ بَائِنَةٍ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَذُكِرَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ وَلَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَقَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ (عَنِ الْحَسَنِ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ قَالَ ثَلَاثٌ) يَعْنِي إِذَا قَالَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ ثَلَاثًا فَتَقَعُ الثَّلَاثُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ٤ - (بَاب فِي الْبَتَّةِ) (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ) هُوَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (طَلَّقَ امرأته سُهَيْمَةَ) بَالتَّصْغِيرِ (الْبَتَّةَ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ أَيْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْبَتَّةَ (فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ) المختار بناءه للفاعل قاله القارىء (وَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً) عَطْفٌ عَلَى فَأَخْبَرَ (فَرَدَّهَا إِلَيْهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ طَلَاقَ الْبَتَّةَ وَاحِدَةٌ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ غير بائن انتهى وقال القارىء طَلَاقُ الْبَتَّةَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ نَوَى بِهَا اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَهُوَ مَا نَوَى وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثٌ وَاسْتُدِلَّ بَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ مَجْمُوعَةً تَقَعُ ثَلَاثًا وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﷺ أَحْلَفَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بَالْبَتَّةَ وَاحِدَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهَا أَكْثَرَ لَوَقَعَ مَا أَرَادَهُ وَلَوْ لَمْ يَفْتَرِقِ الْحَالُ لَمْ يُحَلِّفْهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَمَعَ ضَعْفِهِ مضطرب ومع اضطرابه معارض بحديث بن عَبَّاسٍ أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدَةً فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى ضَعْفِهِ وَاضْطِرَابِهِ فَرَاجِعِ التَّعْلِيقَ الْمُغْنِيَ شَرْحَ الدَّارَقُطْنِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ فِيهِ أَخُونَا الْمُعَظَّمُ أَبُو الطَّيِّبِ ضَعْفَ الْحَدِيثِ وَاضْطِرَابَهُ بَالْبَسْطِ وَالتَّفْصِيلِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ طَلَّقَ الحديث) قال ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِي تَارِيخ الْبُخَارِيِّ عَلِيّ بْن يَزِيد بْن رُكَانَة الْقُرَشِيّ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَصِحّ حديثه هذا لفظه وقال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِيهِ اضْطِرَابٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ فَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ مُضْطَرَبٌ فِيهِ تَارَةً قِيلَ فِيهِ ثَلَاثًا وَتَارَةً قِيلَ فِيهِ وَاحِدَةً وَأَصَحُّهُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَأَنَّ الثَّلَاثَ ذُكِرَتْ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَى وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثُ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ طُرُقَهُ ضَعِيفَةٌ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ وَقَدْ وَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي إِسْنَادِهِ وَفِي مَتْنِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا أَصَحُّ من حديث بن جُرَيْجٍ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَخْ) قَالَ بن الْقَيِّمِ فِي حَاشِيَةِ السُّنَنِ إِنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ هذا أصح من حديث بن جُرَيْجٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ فَإِنَّ حديث بن جُرَيْجٍ ضَعِيفٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا فَهُوَ أَصَحُّ الضَّعِيفَيْنِ عِنْدَهُ وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُ أَهْلُ الْحَدِيثِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ عَلَى أَرْجَحِ الْحَدِيثَيْنِ الضَّعِيفَيْنِ وَهُوَ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] عَبْد الْحَقّ الْإِشْبِيلِيّ فِي سَنَده كُلّهمْ ضَعِيف وَالزُّبَيْر أَضْعَفهمْ وَذَكَر التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ مُضْطَرَب فِيهِ تَارَة قِيلَ فِيهِ ثَلَاثًا وَتَارَة قِيلَ فِيهِ وَاحِدَة ثُمَّ ذكر الشيخ بن الْقَيِّم كَلَام الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ وَاعْتِرَاضه عَلَى أَبِي دَاوُدَ فِي تَصْحِيحه ثُمَّ قَالَ الشَّيْخ وَفِيمَا قَالَهُ الْمُنْذِرِيّ نَظَرٌ فَإِنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَحْكُم بِصِحَّتِهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْد رِوَايَته هَذَا أصح من حديث بن جُرَيْج أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا لِأَنَّهُمْ أَهْل بَيْته وَهُمْ أَعْلَم بِقَضِيَّتِهِمْ وَحَدِيثهمْ وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيث عِنْده صَحِيح فَإِنَّ حديث بن جُرَيْج ضَعِيف وَهَذَا ضَعِيف أَيْضًا فَهُوَ أَصَحّ الضَّعِيفَيْنِ عِنْده وَكَثِيرًا مَا يُطْلِق أَهْل الْحَدِيث هَذِهِ الْعِبَارَة عَلَى أَرْجَح الْحَدِيثَيْنِ الضَّعِيفَيْنِ وَهُوَ كَثِير فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ اِصْطِلَاحًا لَهُمْ لَمْ تَدُلّ اللُّغَة عَلَى إِطْلَاق الصِّحَّة عَلَيْهِ فَإِنَّك تَقُول لِأَحَدِ الْمَرِيضَيْنِ هَذَا أَصَحّ مِنْ هَذَا وَلَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيح مُطْلَقًا وَاَللَّه أَعْلَم الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اصْطِلَاحًا لَهُمْ لَمْ تَدُلَّ اللُّغَةُ عَلَى إِطْلَاقِ الصِّحَّةِ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ تَقُولُ لِأَحَدِ الْمَرِيضَيْنِ هَذَا أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ مُطْلَقًا انْتَهَى كلامه وقال بن الْقَيِّمِ فِي الْإِغَاثَةِ إِنَّ أَبَا دَاوُدَ إِنَّمَا رجح حديث البتة على حديث بن جريج لأنه روى حديث بن جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا مَجْهُولٌ وَلَمْ يَرْوِ أَبُو دَاوُدَ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَلِذَا رَجَّحَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَ الْبَتَّةَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ وَحَدِيثُ بن جُرَيْجٍ شَاهِدٌ لَهُ انْتَهَى بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَقَدْ نَقَلْنَاهُ فِيمَا قَبْلُ بِأَزْيَدَ مِنْ هَذَا ٥ - (بَاب فِي الْوَسْوَسَةِ بِالطَّلَاقِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْوَسْوَسَةُ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا خَيْرَ كَالْوِسْوَاسِ بَالْكَسْرِ وَالِاسْمُ بَالْفَتْحِ وَقَدْ وَسْوَسَ لَهُ وَإِلَيْهِ (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أُمَّتِي أَيْ عَفَا عَنْهُمْ (عَمَّا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ) إِنْ كَانَ قَوْلِيًّا (أَوْ تَعْمَلْ بِهِ) إِنْ كَانَ فِعْلِيًّا (وَبِمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) بَالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ يُقَالُ حَدَّثْتُ نَفْسِي بِكَذَا أَوْ بَالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ يُقَالُ حَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ بِلِسَانِهِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ وَاقِعٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ رَبَاحٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِذَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَفَظَ بِهِ أَوْ لَمْ يَلْفِظْ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ انْتَهَى وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَتَبَ الطَّلَاقَ طَلُقَتِ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهُ عَزَمَ بِقَلْبِهِ وَعَمِلَ بِكِتَابَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَشَرَطَ مَالِكٌ فِيهِ الْإِشْهَادَ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ الْحَافِظُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه بنحوه ١٦ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخْتِي) (عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ) هُوَ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ (الهجيمي) بضم الهاء وفتح الجيم (ياأخية) تَصْغِيرُ أُخْتٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ عَلَى الْإِنْكَارِ (فَكَرِهَ ذَلِكَ) أي قوله لامرأته ياأخية (وَنَهَى عَنْهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَظَنَّةٌ لِلتَّحْرِيمِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ كَأُخْتِي وَأَرَادَ بِهِ الظِّهَارَ كَانَ مُظَاهِرًا كَمَا يَقُولُ أَنْتِ كَأُمِّي وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَكْثَرُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهَذَا الْكَلَامِ الْكَرَامَةَ فَلَا يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ تَحْرِيمٌ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ هُوَ ظِهَارٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَكَرِهَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْقَوْلَ لِئَلَّا يَلْحَقَهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ فِي أَهْلٍ أَوْ يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي مَالٍ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ (سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ ياأخية فنهاه) قال بن بَطَّالٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُظَاهِرًا إِذَا قَصَدَ ذَلِكَ فَأَرْشَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اجْتِنَابِ اللَّفْظِ الْمُشْكِلِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ) أَيْ حَدِيثَ أَبِي تَمِيمَةَ (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ خَالِدٍ) هُوَ الْحَذَّاءُ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ) فَزَادَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بَيْنَ خَالِدٍ وَأَبِي تَمِيمَةَ أَبَا عُثْمَانَ وَرَوَاهُ مُرْسَلًا وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ خَالِدٍ هُوَ الْحَذَّاءُ (عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ) فَزَادَ شُعْبَةُ بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَرَوَاهُ مُرْسَلًا وَأَمَّا خَالِدٌ الطَّحَّانُ فِي الطَّرِيقَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ وَكَذَا عَبْدُ السَّلَامِ فِي الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ إِلَّا أَنَّ الطَّحَّانَ رَوَاهُ مُرْسَلًا وَعَبْدَ السَّلَامِ رَوَاهُ مُتَّصِلًا فَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ الْمُوجِبُ لاضطراب الحديث (اثنتان فِي ذَاتِ اللَّهِ) أَيْ فِي طَلَبِ رِضَاهُ اعْلَمْ أَنَّ الثَّالِثَةَ كَانَتْ لِدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْ سَارَةَ وَفِيهَا رِضَا اللَّهِ أَيْضًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَهُ نَفْعٌ طَبِيعِيٌّ فِيهَا خَصَّصَ اثْنَتَيْنِ بِذَاتِ اللَّهِ دُونَهَا (قَوْلُهُ إِنِّي سَقِيمٌ) بَالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أَحَدُ تِلْكَ الْكَذِبَتَيْنِ قَوْلُهُ إِنِّي سَقِيمٌ بَيَانُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لَهُ أَبُوهُ لَوْ خَرَجْتَ مَعَنَا إِلَى عِيدِنَا لَأَعْجَبَكَ دِينُنَا فَخَرَجَ مَعَهُمْ وَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَلْقَى نَفْسَهُ وَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ تَأْوِيلُهُ إِنَّ قَلْبِيَ سَقِيمٌ بِكُفْرِكُمْ أَوْ مُرَادُهُ الِاسْتِقْبَالَ (وَقَوْلُهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) بيانه ما روي أنه ﵇ بعد ما أَلْقَى نَفْسَهُ وَذَهَبُوا رَجَعَ وَكَسَّرَ أَصْنَامَهُمْ وَعَلَّقَ الْفَأْسَ عَلَى كَبِيرِهِمْ فَلَمَّا رَجَعُوا رَأَوْا أَحْوَالَهُمْ فقالوا أنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى سَبَبِهِ إِذْ كَبِيرُهُمْ كَانَ حَامِلًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَقِيلَ أَرَادَ بِكَبِيرِهِمْ نَفْسَهُ أَيْ مُتَكَبِّرُهُمْ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْإِسْنَادُ حَقِيقِيًّا (فِي أَرْضِ جَبَّارٍ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إِنَّهَا أُخْتِي أَوْ أُمِّي عَلَى سَبِيل الْكَرَامَة وَالتَّوْقِير لَا يَكُون مُظَاهِرًا وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ هُوَ حُرّ يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ بِفَاجِرٍ لَمْ يَعْتِق وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِخِلَافِهِ فَإِنَّ السَّيِّد إِذَا قِيلَ لَهُ عَبْدك فَاجِرٌ زَانٍ فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا حُرٌّ قَطَعَ سَامِعه أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الصِّفَة لَا الْعَيْن وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لَهُ جَارِيَتك تَبْغِي فَقَالَ إِنَّمَا هِيَ حُرَّة وَسُمِّيَ قَوْل إِبْرَاهِيم هَذَا كَذِبًا لِأَنَّهَا تَوْرِيَة وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى النَّاس تَسْمِيَتهَا كِذْبَة لِكَوْنِ الْمُتَكَلِّم إِنَّمَا أَرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَعْنَى الَّذِي قَصْده فَكَيْف يَكُون كَذِبًا وَالتَّحْقِيق فِي ذَلِكَ أَنَّهَا كَذِب بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِفْهَام الْمُخَاطَب لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَايَة الْمُتَكَلِّم فَإِنَّ الْكَلَام لَهُ نِسْبَتَانِ نِسْبَة إِلَى الْمُتَكَلِّم وَنِسْبَة إِلَى الْمُخَاطَب فَلَمَّا أَرَادَ الْمُورِي أَنْ يُفْهِم الْمُخَاطَب خِلَاف مَا قَصَدَهُ بِلَفْظِهِ أُطْلِق الْكَذِب عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَار وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّم صَادِقًا بِاعْتِبَارِ قصده ومراده اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ وَكَانَ عَلَى مِصْرَ وَقِيلَ اسْمُهُ صَادِقٌ وَكَانَ عَلَى الْأُرْدُنِّ وَقِيلَ سِنَانُ بْنُ عُلْوَانَ (فَأُتِيَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ) فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أُعْطِيَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ شَطْرَ الْحُسْنِ يَعْنِي سَارَةَ (وَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَيْسَ الْيَوْمَ مُسْلِمٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ) يُشْكِلُ عَلَيْهِ كَوْنُ لُوطٍ ﵇ كَانَ مَعَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مهاجر إلى ربي وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ لَيْسَ مُسْلِمٌ بِتِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا مَا وَقَعَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ لُوطٌ ﵇ إِذْ ذَاكَ كَذَا فِي الْفَتْحِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ٧ - (بَاب فِي الظِّهَارِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي قَالَ الْحَافِظُ وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْأُمَّ كَأَنْ قَالَ كَظَهْرِ أُخْتِي مَثَلًا فَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ لَا يَكُونُ ظِهَارًا بَلْ يَخْتَصُّ بَالْأُمِّ كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ خَوْلَةَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْسٌ وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ يَكُونُ ظهارا وهو قول الجمهور انتهى ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَدْ وَرَدَ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَة أَنَّهُ أَمَرَهُ بِإِطْعَامِ وَسْق وَالْوَسْق سِتُّونَ صَاعًا وَهُوَ أَكْثَر مَا قِيلَ فِيهِ وَذَهَبَ إِلَيْهِ سُفْيَان الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَاب الرَّأْي مَعَ قَوْلهمْ إِنَّ الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال بِالْعِرَاقِيِّ وَوَرَدَ فِيهَا أَنَّهُ أَمَرَ اِمْرَأَة أَوْس بْن الصَّامِت أَنْ تُكَفِّر عَنْهُ بِالْعِرْقِ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَيْهَا وَالْعِرْق الَّذِي أَعَانَتْهُ بِهِ وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَار ذَلِكَ الْعِرْق فَقِيلَ سِتُّونَ صَاعًا وَهُوَ وَهْم وَقِيلَ ثَلَاثُونَ هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ أَبُو (قال بن الْعَلَاءِ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَيَّاشٍ) أَيْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عياش بزيادة بن علقمة بن عياش (قال بن الْعَلَاءِ الْبَيَاضِيُّ) أَيْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ (قَالَ كُنْتُ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي) كِنَايَةً عَنْ كَثْرَةِ شَهْوَتِهِ وَوُفُورِ قُوَّتِهِ (يُتَايَعُ بِي) أَيْ يُلَازِمُنِي مُلَازَمَةَ الشَّرِّ وَفِي نُسْخَةٍ يُتَتَايَعُ وَالتَّتَايُعُ الْوُقُوعُ فِي الشَّرِّ مِنْ غَيْرِ فِكْرَةٍ وَرَوِيَّةٍ وَالْمُتَابَعَةُ عَلَيْهِ (حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ الْمُؤَقَّتَ ظِهَارٌ كَالْمُطْلَقِ مِنْهُ وَهُوَ إِذَا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ إِلَى مُدَّةٍ ثُمَّ أَصَابَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا بَرَّ وَلَمْ يحنث فقال مالك وبن وأبي ليلى إذ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِلَى اللَّيْلِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَقْرَبْهَا وَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ فِي الظِّهَارِ الْمُؤَقَّتِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ (فَلَمْ أَلْبَثْ) أَيْ لَمْ أَتَأَخَّرْ وَاللُّبْثُ فِي الْفَارِسِيَّةِ درنك كردن (أَنْ نَزَوْتُ) أي وقعت (أنت بذاك ياسلمة) أَيْ أَنْتَ الْمُلِمُّ بِذَلِكَ أَوْ أَنْتَ الْمُرْتَكِبُ لَهُ كَذَا فِي الْمَعَالِمِ (قَالَ حَرِّرْ رَقَبَةً) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ رَقَبَةً مَا كَانَتْ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] دَاوُدَ عَلَى حَدِيث يَحْيَى بْن آدَم وَقِيلَ خَمْسَة عَشْر فَيَكُون الْعِرْقَانِ ثَلَاثِينَ صَاعًا لِكُلِّ مِسْكَيْنِ نِصْف صَاع وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْإِمَام أَحْمَد وَمَالِك وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنَّ التَّمْر الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّق بِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ خَمْسَة عَشْر صَاعًا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعَطَاء وَالْأَوْزاَعِيّ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَيَكُون لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ وَهُوَ مِقْدَار لَا شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُوجِبهُ أَهْل الرَّأْي فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ صَاعًا وَهُوَ ثَمَانِيَة أَرْطَال فَيُوجِبُونَ زِيَادَة عَلَى مَا يُوجِبهُ هَؤُلَاءِ سِتّ مَرَّات وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث الْمُجَامِع فِي رَمَضَان فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ أَتَى بِعِرْقٍ فِيهِ خَمْسَة عَشْر صَاعًا فَقَالَ خُذْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تعالى كَبِيرٍ أَعْوَرَ كَانَ أَوْ أَعْرَجَ فَإِنَّهُ يَجْزِيهِ إِلَّا مَا يَمْنَعُ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ مِنْهُ وَهُوَ الزَّمِنُ الَّذِي لَا حَرَاكَ بِهِ انْتَهَى (مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ رَقَبَتِي هَذِهِ (وَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي) زَادَ أَحْمَدُ بِيَدِي قَالَ فِي الْقَامُوسِ الصَّفْحُ الْجَانِبُ وَمِنْكَ جَنْبُكَ وَمِنَ الْوَجْهِ وَالسَّيْفِ عَرْضُهُ (وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ) الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا (بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَلَا يُجْزِئُ إِطْعَامُ دُونِهِمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّهُ يُجْزِئُ إِطْعَامُ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا (لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ رَجُلٌ وَحْشٌ بَالسُّكُونِ إِذَا كَانَ جَائِعًا لَا طَعَامَ لَهُ وَقَدْ أَوْحَشَ إِذَا جَاعَ (بَنِي زُرَيْقٍ) بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاءِ (فَلْيَدْفَعْهَا) أَيِ التَّمْرَ (فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ) أَخَذَ بِظَاهِرِهِ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا الْوَاجِبُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنَّ الْوَاجِبَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ وَتَمَسَّكَ بَالرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْعَرَقِ وَتَقْدِيرُهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَسْقُطُ بَالْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعَانَهُ بِمَا يُكَفِّرُ بِهِ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ رَقَبَةً وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِطْعَامٍ وَلَا يُطِيقُ الصَّوْمَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى السُّقُوطِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى التَّفْصِيلِ فَقَالُوا تَسْقُطُ كَفَّارَةُ صَوْمِ رَمَضَانَ لَا غَيْرَهَا مِنَ الْكَفَّارَاتِ كَذَا فِي النَّيْلِ (وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالَكَ بَقِيَّتَهَا) أَيْ بَقِيَّةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي بَقِيَتْ بَعْدَ إِطْعَامِ سِتِّينَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي الْبُرّ هَلْ هُوَ عَلَى النِّصْف مِنْ ذَلِكَ أَمْ هُوَ وَغَيْره سَوَاء فَقَالَ الشَّافِعِيُّ مُدٌّ مِنْ الْجَمِيع وَقَالَ مَالِك مُدَّانِ مِنْ الْجَمِيع وَقَالَ أَحْمَد وَأَبُو حَنِيفَة الْبُرّ عَلَى النِّصْف مِنْ غَيْره عَلَى أَصْلهمَا فَعِنْد أَحْمَد مُدّ مِنْ بُرّ أَوْ نِصْف صَاع مِنْ غَيْره وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة مُدَّانِ مِنْ بُرّ أَوْ نِصْف صَاع مِنْ غَيْره عَلَى اِخْتِلَافهمَا فِي الصَّاع مِسْكِينًا (وَبَيَاضَةُ بَطْنٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ) وَهُوَ بياضة بن عامر بن زريق بن عبدحارثة بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ مِنْ وَلَدِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ كَذَا فِي تَاجِ الْعَرُوسِ قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ عِنْدِي مِنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا هُوَ مُرْسَلٌ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَدْرِكْ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عليه (تجادلك في زوجها) هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ نَزَلَتْ فِي خَوْلَةَ وَيُقَالُ لَهَا خُوَيْلَةُ بَالتَّصْغِيرِ ظَاهَرَ مِنْهَا زَوْجُهَا وَكَانَ الظِّهَارُ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاسْتَفْتَتْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ حَرُمْتِ عَلَيْهِ فَحَلَفَتْ أَنَّهُ مَا ذَكَرَ طَلَاقًا فَقَالَ حَرُمْتِ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أَشْكُو إِلَى اللَّهِ فَاقَتِي وَجَعَلَتْ تُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَتَرْفَعُ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَتَشْكُو إِلَى اللَّهِ (إِلَى الْفَرْضِ) أَيْ إِلَى مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْكَفَّارَةِ وَتَمَامُ الْآيَةِ وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (ما به من صيام أي) أَيْ لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ صِيَامٍ (بِعَرَقٍ) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ السَّفِيفَةُ الْمَنْسُوجَةُ مِنَ الْخُوصِ قَبْلَ أَنْ يجعل منها الزِّنْبِيلُ أَوِ الزِّنْبِيلُ نَفْسُهُ (قَالَ وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا) قَالَ فِي النَّيْلِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَفَرَّدَ بِهَا مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ قال الذهبي لا يعرف ووثقه بن حِبَّانَ وَفِيهَا أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ عَنْعَنَ وَالْمَشْهُورُ عُرْفًا أَنَّ الْعَرَقَ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا كَمَا رَوَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ نَفْسِهِ انْتَهَى (قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا) أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا (إِنَّمَا كَفَّرَتْ) خُوَيْلَةُ (عَنْهُ) عَنْ زَوْجَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْتَأْمِرَهُ) فِي أَدَاءِ الْكَفَّارَةِ وَأَنَّ النبي ﷺ أجازها وأمضاها (وَالْعَرَقُ مِكْتَلٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمِكْتَلُ كَمِنْبَرٍ زِنْبِيلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا (هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ) يَعْنِي الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ (قَالَ يَعْنِي الْعَرَقَ زِنْبِيلًا يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا) مَعْنَى يَأْخُذُ يَسْعُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي تَفْسِيرِ الْعَرَقِ فَفِي رواية يحيى بن آدم عن بن إدريس عن بن إِسْحَاقَ أَنَّهُ سِتُّونَ صَاعًا وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بن سلمة عن بن إِسْحَاقَ أَنَّهُ مِكْتَلُ يَسَعُ ثَلَاثِينَ صَاعًا وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ زِنْبِيلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَدَلَّ أَنَّ الْعَرَقَ قَدْ يَخْتَلِفُ فِي السَّعَةِ وَالضِّيقِ فَيَكُونُ بَعْضُ الْأَعْرَاقِ أَكْبَرَ وَبَعْضُهَا أَصْغَرَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ مِنْهَا إِلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي جَاءَ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فِي كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بِمُدِّ هُشَامٍ وَهُوَ مُدٌّ وَثُلُثٌ وَذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ وَهُوَ أَحْوَطُ الْأَمْرَيْنِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ سِتِّينَ صَاعًا ثم يؤتي بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَيَقُولُ تَصَدَّقْ بِهَا وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ عَنْ جَمِيعِ الْكَفَّارَةِ وَلَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا فِي الْوَقْتِ وَيَكُونُ الْبَاقِي دَيْنًا عَلَيْهِ حَتَّى يَجِدَهُ إِلَّا أَنَّ إِسْنَادَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَجْوَدُ وَأَحْسَنُ اتِّصَالًا مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ كَذَا فِي الْمَعَالِمِ بِأَدْنَى تَغْيِيرٍ وَاخْتِصَارٍ (عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِذِكْرِهَا (قُلْتُ لَهُ) أَيْ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْوَزِيرِ وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِقَرَأْتُ (وَهُوَ) أَيْ أَوْسٌ (مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قديم الموت) قال بن حِبَّانَ مَاتَ أَيَّامَ عُثْمَانَ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ) أَيْ مُنْقَطِعٌ وَقَدْ يَجِيءُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ الْمُرْسَلُ وَالْمُنْقَطِعُ بِمَعْنًى (أَنَّ جَمِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ) وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ اسْمَ زَوْجَةِ أَوْسٍ خُوَيْلَةُ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ تُدْعَى بَالِاسْمَيْنِ أَوْ جَمِيلَةُ صِفَتُهَا أَيِ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَكَانَ رَجُلًا بِهِ لَمَمٌ) قَالَ الخطابي في المعالم معنى اللمم ها هنا شِدَّةُ الْإِلْمَامِ بَالنِّسَاءِ وَشِدَّةُ الْحِرْصِ وَالتَّوَقَانِ إِلَيْهِنَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى كُنْتُ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النساء مالا يصيب غيري وليس معنى اللمم ها هنا الخبل وَالْجُنُونُ وَلَوْ كَانَ بِهِ ذَاكَ ثُمَّ ظَاهَرَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَا غَيْرُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى (ثُمَّ وَاقَعَهَا) أَيْ جَامَعَهَا (فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْكَ) أَيْ عَنْ ظِهَارِكَ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ وَطْءِ الزَّوْجَةِ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ قَبْلِ أن يتماسا فلو وطىء لَمْ يَسْقُطِ التَّكْفِيرُ وَلَا يَتَضَاعَفُ لِقَوْلِهِ ﷺ حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْكَ قَالَ الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ سَأَلْتُ عَشَرَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمُظَاهِرِ يُجَامِعُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَقَالُوا كَفَّارةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ يَجِبُ على من وطىء قَبْلَ التَّكْفِيرِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بَالْوَطْءِ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَاخْتُلِفَ فِي مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ هَلْ تَحْرُمُ مِثْلُ الْوَطْءِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ أَمْ لَا فَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْوَطْءُ وَحْدَهُ لَا الْمُقَدِّمَاتُ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا تَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ كَذَا فِي النَّيْلِ وَالسُّبُلِ قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثٍ غَرِيبٍ صَحِيحٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ الْمُرْسَلُ أَوْلَى بَالصَّوَابِ مِنَ الْمُسْنَدِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَعَافِرِيُّ لَيْسَ فِي الظِّهَارِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَقَدْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ كَمَا تَرَى وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ وَسَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَشْهُورٌ وَتَرْجَمَةُ عكرمة عن بن عَبَّاسٍ احْتَجَّ بِهَا الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ (حَدَّثَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ إِلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (بَرِيقَ سَاقِهَا) أَيْ لَمَعَانِهَا وَحُسْنِهَا (فِي الْقَمَرِ) أَيْ فِي ضَوْئِهِ ١٨ - (بَاب فِي الْخُلْعِ) الْخُلْعُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ هُوَ فِرَاقُ الزَّوْجَةِ عَلَى مَالٍ مَأْخُوذٌ مِنْ خَلَعَ الثَّوْبَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لِبَاسُ الرَّجُلِ مَجَازًا وَضُمَّ الْمَصْدَرُ تَفْرِقَةً بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ والمجازي والأصل قوله تعالى فإن خفتم أن لا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت به كَذَا فِي السُّبُلِ (فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ) وفي رواية من غير ما بأس أي لِغَيْرِ شِدَّةٍ تُلْجِئُهَا إِلَى سُؤَالِ الْمُفَارَقَةِ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ (فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) أَيْ مَمْنُوعٌ عَنْهَا وَذَلِكَ عَلَى نَهْجِ الْوَعِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّهْدِيدِ أَوْ وُقُوعُ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ أَيْ لَا تَجِدُ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ أَوَّلَ مَا وَجَدَهَا الْمُحْسِنُونَ أَوْ لَا تَجِدُ أَصْلًا وَهَذَا مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّهْدِيدِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ قَالَهُ الْقَاضِي وَلَا بِدْعَ أَنَّهَا تُحْرَمُ لَذَّةَ الرَّائِحَةِ وَلَوْ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ قَالَهُ القارىء قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ (إِلَى الصُّبْحِ) أَيْ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ (عِنْدَ بَابِهِ) أَيْ بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فِي الْغَلَسِ) هُوَ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ اخْتَلَطَ بِضَوْءِ الصَّبَاحِ (لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ) أَيْ لَا يُمْكِنُ الِاجْتِمَاعُ بَيْنَنَا (كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ كُلُّ مَا أَعْطَانِي مِنَ الْمَهْرِ مَوْجُودٌ عِنْدِي (خُذْ مِنْهَا فَأَخَذَ مِنْهَا) فِيهِ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا جَمِيعَ مَا كَانَ أَعْطَاهَا وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا جَمِيعَ مَا أَعْطَاهَا وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا سَاقَ إِلَيْهَا شَيْئًا وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا سُكْنَى لِلْمُخْتَلِعَةِ عَلَى الزَّوْجِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَوْ كَانَ طَلَاقًا لَاقْتُضِيَ فِيهِ شَرَائِطُ الطَّلَاقِ مِنْ وُقُوعِهِ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمْسَسْ فِيهِ الْمُطَلَّقَةُ وَمِنْ كَوْنِهِ صَادِرًا مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاضَاةِ الْمَرْأَةِ فَلَمَّا لَمْ يَتَعَرَّفِ النَّبِيُّ ﷺ الْحَالَ فِي ذَلِكَ وَأَذِنَ لَهُ فِي مُخَالَعَتِهَا فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ فسخ وليس بطلاق وإلى هذا ذهب بن عَبَّاسٍ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بمعروف الْآيَةَ قَالَ ثُمَّ ذَكَرَ الْخُلْعَ فَقَالَ فَإِنْ خفتم أن لا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت به ثُمَّ ذَكَرَ الطَّلَاقَ فَقَالَ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيره فَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ الطَّلَاقُ أَرْبَعًا وإلى هذا ذهب طاؤس وَعِكْرِمَةُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعثمان وبن مَسْعُودٍ ﵃ أَنَّ الْخُلْعَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَطَاءٌ وبن الْمُسَيِّبِ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَهُوَ أَصَحُّهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى بَاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (فَضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضَهَا) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ فَكَسَرَ يَدَهَا (فَاشْتَكَتْهُ إِلَيْهِ) ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا اشْتَكَتْ لِلضَّرْبِ فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إِنِّي مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا لَمْ تَشْكُهُ لِلضَّرْبِ بَلْ لِسَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ دَمِيمَ الْخِلْقَةِ فَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده عند بن مَاجَهْ كَانَتْ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِهِ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قال بلغني أنها قالت يارسول اللَّهِ بِي مِنَ الْجَمَالِ مَا تَرَى وَثَابِتٌ رَجُلٌ دَمِيمٌ (فَقَالَ وَيَصْلُحُ ذَلِكَ) أَيْ هَلْ يَجُوزُ أَنْ آخُذَ بَعْضَ مَالِهَا وَأُفَارِقَهَا (فَإِنِّي أَصْدَقْتُهَا) أَيْ جَعَلْتُ صَدَاقَهَا (حَدِيقَتَيْنِ) الْحَدِيقَةُ الْبُسْتَانُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ هَذَا أَدَلُّ شَيْءٍ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ مُطَلَّقَةً لَمْ يَقْتَصِرْ لَهَا عَلَى قُرْءٍ وَاحِدٍ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَرَوَى النَّسَائِيّ حَدِيث اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْس مَوْصُولًا مُطَوَّلًا عَنْ الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ أَنَّ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس ضَرَبَ اِمْرَأَته فَكَسَرَ يَدهَا وَهِيَ جَمِيلَة بِنْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَتَى أَخُوهَا يَشْتَكِيه إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَأَرْسَلَ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى ثَابِت فَقَالَ لَهُ خُذْ الَّذِي لَهَا عَلَيْك وَخَلّ سَبِيلهَا قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهَا رَسُول اللَّه ﷺ أَنْ تَتَرَبَّص حَيْضَة وَاحِدَة وَتَلْحَق بِأَهْلِهَا (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا) أَيْ لَمْ يَذْكُرِ الصَّحَابِيَّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُسْنَدًا وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حسن غريب (عن بن عُمَرَ قَالَ عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ فَقَالَ أكثر أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ قَالَ إِسْحَاقُ وَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى هَذَا فَهُوَ مَذْهَبٌ قوي انتهى ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعه الصَّحِيح فِي حَدِيث الرُّبَيِّع أَنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ وَهَذَا مَرْفُوع وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنَّ الَّذِي أَمَرَهَا بِذَلِكَ هُوَ رَسُول اللَّه ﷺ ثم ذكر الترمذي حديث بن عَبَّاس أَنَّ اِمْرَأَة ثَابِت بْن قَيْسٍ اِخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى عَهْد النَّبِيّ ﷺ فَأَمَرَهَا النَّبِيّ ﷺ أَنَّ تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ وَقَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب وَالْمَعْرُوف عَنْ إِسْحَاق أَنَّ عِدَّتهَا حَيْضَة وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد نَقَلَهَا عَنْهُ أَبُو الْقَاسِم وَهُوَ قَوْل عُثْمَان بن عفان وعبد الله بن عباس وعن بن عُمَر رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّ عِدَّتهَا عِدَّة الْمُطَلَّقَة ذَكَره مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ نَافِع عَنْهُ والثانية حيضة نقلها بن الْمُنْذِر عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَة الْقَعْنَبِيّ عَنْهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك عَنْ نافع عن بن عمر قال عدة المختلعة حيضة اختار بن الْمُنْذِر أَنَّ عِدَّتهَا حَيْضَة وَقَدْ ذَكَر اللَّه تَعَالَى فِي آيَة الطَّلَاق ثَلَاثَة أَحْكَام أَحَدهَا أَنَّ التَّرَبُّص فِيهِ ثَلَاثَة قُرُوء الثَّانِي أَنَّهُ مَرَّتَانِ الثَّالِث أَنَّ الزَّوْج أَحَقّ بِرَدِّ اِمْرَأَته فِي الْمَرَّتَيْنِ فَالْخُلْع لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْحُكْم الثَّالِث اِتِّفَاقًا وَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّة أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحُكْم الْأَوَّل وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى عَدَم دُخُوله فِي حُكْم الْعَدَد فَيَكُون فَسْخًا وَهَذَا مِنْ أَحْسَن مَا يُحْتَجّ بِهِ عَلَى ذلك ١٩ - (بَاب فِي الْمَمْلُوكَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) أَيْ حَالَ كَوْنِهَا تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا وَهُوَ عَبْدٌ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ فَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا خِيَارَ لَهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ الْخِيَارُ وَاحْتُجَّ بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا وَقَدْ ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ سَأَلَتْهُ عَنْ زَوْجِهَا فَقَالَ لَا أَدْرِي وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَالرِّوَايَاتُ الْمَشْهُورَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا قَالَ الْحَافِظُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ حُرًّا غَلَطٌ وَشَاذَّةٌ مَرْدُودَةٌ لِمُخَالَفَتِهَا الْمَعْرُوفَ فِي رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ انْتَهَى (أَنَّ مُغِيثًا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ اسْمُ زَوْجِ بَرِيرَةَ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ ﵂ (كَانَ عَبْدًا) وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ وَقَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عباس أن زوج بريرة كان عبدأسود لِبَنِي الْمُغِيرَةِ يَوْمَ أُعْتِقَتْ بَرِيرَةُ وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا قَبْلَ الْعِتْقِ حُرًّا بَعْدَهُ (اشْفَعْ لِي إِلَيْهَا) أَيْ إِلَى بَرِيرَةَ لِتَرْجِعَ إِلَى عِصْمَتِي (أَتَأْمُرُنِي بِذَاكَ) أَيْ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَكَذَا الرِّوَايَة وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدّ وَزَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ عِدَّة الْحُرَّة وَلَعَلَّهُ مُدْرَج مِنْ تَفْسِير بعض الرواة وقد روى بن مَاجَةَ فِي سُنَنه أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ أُمِرَتْ بريرة أن يعتد بِثَلَاثِ حَيْض وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ إِسْنَاد الصَّحِيحَيْنِ فَلَمْ يَرَوْهُ أَحَد مِنْ أَهْل الْكُتُب السِّتَّة إلا بن مَاجَةَ وَيَبْعُد أَنْ تَكُون الثَّلَاث حِيَض مَحْفُوظَة فَإِنَّ مَذْهَب عَائِشَة أَنَّ الْأَقْرَاء الْأَطْهَار وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيّ ﷺ الْمُخْتَلِعَة أن تستبرىء بِحَيْضَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَذِهِ أَوْلَى وَلِأَنَّ الْأَقْرَاء الثَّلَاث إِنَّمَا جُعِلَتْ فِي حَقّ الْمُطَلَّقَة لِيَطُولَ زَمَن الرَّجْعَة فَيَتَمَكَّن زَوْجهَا مِنْ رَجْعَتهَا مَتَى شَاءَ ثُمَّ أَجْرَى الطَّلَاق كُلّه مُجْرًى وَاحِدًا وَطَرْد هَذَا أَنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا تُسْتَبْرَأ بِحَيْضَةٍ وقد نص عليه أحمد وبالجملة فالأمر بالتريص ثَلَاثَة قُرُوء إِنَّمَا هُوَ لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمُعْتَقَة إِذَا فُسِخَتْ فَهِيَ بِالْمُخْتَلِعَةِ على سبيل الحتم وعند بن مسعود من مرسل بن سيرين بسند صحيح فقالت يارسول الله أشيء واجب علي قال لا (قَالَ لَا) أَيْ لَا آمُرُ حَتْمًا قَالَ الخطابي في قول بريرة أتأمرني بذلك يارسول اللَّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَصْلَ أَمْرِهِ ﷺ عَلَى الْحَتْمِ وَالْوُجُوبِ (إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ) أَيْ أَقُولُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَاعَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ عَلَيْكِ (فَكَانَ دُمُوعُهُ) أَيْ دُمُوعُ مُغِيثٍ (تَسِيلُ) أَيْ تَجْرِي لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِ لَهَا (عَلَى خَدِّهِ) وَفِي رِوَايَةِ البخاري على لحيته (للعباس) هو بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالِدُ رَاوِي الْحَدِيثِ (أَلَا تَعْجَبَ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ إِلَخْ) قِيلَ إِنَّمَا كَانَ التَّعَجُّبُ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَةِ أَنَّ الْمُحِبَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَحْبُوبًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ (فَخَيَّرَهَا) أَيْ بَيْنَ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ وَاخْتِيَارِ الْفَسْخِ (وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ) أَيْ بِثَلَاثِ حيض كما أخرج بن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه البخاري مختصرا وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه بمعناه ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَالْأَمَة الْمُسْتَبْرَأَة أَشْبَهَ إِذْ الْمَقْصُود بَرَاءَة رَحِمهَا فَالِاسْتِدْلَال عَلَى تَعَدُّد الْأَقْرَاء فِي حَقّهَا بِالْآيَةِ غَيْر صَحِيح لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُطَلَّقَة وَلَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَة لَثَبَتَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَة وَأَمَّا الْأَحَادِيث فِي هَذِهِ اللَّفْظَة فَفِي صِحَّتهَا نَظَر وَحَدِيث الدَّارَقُطْنِيِّ الْمَعْرُوف أَنَّ الْحَسَن رَوَاهُ مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَمَرَ بَرِيرَة أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّة الْحُرَّة وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سننه من حديث عكرمة عن بن عَبَّاس وَفِيهِ وَجْه رَابِع وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ عِدَّتهَا عِدَّة الْمُطَلَّقَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي مَعْشَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن بَكَّارٍ عَنْ أَبِي مَعْشَر فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَوْجُه أَحَدهَا أَنْ تَعْتَدّ الثَّانِي عِدَّة الْحُرَّة الثَّالِث عِدَّة الْمُطَلَّقَة الرَّابِع بِثَلَاثِ حيض (وَلَوْ كَانَ) أَيْ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا أَيْ بَرِيرَةَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلَانِ عَلَى كَوْنِ زَوْجِ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَحَدُهُمَا إِخْبَارُ عَائِشَةَ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَهِيَ صَاحِبَةُ الْقَضِيَّةِ والثاني قولها لو كان حرا لم يخبرها وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكَادُ وَاحِدٌ يَقُولُهُ إِلَّا تَوْقِيفًا قَالَهُ النَّوَوِيِّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ) أَيِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبي بكر بن أَخِي عَائِشَةَ (وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ٠ - (بَاب مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا) (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ) اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى أَنَّ لِلْأَمَةِ الْمُعْتَقَةِ الْخِيَارَ إِذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا وَلَكِنْ فِي كَوْنِ قَوْلِهِ كَانَ حُرًّا مَوْصُولًا كَلَامٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَوْلُهُ كَانَ حُرًّا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا وَإِنَّمَا وَقَعَ مُدْرَجًا فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَوْلُ الأسود منقطع وقول بن عَبَّاسٍ رَأَيْتُهُ عَبْدًا أَصَحُّ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ الْأَسْوَدِ ولم تختلف عن بن عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا وَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُ الْحَكَمِ مُرْسَلٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عبدا والقاسم هو بن أخي عائشة وعروة هو بن أُخْتِهَا وَكَانَا يَدْخُلَانِ عَلَيْهَا بِلَا حِجَابٍ وَعَمْرَةُ كَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ وَهَؤُلَاءِ أَخَصُّ النَّاسِ بِهَا وَأَيْضًا فَإِنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَذْهَبُ إِلَى خِلَافِ مَا رُوِيَ عَنْهَا وَكَانَ رَأْيُهَا لَا يُثْبِتُ لَهَا الْخِيَارَ تَحْتَ الْحُرِّ وَرَوَى نَافِعٌ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَالَفَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّاسَ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ فَقَالَ إِنَّهُ حُرٌّ وَقَالَ النَّاسُ إِنَّهُ عَبْدٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَحَاوَلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ تَرْجِيحَ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا فَقَالَ الرِّقُّ تَعْقُبُهُ الْحُرِّيَّةُ بِلَا عَكْسٍ وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنْ مَحَلُّ طَرِيقِ الْجَمْعِ إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْقُوَّةِ أَمَّا مَعَ التَّفَرُّدِ فِي مُقَابَلَةِ الِاجْتِمَاعِ فَتَكُونُ الرِّوَايَةُ الْمُنْفَرِدَةُ شَاذَّةً وَالشَّاذُّ مَرْدُودٌ وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَبِرِ الْجُمْهُورُ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ مُحَقِّقِيهِمْ وَقَدْ أَكْثَرَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ مَحَلَّ الْجَمْعِ إِذَا لَمْ يَظْهَرِ الْغَلَطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ التَّسَاوِيَ فِي الْقُوَّةِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه بنحوه ١ - (باب حتى يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ) أَيْ إِلَى مَتَى (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ إِلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادَيْنِ مُرْسَلًا وَمُتَّصِلًا أَحَدُهُمَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَعَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَنَّ بَرِيرَةَ أَعْتَقَتْ مُرْسَلًا وَثَانِيهِمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مُتَّصِلًا هَكَذَا قَالَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ رِوَايَةَ مُجَاهِدٍ هَذِهِ فِي الْمَرَاسِيلِ فِي تَرْجَمَةِ أَبَانَ بْنِ صَالِحِ بْنِ عُمَيْرٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمَكِّيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ عَائِشَةَ وَكَذَا أَوْرَدَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ) بَالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ مُغِيثٍ (إِنْ قَرِبَكِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ جَامَعَكِ (فَلَا خِيَارَ لَكِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خِيَارَ مَنْ عَتَقَتْ عَلَى التَّرَاخِي وَأَنَّهُ يَبْطُلُ إِذَا مَكَّنَتِ الزَّوْجَ مِنْ نَفْسِهَا وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ بِقِيَامِهَا مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ وَقِيلَ مِنْ مَجْلِسِهَا وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لإطلاق التخيير لها إلى غاية هي تمكينها مِنْ نَفْسِهَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ إِذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ فَهِيَ بَالْخِيَارِ مَا لَمْ يطأها إن تشأ فارقته وإن وطىء لَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا وَلَا تَسْتَطِيعَ فِرَاقُهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ إِنْ وَطِئَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ كَذَا فِي النَّيْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ ٢ - (باب في المملوكين) أَيِ الَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا زَوْجٌ لِلْآخَرِ يُعْتَقَانِ مَعًا هَلْ تُخَيَّرُ امْرَأَتُهُ أَيْ زَوْجَةُ الْمَمْلُوكِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْمَمْلُوكَيْنِ (مَمْلُوكَيْنِ لَهَا) أَيْ كَائِنَيْنِ ثَابِتَيْنِ لِعَائِشَةَ (زَوْجُ) أَيْ هُمَا زَوْجُ أَيْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ لِأَنَّ الزَّوْجَ فِي الْأَصْلِ يُطْلَقُ عَلَى شَيْئَيْنِ بَيْنَهُمَا ازْدِوَاجٌ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى فَرْدٍ مِنْهُمَا قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ لَهَا زَوْجُ كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَفِي إِعْرَابِهِ إِشْكَالٌ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ أَحَدُهُمَا زَوْجٌ لِلْآخَرِ أَوْ بينهما ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُول إِنَّ التَّخْيِير إِنَّمَا يَكُون لِلْمُعْتَقَةِ تَحْت عَبْد وَلَوْ كَانَ لها خيار إذ كَانَتْ تَحْت حُرّ لَمْ يَكُنْ لِتَقْدِيمِ عِتْق الزَّوْج عَلَيْهَا مَعْنَى وَلَا فَائِدَة وَفِيهِ نَظَر ازْدِوَاجٌ وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ لِلْمَصَابِيحِ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ زَوْجَيْنِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَمْلُوكَيْنِ وَالضَّمِيرُ فِي لَهَا لِعَائِشَةَ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مَمْلُوكَةٌ لَهَا فَالضَّمِيرُ لِلْجَارِيَةِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قُلْتُ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ الْمَوْجُودَةِ بِأَيْدِينَا زَوْجَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا زَوْجًا وَامْرَأَتَهُ وَفِي الْأَكْثَرِ زَوْجٌ (فَسَأَلَتْ) أَيْ عَائِشَةُ (فَأَمَرَهَا أَنْ تَبْدَأَ بَالرَّجُلِ) أَيْ بِإِعْتَاقِ الرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ إِعْتَاقَهُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ النِّكَاحِ وَإِعْتَاقَ الْمَرْأَةِ يُوجِبُهُ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بَالِابْتِدَاءِ لِئَلَّا يَنْفَسِخَ النكاح إن بدىء به هذا حاصل كلام المظهر قال القارىء والأظهر أنه إنما بدىء بِهِ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ أَوْ لِأَنَّ الْغَالِبَ اسْتِنْكَافُ الْمَرْأَةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا عَبْدًا بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ بَالْعِتْقِ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَلَوْ كَانَ لَهَا خِيَارٌ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ لَمْ يَكُنْ لِتَقْدِيمِ عِتْقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا مَعْنًى وَلَا فِيهِ فَائِدَةٌ قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهِبٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَقَالَ مُرَّةً ثِقَةٌ وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِذَلِكَ الْقَوِيِّ ٣ - (بَاب إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ) (فَرَدَّهَا عَلَيْهِ) فِيهِ الْتِفَاتٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَيَّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزوجين إذا أسلما معافهما عَلَى نِكَاحِهِمَا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ هَلْ وَقَعَ صَحِيحًا أَمْ لَا مَا لَمْ يَكُنِ الْمُبْطِلُ قَائِمًا كَمَا إِذَا أسلمنا وَقَدْ نَكَحَهَا وَكَانَتْ هِيَ مَحْرَمًا لَهُ بِنَسَبِ إِرْضَاعٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ (فَجَاءَ زَوْجُهَا) أَيْ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ (وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي) أَيْ وَمَعَ هَذَا تَزَوَّجَتْ (مِنْ زَوْجِهَا الْآخِرِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَعَلِمَتِ امْرَأَتُهُ بِإِسْلَامِهِ فَهِيَ فِي عَقْدِ نِكَاحِهِ وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَهُوَ تَزَوُّجٌ بَاطِلٌ تنتزع من الزوج الآخر قال القارىء نَاقِلًا عَنِ الْمُظْهِرِ إِذَا أَسْلَمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثَبَتَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا سَوَاءً كَانَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ كَالْكِتَابِيَّيْنِ وَالْوَثَنِيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا كَانَ عَلَى دِينٍ وَالْآخَرُ عَلَى دِينٍ وَسَوَاءً كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ فِي الْآخَرِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ أَوْ عَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْآخَرِ مَعَ الِامْتِنَاعِ عَنْهُ أَوْ بِنَقْلِ أَحَدِهِمَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَالْعَكْسِ وَسَوَاءً عِنْدَهُ الْإِسْلَامُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ انْتَهَى قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ ٤ - (بَاب إِلَى مَتَى تُرَدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهَا) (وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقال الإمام أحمد حديث بن عَبَّاس فِي هَذَا أَصَحُّ قِيلَ لَهُ أَلَيْسَ يَرْوِي أَنَّهُ رَدَّهَا بِنِكَاحٍ مُسْتَأْنَفٍ قَالَ لَيْسَ لذلك أصل وقال بن عَبْد الْبَرّ قِصَّة أَبِي الْعَاصِ مَعَ اِمْرَأَته لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُون قَبْل نُزُول تَحْرِيم الْمُسْلِمَات عَلَى الْكُفَّار فَتَكُون مَنْسُوخَة بِمَا جَاءَ بَعْدهَا أَوْ تَكُون حَامِلًا وَاسْتَمَرَّ حَمْلهَا حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجهَا أَوْ عَمْرٍو فِي حَدِيثِهِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بَعْدَ سَنَتَيْنِ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَشَارَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِلَى الْجَمْعِ فَقَالَ الْمُرَادُ بَالسِّتِّ مَا بَيْنَ هِجْرَةِ زَيْنَبَ وَإِسْلَامِهِ وَبَالسَّنَتَيْنِ أَوِ الثَّلَاثِ ما بين نزول قوله تعالى لاهن حل لهم وَقُدُومِهِ مُسْلِمًا فَإِنَّ بَيْنَهُمَا سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ وفي حديث بن مَاجَهْ بَعْدِ سَنَتَيْنِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَعَلَّهُ قَدْ جَاءَ هَذَا مِنْ قِبَلِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ وَحُكِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ ونكاح جديد وقال حديث بن عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا أَصَحُّ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِدَّتُهَا قَدْ تَطَاوَلَتْ لِاعْتِرَاضِ سَبَبٍ حَتَّى بَلَغَتِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ إِمَّا الطُّولَى مِنْهَا وَإِمَّا الْقُصْرَى إِلَّا أَنَّ حَدِيثَ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ نَسَخَهُ وَقَدْ ضَعَّفَ أَمْرَهَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى رَدَّهَا عَلَيْهِ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَيْ عَلَى مِثْلِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ فِي ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] مَرِيضَة لَمْ تَحِضْ ثَلَاث حَيْضَات حَتَّى أَسْلَمَ أَوْ تَكُون رُدَّتْ إِلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ثُمَّ ذَكَر حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب تَمَّ كَلَامُهُ وللناس في حديث بن عَبَّاس عِدَّة طُرُق أَحَدهَا رَدّه بِاسْتِمْرَارِ الْعَمَل عَلَى خِلَافه قَالَ التِّرْمِذِيُّ سَمِعْت عَبْد بْن حُمَيْد يَقُول سَمِعْت يَزِيد بْن هَارُون يَقُول حديث بن عَبَّاس أَجْوَد إِسْنَادًا وَالْعَمَل عَلَى حَدِيث عَمْرو بن شعيب وقال بن عَبْد الْبَرّ لَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء أَنَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّة يَنْفَسِخ النِّكَاح إِلَّا شَيْء رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ شَذَّ فِيهِ عَنْ جَمَاعَة الْعُلَمَاء فَلَمْ يَتْبَعهُ عَلَيْهِ أَحَد زَعَمَ أَنَّهَا تُرَدّ إِلَى زَوْجهَا وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّة الثَّانِي مُعَارَضَته بِحَدِيثِ عَمْرو بْن شُعَيْب الثَّالِث تَضْعِيف دَاوُدَ بْن الْحَصِين عَنْ عِكْرِمَة الرَّابِع حَمْله عَلَى رَدّهَا بِنِكَاحٍ مِثْل الْأَوَّل لَمْ يُحْدِث فِيهِ شَيْئًا الْخَامِس حَمْله عَلَى تَطَاوُل زَمَن الْعِدَّة السَّادِس الْقَوْل بِمُوجِبِهِ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَغَيْرهمَا الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ لَمْ يُحْدِثْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ مِنْ شَرْطٍ وَلَا غَيْرِهِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ أَصَحُّ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا لَا يَثْبُتُ وَالصَّوَابُ حديث بن عَبَّاسٍ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا ضَعَّفُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِنْ قِبَلِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بَالتَّدْلِيسِ وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلٍ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ لَمْ يَسْمَعْهُ حَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ وَقَالَ الْحَافِظُ وَأَحْسَنُ الْمَسَالِكِ فِي تَقْرِيرِ الْحَدِيثَيْنِ تَرْجِيحُ حديث بن عَبَّاسٍ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَئِمَّةُ وَحَمَلَهُ عَلَى تَطَاوُلِ الْعِدَّةِ فِيمَا بَيْنَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ وَإِسْلَامِ أَبِي الْعَاصِ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى وقال بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ مَا مُحَصِّلُهُ إِنَّ اعْتِبَارَ الْعِدَّةِ لَمْ يُعْرَفْ فِي ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] السَّابِع أَنَّ تَحْرِيم نِكَاح الْكُفَّار إِنَّمَا كَانَ فِي سُورَة الْمُمْتَحَنَة وَهِيَ نَزَلَتْ بَعْد الْحُدَيْبِيَة فَلَمْ يَكُنْ نِكَاح الْكَافِر الْمُسْلِمَة قَبْل ذَلِكَ حَرَامًا وَلِهَذَا فِي قِصَّة الْمُمْتَحَنَة لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ عَمَد عُمَر إِلَى اِمْرَأَتَيْنِ لَهُ فَطَلَّقَهُمَا ذَكَره الْبُخَارِيُّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيم كَانَ مِنْ يَوْمئِذٍ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَأَبُو الْعَاصِ بْن الرَّبِيع إِنَّمَا أَسْلَمَ فِي زَمَن الْهُدْنَة بَعْد مَا أَخَذَتْ سَرِيَّة زَيْد بْن حَارِثَة مَا مَعَهُ فَأَتَى الْمَدِينَة فَأَجَارَتْهُ زَيْنَب فَأَنْفَذ رَسُول اللَّه ﷺ جِوَارهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ أَيْ بُنَيَّة أَكْرَمِي مَثْوَاهُ وَلَا يَخْلُص إِلَيْك فَإِنَّك لَا تَحِلِّينَ لَهُ وَكَانَ هَذَا بَعْد نُزُول آيَة التَّحْرِيم فِي الْمُمْتَحَنَة ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْعَاصِ رَجَعَ إِلَى مَكَّة فَأَدَّى مَا كَانَ عِنْده مِنْ بَضَائِع أَهْل مَكَّة ثُمَّ أَسْلَمَ وَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَة فَلَمْ يَطُلْ الزَّمَان بَيْن إِسْلَامه وَنُزُول آيَة التَّحْرِيم فَرَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الأول الثامن أن حديث بن عَبَّاس فِي قِصَّته مَنْسُوخ وَسَلَكَ ذَلِكَ الطَّحَاوِيّ وَادَّعَى أَنَّ النَّبِيّ ﷺ رَدَّهَا إِلَيْهِ بَعْد رُجُوعه مِنْ بَدْر حِين أُسِرَ وَرَوَى فِي ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ أُخِذَ أَسِيرًا يَوْم بَدْر فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيّ ﷺ فَرَدَّ عَلَيْهِ اِبْنَته ثُمَّ إِنَّ اللَّه سُبْحَانه حَرَّمَ نِكَاح الْكُفَّار فِي قَضِيَّة الْمُمْتَحَنَة التَّاسِع مَا حَكَاهُ عَنْ بَعْض أَصْحَابهمْ فِي الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثِينَ بِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَلِمَ تَحْرِيم نِكَاح الْكَافِر فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْده إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيد فَقَالَ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيد وَلَمْ يعلم بن عَبَّاس بِالتَّحْرِيمِ فَقَالَ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّل لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْده بَيْنهمَا فَسْخ نِكَاح فَهَذِهِ مَجَامِع طُرُق النَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث أَفْسَدُهَا هَذَانِ الْآخَرَانِ فَإِنَّهُمَا غَلَط مَحْض وَالنَّبِيّ ﷺ لَمْ يَرُدّهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ يَوْم بَدْر قَطّ وَإِنَّمَا الْحَدِيث فِي قصة بدر أن النبي ﷺ أطلقه شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَإِلَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْأَلُ الْمَرْأَةَ هَلِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَمْ لَا وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ بِمُجَرَّدِ فُرْقَةٍ لَكَانَتْ طَلْقَةً بَائِنَةً وَلَا رَجْعَةَ فِيهَا فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ أَحَقَّ بِهَا إِذَا أَسْلَمَ وَقَدْ دَلَّ حُكْمُهُ ﷺ أَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ فَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهِيَ زَوْجَتُهُ وَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ مَنْ شَاءَتْ وَإِنْ أَحَبَّتِ انْتَظَرَتْهُ وَإِذَا أَسْلَمَ كَانَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَجْدِيدِ نِكَاحٍ قَالَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَدَّدَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ نِكَاحَهُ الْبَتَّةَ بَلِ الْوَاقِعُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا افْتِرَاقُهُمَا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِ اِبْنَته لِأَنَّهَا كَانَتْ بِمَكَّة فَلَمَّا أُسِرَ أَبُو الْعَاصِ أَطْلَقَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُرْسِلهَا إِلَى أَبِيهَا فَفَعَلَ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ بِزَمَانٍ فِي الْهُدْنَة هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ لَهُ عِلْم بِالْمَغَازِي وَالسِّيَر وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَة فَمُنْقَطِع لَا يَثْبُت وَأَمَّا الْمَسْلَك التَّاسِع فَمَعَاذ اللَّه أَنْ يُظَنّ بِالصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ يَرْوُونَ أَخْبَارًا عَنْ الشَّيْء الْوَاقِع وَالْأَمْر بِخِلَافِهِ بِظَنِّهِمْ وَاعْتِقَادهمْ وَهَذَا لَا يَدْخُلهُ إِلَّا الصِّدْق وَالْكَذِب فَإِنَّهُ إِخْبَار عَنْ أَمْر وَاقِع مُشَاهَد هَذَا يَقُول رَدَّهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَهَلْ يَسُوغ أَنْ يُخْبِر بِذَلِكَ بِنَاء عَلَى اِعْتِقَاده مِنْ غَيْر أَنْ يَشْهَد الْقِصَّة أَوْ تُرْوَى لَهُ وَكَذَا مَنْ قَالَ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّل وَكَيْف يُظَنّ بِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو أَنَّهُ يَرْوِي عَنْ النَّبِيّ ﷺ عَقْد نِكَاح لَمْ يُثْبِتهُ وَلَمْ يَشْهَدهُ وَلَا حُكِيَ لَهُ وَكَيْف يُظَنّ بِابْنِ عَبَّاس أَنْ يَقُول رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّل وَلَمْ يُحْدِث شَيْئًا وَهُوَ لَا يُحِيط عِلْمًا بِذَلِكَ ثُمَّ كَيْف يُشْتَبَه عَلَى مِثْله نُزُول آيَة الْمُمْتَحَنَة وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ التَّحْرِيم قَبْل رَدّ زَيْنَب عَلَى أَبَى الْعَاصِ وَلَوْ قُدِّرَ اِشْتِبَاهه عَلَيْهِ فِي زَمَن النَّبِيّ ﷺ لِحَدَاثَةِ سِنّه أَفَتَرَى دَامَ هَذَا الِاشْتِبَاه عَلَيْهِ وَاسْتَمَرَّ حَتَّى يَرْوِيه كَبِيرًا وَهُوَ شَيْخ الْإِسْلَام وَمِثْل هَذِهِ الطُّرُق لَا يَسْلُكهَا الْأَئِمَّة وَلَا يَرْضَى بِهَا الْحُذَّاق وَأَمَّا تَضْعِيف حَدِيث دَاوُدَ بْن الْحَصِين عَنْ عِكْرِمَة فَمِمَّا لَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ فَإِنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَة صَحِيحَة عِنْد أَئِمَّة الْحَدِيث لَا مَطْعَن فِيهَا وَقَدْ صَحَّحَ الْإِمَام أَحْمَد وَالْبُخَارِيُّ والناس حديث بن عَبَّاس وَحَكَمُوا لَهُ عَلَى حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب وَأَمَّا حَمْلهَا عَلَى تَطَاوُل الْعِدَّة فَلَا يَخْفَى بُعْده وَأَمَّا حَمْله عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِنِكَاحٍ جَدِيد مِثْل الْأَوَّل فَفِي غَايَة الْبُعْد وَاللَّفْظ يَنْبُو عَنْهُ وَأَمَّا رَدّه بِكَوْنِهِ خِلَاف الْإِجْمَاع فَفَاسِدٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَة إِجْمَاع وَالْخِلَاف فِيهَا أَشْهَر وَالْحُجَّة تَفْصِل بَيْن النَّاس وَلَيْسَ الْقَوْل فِي الْحَدِيث إِلَّا أَحَد قَوْلَيْنِ إِمَّا قَوْل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَإِمَّا قَوْل مَنْ يَقُول إِنَّ التَّحْرِيم لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا إِلَى حِين نُزُول الْمُمْتَحَنَة فَكَانَتْ الزَّوْجِيَّة مُسْتَمِرَّة قَبْل ذَلِكَ فَهَذَانِ الْمَسْلَكَانِ أَجْوَد مَا سُلِكَ فِي الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم وَنِكَاحُهَا غَيْرَهُ وَإِمَّا بَقَاؤُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَإِمَّا تَنْجِيزًا لِفُرْقَةٍ أَوْ مُرَاعَاةِ الْعِدَّةِ فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي عَهْدِهِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ هَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْمَتَانَةِ ٥ - (باب فيمن أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ) أَوْ أُخْتَانِ (عَنْ حُمَيْضَةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (بن الشمردل) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وفتح الدال الْمُعْجَمَةِ آخِرُهُ لَامٌ بِوَزْنِ سَفَرْجَلَ قَالَ الْحَافِظُ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (قَالَ مُسَدَّدُ) أَيْ فِي روايته (بن عُمَيْرَةَ) أَنَّ نَسَبَ مُسَدَّدٌ قَيْسًا إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُمَيْرَةَ وَقَالَ وَهْبٌ فِي رِوَايَتِهِ أَيْ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ (اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا) ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ يُمْسِكُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ سَوَاءً كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ كُلَّهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ فُوِّضَ إِلَيْهِ مِنَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ اِخْتَصَرَ كَلَام الْبُخَارِيِّ وَنَحْنُ نَذْكُرهُ لِكَمَالِ الْفَائِدَة قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدِيث غَيْلَان بْن سَلَمَة يَعْنِي مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر غَيْر مَحْفُوظ وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ شُعَيْب وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن سُوِيد الثَّقَفِيّ أَنَّ غيلان أَسْلَمَ قَالَ الْبُخَارِيّ وَأَمَّا حَدِيث الزَّهْرِيّ عَنْ سَالَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيف طَلَّقَ نِسَاءَهُ فَقَالَ عُمَر ﵁ لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَك أَوْ لَأَرْجُمَنَّ قَبْرَك كَمَا رُجِمَ قبر أبي رغال وقال بن عَبْد الْبَرّ الْأَحَادِيث فِي تَحْرِيم مَا زَادَ على الأربع كلها معلولة وقال بن الْقَطَّانِ هَذَا حَدِيث مُخْتَلَف فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيّ وَمَالِك وَمَعْمَر يَقُولَانِ عَنْهُ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيف وَيُونُس فِي رِوَايَته عَنْهُ يَقُول عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن أَبِي سُوِيد أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لِغَيْلَان حِين أَسْلَمَ ذَكَره بن وَهْب عَنْ يُونُس وَرَوَى اللَّيْث عَنْ يُونُس الِاخْتِيَارِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِنْ نَكَحَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ وَإِنْ كَانَ نَكَحَ وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى حَبَسَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ الْأُولَى فَالْأُولَى وَيَتْرُكُ سَائِرَهُنَّ هَذَا تَلْخِيصُ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ في المعالم وقال علي القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْمُظْهِرُ فِيهِ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ حَتَّى إِذَا أَسْلَمُوا لَمْ يُؤْمَرُوا بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي نِكَاحِهِمْ مَنْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَأَنَّهُ إِذَا قَالَ اخْتَرْتُ فُلَانَةً وَفُلَانَةً لِلنِّكَاحِ ثَبَتَ نِكَاحَهُنَّ وَحَصَلَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سِوَى الْأَرْبَعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ وَقَالَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ بِهَذَا نَأْخُذُ يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا أَيَّتَهُنَّ شَاءَ وَيُفَارِقُ مَا بَقِيَ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَقَالَ الْأَرْبَعُ الْأُوَلُ جَائِزٌ وَنِكَاحُ مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ بَاطِلٌ وهو قول إبراهيم النخعي قال بن الْهُمَامِ وَالْأَوْجَهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ انْتَهَى (قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ يَعْنِي قَيْسَ بْنَ الْحَارِثِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَسَدِيُّ وَيُقَالُ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي رِوَايَتِهِ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَدْ ضَعَّفَهُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] عن بن شِهَاب بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي سُوِيد أن رسول الله ﷺ الْحَدِيث وَرَوَى شُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة وَغَيْر وَاحِد عَنْ الزُّهْرِيّ حَدِيث عَنْ مُحَمَّد بْن سُوِيد الثَّقَفِيّ أَنَّ غيلان أَسْلَمَ ذَكَره الْبُخَارِيّ وَالنَّاس وَقَالَ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ غيلان أَسْلَمَ ذَكَره الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل وَغَيْره فَهَذِهِ خَمْس وُجُوه آخِر كَلَامه وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث سَيْف بْن عَبْد اللَّه الْجِرْمِيّ أَخْبَرَنَا سَرَّار بْن مُجَشِّر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع وَسَالِم عن بن عُمَرَ أَنَّ غَيْلَان بْن سَلَمَة أَسْلَمَ وَعِنْده عشر نسوة فَأَمَرَهُ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يُمْسِك مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَلَمَّا كَانَ زَمَن عُمَر طَلَّقَهُنَّ فَقَالَ لَهُ عُمَر رَاجِعْهُنَّ وَإِلَّا وَرَّثْتهنَّ مَالَك وَأَمَرْت بِقَبْرِك يُرْجَم وَلَكِنْ سَيْف وَسَرَّار لَيْسَا بِمَعْرُوفَيْنِ بِحَمْلِ الْحَدِيث وَحِفْظه وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل وَقَدْ ذَكَر هَذَا الْحَدِيث تَفَرَّدَ بِهِ سَيْف بْن عَبْد اللَّه الْجِرْمِيّ عَنْ سَرَّار وَسَرَّار ثِقَة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة وَمَعْلُوم أَنَّ تَفَرُّد سَيْف بِهَذَا مَانِع مِنْ الْحُكْم بِصِحَّتِهِ بَلْ لَوْ تَفَرَّدَ بِهِ مَنْ هُوَ أَجَلّ مِنْ سَيْف لَكَانَ تَفَرُّده عِلَّة والله أعلم غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ وَلَا أَعْلَمُ لِلْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ لَيْسَ لَهُ إِلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَأْتِ مِنْ وجه صحيح وقد أخرج الترمذي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ يَعْنِي أَنَّ الصَّحِيحَ إِرْسَالُهُ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ وَبَيَّنَهُ وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَهْلُ الْيَمَنِ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ فَإِنْ حَدَّثَ بِهِ ثِقَةٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مَوْصُولًا (هَكَذَا فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْجَزَاءِ أَيْ فَأَخَذَ بِهِ) وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ قِيلَ اسْمُهُ دَيْلَمُ بْنُ هَوْشَعَ وقال بن يُونُسَ هُوَ عُبَيْدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ) بِفَتْحِ فَائِهِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ فَيْرُوزُ وَهُوَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسٍ مِنْ فُرْسِ صَنْعَاءَ وَكَانَ مِمَّنْ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَاتِلُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الْكَذَّابِ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَالْيَمَنِ قُتِلَ فِي آخِرِ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَصَلَهُ خَبَرُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ (طَلِّقْ أَيَّتُهُمَا شِئْتَ) ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ وَأَسْلَمَتَا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الْحَدِيث يَرْوِيه أَبُو وَهْب الْجَيْشَانِيُّ عَنْ الضَّحَّاك بْن فَيْرُوز عَنْ أَبِيهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث نَظَر وَوَجْه قَوْله أَنَّ أَبَا وَهْب وَالضَّحَّاك مَجْهُولٌ حَالُهُمَا وفيه يحيى بن أَيُّوب ضَعِيف وَقَوْله طَلِّقْ أَيَّتهمَا شِئْت دَلِيل على أنه طَلَّقَ وَاحِدَة لَمْ يَكُنْ اِخْتِيَارًا لَهَا كَمَا قَالَ أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِيّ قَالُوا لِأَنَّ الطَّلَاق إِنَّمَا يَكُون لِلزَّوْجَةِ لَا لِلْأَجْنَبِيَّةِ فَإِذَا طَلَّقَهَا كَانَ دَلِيلًا عَلَى اِسْتِبْقَاء نِكَاحهَا وَهَذَا ضَعِيف جِدًّا فَإِنَّ طَلَاقه لَهَا إِنَّمَا هُوَ رَغْبَة عَنْهَا وَقَطْع لِنِكَاحِهَا فَكَيْف يَكُون مَعَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ إِحْدَاهُمَا سَوَاءً كَانَتِ الْمُخْتَارَةُ تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا أَوْ آخِرًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إِنْ تَزَوَّجَهُمَا مَعًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا مُتَعَاقِبَتَيْنِ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْأُولَى مِنْهُمَا دُونَ الْأَخِيرَةِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قُلْتُ وَالظَّاهِرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَوَّلُونَ لِتَرْكِهِ ﷺ لِلِاسْتِفْصَالِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اخْتِيَارَهُ إِحْدَاهَا لَا يَكُونُ فَسْخًا لِنِكَاحِ الْأُخْرَى حَتَّى يُطَلِّقَهَا قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي لَفْظِ الترمذي اختر أيتهما شئت ولفظ بن مَاجَهْ طَلِّقْ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] اِخْتِيَارًا لَهَا وَهُوَ لَوْ قَالَ طَلَّقْت هَذِهِ وَأَمْسَكْت هَذِهِ أَوْ اِخْتَرْت هَذِهِ جَعَلْتُمْ الَّتِي اِخْتَارَ إِمْسَاكهَا مُفَارَقَة وَاَلَّتِي اِخْتَارَ طَلَاقهَا مُخْتَارَة وَهَذَا مَعْلُوم أَنَّهُ ضِدّ مَقْصُوده وَأَقْصَى مَا فِي الْبَاب أَنَّهُ اِسْتَعْمَلَ لَفْظ الطَّلَاق فِي مُفَارَقَتهَا النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَهُ فَارِقْ سَائِرهنَّ وَالْمُفَارَقَة أَيْضًا مِنْ سَرَائِح الطَّلَاق عِنْدكُمْ فَإِذَا قَالَ فَارَقْت هَذِهِ كَانَ اِخْتِيَارًا لَهَا وَهَذَا أَحَد الْوَجْهَيْنِ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَكُون مُفَارِقًا لَهَا إِذَا قَالَ فَسَخْت نِكَاح هَؤُلَاءِ أَوْ اِخْتَرْت هَؤُلَاءِ وَنَحْوه وَصَاحِب الشَّرْع قَدْ أَمَرَهُ بِالْفِرَاقِ وَإِذَا أَتَى بِاللَّفْظِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ كَانَ ذَلِكَ فِرَاقًا لَا اِخْتِيَارًا وَأَمَّا قَوْلهمْ إِنَّ الطَّلَاق لَا يَكُون فِي زَوْجَة قُلْنَا هَذَا يُنْتَقَض بِالْفَسْخِ وَإِنَّكُمْ قَدْ قُلْتُمْ لَوْ فَسَخَ نِكَاح إِحْدَاهُنَّ كَانَ اِخْتِيَارًا لِلْبَاقِيَاتِ وَمَعْلُوم أَنَّ الْفَسْخ لَا يَكُون إِلَّا فِي زَوْجَة فَمَا هُوَ جَوَابكُمْ فِي الْفَسْخ هُوَ الْجَوَاب فِي الطَّلَاق وَأَيْضًا فَالطَّلَاق جُعِلَ عِبَارَة عَنْ الْفَسْخ وَإِخْرَاجًا لِلْمُطَلَّقَةِ وَاسْتِبْقَاء لِلْأُخْرَى فَكَأَنَّهُ قَالَ أَرْسَلْت هَذِهِ وَسَيَّبْتهَا وَنَحْوه وَأَمْسَكْت هَذِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ النِّكَاح لَمْ تَزُلْ أَحْكَامه كُلّهَا بِالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا قُلْتُمْ إِنَّ عِدَّة الْمُفَارَقَات مِنْ حِين الِاخْتِيَار لَا مِنْ حِين الْإِسْلَام عَلَى الصَّحِيح وَعَلَّلْتُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُنَّ إِنَّمَا بِنَّ مِنْهُ بِالِاخْتِيَارِ لَا بِالْإِسْلَامِ فَالطَّلَاق أَثَرٌ فِي قَطْع أَحْكَام النِّكَاح وَإِزَالَتهَا وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعِبْرَة بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّة وَهُوَ لَمْ يُرِدْ قَطّ بِقَوْلِهِ طَلَّقْت هَذِهِ اِخْتِيَارهَا بَلْ هَذَا قَلْب لِلْحَقَائِقِ وَأَيْضًا فَإِنَّ لَفْظ الطَّلَاق لَمْ يُوضَع لِلِاخْتِيَارِ لُغَة وَلَا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا وَلَا هُوَ اِصْطِلَاحٌ خَاصّ لَهُ يُرِيدهُ بِكَلَامِهِ فَحَمْله عَلَى الاختيار ممتنع ٢٦ - (باب إذا أسلم أحد الأبوين لمن يَكُونُ الْوَلَدُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَعَ مَنْ يَكُونُ (وَهِيَ فَطِيمٌ) أَيْ مَفْطُومَةٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ فَطَمَ الصَّبِيَّ فَصَلَهُ عَنْ الرَّضَاعِ فَهُوَ مَفْطُومٌ وَفَطِيمُ (أَوْ شَبَهُهُ) أَيْ شَبَهُ الْفَطِيمِ (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِرَافِعٍ (اقْعُدْ نَاحِيَةَ) أَيْ فِي نَاحِيَةِ (وَقَالَ لَهَا) أَيْ لِامْرَأَةِ رَافِعٍ (اللهم اهداها) أَيِ الصَّبِيَّةَ (فَمَالَتِ الصَّبِيَّةُ إِلَى أَبِيهَا فَأَخَذَهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ أَحَقُّ بِهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي الزَّوْجَيْنِ يَفْتَرِقَانِ بِطَلَاقٍ وَالزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةٌ أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ٧ - (بَاب فِي اللِّعَانِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ اللِّعَانُ مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّعْنِ لِأَنَّ الْمُلَاعِنَ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاخْتِيرَ لَفْظُ اللَّعْنِ دُونَ الْغَضَبِ فِي التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ وَهُوَ الَّذِي بَدَأَ بِهِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ أَيْضًا يَبْدَأُ بِهِ وَقِيلَ سُمِّيَ لِعَانًا لِأَنَّ اللَّعْنَ الطَّرْدَ وَالْإِبْعَادَ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْمَرْأَةُ بِلَفْظِ الْغَضَبِ لِعِظَمِ الذَّنْبِ بَالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ مَشْرُوعٌ وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ التَّحَقُّقِ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الزَّوْجِ لَكِنْ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ قَوِيَ الْوُجُوبُ (أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ) بِمُعْجَمَةٍ فَقَافٍ (الْعَجْلَانِيَّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (أَرَأَيْتَ رَجُلًا) أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ حُكْمِ رَجُلٍ (وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) أَيْ وَجَزَمَ أَنَّهُ زَنَى بِهَا (أَيَقْتُلُهُ فيقتلونه) أَيْ قِصَاصًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَيَقْتُلُونَهُ بَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ أَيْ يَقْتُلُهُ أَهْلُ الْقَتِيلِ (أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَمْ مُتَّصِلَةً وَالتَّقْدِيرُ أَمْ يَصْبِرُ عَلَى مَا بِهِ مِنَ الْمَضَضِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنَى الْإِضْرَابِ أَيْ بَلْ هُنَاكَ حُكْمٌ آخَرُ لَا نَعْرِفُهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ قَالَ سل لي ياعاصم قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَتَلَ رَجُلًا قَدْ جَزَمَ أَنَّهُ زَنَى بَامْرَأَتِهِ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ أَوْ يَعْتَرِفَ لَهُ وَرَثَةُ الْقَتِيلِ وَيَكُونُ الْقَتِيلُ مُحْصَنًا وَالْبَيِّنَةُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعُدُولِ مِنَ الرِّجَالِ يَشْهَدُونَ عَلَى نفس الزنى أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا) لِمَا فِيهَا مِنَ الْبَشَاعَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ كَرَاهَةُ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لاسيما مَا كَانَ فِيهِ هَتْكُ سِتْرِ مُسْلِمٍ أَوْ إِشَاعَةُ فَاحِشَةٍ أَوْ شَنَاعَةٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَسَائِلَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهَا إِذَا وَقَعَتْ فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْأَلُونَ عَنِ النَّوَازِلِ فَيُجِيبُهُمْ ﷺ بغَيْرِ كَرَاهَةٍ (حَتَّى كَبُرَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ عَظُمَ وَزْنًا وَمَعْنًى (لَا أَنْتَهِيَ حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا) أَيْ لَا أَمْتَنِعُ عَنِ السُّؤَالِ (وَهُوَ وَسَطَ النَّاسِ بِفَتْحِ السين وسكونها (فقال يارسول اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي وَعَبَّرَ بَالْإِبْصَارِ عَنِ الْإِخْبَارِ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ سَبَبُ الْعِلْمِ وَبِهِ يَحْصُلُ الإعلام فالمعنى أعلمت فأعلمني (أيقتله فيقتلونه) الْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَيَقْتُلُونَهُ أَيْ يَقْتُلُهُ أَهْلُ الْقَتِيلِ (قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ قُرْآنٌ) أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ (فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا) يَعْنِي فَذَهَبَ فَأَتَى بِهَا (فَلَمَّا فَرَغَا) أَيْ عُوَيْمِرٌ وزوجته عن التلاعن (كذبت عليها يارسول اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا) أَيْ فِي نِكَاحِي وَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ (فَطَلَّقَهَا عُوَيْمِرٌ ثَلَاثًا) كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُمْسِكُهَا وَإِنَّمَا طَلَّقَهَا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ فَأَرَادَ تَحْرِيمَهَا بَالطَّلَاقِ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ قَوْلُهُ كَذَبْتُ عَلَيْهَا كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ تَوْطِئَةً لِتَطْلِيقِهَا ثَلَاثًا يَعْنِي إِنْ أَمْسَكْتُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فِي نِكَاحِي وَلَمْ أُطَلِّقْهَا يَلْزَمُ كَأَنِّي كَذَبْتُ فِيمَا قَذَفْتُهَا لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ يُنَافِي كَوْنَهَا زَانِيَةً فَلَوْ أَمْسَكْتُ فَكَأَنِّي قُلْتُ هِيَ عَفِيفَةٌ لَمْ تَزْنِ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ إِنَّهُ لا يمسكها انتهى (قال بن شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ (فَكَانَتْ تِلْكَ) أَيِ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن مَاجَهْ (أَمْسِكِ الْمَرْأَةَ عِنْدَكَ حَتَّى تَلِدَ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللِّعَانَ وَقَعَ بَيْنَهُمَا وَهِيَ حَامِلٌ وَفِيهِ جَوَازُ لِعَانِ الْحَامِلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (حَضَرْتُ لِعَانَهُمَا) أَيْ لِعَانَ عُوَيْمِرٍ وَامْرَأَتِهِ (ثُمَّ خَرَجَتْ) أَيْ امْرَأَةُ عُوَيْمِرٍ (فَكَانَ الْوَلَدُ يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (أَبْصِرُوهَا) أَيِ انْظُرُوا الْمَرْأَةَ الْمُلَاعَنَةَ (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أَيْ بَالْوَلَدِ (أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ) فِي النِّهَايَةِ الدَّعَجُ السَّوَادُ فِي الْعَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَقِيلَ الدَّعَجُ شِدَّةُ سَوَادِ الْعَيْنِ فِي شِدَّةِ بَيَاضِهَا (عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْأَلْيَةُ الْعَجِيزَةُ وَكَانَ الرَّجُلُ الذي نسب إليه الزنى مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ (فَلَا أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ لَا أَظُنُّ عُوَيْمِرًا (إِلَّا قَدْ صَدَقَ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ تَكَلَّمَ بَالصِّدْقِ (وَإِنْ جَاءَتْ به أحيمر) تَصْغِيرُ أَحْمَرَ (كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ) بِفَتَحَاتٍ دُوَيْبَّةٌ حَمْرَاءُ تَلْتَزِقُ بَالْأَرْضِ (فَلَا أُرَاهُ إِلَّا كَاذِبًا) فَإِنَّ عُوَيْمِرًا كَانَ أَحْمَرَ (فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ) وَهُوَ شَبَهُهُ بِمَنْ رُمِيَتْ بِهِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا إِيقَاعُ الطَّلَاقِ وَإِنْفَاذِهِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ وَأَنَّ فِرَاقَ الْعَجْلَانِيِّ امْرَأَتَهُ إِنَّمَا كَانَ بَالطَّلَاقِ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنْفَاذَ الْفُرْقَةِ الدَّائِمَةِ الْمُتَأَبِّدَةِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَاهَا تَصْلُحُ لِلزَّوْجِ بحال وإن أكذب نَفْسَهُ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَيَعْقُوبُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً فَلَاعَنَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِصَابَتُهَا لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ مُتَأَبِّدَةً فَصَارَتْ كَحُرْمَةِ الرَّضَاعِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ إذا أكذب نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ ارْتَفَعَ تَحْرِيمُ الْعَقْدِ وَكَانَ لِلزَّوْجِ نِكَاحُهَا كَمَا إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ ثَبَتَ النَّسَبُ وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ (ثُمَّ لَا يجتمعان أبدا) فيه دليل على تأييد الْفُرْقَةِ قَالَ فِي النَّيْلِ وَالْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ قَاضِيَةٌ بَالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ وَكَذَلِكَ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُكْمُ اللِّعَانِ وَلَا يَقْتَضِي سِوَاهُ فَإِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ قَدْ حَلَّتْ بِأَحَدِهِمَا وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ هَلِ اللِّعَانُ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ فَسْخٌ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (قَالَ مُسَدَّدٌ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (قَالَ) أَيْ سَهْلٌ (وَتَمَّ حَدِيثُ مُسَدَّدٍ) أَيْ إِلَى قَوْلِهِ حِينَ تَلَاعَنَا (وَقَالَ الْآخَرُونَ) أَيْ وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ (لَمْ يَقُلْ عَلَيْهَا) أَيْ لَفْظَةَ عَلَيْهَا (لَمْ يتابع بن عُيَيْنَةَ) بَالنَّصْبِ مَفْعُولُ لَمْ يُتَابِعْ وَالْمُرَادُ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَدْ تَفَرَّدَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ بِلَفْظَةِ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَيَعْنِي بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ لَا مَا رَوَيْنَاهُ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزهري يريد أن بن عُيَيْنَةَ لَمْ يَنْفَرِدْ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا الزُّبَيْدِيُّ وذكر البيهقي بعد هذا حديث بن عُمَرَ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي عَجْلَانَ وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ يَقَعْ بَالطَّلَاقِ وَمَعْنَى التَّفْرِيقِ تَبْيِينُهُ ﷺ الْحُكْمَ لِإِيقَاعِ الْفِرَاقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ (وَكَانَتْ) أَيِ الْمَرْأَةُ (حَامِلًا) حِينَ وَقَعَ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا (فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا) أَيْ أَنْكَرَ الرَّجُلُ الْمُلَاعَنُ حَمْلَ الْمَرْأَةَ مِنْهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الملاعنة بالحمل وإليه ذهب بن أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ فَإِنَّهُمْ قَالُوا مَنْ نَفَى حَمْلَ امْرَأَتِهِ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ لَا يُلَاعَنُ بَالْحَمْلِ وَأَجَابُوا بِأَنَّ اللِّعَانَ كَانَ بَالْقَذْفِ لَا بَالْحَمْلِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا) لَا إلى زوجها الْمُلَاعَنِ إِذِ اللِّعَانُ يَنْتَفِي بِهِ النَّسَبُ عَنْهُ إِنْ نَفَاهُ فِي لِعَانِهِ وَإِذَا انْتَفَى مِنْهُ أُلْحِقَ بِهَا لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ مِنْهَا (أَنْ يَرِثَهَا) أَيْ يَرِثُ الْوَلَدُ الَّذِي نَفَاهُ الرَّجُلُ الْمُلَاعِنُ مِنَ الْمَرْأَةِ الْمُلَاعَنَةِ (وَتَرِثَ مِنْهُ) أَيْ تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْوَلَدِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (جَلَدْتُمُوهُ) أَيْ بِحَدِّ الْقَذْفِ (أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ) أَيْ بَالْقِصَاصِ فَقَالَ اللَّهُمَّ افْتَحْ) أَيِ احْكُمْ أَوْ بَيِّنْ لَنَا الْحُكْمَ فِي هَذَا وَالْفَتَّاحُ الْحَاكِمُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق وهو الفتاح العليم (ثُمَّ لَعَنَ) أَيِ الرَّجُلُ (الْخَامِسَةَ) أَيْ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَفْسِهِ (قَالَ فَذَهَبَتْ) أَيِ الْمَرْأَةُ (لِتَلْتَعِنَ) أَيْ لِتُلَاعِنَ وَاللِّعَانُ وَالِالْتِعَانُ بِمَعْنًى (مَهْ) كَلِمَةُ زَجْرٍ (فَأَبَتْ) أَيْ عَنْ أَنْ تَنْزَجِرَ (لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ) أَيْ بَالْوَلَدِ (أَسْوَدَ جَعْدًا) أَيْ لَيْسَ سَبْطَ الشَّعْرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ قَوْلُهُ لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ إِلَخْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ حَامِلًا وَأَنَّ اللِّعَانَ وَقَعَ عَلَى الْحَمْلِ وَمِمَّنْ رَأَى اللِّعَانَ عَلَى نَفْيِ الحمل مالك والأوزاعي وبن أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَلَاعُنُ بَالْحَمْلِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ رِيحٌ انتهى قال المنذري وأخرجه مسلم وبن ماجه (أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) بِضَمِّ هَمْزٍ وَفَتْحِ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) أَيْ نَسَبَهَا إلى الزنى (بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (الْبَيِّنَةَ) بَالنَّصْبِ أي أحضر البينة (أوحد) بَالرَّفْعِ أَيْ أَتُحْضِرُ الْبَينَةَ أَوْ يَقَعُ حَدٌّ (فِي ظَهْرِكَ) أَيْ عَلَى ظَهْرِكَ (يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ) جَوَابُ إِذَا بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِبْعَادِ وَالِالْتِمَاسُ الطَّلَبُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ (وَلَيُنْزِلَنَّ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّاي الْمُخَفَّفَةِ وَفِي آخِرِهِ نُونٌ مشددة القذف (ما يبريء) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا أَيْ مَا يَدْفَعُ وَيَمْنَعُ (مِنَ الْحَدِّ) أَيْ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ (وَالَّذِينَ يرمون أزواجهم) أَيْ يَقْذِفُونَ زَوْجَاتِهِمْ (قَرَأَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَقَرَأَ أَيْ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْآيَاتِ (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا) أَيْ إِلَى هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَتِهِ (فَجَاءَا) بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ (فَشَهِدَ) أَيْ لَاعَنَ (اللَّهُ يَعْلَمُ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ (أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ) قَالَ عِيَاضٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنَ اللِّعَانِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُذْنِبِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَذِبِهِ التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ اللِّعَانِ تَحْذِيرًا لَهُمَا مِنْهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَوْلَى بِسِيَاقِ الْكَلَامِ قَالَ الْحَافِظُ وَالَّذِي قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ أَوْلَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ مَشْرُوعِيَّةُ الْمَوْعِظَةِ قَبْلَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعْصِيَةِ بَلْ هُوَ أَحْرَى مِمَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ انْتَهَى قُلْتُ وَسِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ (إِنَّهَا مُوجِبَةٌ) أَيْ لِلْعَذَابِ الْأَلِيمِ إِنْ كُنْتِ كَاذِبَةً (فَتَلَكَّأَتْ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ تَوَقَّفَتْ يُقَالُ تَلَكَّأَ فِي الْأَمْرِ إِذَا تَبَطَّأَ عَنْهُ وَتَوَقَّفَ فِيهِ (وَنَكَصَتْ) أَيْ رَجَعَتْ وَتَأَخَّرَتْ وفي القرآن نكص على عقبيه وَالْمَعْنَى أَنَّهَا سَكَتَتْ بَعْدَ الْكَلِمَةِ الرَّابِعَةِ (أَنَّهَا سَتَرْجِعُ) أَيْ عَنْ مَقَالِهَا فِي تَكْذِيبِ الزَّوْجِ وَدَعْوَى الْبَرَاءَةِ عَمَّا رَمَاهَا بِهِ (سَائِرِ الْيَوْمِ) أي في جَمِيعِ الْأَيَّامِ وَأَبَدِ الدَّهْرِ أَوْ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْأَيَّامِ بَالْإِعْرَاضِ عَنِ اللِّعَانِ وَالرُّجُوعِ إِلَى تَصْدِيقِ الزَّوْجِ وَأُرِيدَ بَالْيَوْمِ الْجِنْسُ وَلِذَلِكَ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْعَامِّ وَالسَّائِرِ كَمَا يُطْلَقُ لِلْبَاقِي يُطْلَقُ لِلْجَمِيعِ (فَمَضَتْ) أَيْ فِي الْخَامِسَةِ (أَبْصِرُوهَا) أَيِ انْظُرُوا وَتَأَمَّلُوا فِيمَا تَأْتِي بِهِ مِنْ وَلَدِهَا (أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ) أَيِ الَّذِي يَعْلُو جُفُونَ عَيْنَيْهِ سَوَادٌ مِثْلُ الْكُحْلِ مِنْ غَيْرِ اكْتِحَالٍ (سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ) أَيْ عَظِيمَهُمَا (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) أَيْ سَمِينَهُمَا (فَهُوَ) أَيِ الْوَلَدُ (لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) مِنْ بَيَانٍ لِمَا أَيْ لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ حُكْمِهِ بِدَرْءِ الْحَدِّ عَنِ الْمَرْأَةِ بِلِعَانِهَا (لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) أَيْ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا أَوِ الْمَعْنَى لَوْلَا أَنَّ الْقُرْآنَ حَكَمَ بِعَدَمِ الْحَدِّ عَلَى الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَعَدَمِ التَّعْزِيرِ لَفَعَلْتُ بِهَا مَا يَكُونُ عِبْرَةً لِلنَّاظِرِينَ وَتَذْكِرَةً لِلسَّامِعِينَ فَإِنْ قُلْتَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنَ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُوَيْمِرًا هُوَ الْمُلَاعِنُ وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ وَالْوَلَدُ شَابَهَهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هِلَالًا هُوَ الْمُلَاعِنُ وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ وَالْوَلَدُ شَابَهَهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ اخْتَلَفُوا فِي نُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ هَلْ هُوَ بِسَبَبِ عُوَيْمِرٍ أَمْ بِسَبَبِ هِلَالٍ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي هِلَالٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ لِعُوَيْمِرٍ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَقَالُوا مَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا نَزَلَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمَا جَمِيعًا فَلَعَلَّهُمَا سَأَلَا فِي وَقْتَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِمَا وَسَبَقَ هِلَالٌ بَاللِّعَانِ انْتَهَى كَذَا فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا) أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ قِصَّةُ اللِّعَانِ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ (تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ المدينة) كعكرمة عن بن عَبَّاسٍ وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا رَوَى هذه القصة غير أهل المدينة (حديث بن بَشَّارٍ) بَيَانٌ لِهَذَا (حَدِيثُ هِلَالٍ) بَدَلٌ مِنْ حديث بن بشار قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي وبن مَاجَهْ (أَنْ يَضَعَ) أَيِ الرَّجُلُ (يَدَهُ) الضَّمِيرُ لِلرَّجُلِ (عَلَى فِيهِ) أَيْ عَلَى فَمِ الرَّجُلِ الْمُلَاعِنِ (يَقُولُ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَضَعَ (إِنَّهَا) أَيِ الشَّهَادَةُ الْخَامِسَةُ (مُوجِبَةٌ) أَيْ لِغَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (أَحَدُ الثَّلَاثَةِ) هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ (فَلَمْ يَهِجْهُ) مِنْ هَاجَ أَيْ لَمْ يُزْعِجْ هِلَالٌ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَلَمْ يُنَفِّرْهُ وَمَعْنَاهُ بَالْفَارِسِيَّةِ تنبيه وسرزنش نكرداورا (الْآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) أَيْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا (فَسُرِّيَ) أَيْ كُشِفَ الْوَحْيُ (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ بَالْفَارِسِيَّةِ كشايش (وَذَكَّرَهُمَا) مِنَ التَّذْكِيرِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أي لِأَصْحَابِهِ (فَتَلَكَّأَتْ) أَيْ تَوَقَّفَتْ (وَلَا تُرْمَى) أَيْ لا تقذف المرأة بالزنى (وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا) أَيْ لَا يُقَالُ لِوَلَدِهَا إِنَّهُ وَلَدُ زِنَا (وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ رَمَى الْمَرْأَةَ الَّتِي لَاعَنَهَا زَوْجُهَا بَالرَّجُلِ الَّذِي اتَّهَمَهَا بِهِ وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَالَ لِوَلَدِهَا إِنَّهُ وَلَدُ زِنًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقَ مَا قَالَهُ الزَّوْجُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ وَمُجَرَّدُ وُقُوعِ اللِّعَانِ لَا يُخْرِجُهَا عَنِ الْعَفَافِ وَالْأَعْرَاضُ مَحْمِيَّةٌ عَنِ الثَّلْبِ ثَلْبٌ بَالْفَتْحِ عيب ثلاب جمع منتهى الأرب مالم يَحْصُلِ الْيَقِينُ (وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ) أَيْ لَا مَسْكَنَ (لَهَا) أَيْ لِامْرَأَةِ هِلَالٍ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هِلَالٍ (وَلَا قُوتَ) أَيْ وَلَا نَفَقَةَ (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ أَنَّ اللِّعَانَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُلَاعَنَةِ عَلَى زَوْجِهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ اللِّعَانُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ وَلَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ فِي الْعِدَّةِ انْتَهَى (إِنْ جَاءَتْ بِهِ) أَيْ بَالْوَلَدِ (أُصَيْهِبَ) تَصْغِيرُ الْأَصْهَبِ وَهُوَ مِنَ الرِّجَالِ الْأَشْقَرُ وَمِنَ الْإِبِلِ الَّذِي يُخَالِطُ بَيَاضَهُ حُمْرَةٌ (أُرَيْصِحَ) تَصْغِيرُ الْأَرْصَحِ وَهُوَ خَفِيفُ الْأَلْيَتَيْنِ أُبْدِلَتِ السِّينُ مِنْهُ صَادًا وَقَدْ يَكُونُ تَصْغِيرَ الْأَرْسَعِ أُبْدِلَتْ عَيْنُهُ حَاءً (أُثَيْبِجَ) تَصْغِيرُ الْأَثْبَجِ وَهُوَ النَّاتِئُ الثَّبَجِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْكَاهِلِ وَوَسَطِ الظَّهْرِ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ وَفِي الْمِصْبَاحِ الثَّبَجُ بِفَتْحَتَيْنِ مَا بَيْنَ الْكَاهِلِ إِلَى الظَّهْرِ وَالْأَثْبَجُ عَلَى وزن احمر الناتىء الثَّبَجِ وَقِيلَ الْعَرِيضُ الثَّبَجِ وَيُصَغَّرُ عَلَى الْقِيَاسِ فَيُقَالُ أُثَيْبِجُ انْتَهَى (حَمْشَ السَّاقَيْنِ) بِمَفْتُوحَةٍ فَسَاكِنَةٍ فَمُعْجَمَةٍ أَيْ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ (أَوْرَقَ) هُوَ الْأَسْمَرُ (جَعْدًا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْد