بَابِ الِاخْتِصَاصِ الْمُشَابِهِ لِلنِّدَاءِ لَفْظًا لَا مَعْنًى (حَتَّى إِذَا طَالَ) أَيِ الْمُكْثُ (عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (تَسَوَّرْتُ) أَيِ ارْتَقَيْتُ (جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ) الْحَائِطُ الْبُسْتَانُ (وَهُوَ) أَيْ أبو قتادة (ثم ساق) أي بن السَّرْحِ (خَبَرَ تَنْزِيلِ تَوْبَتِهِ) أَيْ كَعْبٍ وَخَبَرُهُ طويل أورده المؤلف ها هنا مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْهُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مِنْ قِبَلِ عُتْبٍ وَمَوْجِدَةٍ أَوْ لِتَقْصِيرٍ يَقَعُ فِي حُقُوقِ الْعِشْرَةِ وَنَحْوِهَا دُونَ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الدِّينِ فَإِنَّ هِجْرَةَ أَهْلِ الهواء وَالْبِدْعَةِ دَائِمَةٌ عَلَى مَمَرِّ الْأَوْقَاتِ وَالْأَزْمَانِ مَا لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مطولا ومختصرا
(باب في تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ)
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْهَوَى مَقْصُورُ مَصْدَرِ مَيْلِ النَّفْسِ وَانْحِرَافِهَا نَحْوَ الشَّيْءِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مَيْلٍ مَذْمُومٍ فَيُقَالُ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ انْتَهَى
(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَخْ) الْحَدِيثُ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ فِي بَابِ التَّرَجُّلِ وَالْمَقْصُودُ من
إيراده ها هنا قَوْلُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ التَّرَجُّلِ أَتَمُّ مِنْ هَذَا
(عَنْ سُمَيَّةَ) مُصَغَّرًا هِيَ الْبَصْرِيَّةُ وحديثها عند المؤلف والنسائي وبن مَاجَهْ قَالَ الْحَافِظُ هِيَ مَقْبُولَةٌ (اعْتَلَّ بَعِيرٌ) أَيْ حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ) بِالتَّصْغِيرِ وَهِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ (وَعِنْدَ زَيْنَبَ) أَيْ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ (فَضْلُ ظَهْرٍ) أَيْ مَرْكَبٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهَا (فَقَالَتْ) أَيْ زَيْنَبُ (تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ) تَعْنِي صَفِيَّةَ وَكَانَتْ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ ﵇ (فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ إِلَخْ) أَيْ تَرَكَ صُحْبَتَهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ سُمَيَّةُ لَمْ تُنْسَبْ
(بَاب النَّهْيِ عَنْ الْجِدَالِ فِي الْقُرْآنِ)
(الْمِرَاءُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْمَدِّ (فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيِ الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث الْمِرَاء فِي الْقُرْآن ثُمَّ قَالَ حَدِيث حَسَن
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رسول الله ﷺ اقرأوا الْقُرْآن مَا اِئْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ فَإِذَا اِخْتَلَفْتُمْ عَنْهُ فَقُومُوا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ أَبْغَض الرِّجَال إِلَى اللَّه الْأَلَدّ الْخَصِم وَفِي سُنَن بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَا ضَلَّ قَوْم بَعْد هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَل ثُمَّ تَلَا تِلْكَ الْآيَة ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَك إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْم خصمون﴾
أَوْ أَرَادَ الْخَوْضَ فِيهِ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ أَوْ قَدِيمٌ أَوِ الْمُجَادَلَةَ فِي الْآيِ الْمُتَشَابِهَةِ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْجُحُودِ فَسَمَّاهُ كُفْرًا بِاسْمِ مَا يخاف عاقبته انتهى
وقال الإمام بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الْمِرَاءُ الْجِدَالُ وَالتَّمَارِي وَالْمُمَارَاةُ الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ وَيُقَالُ لِلْمُنَاظَرَةِ مُمَارَاةٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ وَيَمْتَرِيهِ كَمَا يَمْتَرِي الْحَالِبُ اللَّبَنَ مِنَ الضَّرْعِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَيْسَ وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّأْوِيلِ وَلَكِنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ عَلَى حَرْفٍ فَيَقُولَ الْآخَرُ لَيْسَ هُوَ هَكَذَا وَلَكِنَّهُ عَلَى خِلَافِهِ وَكِلَاهُمَا مُنَزَّلٌ مَقْرُوءٌ بِهِ فَإِذَا جَحَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِرَاءَةَ صَاحِبِهِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ إِلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهُ نَفَى حَرْفًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ
وَقِيلَ إِنَّمَا جَاءَ هَذَا فِي الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ فِي الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْقَدَرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَأَبْوَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ ظُهُورَ الْحَقِّ لِيُتَّبَعَ دُونَ الْغَلَبَةِ وَالتَّعْجِيزِ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ أَنْ يَرُومَ تَكْذِيبَ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ لِيَدْفَعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمُتَخَالِفِينَ عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ عَقِيدَةَ السَّلَفِ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَلْيَكِلْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ هُوَ الْمُجَادَلَةُ فِيهِ وَإِنْكَارُ بَعْضِهَا انْتَهَى
(بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ)
(عَنْ حَرِيزٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وكسر الراء وآخره زاي (بن عُثْمَانَ) الرَّحْبِيِّ الْحِمْصِيِّ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ جَرِيرٌ بِالْجِيمِ وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّ جَرِيرَ بْنَ عُثْمَانَ بِالْجِيمِ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ أَحَدًا مِنَ الرُّوَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (أُوتِيتُ الْكِتَابَ) أَيِ الْقُرْآنَ (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) أَيِ الْوَحْيَ الْبَاطِنَ غَيْرَ الْمَتْلُوِّ أَوْ تَأْوِيلَ الْوَحْيِ الظَّاهِرِ وَبَيَانَهُ بِتَعْمِيمٍ وَتَخْصِيصٍ وَزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ أَوْ أَحْكَامًا وَمَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا تُمَاثِلُ الْقُرْآنَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ أَوْ فِي الْمِقْدَارِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الْوَحْيِ الْبَاطِنِ غَيْرِ الْمَتْلُوِّ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مِنَ الظَّاهِرِ الْمَتْلُوِّ وَالثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَحْيًا يُتْلَى وَأُوتِيَ مِثْلَهُ مِنَ الْبَيَانِ أَيْ أُذِنَ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا فِي الْكِتَابِ
فَيَعُمَّ وَيَخُصَّ وَأَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ فَيُشَرِّعَ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ لَهُ ذِكْرٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْحُكْمِ وَلُزُومِ الْعَمَلِ بِهِ كَالظَّاهِرِ الْمَتْلُوِّ مِنَ الْقُرْآنِ (أَلَا يُوشِكُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُحْذِّرُ بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ السُّنَنِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَرَكُوا السُّنَنَ الَّتِي ضُمِّنَتْ بَيَانَ الْكِتَابِ فَتَحَيَّرُوا وَضَلُّوا انْتَهَى (رَجُلٌ شَبْعَانُ) هو كناية عن البلادة وسوء الفهم الناشىء عَنِ الشِّبَعِ أَوْ عَنِ الْحَمَاقَةِ اللَّازِمَةِ لِلتَّنَعُّمِ وَالْغُرُورِ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) أَيْ سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ بِالْحُلَلِ وَالْأَثْوَابِ وَأَرَادَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَصْحَابَ التَّرَفُّهِ وَالدَّعَةِ الَّذِينَ لَزِمُوا الْبُيُوتَ وَلَمْ يَطْلُبُوا الْعِلْمَ مِنْ مَظَانِّهِ (فَأَحَلُّوهُ) أَيِ اعْتَقَدُوهُ حَلَالًا (فَحَرَّمُوهُ) أَيِ اعْتَقَدُوهُ حَرَامًا وَاجْتَنَبُوهُ (أَلَا لَا يحل لكم) بيان للقسم الَّذِي ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ (وَلَا لُقَطَةُ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ مِمَّا ضَاعَ مِنْ شَخْصٍ بِسُقُوطٍ أَوْ غَفْلَةٍ (مُعَاهَدٍ) أَيْ كَافِرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ بِأَمَانٍ وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِالْإِضَافَةِ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي لُقَطَةِ الْمُسْلِمِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى (إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا) أَيْ يَتْرُكَهَا لِمَنْ أَخَذَهَا اسْتِغْنَاءً عَنْهَا (فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يُضَيِّفُوهُ مِنْ قَرَيْتُ الضَّيْفَ إِذَا أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ (فَلَهُ أَنْ يَعْقُبَهُمْ) مِنَ الْإِعْقَابِ بِأَنْ يَتْبَعَهُمْ وَيُجَازِيَهُمْ مِنْ صَنِيعِهِ
يُقَالُ أَعْقَبَهُ بِطَاعَتِهِ إِذَا جَازَاهُ وَرُوِيَ بِالتَّشْدِيدِ يُقَالُ عَقَّبَهُمْ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا وَأَعْقَبَهُمْ إِذَا أَخَذَ مِنْهُمْ عُقْبَى وَعُقْبَةً وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَدَلًا عَمَّا فَاتَهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (بِمِثْلِ قِرَاهُ) بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ أَيْ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عِوَضًا عَمَّا حَرَّمُوهُ مِنَ الْقِرَى
قِيلَ هَذَا فِي الْمُضْطَرِّ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَا حَاجَةَ بِالْحَدِيثِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْكِتَابِ وَأَنَّهُ مَهْمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ فَأَمَّا مَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ إِذَا جَاءَكُمُ الْحَدِيثُ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَخُذُوهُ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ
وَقَدْ حَكَى زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمَا
(لا ألفين) أي لاأجدن مِنْ أَلْفَيْتُهُ وَجَدْتُهُ (مُتَّكِئًا) حَالٌ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) أَيْ سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ (يَأْتِيهِ الْأَمْرُ) أَيِ الشَّأْنُ من شؤون الدِّينِ (مِنْ أَمْرِي) بَيَانُ الْأَمْرِ وَقِيلَ اللَّازِمُ فِي الْأَمْرِ زَائِدَةٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِي (مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ) بَيَانُ أَمْرِي (لَا نَدْرِي) أَيْ لَا نَعْلَمُ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَلَا أَتَّبِعُ غَيْرَهُ (مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) مَا مَوْصُولَةٌ أَيِ الَّذِي وَجَدْنَاهُ فِي الْقُرْآنِ اتَّبَعْنَاهُ وَعَمِلْنَا بِهِ
وَلَقَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَوَقَعَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ فَإِنَّ رَجُلًا خَرَجَ مِنَ الْفِنْجَابِ مِنْ إِقْلِيمِ الْهِنْدِ وَانْتَسَبَ نَفْسَهُ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ وَشَتَّانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقُرْآنِ بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ فَأَضَلَّهُ الشَّيْطَانُ وَأَغْوَاهُ وَأَبْعَدَهُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَتَفَوَّهَ بِمَا لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَأَطَالَ لِسَانَهُ فِي إِهَانَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَدَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ بِأَسْرِهَا وَقَالَ هَذِهِ كُلُّهَا مَكْذُوبَةٌ وَمُفْتَرَيَاتٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَقَطْ دُونَ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً مُتَوَاتِرَةً وَمَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ الْقُرْآنِ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِ الْكُفْرِيَّةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ وَجَعَلَهُ إِمَامًا وَقَدْ أَفْتَى عُلَمَاءُ الْعَصْرِ بِكُفْرِهِ وَإِلْحَادِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ وَالْأَمْرِ كَمَا قَالُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثَيْنِ تَوْبِيخٌ مِنْ غَضَبٍ عَظِيمٍ عَلَى مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِالْكِتَابِ فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَّحَ الرَّأْيَ عَلَيْهَا أَوْ قَالَ لَا عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ بِهَا فَإِنَّ لِي مذهبا أتبعه
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مُرْسَلًا
(عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ (مَنْ أَحْدَثَ) أَيْ أَتَى بِأَمْرٍ جَدِيدٍ (فِي أَمْرِنَا هَذَا) أَيْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ (مَا لَيْسَ فِيهِ) أَيْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَنَدٌ ظَاهِرٌ أَوْ خَفِيٌّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَهُوَ) أَيِ الَّذِي أَحْدَثَهُ (رَدٌّ) أَيْ مَرْدُودٌ وَبَاطِلٌ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَقْدِ نِكَاحٍ وَبَيْعٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعُقُودِ فَإِنَّهُ مَنْقُوضٌ مَرْدُودٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَهُوَ رَدٌّ يُوجِبُ ظَاهِرُهُ إِفْسَادَهُ وَإِبْطَالَهُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ الظَّاهِرِ فَيَنْزِلُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ لِقِيَامِ الدليل فيه انتهى (قال بن عِيسَى) هُوَ مُحَمَّدٌ (مَنْ صَنَعَ أَمْرًا) أَيْ عَمِلَ عَمَلًا (عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا) أَيْ لَيْسَ فِي دِينِنَا
عَبَّرَ عَنِ الدِّينِ بِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الدِّينَ هُوَ أَمْرُنَا الَّذِي نَشْتَغِلُ به
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
(وَهُوَ) أَيِ الْعِرْبَاضُ وَلَا عَلَى الذين إذا ما أتوك لتحملهم أَيْ مَعَكَ إِلَى الْغَزْوِ وَالْمَعْنَى لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ (قُلْتَ لَا أجد ما أحملكم عليه) حَالٌ مِنَ الْكَافِ فِي أَتَوْكِ بِتَقْدِيرِ قَدْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّهُ قِيلَ مَا بَالُهُمْ تَوَالَوْا
قُلْتَ لَا أَجِدُ وَتَمَامُ الْآيَةِ (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يجدوا ما ينفقون) وَقَوْلُهُ (تَوَلَّوْا) جَوَابُ إِذَا وَمَعْنَاهُ انْصَرَفُوا (فَسَلَّمْنَا) أَيْ عَلَى الْعِرْبَاضِ (زَائِرِينَ) مِنَ الزِّيَارَةِ (وَعَائِدِينَ) مِنَ الْعِيَادَةِ (وَمُقْتَبِسِينَ) أَيْ مُحَصِّلِينَ الْعِلْمَ مِنْكَ (ذَرَفَتْ) أَيْ دَمَعَتْ (وَوَجِلَتْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ خَافَتْ (كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ) بِالْإِضَافَةِ فَإِنَّ الْمُوَدِّعَ بِكَسْرِ الدَّالِ عِنْدَ الْوَدَاعِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا يُهِمُّ الْمُوَدَّعَ بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ كأنك تودعنا بها لمارأى مِنْ مُبَالَغَتِهِ ﷺ فِي الْمَوْعِظَةِ (فَمَاذَا تَعْهَدُ) أَيْ تُوصِي (وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمُطَاعُ عَبْدًا حَبَشِيًّا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ بِهِ طَاعَةَ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي الشَّيْءِ بِمَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فِي الْوُجُودِ كَقَوْلِهِ ﷺ من بنى لله مسجداولو مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَقَدْرُ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا لِشَخْصٍ آدَمِي وَنَظَائِرُ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرٌ
(وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قِيلَ هُوَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ وَقِيلَ هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَيْضًا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْمَضَضِ فِي ذَاتِ اللَّهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَأَلِّمُ بِالْوَجَعِ يُصِيبُهُ (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ إِلَخْ) قَالَ الحافظ بن رَجَبٍ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ فِيهِ تَحْذِيرٌ لِلْأُمَّةِ مِنَ اتِّبَاعِ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لُغَةً فَقَوْلُهُ ﷺ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ مِنَ اسْتِحْسَانِ بَعْضِ الْبِدَعِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْبِدَعِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ فِي التَّرَاوِيحِ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ بِدْعَةً فَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ وَمِنْ ذَلِكَ أَذَانُ الْجُمُعَةِ الْأَوَّلِ زَادَهُ عُثْمَانُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَأَقَرَّهُ عَلِيٌّ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ
وَرُوِيَ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ هُوَ بِدْعَةٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَ أَبُوهُ فِي التَّرَاوِيحِ انْتَهَى مُلَخَّصًا
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا ذِكْرُ حُجْرِ بْنِ حُجْرٍ غَيْرَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ تَعْلِيقًا
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَالْخُلَفَاءُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَقَالَ ﷺ اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَخَصَّ اثْنَيْنِ وَقَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ فَخَصَّهُ فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ قَوْلًا وَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِهِ أَوْلَى
وَالْمُحْدَثُ عَلَى قِسْمَيْنِ مُحْدَثٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ إِلَّا الشُّهْرَةُ (الشَّهْوَةُ) وَالْعَمَلُ بِالْإِرَادَةِ فَهَذَا بَاطِلٌ وَمَا كَانَ عَلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ أَوْ مَرْدُودٍ إِلَيْهَا فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ وَلَا ضَلَالَةٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) أَيِ الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالُونَ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُتَنَطِّعُ الْمُتَعَمِّقُ فِي الشَّيْءِ الْمُتَكَلِّفُ لِلْبَحْثِ عَنْهُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ
الْكَلَامِ الدَّاخِلِينَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمُ الْخَائِضِينَ فِيمَا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِظَاهِرِ الْكَلَامِ وَأَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ إِلَى غَيْرِهِ مَا كَانَ لَهُ مَسَاغٌ وَأَمْكَنَ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ انْتَهَى (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ قَالَ هذه الكلمة ثلاث مرات
(باب من دعا إلى السُّنَّةِ)
(مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى) أَيْ إِلَى مَا يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ) إِنَّمَا اسْتَحَقَّ الدَّاعِي إِلَى الْهُدَى ذَلِكَ الْأَجْرَ لِكَوْنِ الدُّعَاءِ إِلَى الْهُدَى خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ (لَا يَنْقُصُ) بِضَمِّ الْقَافِ (ذَلِكَ) أَيِ الْأَجْرُ وَقِيلَ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَصْدَرِ كَانَ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) هَذَا دَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ أَجْرَ الدَّاعِي إِنَّمَا يَكُونُ مَثَلًا بِالتَّنْقِيصِ مِنْ أَجْرِ التَّابِعِ وَبِضَمِّ أَجْرِ التَّابِعِ إِلَى أَجْرِ الدَّاعِي وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي أُجُورِهِمْ رَاجِعٌ إِلَى مِنْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
(إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ جُرْمًا مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْظَمَ مَنْ أَجْرَمَ جُرْمًا كَائِنًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ (مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ إِلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّبْيِينِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَسُؤَالِ عُمَرَ ﵁ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَمْرِ الْخَمْرِ حتى حرمت بعد ما كَانَتْ حَلَالًا لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَعَتْ إِلَيْهِ
وَثَانِيهِمَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَهُوَ السُّؤَالُ عَمَّا لَمْ يَقَعْ وَلَا دَعَتْ إِلَيْهِ حاجة فسكوت النبي فِي مِثْلِ هَذَا عَنْ جَوَابِهِ رَدْعٌ لِسَائِلِهِ وإن أجاب عنه كان تغليظ له فيكون بسببه تغليظ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ لِتَعَدِّي جِنَايَتِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا كذلك غيره
كذا قال بن الْمَلَكِ فِي الْمَبَارِقِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(عَائِذَ اللَّهِ) بِالنَّصْبِ اسْمُ أَبِي إِدْرِيسَ (أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَمِيرَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَخَبَرُ أَنَّ قَوْلُهُ أَخْبَرَهُ وَقَوْلُهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بين اسم أن وخبرها (قَالَ كَانَ) أَيْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (لِلذِّكْرِ) أَيِ الْوَعْظِ (اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ) أَيْ حَاكِمٌ عَادِلٌ (هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ) أَيِ الشَّاكُّونَ (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ) أَيْ بَعْدَكُمْ (فِتَنًا) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ فِتْنَةٍ وَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ بِالْبَلِيَّةِ (وَيُفْتَحُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شُيُوعِ إِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ وَكَثْرَةِ تِلَاوَتِهِ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ شُيُوعِ الْإِقْرَاءِ وَالْقِرَاءَةِ وَكَثْرَةِ التِّلَاوَةِ أَنْ يُفْتَحَ الْقُرْآنُ
وَالْمَعْنَى أَنَّ فِي أَيَّامِ هَذِهِ الْفِتَنِ يَشِيعُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتُهُ وَيَرُوجُ تِلَاوَتُهُ بِحَيْثُ يَقْرَؤُهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ (حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ) أَيْ أَخْتَرِعَ لَهُمُ الْبِدْعَةَ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَيَقُولُ ذَلِكَ لَمَّا رَآهُمْ يَتْرُكُونَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَيَتَّبِعُونَ الشَّيْطَانَ وَالْبِدْعَةَ (فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتَدَعَ) أَيِ احْذَرُوا مِنْ بِدْعَتِهِ (فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَوِ الْمَعْلُومِ (زَيْغَةَ الْحَكِيمِ) أَيِ انْحِرَافَ الْعَالِمِ عَنِ الْحَقِّ
وَالْمَعْنَى أُحَذِّرُكُمْ مِمَّا صَدَرَ مِنْ لِسَانِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الزَّيْغَةِ وَالزَّلَّةِ وَخِلَافِ الْحَقِّ فَلَا تَتَّبِعُوهُ (قَالَ قُلْتُ) ضَمِيرُ قَالَ رَاجِعٌ إِلَى يَزِيدَ (مَا يُدْرِينِي) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُنِي (رَحِمَكَ اللَّهُ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دُعَائِيَّةٌ (أَنَّ الْحَكِيمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيُدْرِينِي (قَالَ) أَيْ
مُعَاذٌ ﵁ (بَلَى) أَيْ قَدْ يَقُولُ الْحَكِيمُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ وَالْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ (اجْتَنِبْ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ (مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ) أَيِ الْكَلِمَاتِ الْمُشْتَهِرَاتِ بِالْبُطْلَانِ (الَّتِي يُقَالُ لَهَا مَا هَذِهِ) أَيْ يَقُولُ النَّاسُ إِنْكَارًا فِي شأن تلك المشتهرات ما هذه (ولا ينئينك) أَيْ لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ مُشْتَهِرَاتِ الْحَكِيمِ (عَنْهُ) أَيْ عَنِ الْحَكِيمِ (فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ) أَيِ الْحَكِيمَ (أَنْ يُرَاجِعَ) أَيْ يَرْجِعَ عَنِ الْمُشْتَهِرَاتِ (وَتَلَقَّ الْحَقَّ) أَيْ خُذْهُ (فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا) أَيْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ كَلِمَةُ الْحَقِّ وَإِنْ سَمِعْتَهَا مِنَ الْمُنَافِقِ لِمَا عَلَيْهَا مِنَ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَكَذَلِكَ كَلِمَاتُ الْحَكِيمِ الْبَاطِلَةُ لَا تَخْفَى عَلَيْكَ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا يَسْمَعُونَهَا يُنْكِرُونَهَا لِمَا عَلَيْهَا مِنْ ظَلَامِ الْبِدْعَةِ وَالْبُطْلَانِ وَيَقُولُونَ إِنْكَارًا مَا هَذِهِ وَتُشْتَهَرُ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْبُطْلَانِ فَعَلَيْكَ أَنْ تَجْتَنِبَ مِنْ كَلِمَاتِ الْحَكِيمِ الْمُنْكَرَةَ الْبَاطِلَةَ وَلَكِنْ لَا تَتْرُكْ صُحْبَةَ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ عَنْهَا (وَلَا يُنْئِيَنَّكَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ لَا يُبَاعِدَنَّكَ فَفِي الْقَامُوسِ نَأَيْتُهُ وَعَنْهُ كَسَعَيْتُ بَعُدْتُ وَأَنْأَيْتُهُ فَانْتَأَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مَوْقُوفٌ
(يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَدَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَدْ يُسَكَّنُ الدَّالُ (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ دُلَيْلٍ) بِالتَّصْغِيرِ (فَكَتَبَ) أَيْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (أَمَّا بَعْدُ أُوصِيكَ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنِ الْقَدَرِ (بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاقْتِصَادِ) أَيِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (فِي أَمْرِهِ) أَيْ أَمْرِ اللَّهِ أَوِ
الاستقامة في أمره أوصيك (اتباع) أي باتباع (سنة نبيه وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيِ ابْتَدَعَ الْمُبْتَدِعُونَ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَوْصَاهُ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَنْ يَقْتَصِدَ أَيْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي أَمْرِ اللَّهِ أَيْ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ وَأَنْ يَسْتَقِيمَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَرْغَبُ عَنْهُ إِلَى الْيَمِينِ وَلَا إِلَى الْيَسَارِ وَأَنْ يَتَّبِعَ سنة نبيه وطريقته وأن يترك ما ابتدعه المبتدعون (بعد ما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ) ظَرْفٌ لِأَحْدَثَ وَقَوْلُهُ كُفُوا بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ مِنَ الْكِفَايَةِ وَالْمُؤْنَةُ الثِّقَلُ يُقَالُ كَفَى فُلَانًا مُؤْنَتَهُ أَيْ قَامَ بِهَا دُونَهُ فَأَغْنَاهُ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا
فَمَعْنَى كُفُوا مُؤْنَتَهُ أَيْ كَفَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مُؤْنَةَ مَا أَحْدَثُوا أَيْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَى ظُهُورِهِمْ ثِقَلَ الْإِحْدَاثِ وَالِابْتِدَاعِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ لِعِبَادِهِ دِينَهُمْ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ وَرَضِيَ لَهُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَلَمْ يَتْرُكْ إِلَيْهِمْ حَاجَةً لِلْعِبَادِ فِي أَنْ يُحْدِثُوا لَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَيْ يَزِيدُوا عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ يَنْقُصُوا مِنْهُ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا (فَعَلَيْكَ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (بِلُزُومِ السنة) أي سنة النبي وَطَرِيقَتِهِ (فَإِنَّهَا) أَيِ السُّنَّةَ أَيْ لُزُومَهَا (لَكَ بِإِذْنِ اللَّهِ عِصْمَةٌ) مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْمُهْلِكَاتِ وَعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَنِقْمَتِهِ (ثُمَّ اعْلَمْ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إِلَّا قَدْ مَضَى) فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ تِلْكَ الْبِدْعَةِ (مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى تِلْكَ الْبِدْعَةِ أَيْ عَلَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ (أَوْ) مَضَى فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ قَبْلَهَا مَا هُوَ (عِبْرَةٌ فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ الْبِدْعَةِ أَيْ فِي أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا) أَيْ وَضَعَهَا (مَنْ) هو الله تعالى أو النبي (قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا) أَيْ خِلَافِ السنة أي البدعة (ولم يقل بن كَثِيرٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ أَحَدُ شُيُوخِ الْمُؤَلِّفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَفْظَ (مَنْ قَدْ عَلِمَ) وَإِنَّمَا قَالَهُ الرَّبِيعُ وَهَنَّادٌ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ فَقَالَ مَكَانَهُ لَفْظًا آخَرَ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ ذَلِكَ اللَّفْظَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ) بَيَانٌ لِمَا فِي خِلَافِهَا فَإِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ إِنَّمَا سَنَّهَا وَوَضَعَهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوِ النبي فَكَيْفَ يُتْرَكُ بَيَانُ مَا فِي خِلَافِهَا فِي كتابه أو سنة نبيه هذا مما لايصح
وَالتَّعَمُّقُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُتَعَمِّقُ الْمُبَالِغُ فِي الْأَمْرِ الْمُتَشَدِّدُ فِيهِ الَّذِي يَطْلُبُ أَقْصَى غَايَتِهِ
انْتَهَى (فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ) أَيِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي رَضِيَ بِهَا السَّلَفُ الصَّالِحُونَ أَيِ النبي وَأَصْحَابُهُ (لِأَنْفُسِهِمْ) عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ افْتِرَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّهُمْ) أَيِ الْقَوْمَ الْمَذْكُورِينَ (عَلَى عِلْمٍ) عَظِيمٍ عَلَى مَا يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (وَقَفُوا) أَيِ اطَّلَعُوا
وَقَوْلُهُ (بِبَصَرٍ نَافِذٍ) أَيْ مَاضٍ فِي الْأُمُورِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (كَفُّوا) بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ مَنَعُوا عَمَّا مَنَعُوا مِنَ الْإِحْدَاثِ وَالِابْتِدَاعِ (وَلَهُمْ) بِفَتْحِ لَامِ الِابْتِدَاءِ لِلتَّأْكِيدِ وَالضَّمِيرُ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِينَ (عَلَى كَشْفِ الْأُمُورِ) أَيْ أُمُورِ الدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (أَقْوَى) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ أَيْ هُمْ أَشَدُّ قُوَّةً عَلَى كَشْفِ أُمُورِ الدِّينِ مِنَ الْخَلَفِ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا) أَيِ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ (فِيهِ) مِنْ أَمْرِ الدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (أَوْلَى) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ أَيْ هُمْ أَحَقُّ بِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْخَلَفِ
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ (فَإِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) أَيِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا أَيُّهَا الْمُحْدِثُونَ الْمُبْتَدِعُونَ (لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى الْهُدَى وَتَقَدَّمْتُمُوهُمْ وَخَلَفْتُمُوهُمْ وَهَذَا صَرِيحُ الْبُطْلَانِ فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوكُمْ إِلَى الْهُدَى لَا أَنْتُمْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْهُدَى لَيْسَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ جَوَابُ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَ الْقَسَمُ أَوَّلَ الْكَلَامِ ظَاهِرًا أَوْ مُقَدَّرًا وَبَعْدَهُ كَلِمَةُ الشَّرْطِ فَالْأَكْثَرُ وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الْقَسَمِ دُونَ الشَّرْطِ فَيَجْعَلُ الْجَوَابَ لِلْقَسَمِ وَيَسْتَغْنِي عَنْ جَوَابِ الشَّرْطِ لِقِيَامِ جَوَابِ الْقَسَمِ مَقَامَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ولئن قوتلوا لا ينصرونهم وقوله تعالى وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (وَلَئِنْ قُلْتُمْ) أَيُّهَا الْمُحْدِثُونَ الْمُبْتَدِعُونَ فِيمَا حَدَثَ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (إِنَّ مَا حَدَثَ) مَا مَوْصُولَةٌ أَيِ الشَّيْءَ الَّذِي حَدَثَ (بَعْدَهُمْ) أَيْ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (مَا أَحْدَثَهُ) مَا نَافِيَةٌ أَيْ لَمْ يُحْدِثْ ذَلِكَ الشَّيْءَ (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ) أَيْ سَبِيلِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ) أَيْ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اتَّبَعَ أَيْ فَضَّلَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ
وَالْحَاصِلُ أَنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ إِنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ لَيْسَ بِضَلَالٍ بَلْ هُوَ الْهُدَى وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِسَبِيلِهِمْ
وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَذَلِكَ بَاطِلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ
وقوله
(فَإِنَّهُمْ) أَيِ السَّلَفُ (هُمُ السَّابِقُونَ) إِلَى الْهُدَى عِلَّةٌ لِلْجَوَابِ الْمَحْذُوفِ قَائِمَةٌ مَقَامَهُ
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَوَابًا لِلشَّرْطِ فَإِنَّ كَوْنَ السَّلَفِ هُمُ السَّابِقِينَ مُتَحَقِّقُ الْمُضِيِّ وَالْجَزَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَقْبَلًا (فَقَدْ تَكَلَّمُوا) أَيِ السَّلَفُ (فِيهِ) أَيْ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ (بِمَا يَكْفِي) لِلْخَلَفِ (وَوَصَفُوا) أَيْ بَيَّنُوا السَّلَفُ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ (مَا يَشْفِي) لِلْخَلَفِ (فَمَا دُونَهُمْ) أَيْ فَلَيْسَ دُونَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ أَنَّ تَحْتَهُمْ أَيْ تَحْتَ قَصْرِهِمْ (مِنْ مَقْصَرٍ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ ظَرْفٍ أَيْ حَبْسٍ أَوْ مَحَلِّ حَبْسٍ مَنْ قَصَرَ الشَّيْءَ قَصْرًا أَيْ حَبَسَهُ (وَمَا فَوْقَهُمْ) أَيْ وَلَيْسَ فَوْقَهُمْ أَيْ فَوْقَ حَسْرِهِمْ (مِنْ مَحْسَرٍ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ ظَرْفٍ أَيْضًا أَيْ كَشْفٍ أَوْ مَحَلِّ كَشْفٍ مِنْ حَسَرَ الشَّيْءَ حَسَرًا أَيْ كَشَفَهُ يُقَالُ حَسَرَ كُمَّهُ مِنْ ذِرَاعِهِ أَيْ كَشَفَهَا وَحَسَرَتِ الْجَارِيَةُ خِمَارَهَا مِنْ وَجْهِهَا أَيْ كَشَفَتْهُ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحِينَ قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ كَشْفِ مَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَى كَشْفِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ حَبْسًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَشَفُوا مَا احْتِيجَ إِلَى كَشْفِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ كَشْفًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ (وَقَدْ قَصَّرَ) مِنَ التَّقْصِيرِ (قَوْمٌ دُونَهُمْ) أَيْ دُونَ قَصْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ أَيْ قَصَّرُوا قَصْرًا أَزْيَدَ مِنْ قَصْرِهِمْ (فَجَفَوْا) أَيْ لَمْ يَلْزَمُوا مَكَانَهُمُ الْوَاجِبَ قِيَامُهُمْ فِيهِ مِنْ جَفَا جَفَاءً إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مَكَانَهُ أَيِ انْحَدَرُوا وَانْحَطُّوا مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ بِهَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ زِيَادَةُ الْقَصْرِ (وَطَمَحَ) أَيِ ارْتَفَعَ مِنْ طَمَحَ بَصَرُهُ إِذَا ارْتَفَعَ وَكُلُّ مُرْتَفِعٍ طَامِحٌ (عَنْهُمْ) أَيِ السَّلَفِ (أَقْوَامٌ) أَيِ ارْتَفَعُوا عَنْهُمْ فِي الْكَشْفِ أَيْ كَشَفُوا كَشْفًا أَزْيَدَ مِنْ كَشْفِهِمْ (فَغَلَوْا) فِي الْكَشْفِ أَيْ شَدَّدُوا حَتَّى جَاوَزُوا فِيهِ الْحَدَّ فَهَؤُلَاءِ قَدْ أَفْرَطُوا وَأَسْرَفُوا فِي الْكَشْفِ كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ قَدْ فَرَّطُوا وَقَتَّرُوا فِيهِ (وَإِنَّهُمْ) أَيِ السَّلَفَ (بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالطَّمْحِ أَيْ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) يَعْنِي أَنَّ السَّلَفَ لَعَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ الِاقْتِصَادُ وَالتَّوَسُّطُ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ لَيْسُوا بِمُفَرِّطِينَ كَالْقَوْمِ الْقَاصِرِينَ دُونَهُمْ وَلَا بِمُفَرِّطِينَ كَالْأَقْوَامِ الطَّامِحِينَ عَنْهُمْ
(كَتَبْتَ تَسْأَلُ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ) هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ بِدْعَةٌ (فَعَلَى الْخَبِيرِ) أَيِ الْعَارِفِ بِخَبَرِهِ (بِإِذْنِ اللَّهِ) تَعَالَى (وَقَعْتَ) أَيْ سَأَلْتَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ مَنْ هُوَ عَارِفٌ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ (مَا أَعْلَمُ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ) مَفْعُولٌ أَوَّلُ لِأَعْلَمَ (مِنْ مُحْدِثَةٍ) بَيَانٌ لِمَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ (وَلَا ابْتَدَعُوا مِنْ بِدْعَةٍ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ مُحْدِثَةٍ (هِيَ
فَصْلٌ بَيْنَ مَفْعُولَيْ أَعْلَمَ (أَبْيَنُ أَثَرًا) مَفْعُولٌ ثَانٍ لَهُ (وَلَا أَثْبَتُ أَمْرًا) عَطْفٌ عَلَى أَبْيَنَ أَثَرًا (مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَبْيَنَ وَأَثْبَتَ عَلَى التَّنَازُعِ
يَقُولُ إِنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ هُوَ أَبْيَنُ أَثَرًا وَأَثْبَتُ أَمْرًا فِي عِلْمِي مِنْ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ مِنْ مُحْدِثَةٍ وَابْتَدَعُوهُ مِنْ بِدْعَةٍ لَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِمَّا أَحْدَثُوهُ وَابْتَدَعُوهُ أَبْيَنَ أَثَرًا وَأَثْبَتَ أَمْرًا مِنْهُ أَيْ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْإِقْرَارُ بِالْقَدَرِ مُحْدَثًا وَبِدْعَةً لُغَةً نَظَرًا إِلَى تَأْلِيفِهِ وَتَدْوِينِهِ فَإِنَّ تَأْلِيفَهُ وَتَدْوِينَهُ مُحْدَثٌ وَبِدْعَةٌ لُغَةً بلا ريب
فإن النبي لَمْ يُدَوِّنْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ مُحْدَثًا وَبِدْعَةً بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ أَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ (لَقَدْ كَانَ ذَكَرَهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ (الْجُهَلَاءُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ ذَكَرَ (يَتَكَلَّمُونَ بِهِ) أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ (فِي كَلَامِهِمْ) الْمَنْثُورِ (وَفِي شِعْرِهِمْ) أَيْ كَلَامِهِمُ الْمَنْظُومِ (يُعَزُّونَ) مِنَ التَّعْزِيَةِ وَهُوَ التَّسْلِيَةُ وَالتَّصْبِيرُ أَيْ يُسَلُّونَ ويصيرون (بِهِ) أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ (أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَا فَاتَهُمْ) فِي نِعَمِهِ (ثُمَّ لَمْ يَزِدْهُ) أَيِ الْإِقْرَارُ بِالْقَدَرِ (الْإِسْلَامُ بَعْدُ) مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ أَيْ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ (إِلَّا شِدَّةً) وَإِحْكَامًا حَيْثُ فَرَضَهُ عَلَى الْعِبَادِ (وَلَقَدْ ذَكَرَهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بالقدر (رسول الله فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَلَا حَدِيثَيْنِ) بَلْ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ (وَقَدْ سَمِعَهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (منه) ﷺ (الْمُسْلِمُونَ) أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃ (فَتَكَلَّمُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃ (بِهِ) أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ (فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ) ﵌ (يَقِينًا وَتَسْلِيمًا لِرَبِّهِمْ وَتَضْعِيفًا لِأَنْفُسِهِمْ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ ضَعَّفَهُ تضعيفا عده تضعيفا (أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ) مِنَ الْأَشْيَاءِ لَمْ يُحِطْ مِنَ الْإِحَاطَةِ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ (عِلْمُهُ) أَيْ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَمْ يُحْصِهِ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنَ الْإِحْصَاءِ وَهُوَ الْعَدُّ وَالضَّبْطُ أَيْ لَمْ يَضْبِطْهُ (كِتَابُهُ) أَيْ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ (وَلَمْ يَمْضِ) أَيْ لَمْ يَنْفُذْ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ (قَدَرُهُ) أَيْ قَدَرُ اللَّهِ تَعَالَى
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَيِ الصَّحَابَةَ ﵃ أَقَرُّوا بِالْقَدَرِ وَتَيَقَّنُوا بِهِ وَسَلَّمُوا ذَلِكَ لِرَبِّهِمْ وَضَعَّفُوا أَنْفُسَهُمْ أَيِ اسْتَحَالُوا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا عَزُبَ وَغَابَ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُ تَعَالَى وَلَمْ يَضْبِطْهُ كِتَابُهُ وَلَمْ يَنْفُذْ فِيهِ أَمْرُهُ (وَإِنَّهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (مَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْجُهَلَاءُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَذَكَرَهُ رَسُولُ الله فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَأَقَرَّ بِهِ الصَّحَابَةُ وَتَيَقَّنُوا به وسلموه واستحلوا نَفْيَهُ (لَفِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ) أَيْ لَمَذْكُورٌ فِي القرآن المجيد
(مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ (اقْتَبَسُوهُ) أَيِ اقْتَبَسَ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ وَاسْتَفَادَهُ السلف الصالحون رسول الله وَأَصْحَابُهُ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ (تَعَلَّمُوهُ) أَيْ تَعَلَّمُوا الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (وَلَئِنْ قُلْتُمْ) أَيُّهَا الْمُبْتَدِعُونَ (لِمَ أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ كَذَا وَلِمَ قَالَ كَذَا) فِي شَأْنِ الْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا يُخَالِفُ الْقَدَرَ (لَقَدْ قَرَؤُوا) أَيِ السَّلَفُ (مِنْهُ) مِنْ كِتَابِهِ الْمُحْكَمِ (مَا قَرَأْتُمْ وَعَلِمُوا) أَيِ السَّلَفُ (مِنْ تَأْوِيلِهِ) أَيْ تَأْوِيلِ مُحْكَمِ كِتَابِهِ (مَا جَهِلْتُمْ وَقَالُوا) أَيِ السَّلَفُ أَيْ أَقَرُّوا (بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ بعد ما قَرَؤُوا مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ مَا قَرَأْتُمْ وَعَلِمُوا مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا جَهِلْتُمْ (بِكِتَابٍ وَقَدَرٍ) أَيْ أَقَرُّوا بِكِتَابٍ وَقَدَرٍ أَيْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَدَّرَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السماوات والأرض بمدة طويلة أَقَرُّوا بِأَنَّ (مَا يُقَدَّرُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَمَا شرطية (يكن و) أقروا بأن (ما شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يكن و) بأنا (لا نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ثُمَّ رَغِبُوا) أَيِ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ هَذَا الْإِقْرَارُ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيهَا (وَرَهِبُوا) الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ أَيْ خَافُوهَا وَاتَّقَوْهَا
وَقَوْلُهُ لَقَدْ قَرَؤُوا إِلَخْ جَوَابُ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ وَاسْتَغْنَى عَنْ جَوَابِ الشَّرْطِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ كَمَا تَقَدَّمَ هَكَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْأَعْلَامِ فِي تَعْلِيقَاتِ السُّنَنِ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْبِدْعَةَ هِيَ عَمَلٌ عَلَى غَيْرِ مِثْلٍ سَبَقَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ هِيَ الْحَدَثُ فِي الدِّينِ بَعْدَ الْإِكْمَالِ وَالْبِدْعَةُ أَصْغَرُ مِنَ الْكُفْرِ وَأَكْبَرُ مِنَ الْفِسْقِ وَكُلُّ بِدْعَةٍ تُخَالِفُ دَلِيلًا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ بِهِ فَهِيَ كُفْرٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ تُخَالِفُ دَلِيلًا يُوجِبُ الْعَمَلَ ظَاهِرًا فَهِيَ ضَلَالَةٌ وَلَيْسَتْ بِكُفْرٍ
قَالَ السَّيِّدُ فِي التَّعْرِيفَاتِ الْبِدْعَةُ هِيَ الْفِعْلَةُ الْمُخَالِفَةُ لِلسُّنَّةِ سُمِّيَتْ بِدْعَةً لِأَنَّ قَائِلَهَا ابْتَدَعَهَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ انْتَهَى
وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ فَاحْفَظْهَا
وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فِي الْمَرَاسِيلِ وَعَزَاهُ لِأَبِي داود ثم قال هو في رواية بن الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ انْتَهَى
(أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ) هُوَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ (كَانَ لِابْنِ عُمَرَ صَدِيقٌ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ
الْمُخَفَّفَةِ عَلَى وَزْنِ أَمِيرٍ أَيْ حَبِيبٌ مِنَ الصَّدَاقَةِ وَهِيَ الْمَحَبَّةُ (فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ) أَيْ فَاحْذَرْ عَنِ الْكِتَابَةِ إِلَيَّ لِأَنِّي تَرَكْتُ حُبَّكَ وَالْمُكَاتَبَةَ إِلَيْكَ
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هو في رواية بن الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ انْتَهَى
(قُلْتُ لِلْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ سَأَلَهُ عَنْ بَعْضِ فُرُوعِ مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ لِيَعْرِفَ عَقِيدَتَهُ فِيهَا لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَّهِمُونَهُ قَدَرِيًّا إِمَّا لِأَنَّ بَعْضَ تَلَامِذَتِهِ مَالَ إِلَى ذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ تَأْوِيلُهُ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَالَهُ لِاعْتِقَادِهِ مَذْهَبَ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ انْتَهَى (أَخْبِرْنِي عَنْ آدَمَ) هُوَ أَبُو الْبَشَرِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (لِلسَّمَاءِ) أَيْ لِأَنْ يَسْكُنَ وَيَعِيشَ فِي الْجَنَّةِ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (لَوِ اعْتَصَمَ) أَيْ لَمْ يُذْنِبْ وَلَمْ يَأْثَمْ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِآدَمَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَكْلِهَا أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى مَا أنتم عليه بفاتنين الْآيَةَ وَقَبْلَهُ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ وَالْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي عَلَيْهِ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَعْبُدُونَ وَالْمَعْنَى فَإِنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ وَالَّذِي تَعْبُدُونَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ مَا أَنْتُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بِمُضِلِّينَ أَحَدًا إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى وَقِيلَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْمَعْنَى لَسْتُمْ تُضِلُّونَ أَحَدًا عَلَى اللَّهِ إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى
قَالَ الْمِزِّيُّ الحديث في رواية بن الأعرابي وبن داسة
(ولذلك خلقهم) وَقَبْلَهُ (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) أَيْ أَهْلَ دِينٍ وَاحِدٍ (وَلَا يَزَالُونَ مختلفين) أَيْ فِي الدِّينِ (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) أَيْ أَرَادَ لَهُمُ الْخَيْرَ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ (ولذلك خلقهم) أَيْ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ لَهُ وَأَهْلَ الرَّحْمَةِ لَهَا كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ
(قَالَ) أَيِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى الْمَذْكُورِ (خَلَقَ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى (هَؤُلَاءِ لِهَذِهِ) أَيْ لِلْجَنَّةِ (وَهَؤُلَاءِ لِهَذِهِ) أَيْ لِلنَّارِ
قال المزي الحديث في رواية بن الأعرابي وبن دَاسَةَ انْتَهَى
(قُلْتُ لِلْحَسَنِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) أَيْ قُلْتُ لَهُ مَا تَقُولُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ إِلَخْ (إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) أَيْ دَاخِلُهَا
(حماد) هو بن زَيْدٍ نَسَبَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ (أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ) هو بن أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ (أَنْ يَقُولَ الْأَمْرُ بِيَدِي) أَيْ يَقُولُ بِنَفْيِ الْقَدَرِ
(قَالَ أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ) هو بن سَلَمَةَ هَكَذَا نَسَبَهُ الْمِزِّيُّ (قَدِمَ عَلَيْنَا الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ (أَنْ أُكَلِّمَهُ) أَيِ الْحَسَنَ (فَمَا رَأَيْتُ أَخْطَبَ) أَيْ أَحْسَنَ خُطْبَةً وَوَعْظًا (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْحَسَنِ (عَلَى هَذَا الشَّيْخِ) أَيِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
(كَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ إِدْخَالِنَا التَّكْذِيبَ فِي قُلُوبِ الْأَوَّلِينَ (نَسْلُكُهُ) أَيْ نُدْخِلُ التَّكْذِيبَ
(فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) أَيْ كُفَّارِ مَكَّةَ
كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ (قَالَ) أَيِ الْحَسَنُ (الشِّرْكُ) أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي نَسْلُكُهُ الشِّرْكُ
(عَنْ عُبَيْدٍ الصِّيدِ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيُّ يُعْرَفُ بِالصِّيدِ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ الْكُفَّارِ (وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) مِنَ الْإِيمَانِ وَذَلِكَ عِنْدَ الْبَعْثِ حِينَ يَفْزَعُونَ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ إِذْ مَحَلُّ الْإِيمَانِ هُوَ الدُّنْيَا لَا الْآخِرَةُ (قَالَ) الْحَسَنُ (بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا الْمَوْصُولَةِ الْإِيمَانُ وَالْحَائِلُ هُوَ الْقَدَرُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ وَالَّذِي أَحَالَهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى
وَقَوْلُهُ تَعَالَى كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قبل أَيْ بِأَنَّ الْقَدَرَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ وَتَمَامُ الْآيَةِ هَكَذَا وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ
وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا في شك مريب
وَحَاصِلُ مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ تَنَاوُشَهُمْ وَقَوْلَهُمْ في ذلك الوقت أن امنا به لَا يُفِيدُهُمْ وَلَا يُغْنِيهِمْ مِنْ إِيمَانِهِمْ لِأَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا قَدْ كَفَرُوا بِهِ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ وَالْقَدَرِ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ بِكُفْرِهِمْ كَانَ فِي الدُّنْيَا حَائِلًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا حَالَ الْقَدَرُ بَيْنَ أَشْيَاعِهِمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ فَكَفَرُوا وَكَانُوا فِي شَكٍّ من هذا اليوم
(سليم) مصغرا هو بن أَخْضَرَ قَالَهُ الْمِزِّيُّ
(ضَرْبَانِ) أَيْ قِسْمَانِ (قَوْمٌ الْقَدَرُ رَأْيُهُمْ) أَيْ رَأْيُهُمْ وَعَقِيدَتُهُمْ نَفْيُ الْقَدَرِ وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ (أَنْ يُنَفِّقُوا) مِنَ التَّنْفِيقِ أَيْ يُرَوِّجُوا (وَقَوْمٌ لَهُ) أَيْ لِلْحَسَنِ (شَنَآنٌ) أَيْ عداوة
(يَا فِتْيَانُ) جَمْعُ فَتًى (لَا تُغْلَبُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْقَدَرِيَّةُ فِي أَنَّ الْحَسَنَ مِنْهُمْ قَالَهُ السِّنْدِيُّ
(أَنَّ كَلِمَةَ الْحَسَنِ) الْبَصْرِيِّ الَّتِي قَالَهَا وَحَمَلَهَا بَعْضُ السَّامِعِينَ عَلَى نَفْيِ الْقَدَرِ (تَبْلُغُ) تِلْكَ الْكَلِمَةُ (مَا بَلَغَتْ) أَيْ تَبْلُغُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي بَلَغَتْ وَشَاعَتْ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (لَكَتَبْنَا بِرُجُوعِهِ) أَيْ بِرُجُوعِ الْحَسَنِ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ (وَأَشْهَدْنَا عَلَيْهِ) أَيْ ذَلِكَ الرُّجُوعِ (لَكِنَّا قُلْنَا) هِيَ (كَلِمَةٌ خَرَجَتْ) مِنْ لِسَانِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (لَا تُحْمَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ
(مَا أَنَا بِعَائِدٍ) مِنَ الْعَوْدِ (إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُوهِمُ إِلَى نَفْيِ الْقَدَرِ
(عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَكْسُورَةِ (إِلَّا عَلَى الْإِثْبَاتِ) أَيْ عَلَى إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ مَكَانَ عَلَى
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ إِلَى حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا لَيْسَتْ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُنْذِرِيُّ بَلْ هذه كلها من رواية بن الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ
ذَكَرَهُ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَاب فِي التَّفْضِيلِ)
(لَا نَعْدِلُ) أَيْ لَا نُسَاوِي (بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا) أَيْ مِنَ الصَّحَابَةِ بَلْ نُفَضِّلُهُ عَلَى غَيْرِهِ (ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عثمان) أي ثم لانعدل بِهِمَا أَحَدًا أَوْ ثُمَّ نُفَضِّلُهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا (لَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمْ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا لَا نُفَاضِلُ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ لَا نُوقِعُ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَهُمْ
وَالْمَعْنَى لَا نُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَجْهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الشُّيُوخَ وَذَوِي الْأَسْنَانِ مِنْهُمُ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ الله إذا حز به أَمْرٌ شَاوَرَهُمْ فِيهِ وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حديث السن ولم يرد بن عُمَرَ الِازْدِرَاءَ بِعَلِيٍّ وَلَا تَأْخِيرَهُ وَدَفْعَهُ عَنِ الْفَضِيلَةِ بَعْدَ عُثْمَانَ وَفَضْلُهُ مَشْهُورٌ وَلَا يُنْكِرُهُ بن عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَيْهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ إِلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَيْهِ وَذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى تَقْدِيمِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ
قَالَ وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذَا مَذَاهِبُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ وَبِتَقْدِيمِ عَلِيٍّ مِنْ وِجْهَةِ الْقَرَابَةِ وَقَالَ قَوْمٌ لَا يُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ خَيْرٌ وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ
قَالَ وَبَابُ الْخَيْرِيَّةِ غَيْرُ بَابِ الْفَضِيلَةِ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ إِنَّ الْحُرَّ الْهَاشِمِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْعَبْدِ الرومي والحبشي وقد يكون العبد الحبشي خير مِنْ هَاشِمِيٍّ فِي مَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلنَّاسِ فَبَابُ الْخَيْرِيَّةِ مُتَعَدٍّ وَبَابُ الْفَضِيلَةِ لَازِمٌ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ فَقَالَ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ أَنْتَ يَا أَبَتِ
فَكَانَ يَقُولُ مَا أَبُوكَ إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ
(كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حي) الواو للحال (بعده) قال القارىء أي بعد النبي وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ بَعْدَ وُجُودِهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحنفية) هو بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّهُ (قُلْتُ لِأَبِي) أَيْ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (قَالَ) أَيْ عَلِيٌّ (أَبُو بَكْرٍ) أَيْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ أَوْ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْخَيْرُ (مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَسْأَلَةِ خَيْرُ النَّاسِ بِلَا نِزَاعٍ لِأَنَّهُ بَعْدَ قَتْلِ عثمان ﵃
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
(قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَهُ الْمِزِّيُّ (مَنْ زَعَمَ) كَمَا تَزْعُمُ الشِّيعَةُ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ (فَقَدْ خَطَّأَ) مِنَ التَّفْعِيلِ (يُرْفَعُ لَهُ) أَيْ لِهَذَا الزَّاعِمِ (مَعَ هَذَا) الزَّعْمِ وَالْعَقِيدَةِ الْفَاسِدَةِ (عَمَلٌ) صَالِحٌ (إِلَى السَّمَاءِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(الْخُلَفَاءُ) الرَّاشِدُونَ الْقَائِمُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(بَاب فِي الْخُلَفَاءِ)
(ظُلَّةً) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَحَابَةً لَهَا ظِلٌّ وَكُلُّ مَا أَظَلَّ مِنْ سَقِيفَةٍ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى ظُلَّةً (يَنْطِفُ) بِنُونٍ وَطَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا أَيْ يَقْطُرُ (يَتَكَفَّفُونَ) أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ
قَالَ الْخَلِيلُ تَكَفَّفَ بَسَطَ كَفَّهُ لِيَأْخُذَ (فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ) أَيْ فَمِنْهُمُ الْآخِذُ كَثِيرًا وَمِنْهُمُ الْآخِذُ قَلِيلًا (سَبَبًا) أَيْ حَبْلًا (وَاصِلًا) أَيْ مَوْصُولًا فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (أَخَذْتَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ السَّبَبِ (ثُمَّ وُصِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِي وَأُمِّي) أَيْ أَنْتَ مُفْدًى بِأَبِي وَأُمِّي (لَتَدَعَنِّي) بِفَتْحِ اللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ وَالدَّالِ وَالْعَيْنِ وَكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لَتَتْرُكَنِّي (فلأعبرنها) بضم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث رُؤْيَا النَّبِيّ ﷺ السَّمْن وَالْعَسَل وَتَعْبِير الصِّدِّيق ﵁ وَكَلَام الْمُنْذِرِيِّ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا يُشْكِل عَلَيْهِ شيئان
وأحدهما أَنَّ فِي نَفْس الرُّؤْيَا ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا بِهِ فَتَفْسِير الصِّدِّيق لِذَلِكَ مُطَابِق لِنَفْسِ الرؤيا
والثاني أن قتل عثمان ﵁ لَا يَمْنَع أَنْ يُوصَل لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَر قَدْ قُتِلَ وَمَعَ هَذَا فَأَخَذَ بِهِ وَعَلَا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَتْله مَانِعًا مِنْ عُلُوّهُ بِهِ
وَقَدْ يُجَاب عَنْهُمَا
أَمَّا الْأَوَّل فَلَفْظه ثُمَّ وُصِلَ لَهُ لَمْ يَذْكُر هَذَا الْبُخَارِيّ وَلَفْظ حَدِيثه ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُل آخَر فَانْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ فَقَطْ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يُوصَل لَهُ بَعْد اِنْقِطَاعه بِهِ وَقَالَ الصِّدِّيق فِي تَفْسِيره فِي
الْمُوَحَّدَةِ مِنْ عَبَرْتُ الرُّؤْيَا بِالْخِفَّةِ إِذَا فَسَّرْتُهَا (فَيُعْلِيكَ اللَّهُ) أَيْ يَرْفَعُكَ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ) هُوَ عُمَرُ ﵁ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ) هُوَ عُثْمَانُ ﵁ (فَيَنْقَطِعُ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ) يَعْنِي أَنَّ عُثْمَانَ كَادَ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنِ اللَّحَاقِ بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ قاله القسطاني (أي رسول الله) أَيْ حَرْفُ نِدَاءٍ (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ الْخَطَأِ فَقِيلَ أَخْطَأَ لِكَوْنِهِ عَبَّرَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ بِالْقُرْآنِ فَقَطْ وَهُمَا شَيْئَانِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُعَبِّرَهُمَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَوْلَى السُّكُوتُ فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ الْخَطَأِ بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ لأنه سَكَتَ عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ مَعَ سُؤَالِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (لَا تُقْسِمْ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَيْ لَا تُكَرِّرْ يَمِينَكَ فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِيمَا أَخْطَأْتَ بِهِ عَلِمْتَهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ قِيلَ إِنَّمَا لم يبر النبي قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ مَخْصُوصٌ بما إذا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
نَفْس حَدِيث الْبُخَارِيّ فَيَنْقَطِع بِهِ ثُمَّ يُوصَل لَهُ فَهَذَا مَوْضِع الْغَلَط وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّن فَضْل صِدْق مَعْرِفَة الْبُخَارِيّ وَغَوْر عِلْمه فِي إِعْرَاضه عَنْ لَفْظه لَهُ فِي الْأَوَّل وَإِنَّمَا اِنْفَرَدَ بِهَا مُسْلِم
وَأَمَّا الثَّانِي فَيُجَاب عَنْهُ بأن عمر ﵁ لَمْ يَنْقَطِع بِهِ السَّبَب مِنْ حَيْثُ عَلَا بِهِ
وَإِنَّمَا اِنْقَطَعَ بِهِ بِالْأَجَلِ الْمَحْتُوم كَمَا يَنْقَطِع الْأَجَل بِالسُّمِّ وَغَيْره وَأَمَّا عُثْمَان فَانْقَطَعَ بِهِ مِنْ حَيْثُ وُصِلَ لَهُ مِنْ الْجِهَة الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْخِلَافَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُرِيدَ مِنْهُ أَنْ يَخْلَع نَفْسه وَإِنَّمَا قَتَلُوهُ لِعَدَمِ إِجَابَتهمْ إِلَى خَلْعِ نَفْسه فَخَلَعُوهُ هُمْ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا فَانْقَطَعَ بِهِ مِنْ الْجِهَة الَّتِي أَخَذَ بِهِ مِنْهَا ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ ﵁ وَهَذَا سِرّ سُكُوت النَّبِيّ ﷺ عَنْ تَعْيِين مَوْضِع خَطَأ الصِّدِّيق
فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ تَكَلَّفْتُمْ أَنْتُمْ بَيَانه وَقَدْ مَنَعَ النبي ﷺ الصِّدِّيق مِنْ تَعَرُّفه وَالسُّؤَال عَنْهُ
قِيلَ مَنَعَهُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَلُّق ذَلِكَ بِأَمْرِ الْخِلَافَة وَمَا يَحْصُل لِلرَّابِعِ مِنْ الْمِحْنَة وَانْقِطَاع السَّبَب بِهِ فَأَمَا وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ وَوَقَعَ فَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي غَيْره مِنْ الْوَقَائِع الَّتِي يُحْذَر الْكَلَام فِيهَا قَبْل وُقُوعهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَدَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ فَإِذَا وَقَعَتْ زَالَ الْمَعْنَى الَّذِي سُكِتَ عَنْهَا لِأَجْلِهِ
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ قَالَ وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ مِنَ انْقِطَاعِ السَّبَبِ بِعُثْمَانَ وَهُوَ قَتْلُهُ وَتِلْكَ الْحُرُوبُ وَالْفِتَنُ الْمُرِيبَةُ فَكَرِهَ ذِكْرَهَا خَوْفَ شُيُوعِهَا انتهى
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ هُوَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ هُوَ عُمَرُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ هُوَ عُثْمَانُ
فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ مَعْنَى فَيَنْقَطِعُ قُتِلَ لَكَانَ سَبَبُ عُمَرَ مَقْطُوعًا أَيْضًا قِيلَ لَمْ يَنْقَطِعْ سَبَبُ عُمَرَ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ إِنَّمَا هُوَ قَطْعٌ لِعَدَاوَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَأَمَّا قَتْلُ عُثْمَانَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْوِلَايَةُ فَجَعَلَ قَتْلَهُ قَطْعًا وَقَوْلُهُ ثُمَّ وُصِلَ يَعْنِي بِوِلَايَةِ عَلِيٍّ وَقِيلَ إِنَّ معنى كتمان النبي مَوْضِعَ الْخَطَأِ لِئَلَّا يَحْزَنَ النَّاسُ بِالْعَارِضِ لِعُثْمَانَ وَفِيهِ جَوَازُ سُكُوتِ الْعَابِرِ وَكَتْمِهِ عِبَارَةَ الرُّؤْيَا إِذَا كَانَ فِيهَا مَا يُكْرَهُ وَفِي السُّكُوتِ عَنْهَا مَصْلَحَةٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(فَأَبَى أَنْ يخبره) أي امتنع أَنْ يُخْبِرَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا أَخْطَأَ
قَالَ المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
(ذَاتَ يَوْمٍ) أَيْ يَوْمًا وَلَفْظَةُ ذَاتَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ لَا النَّهَارُ وَقِيلَ ذَاتَ مُقْحَمٌ قَالَهُ القارىء (كَأَنَّ) حَرْفٌ مُشَبَّهٌ بِالْفِعْلِ (فَوُزِنْتَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُخَاطَبِ (أَنْتَ) ضَمِيرُ فَصْلٍ وَتَأْكِيدٍ لِتَصْحِيحِ الْعَطْفِ (فَرَجَحْتَ) ضُبِطَ بِالْقَلَمِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ والجيم (ثم رفع الميزان)
قال القارىء فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى وَجْهِ مَا اخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ (فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رسول الله) وذلك لما علم مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ رَفْعِ الْمِيزَانِ انْحِطَاطُ رُتْبَةِ الْأُمُورِ وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ خِلَافَةِ عُمَرَ وَمَعْنَى رُجْحَانِ كُلٍّ مِنَ الْآخَرِ أَنَّ الرَّاجِحَ أَفْضَلُ من المرجوح
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ
قِيلَ يحتمل أن يكون النبي كَرِهَ وُقُوفَ التَّخْبِيرِ وَحَصَرَ دَرَجَاتِ الْفَضَائِلِ فِي ثَلَاثَةٍ وَرَجَا أَنْ يَكُونَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ التَّفْضِيلَ انْتَهَى إِلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيُّ
(فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ (فَاسْتَاءَ) أَيْ حَزِنَ وَاغْتَمَّ وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ السُّوءِ (لَهَا) أَيْ لِلرُّؤْيَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ كَرِهَهَا حَتَّى تَبَيَّنَتِ الْمُسَاءَةُ فِي وَجْهِهِ (يَعْنِي) هَذَا قول الراوي (فساءه) أي فأحزن النبي (ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الرَّجُلُ مِنْ رُؤْيَاهُ (فقال) أي النبي (خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ) بِالْإِضَافَةِ وَرَفْعِ خِلَافَةِ عَلَى الْخَبَرِ أَيِ الَّذِي رَأَيْتَهُ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ خِلَافَةٌ (ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ) وَقِيلَ أَيِ انْقَضَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ يَعْنِي هَذِهِ الرُّؤْيَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ بِالْحَقِّ تَنْقَضِي حَقِيقَتُهَا وَتَنْتَهِي بِانْقِضَاءِ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ دَلَّ إِضَافَةُ الْخِلَافَةِ إِلَى النُّبُوَّةِ عَلَى أَنْ لَا ثُبُوتَ فِيهَا مِنْ طَلَبِ الْمُلْكِ وَالْمُنَازَعَةِ فِيهِ لِأَحَدٍ وَكَانَتْ خِلَافَةُ الشَّيْخَيْنِ ﵄ عَلَى هَذَا وَكَوْنُ الْمَرْجُوحِيَّةِ انْتَهَتْ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ دَلَّ عَلَى حُصُولِ الْمُنَازَعَةِ فِيهَا وَأَنَّ الْخِلَافَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ مَشُوبَةٌ بِالْمُلْكِ فَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَكَانَتْ مُلْكًا عَضُوضًا انْتَهَى
وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافَةِ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْمُحَدِّثُ وَلِيُّ اللَّهِ الدِّهْلَوِيُّ فِي إِزَالَةِ الْخَفَاءِ عَنْ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ وَهُوَ كِتَابٌ لَمْ يُؤَلَّفْ مِثْلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي كِتَابِهِ قُرَّةُ الْعَيْنَيْنِ فِي تَفْضِيلِ الشَّيْخَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
(أُرِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ أَبْصَرَ فِي مَنَامِهِ (نِيطَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عُلِّقَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّوْطُ التَّعْلِيقُ وَالتَّنَوُّطُ التَّعَلُّقُ
قَالَ الطِّيبِيُّ كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ رَأَيْتُ نَفْسِيَ اللَّيْلَةَ وَأَبُو بَكْرٍ نِيطَ بِي فَجُرِّدَ منه لكونه رسول الله وحبيبه رجلا صالحا ووضع رسول الله مَوْضِعَ رَجُلًا تَفْخِيمًا غِبَّ تَفْخِيمٍ انْتَهَى (وَأَمَّا تَنَوُّطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) أَيْ تَعَلُّقُهُمْ وَاتِّصَالُهُمْ (فَهُمْ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ) أَيْ أَمْرِ الدِّينِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ يُونُسُ وَشُعَيْبٌ) يَعْنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ (لَمْ يَذْكُرَا عَمْرًا) أَيْ عَمْرَو بْنَ أَبَانَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُمَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا
لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(رَأَيْتُ) أَيْ فِي الْمَنَامِ (دُلِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّدْلِيَةِ أَيْ أُرْسِلَ (فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هِيَ أَعْوَادٌ تُخَالَفُ بَيْنَهَا ثُمَّ تُشَدُّ فِي عُرَى الدَّلْوِ وَتُعَلَّقُ بِهَا الْحَبْلُ وَاحِدَتُهَا عُرْقُوَةٌ (حَتَّى تَضَلَّعَ) أَيْ شَرِبَ وَافِرًا حَتَّى رُوِيَ فَتَمَدَّدَ جَنْبُهُ وَضُلُوعُهُ (فَانْتَشَطَتْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ انْتِشَاطُ الدَّلْوِ اضْطِرَابُهَا حَتَّى يَنْتَضِحَ مَاؤُهَا (وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَلِيٍّ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الدَّلْوِ (شَيْءٌ) أَيْ شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي أَبِي بَكْرٍ فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا فَإِنَّمَا هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قِصَرِ مُدَّةِ أَمْرِ وِلَايَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَعِشْ بَعْدَ الْخِلَافَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَشَيْءٍ وَبَقِيَ عُمَرُ عَشْرَ سِنِينَ وَشَيْئًا فَذَلِكَ مَعْنَى تَضَلُّعِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
الْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(لَتَمْخُرَنَّ) بِالنُّونِ الْمُثَقَّلَةِ مِنْ مَخَرَتِ السَّفِينَةُ وَتَمْخَرُ كَيَمْنَعُ وَيَنْصُرُ إِذَا جَرَتْ تَشُقُّ الْمَاءَ مَعَ صَوْتٍ
وَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِهَذِهِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانُ انْقِضَاءِ الْخِلَافَةِ وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ زَمَانِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (الرُّومُ) فَاعِلٌ (الشَّامَ) مَفْعُولٌ وَالْمَعْنَى تَدْخُلُ الرُّومُ الشَّامَ وَتَخُوضُهُ وَتَجُوسُ خِلَالَهُ فَشَبَّهَهَا بِمَخْرِ السَّفِينَةِ الْبَحْرَ (لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا إِلَّا دِمَشْقُ وَعُمَانُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ عُمَانٌ كَغُرَابٍ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ وَيُصْرَفُ وَكَشَدَّادٍ بَلَدٌ بِالشَّامِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَأَوْرَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْمَرَاسِيلِ وَقَالَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْأَعْيَسِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ (يَظْهَرُ عَلَى الْمَدَائِنِ) أَيْ يَغْلِبُ عَلَيْهَا
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْمَرَاسِيلِ وَقِيلَ إِنَّهُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَحْدَهُ انْتَهَى
(مَوْضِعُ فُسْطَاطِ الْمُسْلِمِينَ) الْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ وَبِطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْخِبَاءُ مِنْ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي الْمَلَاحِمِ) جَمْعُ مَلْحَمَةٍ وَهِيَ الْحَرْبُ وَمَوْضِعُ الْقِتَالِ (أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا الْغُوطَةُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُ الْبَسَاتِينِ وَالْمِيَاهِ حَوْلَ دِمَشْقَ
وَالْمَعْنَى يَنْزِلُ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ وَيَجْتَمِعُونَ هُنَاكَ
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ مِنَ الْأَطْرَافِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقِيلَ إِنَّهُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ فَقَطِ انْتَهَى
وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَتَمُّ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الْمَعْقِلِ مِنَ الْمَلَاحِمِ
(إن مثل عثمان) بن عَفَّانَ (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وَتَمَامُ الْآيَةِ هَكَذَا (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (يُشِيرُ) أَيِ الْحَجَّاجُ عِنْدَ قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الذين كفروا (إِلَيْنَا) أَيْ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ (بِيَدِهِ) الضَّمِيرُ لِلْحَجَّاجِ وَهَذَا مَقُولُ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ (وَإِلَى أَهْلِ الشَّامِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إِلَيْنَا
وَمَقْصُودُ الْحَجَّاجِ مِنْ تَمْثِيلِ عُثْمَانَ ﵁ بِعِيسَى ﵇ إِظْهَارُ عَظَمَةِ الشَّأْنِ لِعُثْمَانَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَنْ تَبِعَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَتَنْقِيصُ غَيْرِهِمْ يَعْنِي مَثَلَ عُثْمَانَ كَمَثَلِ عِيسَى ﵇ وَمَثَلُ مُتَّبِعِيهِ كَمَثَلِ مُتَّبِعِيهِ فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُتَّبِعِي عِيسَى ﵇ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا كَذَلِكَ جعل مُتَّبِعِي عُثْمَانَ ﵁ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ فَوْقَ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَ فِيهِمُ الْخِلَافَةَ وَرَفَعَهَا عَنْ غَيْرِهِمْ فَصَارُوا غَالِبِينَ عَلَى غَيْرِهِمْ
قَالَ السِّنْدِيُّ لَعَلَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ وَأَرَادَ بِهَذَا أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ تَبِعُوا عُثْمَانَ فَرَفَعَهُمْ وَوَضَعَ فِيهِمُ الْخِلَافَةَ وَغَيْرَهُمُ اتَّبَعُوا عَلِيًّا فَأَذَلَّهُمُ اللَّهُ وَرَفَعَ عَنْهُمُ الْخِلَافَةَ انْتَهَى
وَهَذَا الْأَثَرُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ عَنْ أَبِي ظَفَرٍ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ مُطَهَّرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيِّ وهو في رواية بن دَاسَةَ وَغَيْرِهِ انْتَهَى
(رَسُولُ أَحَدِكُمْ فِي حَاجَتِهِ) صِفَةُ رَسُولٍ أَيِ الَّذِي أَرْسَلَهُ فِي حَاجَتِهِ (أَكْرَمُ عَلَيْهِ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِأَحَدِكُمْ (أَمْ خَلِيفَتُهُ فِي أَهْلِهِ) أَيْ خَلِيفَتُهُ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ فِي أَهْلِهِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ فِي أَهْلِهِ يَكُونُ أَكْرَمُ عِنْدَهُ وَأَحَبُّ وَأَفْضَلُ مِنْ رَسُولِهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ فِي حَاجَتِهِ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَ الْحَجَّاجِ الظَّالِمِ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى تَفْضِيلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا كَانُوا رُسُلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُبَلِّغِينَ أَحْكَامَهُ فَحَسْبُ وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ وَغَيْرُهُ مِنْ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ فَهُمْ خُلَفَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَرُتْبَةُ الْخُلَفَاءِ يَكُونُ أَعْلَى مِنَ الرُّسُلِ فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْحَجَّاجِ هَذَا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَلَيْسَ إِرَادَتُهُ هَذَا بِبَعِيدٍ مِنْهُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنِ اطَّلَعَ عَلَى تَفَاصِيلِ حَالَاتِهِ فَهَذِهِ مُغَالَطَةٌ مِنْهُ شَنِيعَةٌ تُكَفِّرُهُ بِلَا مِرْيَةٍ أَلَمْ يَعْلَمِ الْحَجَّاجُ أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ خُلَفَاءُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ وَلَمْ يعلم أن سيد الأنبياء محمد سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﵇ وَيَلْزَمُ عَلَى كَلَامِهِ هَذَا مَا يَلْزَمُ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا الْكَلَامِ
قَالَ السِّنْدِيُّ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلَ الْمَرْوَانِيِّينَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّهُمْ خُلَفَاءُ اللَّهِ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ حِينَئِذٍ
وَمَا أَبْعَدَهُ عَنِ الْحَقِّ وَأَضَلَّهُ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَإِلَّا فَلَا يَظْهَرُ لِكَلَامِهِ مَعْنًى انْتَهَى (فَقَاتَلَ) أَيِ الرَّبِيعُ بْنُ خَالِدٍ (فِي الْجَمَاجِمِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْجُمْجُمَةُ قَدَحٌ مِنْ خَشَبٍ وَالْجَمْعُ الْجَمَاجِمُ وَبِهِ سُمِّيَ دَيْرُ الْجَمَاجِمِ وَهُوَ الَّذِي كَانَتْ بِهِ وَقْعَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ مَعَ الحجاج بالعراق لأنه كان يعمل به أقداح مِنْ خَشَبٍ
وَفِي حَدِيثِ طَلْحَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَضْحَكُ فَقَالَ إِنَّ هَذَا يَشْهَدُ الْجَمَاجِمَ يُرِيدُ وَقْعَةَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ أَيْ أَنَّهُ لَوْ رَأَى كَثْرَةَ مَنْ قُتِلَ بِهِ مِنْ قُرَّاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَادَاتِهِمْ لَمْ يَضْحَكِ انْتَهَى
وَهَذَا الْأَثَرُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ قِيلَ إِنَّهُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَحْدَهُ انْتَهَى
(قَالَ سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ) وَكَانَ وَالِيًا مِنْ جَانِبِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ (لَيْسَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ (مَثْنَوِيَّةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ الْمِثْلِيَّةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيِ اسْتِثْنَاءٌ (لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا (عَبْدِ الْمَلِكِ) بَدَلٌ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (وَاللَّهِ لَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ) أَيْ بِجَرِيرَتِهِمْ يُرِيدُ أَنَّ الْأَحْكَامَ مُفَوَّضَةٌ إِلَى آرَاءِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ
وَكَلَامُهُ هَذَا مَرْدُودٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ (وَيَا عَذِيرِي مِنْ عَبْدِ هُذَيْلٍ) أَرَادَ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيَّ أَيْ مَنِ الَّذِي يَعْذُرُنِي فِي أَمْرِهِ وَلَا يَلُومُنِي
قَالَهُ السِّنْدِيُّ (وَاللَّهِ) الْوَاوُ لِلْقَسَمِ (مَا هِيَ) أَيْ لَيْسَ قِرَاءَتُهُ (إِلَّا رَجَزٌ مِنْ رَجَزِ الْأَعْرَابِ) الرَّجَزُ بَحْرٌ مِنْ بُحُورِ الشِّعْرِ مَعْرُوفٌ وَنَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِهِ يَكُونُ كُلُّ مِصْرَاعٍ مِنْهُ مُفْرَدًا وَتُسَمَّى قَصَائِدُهُ أَرَاجِيزَ وَاحِدُهَا أُرْجُوزَةٌ فَهُوَ كَهَيْئَةِ السَّجْعِ إِلَّا أَنَّهُ فِي وَزْنِ الشِّعْرِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ) أَيِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي يقرأها عَبْدُ هُذَيْلٍ وَيَزْعُمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَيْ لَيْسَتْ تِلْكَ الْقِرَاءَةُ بِقُرْآنٍ مُنَزَّلٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هِيَ رَجَزٌ مِنْ أَرَاجِيزِ الْعَرَبِ
وَمَا قَالَهُ الْحَجَّاجُ كَذِبٌ صَرِيحٌ وَافْتِرَاءٌ قَبِيحٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَا ريب في أن قراءة بن مَسْعُودٍ كَانَتْ مِمَّا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نبيه كيف وقد قال إستقرؤوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
قَالَ السِّنْدِيُّ وَأَرَادَ بِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ عَلَى قِرَاءَتِهِ وَمَا رَجَعَ إِلَى مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ (مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ) يَعْنِي الْعَجَمَ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَوَالِيَ الْحَمْرَاءَ (يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَرْمِي بِالْحَجَرِ فَيَقُولُ إِلَى أَنْ يَقَعَ الْحَجَرُ) أَيْ عَلَى الْأَرْضِ (قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ) هَذَا مَفْعُولُ يَقُولُ لَعَلَّ مُرَادَ الْحَجَّاجِ أَنَّ الْمَوَالِيَ يُوقِعُونَ الْفَسَادَ وَالشَّرَّ وَالْفِتْنَةَ وَيَقُولُونَ عَقِيبَ إِيقَاعِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ الْحِجَارَةَ (فَوَاللَّهِ لَأَدَعَنَّهُمْ) أَيْ لَأَتْرُكَنَّهُمْ (كَالْأَمْسِ الدَّابِرِ) أَيْ كَالْيَوْمِ الْمَاضِي أَيْ أَتْرُكُهُمْ مَعْدُومِينَ هَالِكِينَ
قَالَ الْمِزِّيُّ أَثَرُ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ وَأَثَرَانِ لِلْأَعْمَشِ قِيلَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ انْتَهَى وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ
(هَذِهِ الْحَمْرَاءُ) أَيِ الْمَوَالِي (هَبْرٌ هَبْرٌ) الْهَبْرُ الضَّرْبُ وَالْقَطْعُ أَيْ هَذِهِ الْمَوَالِي يَسْتَحِقُّونَ الْقَطْعَ وَالضَّرْبَ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ (لَوْ قَدْ قَرَعْتُ عَصًا بِعَصَا
أَيْ ضَرَبْتُ الْعَصَا بِالْعَصَا وَالْمَعْنَى لَوْ أُرِيدُ قَتْلَهُمْ وَهَلَاكَهُمْ (لَأَذَرَنَّهُمْ) أَيْ لَأَتْرُكَنَّهُمْ وَأَجْعَلَنَّهُمْ مَعْدُومِينَ (يَعْنِي الْمَوَالِيَ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْحَمْرَاءِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ
(قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ) بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا (قَالَ جَمَّعْتُ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ
وَهَذِهِ آثَارُ الْحَجَّاجِ لَيْسَتْ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ وَكَذَا لَيْسَتْ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ
وَهَذِهِ الْآثَارُ لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُوضَعَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ
وَإِنَّمَا سَاقَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ آثَارَ هَذَا الرَّجُلِ الْفَاسِقِ لِإِظْهَارِ جَوْرِهِ وَفِسْقِهِ وَلِبَيَانِ أَنَّ أمراء بني أمية وإن صاروا خلفاء متغلبين لكن ليسو أَهْلًا لَهَا وَإِنَّمَا هُمُ الْأُمَرَاءُ الظَّالِمُونَ لَا الْخُلَفَاءُ الْعَادِلُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(عَنْ سَفِينَةَ) مَوْلَى النبي أَوْ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ أَعْتَقَتْهُ (خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ قَالَ شَيْخُنَا لم يكن في الثلاثين بعده إِلَّا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَأَيَّامُ الْحَسَنِ
قُلْتُ بَلِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً هِيَ مُدَّةُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا حَرَّرْتُهُ فَمُدَّةُ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَانِ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ وَمُدَّةُ عُمَرَ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ وَمُدَّةُ عُثْمَانَ أَحَدَ عَشَرَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَتِسْعَةُ أَيَّامٍ وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عَلِيٍّ أَرْبَعُ سِنِينَ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ
هَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ فَلَعَلَّهُمْ أَلْغَوُا الْأَيَّامَ وَبَعْضَ الشُّهُورِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ مُدَّةُ خِلَافَةِ عُمَرَ عَشْرُ سِنِينَ وَخَمْسَةُ أشهر وإحدى وعشرين يوما وعثمان ثنتي عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا سِتَّ لَيَالٍ وَعَلِيٍّ خَمْسُ سِنِينَ وَقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ إِلَّا أَشْهُرًا وَالْحَسَنِ نَحْوَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْعَلْقَمِيِّ
(ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي
وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكًا بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَانِ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ يَكُونُ مُلْكًا لِأَنَّ اسْمَ الْخِلَافَةِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ بِعَمَلِهِ لِلسُّنَّةِ وَالْمُخَالِفُونَ مُلُوكٌ لَا خُلَفَاءُ وَإِنَّمَا تَسَمَّوْا بِالْخُلَفَاءِ لِخُلْفِهِمُ الْمَاضِي
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ عَنْ سَفِينَةَ أَنَّ أَوَّلَ الْمُلُوكِ مُعَاوِيَةُ ﵁ وَالْمُرَادُ بِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ هِيَ الْخِلَافَةُ الْكَامِلَةُ وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْخَمْسَةِ فَلَا يُعَارَضُ الْحَدِيثُ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَمْلِكَ إثني عَشَرَ خَلِيفَةً لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْخِلَافَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
انْتَهَى كَلَامُهُ بِتَغَيُّرٍ (أَمْسِكْ عَلَيْكَ أَبَا بَكْرٍ سَنَتَيْنِ) أَيْ عُدَّهُ وَاحْسِبْ مُدَّةَ خِلَافَتِهِ (وَعَلِيٌّ كَذَا) أَيْ كَذَا عُدَّ خِلَافَتَهُ وَكَانَ هُوَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ سَفِينَةُ مُدَّةَ خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁
وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ مُدَّةِ الْخِلَافَةِ لِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَبْدِ الصَّمَدِ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ
قَالَ سَفِينَةُ أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ سَنَتَيْنِ وَخِلَافَةَ عُمَرَ ﵁ عَشْرَ سِنِينَ وَخِلَافَةَ عُثْمَانَ ﵁ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً وَخِلَافَةَ عَلِيٍّ ﵁ سِتَّ سِنِينَ (إِنَّ هَؤُلَاءِ) أَيْ بَنِي مَرْوَانَ (كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ) الْأَسْتَاهُ جَمْعُ أَسْتٍ وَهُوَ الْعَجُزُ وَيُطْلَقُ عَلَى حَلْقَةِ الدُّبُرِ وَأَصْلُهُ سَتَهٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْجَمْعُ أَسْتَاهٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَلِمَةٌ خَرَجَتْ مِنْ دُبُرِهِمْ وَالزَّرْقَاءُ امْرَأَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ بَنِي أُمَيَّةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَسَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ شَيْخٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَجُمْهَانُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَهَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ
وَسَفِينَةُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ مِهْرَانُ وَقِيلَ رُومَانُ وَقِيلَ نَجْرَانُ وَقِيلَ قَيْسٌ وَقِيلَ عُمَيْرٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَالْأَوَّلُ أشهر وهو مولى رسول الله وَقِيلَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ ح (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى
(عن بن إدريس) هو عبد الله (وسفيان) هو بن عيينة أو الثوري وهو معطوف على بن إِدْرِيسَ أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ يَرْوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (فِيمَا بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ (سَمِعْتُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) هُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ (لَمَّا قَدِمَ فُلَانٌ إِلَى الْكُوفَةِ أَقَامَ فُلَانٌ خَطِيبًا) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَلَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْكِنَايَةِ عَنِ اسْمِ مُعَاوِيَةَ وَمُغِيرَةَ بِفُلَانٍ سِتْرًا عليهما في مثل هذا المحل لكونهما صاحبيين (فَأَخَذَ بِيَدِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) هَذَا مَقُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ (فَقَالَ) أَيْ سَعِيدٌ (إِلَى هَذَا الظَّالِمِ) يَعْنِي الْخَطِيبَ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ تَعْرِيضًا بِسَبَبِ عَلِيٍّ ﵁ أَوْ بِتَفْضِيلِ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ سَعِيدٌ مَا قَالَ انْتَهَى (لَمْ أَيْثَمْ) بِالْإِمَالَةِ أَيْ لَمْ آثَمْ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ أَيْثَمْ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ أَيْثَمُ مَكَانَ آثَمُ (قُلْتُ وَمَنِ التِّسْعَةُ) مَنِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ (وَهُوَ عَلَى حِرَاءٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَبِالْمَدِّ جَبَلٌ بِمَكَّةَ
قَالَ النَّوَوِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مُذَكَّرٌ مَمْدُودٌ مَصْرُوفٌ (قَالَ رَسُولُ الله) أَيْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُهُمْ رَسُولُ الله (فَتَلَكَّأَ) أَيْ تَأَخَّرَ (هُنَيَّةً) أَيْ سَاعَةً يَسِيرَةً (رَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ) هُوَ
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
قَالَ الْحَافِظُ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ أَثْبَتُ النَّاسِ كِتَابًا فِي الثَّوْرِيِّ انْتَهَى
وَزَادَ الْأَشْجَعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظالم واسطة بن حيان
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمِيمِ قَالَ الْحَافِظُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ عِيبَ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْحَدِيثِ (عَنِ الْحُرِّ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (بْنِ الصَّيَّاحِ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرَةٍ مُهْمَلَةٍ (وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنَّةِ) هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكٌ (قَالَ فَقَالُوا مَنْ هُوَ) أَيْ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَخْنَسِ فَقَالَ النَّاسُ مَنِ الْعَاشِرُ (فَسَكَتَ) أَيْ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ (قَالَ هُوَ) أَيِ الْعَاشِرُ (سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) يعني نفسه
قال المنذري وأخرجه الترمذي النسائي
(رِيَاحُ بْنُ الْحَارِثِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ جَدِّي (عِنْدَ فُلَانٍ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ (فَرَحَّبَ بِهِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ رَحَّبَ بِهِ بِالتَّشْدِيدِ قَالَ لَهُ مَرْحَبًا أَيْ قَالَ مُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مَرْحَبًا (وَحَيَّاهُ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ فِي الْمِصْبَاحِ وَحَيَّاهُ تَحِيَّةً أَصْلُهُ الدُّعَاءُ بِالْحَيَاةِ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي مُطْلَقِ الدُّعَاءِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ الشَّرْعُ فِي دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ سَلَامٌ عَلَيْكَ انْتَهَى
(وَأَقْعَدَهُ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ (فَاسْتَقْبَلَهُ) أَيِ اسْتَقْبَلَ مُغِيرَةُ قَيْسًا (يُسَبُّونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (إِنِّي لَغَنِيٌّ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ) أَيْ على النبي (ما لم يقل) أي النبي (فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى مَا (غَدًا إِذَا لَقِيتُهُ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَإِنِّي لِلْحَالِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَقَعَتْ بَيْنَ قَوْلِهِ يَقُولُ وَمَقُولَتِهِ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَخْ (وَسَاقَ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ (قَالَ لَمَشْهَدُ) اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَمَشْهَدُ مُضَافٌ إِلَى رَجُلٍ
فِي الْمِصْبَاحِ الْمَشْهَدُ الْمَحْضَرُ وَزْنًا وَمَعْنًى انْتَهَى وَجَمْعُهُ مَشَاهِدُ وَفِي الْمَجْمَعِ الْمَغَازِي الْمَشَاهِدُ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الشَّهَادَةِ (مِنْهُمْ) مِنْ أصحاب النبي (يَغْبَرُّ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَشْهَدِ (وَجْهُهُ) فَاعِلُ يَغْبَرُّ وَالْمَعْنَى أَنَّ حُضُورَ رَجُلٍ مِنَ الصحابة مع رسول الله فِي مَوْضِعِ الْغَزْوِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ حَالَ كَوْنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ التُّرَابُ فِي وَجْهِهِ هُوَ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ مَا دَامَ عُمُرَهُ (وَلَوْ عُمِّرَ عُمْرَ نُوحٍ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أُعْطِيَ عُمْرَ نُوحٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
(صَعِدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ طَلَعَ (أَحَدًا) أَيْ جَبَلُ أُحُدٍ (فتبعه) أي النبي فِي الصُّعُودِ (فَرَجَفَ) أَيْ تَحَرَّكَ جَبَلُ أُحُدٍ (فَضَرَبَهُ) أَيْ أُحُدًا (وَقَالَ اُثْبُتْ أُحُدٌ) بِالضَّمِّ حُذِفَ عَنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ (نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) أَيْ عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَشَهِيدَانِ أَيْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄
وَتَحَرَّكَ أُحُدٌ كَانَ مِنْ الْمُبَاهَاةِ
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَضْلُ أَبِي بَكْرٍ وَفِي فَضْلِ عُمَرَ وَأَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ اِنْتَهَى
(لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) وَهُمْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أم مبشر أنها سمعت رسول الله يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ مِنْ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا وَذَكَرَ قِصَّةَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵄
اِنْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(قال موسى) هو بن إِسْمَاعِيلَ (فَلَعَلَّ اللَّهَ) أَيْ اِطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بدر الحديث (وقال بن سِنَانٍ) هُوَ أَحْمَدُ (اِطَّلَعَ اللَّهُ) أَيْ لَمْ يقل بن سِنَانٍ فِي رِوَايَتِهِ لَفْظَ فَلَعَلَّ اللَّهَ كَمَا قَالَ مُوسَى بَلْ بَدَأَ الْحَدِيثَ مِنْ قَوْلِهِ اِطَّلَعَ اللَّهُ
وَمَعْنَى اِطَّلَعَ أَقْبَلَ أَيْ لَعَلَّ اللَّهَ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ نَظَرَ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ (فَقَالَ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) هَذَا كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ الرِّضَى وَصَلَاحِ الْحَالِ وَتَوْفِيقِهِمْ لِلْخَيْرِ لَا التَّرَخُّصِ لَهُمْ فِي كُلِّ فِعْلٍ
قِيلَ ذَكَرَ لَعَلَّ لئلا يتكل من شهد بدر عَلَى ذَلِكَ وَيَنْقَطِعَ عَنْ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ الْغُفْرَانُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَإِلَّا فَإِنْ تَوَجَّهَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَدٌّ أَوْ غَيْرُهُ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا
وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ وَإِقَامَةَ عُمَرَ عَلَى بَعْضِهِمْ
قَالَ وَضَرَبَ النبي مِسْطَحًا الْحَدَّ وَكَانَ بَدْرِيًّا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا الْفَصْلُ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁
(فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ) أَيْ بِلِحْيَةِ النَّبِيِّ (قائم على رأس النبي) فِيهِ جَوَازُ الْقِيَامِ
عَلَى رَأْسِ الْأَمِيرِ بِالسَّيْفِ بِقَصْدِ الْحِرَاسَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ تَرْهِيبِ الْعَدُوِّ وَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنِ الْقِيَامِ عَلَى رَأْسِ الْجَالِسِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِ (بِنَعْلِ السَّيْفِ) هُوَ مَا يَكُونُ أَسْفَلَ الْقِرَابِ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَخِّرْ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ التَّأْخِيرِ وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَتَنَاوَلَ الرَّجُلُ لِحْيَةَ مَنْ يُكَلِّمُهُ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمُلَاطَفَةِ وَفِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ النَّظِيرُ بِالنَّظِيرِ لكن كان النبي يغضي لعورة عَنْ ذَلِكَ اسْتِمَالَةً لَهُ وَتَأْلِيفًا وَالْمُغِيرَةُ يَمْنَعُهُ إجلالا للنبي وَتَعْظِيمًا قَالَهُ الْحَافِظُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مطولا
(أتاني جبرائيل ﵇ فَأَخَذَ بِيَدِي إِلَخْ) وَذَلِكَ إِمَّا فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ أَوْ فِي وَقْتٍ آخَرَ (وَدِدْتُ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ أَحْبَبْتُ (حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي) قَالَ الطِّيبِيُّ لَمَّا تَمَنَّى ﵁ بِقَوْلِهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث أَمَا إِنَّك يَا أَبَا بَكْر لَأَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة مِنْ أمتي وكلام المنذري عن بن حِبَّان فِي أَبِي خَالِد الدَّالَانِيّ إِلَى قَوْله فكيف إذا انفرد بالمعضلات ثم زاد بن القيم وقد روى بن مَاجَهْ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث دَاوُدَ بْن عَطَاء الْمَدِينِيّ عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي بْن كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ أَوَّل مَنْ يُصَافِحهُ الْحَقّ عُمَر وَأَوَّل مَنْ يُسَلِّم عَلَيْهِ وَأَوَّل مَنْ يَأْخُذ بِيَدِهِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّة
وَدَاوُد بْن عَطَاء هَذَا ضَعِيف عِنْدهمْ
وَإِنْ صَحَّ فَلَا تَعَارُض بَيْنهمَا لِأَنَّ الْأَوَّلِيَّة فِي حَقّ الصِّدِّيق مُطْلَقَة وَالْأَوَّلِيَّة فِي حَقّ عُمَر مُقَيَّدَة بِهَذِهِ الْأُمُور في الحديث
وَدِدْتُ وَالتَّمَنِّي إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا يَسْتَدْعِي إِمْكَانَ حُصُولِهِ قِيلَ لَهُ لَا تَتَمَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْبَابِ فَإِنَّ لَكَ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ وَأَجَلُّ وَهُوَ دُخُولُكَ فِيهِ أَوَّلَ أُمَّتِي وَحَرْفُ التَّنْبِيهِ يُنَبِّهُكَ عَلَى الرَّمْزَةِ الَّتِي لَوَّحْنَا بِهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ بن مَعِينٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ نحوه
وقال بن حِبَّانَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا وَافَقَ الثِّقَاتِ فَكَيْفَ إِذَا انْفَرَدَ عَنْهُمْ بالمعضلات
(الْعُقَيْلِيُّ) بِالتَّصْغِيرِ (بَعَثَنِي عُمَرُ إِلَى الْأُسْقُفِّ) بِضَمِّ هَمْزَةٍ وَقَافٍ وَبَيْنَهُمَا سِينٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ فَاءٌ مُشَدَّدَةٌ وَيَجِيءُ مُخَفَّفَةً عَالِمُ النَّصَارَى وَرَئِيسُهُمْ (قَالَ أَجِدُكَ قَرْنًا) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَحَدِيثُ عُمَرَ وَالْأُسْقُفِّ أَجِدُكَ قَرْنًا هُوَ بِفَتْحِ قَافِ الْحِصْنُ وَجَمْعُهُ قُرُونٌ وَلِذَا قِيلَ لَهَا صَيَاصِيَ انْتَهَى (فَقَالَ) أَيْ عُمَرُ ﵁ (قَرْنٌ مَهْ) أَيْ مَا تُرِيدُ بِالْقَرْنِ (يُؤْثِرُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَخْتَارُ (قَالَ أَجِدُهُ صَدَاءَ حَدِيدٍ) صَدَاءُ الْحَدِيدِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَسَخُهُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لِكَثْرَةِ مُبَاشَرَتِهِ بِالسَّيْفِ وَمُحَارَبَتِهِ بِهِ يَتَوَسَّخُ بِهِ بَدَنُهُ وَيَدَاهُ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ عَيْنُ الصَّدَاءِ وَبِالنَّظَرِ إِلَى ظَاهِرِهِ قَالَ عُمَرُ مَا قَالَ فَفَسَّرَ لَهُ الْأُسْقُفُّ مَا هُوَ الْمُرَادُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (فَقَالَ يَا دَفْرَاهُ يَا دَفْرَاهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الدَّفْرُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ النَّتْنُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلدُّنْيَا أُمُّ دَفْرٍ (فَقَالَ) أَيِ الْأُسْقُفُّ (إِنَّهُ) أَيْ عَلِيٌّ ﵁ (وَالدَّمُ مُهْرَاقٌ) أَيْ مَصْبُوبٌ مِنْ أَهْرَقَهُ يُهْرِيقُهُ صَبَّهُ وَكَانَ أَصْلُهُ أَرَاقَهُ يُرِيقُهُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلِذَا أَوْرَدَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بَعْدَ أَنْ عَزَاهُ بِهَذَا السَّنَدِ لِأَبِي دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ انْتَهَى
(باب في فضل أصحاب النبي ﷺ)
(خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الذي بُعِثْتُ فِيهِمْ) وَهُمُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أَيْ يَقْرَبُونَهُمْ فِي الرُّتْبَةِ أَوْ يَتْبَعُونَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِيقَانِ وَهُمُ التَّابِعُونَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ
وَالْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ وَقِيلَ الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَقِيلَ ثَمَانُونَ وَقِيلَ مِائَةُ سَنَةٍ
قَالَ السُّيُوطِيُّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ
فَقَرْنُهُ ﷺ هُمُ الصَّحَابَةُ وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ إِلَى نَحْوِ سَبْعِينَ وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى نَحْوِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ الْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب ثُمَّ ذَيَّلَ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخ هَذَا الْحَدِيث قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَالنُّعْمَان بْن بَشِير
فَأَمَّا حَدِيث عِمْرَان فَمُتَّفَق عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظه فَأَكْثَر الرِّوَايَات أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْد قَرْنه قَرْنَيْنِ وَوَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه فِي الصَّحِيح ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاث مَرَّات وَلَعَلَّ هَذَا غَيْر مَحْفُوظ فَإِنَّ عِمْرَان قَدْ سُئِلَ فِيهِ فَقَالَ لَا أَدْرِي أَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ بَعْد قَرْنه مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا
وَأَمَّا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَفْظه خَيْر أُمَّتِي الْقَرْن الَّذِينَ يَلُونَنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيء قَوْم تَسْبِق شَهَادَة أَحَدهمْ يَمِينه
وَيَمِينه شَهَادَته
وَفِي لَفْظ لَهُمَا سُئِلَ النَّبِيّ ﷺ أَيّ النَّاس خَيْر قَالَ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فَلَمْ يُخْتَلَف فِي عِلِّيَّة ذِكْر الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مَرَّتَيْنِ
وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه وَلَفْظه خَيْر أُمَّتِي الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَم أَذَكَرَ الثَّالِث أَمْ لَا قَالَ ثُمَّ يَخْلُف قَوْم يُحِبُّونَ الشَّمَاتَة يَشْهَدُونَ قَبْل أَنْ يُسْتَشْهَدُوا
فَهَذَا فِيهِ قَرْن وَاحِد بَعْد قَرْنه وَشَكَّ فِي الثَّالِث وَقَدْ حَفِظَهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَعِمْرَان وَعَائِشَة
وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُؤُوسَهَا وَامْتُحِنَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ تَغَيُّرًا شَدِيدًا وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي نَقْصٍ إِلَى الْآنَ وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (الثَّالِثَ) وَهُوَ قَوْلُهُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ الْمَذْكُورُ مَرَّةً ثَالِثَةً (أَمْ لَا) أَيْ أَمْ لَمْ يَذْكُرْ (يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُمُ الشَّهَادَةُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً
وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ خَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ أَنَّ الذَّمَّ فِي حَقِّ مَنْ بَادَرَ بِالشَّهَادَةِ لِمَنْ هُوَ عَالِمٌ بِهَا قَبْلَ الطَّلَبِ وَالْمَدْحَ فِيمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَيُخْبِرُهُ بِهَا لِيُسْتَشْهَدَ عِنْدَ الْقَاضِي (وَيَنْذِرُونَ) بِضَمِّ الذَّالِ وَبِكَسْرٍ أَيْ يُوجِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَشْيَاءَ (وَلَا يُوفُونَ) أَيْ لَا يَقُومُونَ بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا وَلَا يُبَالُونَ بِتَرْكِهَا (وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ أَنَّهُمْ يَخُونُونَ خِيَانَةً ظَاهِرَةً
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْهَا قَالَتْ سَأَلَ رَجُل النَّبِيّ ﷺ أَيّ النَّاس خَيْر قَالَ الْقَرْن الَّذِي أَنَا فِيهِ
ثُمَّ الثَّانِي
ثُمَّ الثَّالِث
وَأَمَّا حديث النعمان بن بشير فرواه بن حِبَّان فِي صَحِيحه
وَلَفْظه عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ خَيْر النَّاس قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي قَوْم تَسْبِق أَيْمَانهمْ شَهَادَتهمْ وَشَهَادَتهمْ أَيْمَانهمْ
فَقَدْ اِتَّفَقَتْ الْأَحَادِيث عَلَى قَرْنَيْنِ بَعْد قَرْنه ﷺ إِلَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ شَكَّ فِيهِ
وَأَمَّا ذِكْر الْقَرْن الرَّابِع فَلَمْ يُذْكَر إِلَّا فِي رِوَايَة فِي حَدِيث عِمْرَان لَكِنْ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان فَيَغْزُو فِئَام مِنْ النَّاس
فَيُقَال لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُول اللَّه ﷺ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَح لَهُمْ
ثُمَّ يَغْزُو فِئَام مِنْ النَّاس فَيُقَال لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُول اللَّه ﷺ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَح لَهُمْ
ثُمَّ يَغْزُو فِئَام مِنْ النَّاس فَيُقَال لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُول اللَّه ﷺ وَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَح لَهُمْ
فَهَذَا فِيهِ ذِكْر قَرْنَيْنِ بَعْده
كَمَا فِي الْأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمَة
وَرَوَاهُ مُسْلِم
فَذَكَرَ ثَلَاثَة بَعْده
وَلَفْظه يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يُبْعَث مِنْهُمْ الْبَعْث فَيَقُولُونَ اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ فَيُوجَد الرَّجُل فَيُفْتَح لَهُمْ بِهِ ثُمَّ يُبْعَث الْبَعْث الثَّانِي فَيَقُولُونَ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ فَيُفْتَح لَهُمْ ثُمَّ يُبْعَث الْبَعْث الثَّالِث
فَيُقَال اُنْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ فَيُفْتَح لَهُمْ
ثُمَّ يَكُون الْبَعْث الرَّابِع
فَيُقَال اُنْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ فيوجد الرجل فيفتح له
بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهَا ثِقَةٌ بِخِلَافِ مَنْ خَانَ حَقِيرًا مَرَّةً فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُؤْتَمَنًا فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ (وَيَفْشُو فِيهِمُ السِّمَنُ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ يَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ بِالتَّوَسُّعِ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ قِيلَ كَنَّى بِهِ عَنِ الْغَفْلَةِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى ذَوِي السَّمَانَةِ أَنْ لَا يَهْتَمُّوا بِارْتِيَاضِ النُّفُوسِ بَلْ مُعْظَمُ هِمَّتِهِمْ تَنَاوُلُ الْحُظُوظِ وَالتَّفَرُّغُ لِلدَّعَةِ وَالنَّوْمِ
قِيلَ وَالْمَذْمُومُ مِنَ السِّمَنِ مَا يُسْتَكْسَبُ لَا مَا هُوَ خِلْقَةٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حديث زهدم بن مضرب عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
٠ - (بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ)
ﷺ (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَمُحَاضِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ذِكْرُ سَبَبٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ قَالَ كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَصْحَابِي أَصْحَابٌ مَخْصُوصُونَ وَهُمُ السَّابِقُونَ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي الْإِسْلَامِ وَقِيلَ نَزَلَ السَّابُّ مِنْهُمْ لِتَعَاطِيهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ السَّبِّ مَنْزِلَةَ غَيْرِهِمْ فَخَاطَبَهُ خِطَابَ غَيْرِ الصَّحَابَةِ
ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (وَلَا نَصِيفَهُ) النَّصِيفُ بِمَعْنَى النِّصْفِ
وَالْمَعْنَى لَا يَنَالُ أَحَدُكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِنَ الْأَجْرِ وَالْفَضْلِ مَا يَنَالُ أَحَدُهُمْ بِإِنْفَاقِ مُدِّ طَعَامٍ أَوْ نِصْفِهِ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ مَزِيدِ الْإِخْلَاصِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ مَعَ مَا كَانُوا مِنَ الْقِلَّةِ وَكَثْرَةِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
(أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَاصِرُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ
الْمَاصِرِيُّ وَفِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ عُمَرُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْمَاصِرِ الْكُوفِيُّ
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَثَّقَهُ بن مَعِينٍ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ وَرُبَّمَا وَهِمَ وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ (فَكَانَ يَذْكُرُ) أَيْ حُذَيْفَةَ (قَالَهَا) صِفَةَ أَشْيَاءَ (فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي قَالَهَا رسول الله ﷺ في شَأْنِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ (وَهُوَ فِي مَبْقَلَةٍ) أَيْ فِي أَرْضٍ ذَاتِ بَقْلٍ (أَمَا تَنْتَهِي) أَيْ أَلَا تَمْتَنِعُ عَمَّا تَذْكُرُ هَذِهِ مَقُولَةُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَهَا لِحُذَيْفَةَ (حَتَّى تُوَرِّثَ رِجَالًا حُبَّ رِجَالٍ وَرِجَالًا بُغْضَ رِجَالٍ) الْمَعْنَى حَتَّى تُدْخِلَ فِي قُلُوبِ بَعْضِ الرِّجَالِ مَحَبَّةَ بَعْضِ الرِّجَالِ وَفِي قُلُوبِ بَعْضِهِمْ بُغْضَ بَعْضِهِمْ (فَاجْعَلْهَا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ فَاجْعَلْ يَا اللَّهُ تِلْكَ اللَّعْنَةَ (صَلَاةً) أَيْ رَحْمَةً كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الرَّحْمَةُ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي بَابِ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ سَبَّهُ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أو ما عَلِمْتَ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي قُلْتُ اللَّهُمَّ إنماأنا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَفِي لَفْظٍ لَهُ اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَذَكَرَهُ
وَفِي لَفْظٍ لَهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ يَوْمَ القيامة
وَأَخْرَجَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول إنماأنا بَشَرٌ وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي أَيَّ عَبْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا
وَأَخْرَجَ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَّا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ سَبِّهِ وَدُعَائِهِ ﷺ عَلَى أَحَدٍ وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَخَافَ ﷺ أَنْ يُصَادِفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِجَابَةً فَسَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ رَحْمَةً وَكَفَّارَةً وَقُرْبَةً وَطَهُورًا وَأَجْرًا وَإِنَّمَا كَانَ يَقَعُ هَذَا مِنْهُ ﷺ نَادِرًا لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلْمَانَ ﵁ مَا رَضِيَ بِإِظْهَارِ مَا صَدَرَ فِي شَأْنِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ الْوَاجِبِ فِي شَأْنِهِمْ بِمَا لَهُمْ مِنَ الصُّحْبَةِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا الْفَصْلُ الْأَخِيرُ قَوْلُهُ ﷺ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
١ - (بَاب فِي اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ ﵁)
(لَمَّا اسْتُعِزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ اسْتُعِزَّ بِالْعَلِيلِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ وَغَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ انْتَهَى
وَأَصْلُهُ مِنَ الْعِزِّ
وَهُوَ الْغَلَبَةُ وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى الشَّيْءِ (وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ إِجْهَارُ الْكَلَامِ إِعْلَانُهُ وَرَجُلٌ مِجْهَرٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَجْهَرَ بكلامه وهو الوجه ها هنا
وَقَدْ ضَبَطَ بَعْضُهُمْ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْإِجْهَارِ وَهُوَ مُمْكِنٌ عَلَى بُعْدٍ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ صَاحِبَ جَهْرٍ وَرَفْعٍ بِصَوْتِهِ وَيُقَالُ جَهَرَ الرَّجُلُ صَوْتَهُ وَرَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ وَأَجْهَرَ إِذَا عُرِفَ بِشِدَّةِ جَهْرِ الصَّوْتِ فَهُوَ مُجْهِرٌ (يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ) أَيْ تَقَدُّمَ غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ انْتَهَى
قُلْتُ هُوَ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ
(حَتَّى أَطْلَعَ رَأْسَهُ) أَيْ أَخْرَجَهُ (ثُمَّ قَالَ لَا لَا لَا) أَيْ لَا يُصَلِّي عُمَرُ ﵁ بِالنَّاسِ (ليصل للناس بن أَبِي قُحَافَةَ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ (يَقُولُ ذَلِكَ) أَيِ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعْقُولٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَفْيُ جَوَازِ الصَّلَاةِ خَلْفَ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ عُمَرَ وَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الإمامة التي دَلِيلُ الْخِلَافَةِ وَالنِّيَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْأُمَّةِ قال الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ
قُلْتُ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي صُلِّيَتْ خَلْفَ عُمَرَ ﵁ أُعِيدَتْ بَعْدَ مَجِيءِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَصَلَّى النَّاسُ ثَانِيًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ
وَلَفْظُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا أَبِي عن إسحاق قال وقال بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ لَمَّا اسْتُعِزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ دَعَا بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ فَخَرَجْتُ فَإِذَا عُمَرُ فِي النَّاسِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا فَقَالَ قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَ فَقَامَ فَلَمَّا كَبَّرَ عُمَرُ سَمِعَ
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَوْتَهُ وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ قَالَ فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ قَالَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ قَالَ لِي عُمَرُ وَيْحَكَ مَاذَا صنعت بي يا بن زمعة والله ماظننت حِينَ أَمَرْتَنِي إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَكَ بِذَلِكَ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ
قَالَ قُلْتُ وَاللَّهِ مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ حِينَ لَمْ أَرَ أَبَا بَكْرٍ رَأَيْتُكَ أحق من حضر بالصلاةانتهى
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْ ذِكْرُ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَلَمْ تَكُنْ شَاذَّةً فَيَكُونُ الْمَعْنَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَمَا قَالَهُ حَسَنٌ جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ قَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ وَيُقَالُ عَبَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ
٢ - (بَاب مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ)
وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ فِي الْفِتْنَةِ الْأُولَى
(إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) أَيْ حَلِيمٌ كَرِيمٌ مُتَجَمِّلٌ (بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي) هُمَا طَائِفَةُ الْحَسَنِ وَطَائِفَةُ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ الْحَسَنُ ﵁ حَلِيمًا فَاضِلًا وَرِعًا دَعَاهُ وَرَعُهُ إِلَى أَنْ تَرَكَ الْمُلْكَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِقِلَّةٍ وَلَا لِعِلَّةٍ فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ ﵁ بَايَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَبَقِيَ خَلِيفَةً بِالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ خُرَاسَانَ سِتَّةً أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا ثُمَّ سَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ وَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ بِمَنْزِلٍ مِنْ أَرْضِ الْكُوفَةِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فِي الصُّلْحِ أَجَابَ عَلَى شُرُوطٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ الْأَمْرُ بَعْدَهُ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ فِي كُلِّ عَامٍ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ (وَقَالَ عَنْ حَمَّادٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ
مَكَانٌ عَنْ حَمَّادٍ (وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ تَكَرُّمِهِ وَعَزْلِهِ نَفْسَهُ عَنِ الْأَمْرِ وَتَرْكِهِ لِمُعَاوِيَةَ اخْتِيَارًا (بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يَخْرُجْ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَهُمْ كُلَّهُمْ مُسْلِمِينَ مَعَ كَوْنِ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُصِيبَةً وَالْأُخْرَى مُخْطِئَةً وَهَكَذَا سَبِيلُ كُلِّ مُتَأَوِّلٍ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ رَأْيٍ وَمَذْهَبٍ إِذَا كَانَ لَهُ فِيمَا تَنَاوَلَهُ شُبْهَةٌ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ
وَاخْتَارَ السَّلَفُ تَرْكَ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ الْأُولَى وَقَالُوا تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ عَنْهَا أَيْدِيَنَا فَلَا نُلَوِّثُ بِهِ أَلْسِنَتَنَا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جَدْعَانَ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَوَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى إِسْرَائِيلَ بْنِ مُوسَى عَنِ الْحَسَنِ
(عن محمد) هو بن سِيرِينَ (إِلَّا أَنَا أَخَافُهَا عَلَيْهِ) أَيْ أَخَافُ مَضَرَّةَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِ (إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا اسْتَوْطَنَ الْمَدِينَةَ وَاعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ) بِالتَّصْغِيرِ (فَإِذَا فُسْطَاطٌ) بِالضَّمِّ أَيْ خِبَاءٌ (فَإِذَا فِيهِ) أَيْ فِي الْفُسْطَاطِ (فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِ وَإِقَامَتِهِ فِي الْفُسْطَاطِ (فَقَالَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ مسلمة (ماأريد أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (شَيْءٌ) فَاعِلُ يَشْتَمِلَ (مِنْ أَمْصَارِكُمْ) الْمَعْنَى لَا أُرِيدَ أَنْ أَسْكُنَ وَأُقِيمَ فِي أَمْصَارِكُمْ (حَتَّى تَنْجَلِيَ) أَيْ تَنْكَشِفَ وَتَزُولَ يُقَالُ انْجَلَى الظَّلَامُ إِذَا كُشِفَ (عَمَّا) مَا مَصْدَرِيَّةٌ (انْجَلَتْ) أَيْ تَجَلَّتْ وَتَبَيَّنَتْ يُقَالُ لِلشَّمْسِ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْكُسُوفِ تَجَلَّتْ وَانْجَلَتْ وَهُوَ انْفِعَالٌ مِنَ التَّجْلِيَةِ وَالتَّجْلِيَةُ التَّبْيِينُ
قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِذَا جَلَّاهَا إِذَا بَيَّنَ الشَّمْسَ فَكَأَنَّ الْمَعْنَى حَتَّى تَزُولَ الْفِتَنُ عَنْ تَبَيُّنِهَا وَظُهُورِهَا
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا مَوْصُولَةً وَالْمُرَادُ مِنَ الْمِصْرِ وَانْجَلَتْ بِمَعْنَى تَجَلَّتْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالتَّجَلِّي يَجِيءُ بِمَعْنَى التَّغْطِيَةِ أَيْضًا كَمَا فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ فَقُمْتُ حتى تجلاني الغشى أي غطاني
فانجلت ها هنا بِمَعْنَى غَطَّتْ وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ رَاجِعٌ إِلَى الْفِتَنِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ الَّذِي يَعُودُ إِلَى مَا الْمَوْصُولَةِ مَحْذُوفٌ فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ حَتَّى تَنْكَشِفَ الْفِتَنُ عَنِ الْأَمْصَارِ الَّذِي غَطَّتْهُ الْفِتَنُ
وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يُقَالَ انْجَلَتِ الَّذِي هُوَ مِنَ اللَّازِمِ بِمَعْنَى غَطَّتِ الَّذِي هُوَ مِنْ بَابِ التَّعْدِيَةِ بَلْ يُقَالُ بِمَعْنَى تَغَطَّتْ مِنَ اللَّازِمِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَا الْمَوْصُولَةِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأَمْصَارُ لا المصر فيكون المعنى حتى تنكشف الْفِتَنُ عَنِ الْأَمْصَارِ الَّتِي تَغَطَّتْ أَيْ بِالْفِتَنِ لَكِنَّ أَظْهَرَ الْمَعَانِي هُوَ الْأَوَّلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(عَنْ ضُبَيْعَةَ بْنِ حُصَيْنٍ الثَّعْلَبِيِّ بِمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ
قال في التقريب ضبيعة بالتصغير بن حُصَيْنٍ الثَّعْلَبِيُّ وَيُقَالُ ثَعْلَبَةُ بْنُ ضُبَيْعَةَ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي كَلَامِ الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَعْلَبَةَ وَضُبَيْعَةَ وَاحِدٌ اختلف فيه
(قلت لعلي) أي بن أَبِي طَالِبٍ ﵁ (عَنْ مَسِيرِكَ هَذَا) أَيْ إِلَى بِلَادِ الْعِرَاقِ لِقِتَالِ مُعَاوِيَةَ أَوْ مَسِيرِكَ إِلَى الْبَصْرَةِ لِقِتَالِ الزُّبَيْرِ ﵃ وبيانه كما قال بن سَعْدٍ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ الْغَدَ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ فَبَايَعَهُ جَمِيعُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ ويقال إن طلحة ﵁ والزبير ﵁ بَايَعَا كَارِهَيْنِ غَيْرَ طَائِعَيْنِ ثُمَّ خَرَجَا إِلَى مَكَّةَ وَعَائِشَةُ ﵂ بِهَا فَأَخَذَاهَا وَخَرَجَا بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَقِيَ بِالْبَصْرَةِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهُمْ وَهِيَ وَقْعَةُ الْجَمَلِ وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَقُتِلَ بِهَا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُمَا وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَقَامَ عَلِيٌّ بِالْبَصْرَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِالشَّامِ فَبَلَغَ عَلِيًّا فَسَارَ فَالْتَقَوْا بِصِفِّينَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَدَامَ الْقِتَالُ بِهَا
أَيَّامًا انْتَهَى مُخْتَصَرًا مِنْ تَارِيخِ الْخُلَفَاءِ (رَأْيٌ رَأَيْتُهُ) وَلَمَّا مَنَعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَبَاهُ عَلِيًّا عَنْ هَذَا الْعَزْمِ أَجَابَهُ عَلِيٌّ إِنَّكَ لَا تَزَالُ تَخِنُّ خَنِينَ الْجَارِيَةِ وَأَنَا مُقَاتِلٌ مَنْ خَالَفَنِي بِمَنْ أَطَاعَنِي كَذَا فِي الْكَامِلِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(تَمْرُقُ) كَتَخْرُجُ وَزْنًا وَمَعْنًى (مَارِقَةٌ) يَعْنِي الْخَوَارِجَ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ مِنْ مَرَقَ السَّهْمُ فِي الْهَدَفِ إِذَا نَفَذَ فِيهِ وَخَرَجَ وَالْمُرَادُ أَنْ يَخْرُجَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيُحَارِبَهُمْ
وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنَهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ يَلِي صِفَةُ مَارِقَةٍ أَيْ يُبَاشِرُهُ قَتْلَ الْخَوَارِجِ أَوْلَى أُمَّتِي بِالْحَقِّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ اجْمَعُوا أَنَّ الْخَوَارِجَ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبْحُهُمْ وَشَهَادَتُهُمْ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ (عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ عِنْدَ افْتِرَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتِلَافِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ
وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَقَعَتِ الْمُقَاتَلَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ وَبَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ﵃ وَكَانَ عَلِيٌّ إِمَامًا حَقًّا فَخَرَجَتِ الْخَوَارِجُ مِنْ نَهْرَوَانَ وَكَانَ إِمَامُهُمْ ذَا الثُّدَيَّةِ الْخَارِجِيَّ فَقَاتَلَ عَلِيٌّ ﵁ مَعَهُمْ (يَقْتُلُهَا) أَيِ الْمَارِقَةَ وَهِيَ الْخَوَارِجُ (أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ) مُتَعَلِّقٌ بِأَوْلَى أَيْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَهُوَ عَلِيٌّ ﵁ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ كَانَ مَعَهَا الَّتِي قَاتَلَتْ عَلِيًّا مَا كَانَتْ عَلَى الْحَقِّ
وَأَمَّا الْمَارِقَةُ إِنَّمَا كَانَتْ مِنَ الْفِرَقِ الْبَاطِلَةِ لَا مِنْهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٣ - (باب في التخيير بين الأنبياء ﵈)
(لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ) يَعْنِي لَا تُفَضِّلُوا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أَوْ مَعْنَاهُ لَا تُفَضِّلُوا يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ مِنْهُمْ وَالْإِزْرَاءِ بِهِ وَهُوَ كُفْرٌ أَوْ مَعْنَاهُ لَا تُفَضِّلُوا فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِيهَا وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ بِالْخَصَائِصِ وَفَضَائِلَ أُخْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بعض الْآيَةَ كَذَا فِي الْمَبَارِقِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى هَذَا تَرْكُ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِزْرَاءِ بِبَعْضِهِمْ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِيهِمْ وَالْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُعْتَقَدَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بعضهم على بعض الْآيَةَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْهُ
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ هُوَ مَعْطُوفٌ على أبي سلمة أي بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ يَرْوِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ كِلَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
ويعقوب هو بن إبراهيم بن سعد ذكره المزي
(قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى) زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ عَلَى الْعَالَمِينَ وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ (فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ) أي ضربه بكفه كفالة وَتَأْدِيبًا
وَإِنَّمَا صَنَعَ الْمُسْلِمُ ذَلِكَ لِمَا فَهِمَهُ مِنْ عُمُومِ لَفْظِ الْعَالَمِينَ فَدَخَلَ فِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الْمُسْلِمِ أَنَّ مُحَمَّدًا أَفْضَلُ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الضَّارِبَ قَالَ أَيْ خَبِيثٌ عَلَى مُحَمَّدٍ كَذَا قَالَ الْحَافِظُ (لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى) أَيْ وَنَحْوِهِ مِنْ أَصْحَابِ النُّبُوَّةِ
وَالْمَعْنَى لَا تُفَضِّلُونِي عَلَيْهِ تَفْضِيلًا يُؤَدِّي إِلَى إِيهَامِ الْمَنْقَصَةِ أَوْ إِلَى تَسَبُّبِ الْخُصُومَةِ (فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ يُقَالُ صَعِقَ الرَّجُلُ إِذَا أَصَابَهُ فَزَعٌ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا مَاتَ مِنْهُ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَوْتِ كَثِيرًا لَكِنَّ هَذِهِ الصَّعْقَةَ صَعْقَةُ فَزَعٍ يَكُونُ قَبْلَ الْبَعْثِ يُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ الْإِفَاقَةِ بَعْدَهُ لِأَنَّ
الْإِفَاقَةَ إِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْغَشْيِ وَالْبَعْثَ فِي الْمَوْتِ (فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ) أَيْ آخِذٌ بِقُوَّةٍ وَالْبَطْشُ الْأَخْذُ بِقُوَّةٍ (فِي جَانِبِ الْعَرْشِ) أَيْ بِشَيْءٍ مِنْهُ (فَلَا أَدْرِي أَكَانَ) أَيْ مُوسَى (أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا من شاء الله قَالَ الْحَافِظُ يَعْنِي فَإِنْ كَانَ أَفَاقَ قَبْلِي فَهِيَ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ فَلَمْ يُصْعَقْ فَهِيَ فَضِيلَةٌ أَيْضًا (وَحَدِيثُ بن يَحْيَى) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ الذُّهْلِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
(أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْهَرَوِيُّ السَّيِّدُ هُوَ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ فِي الْخَيْرِ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ الَّذِي يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي النَّوَائِبِ وَالشَّدَائِدِ فَيَقُومُ بِأَمْرِهِمْ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَكَارِهَهُمْ وَيَدْفَعُهَا عَنْهُمْ وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَعْنِي أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ (وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ مَقْبُولِ الشَّفَاعَةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِتَفْضِيلِهِ ﷺ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْآدَمِيِّينَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فَجَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فَلَمَّا عَلِمَ أَخْبَرَ بِهِ
وَالثَّانِي قَالَهُ أَدَبًا وَتَوَاضُعًا وَذَكَرَ بَاقِيَ الْأَجْوِبَةِ مَنْ شَاءَ الِاطِّلَاعَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَلَا أَدْرِي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ إِنْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَانْفِرَادِهِ بِذَلِكَ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الزُّمْرَةِ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُمُ الْأَرْضُ لَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ يُبْعَثُ فَيَكُونُ مُوسَى أَيْضًا مِنْ تِلْكَ الزُّمْرَةِ وَهِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ زُمْرَةُ الْأَنْبِيَاءِ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ أَنْ يَقَعَ تَنْقِيصٌ لَهُ فِي نَفْسِ مَنْ سَمِعَ قِصَّتَهُ فَبَالَغَ فِي ذِكْرِ فَضْلِهِ لِسَدِّ هذه الذريعة قاله القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ وَهَذَا هُوَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن القيم ﵀ حديث بن عَبَّاس مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُول أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى ثُمَّ قَالَ وفي حديث بن عَبَّاس فِي بَعْض طُرُق الْبُخَارِيّ فِيهِ عَنْ النَّبِيّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبّه ﷿ لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ الْحَدِيث وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ يَعْنِي اللَّه ﷿ لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي أَنْ يَقُول أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى
وَفِي رِوَايَة لِعَبْدِي
وَفِي حَدِيث بن عَبَّاس نَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ
وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عن بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا يَقُولَنّ أَحَدكُمْ إِنِّي خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى
وَعَنْهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَكُون خَيْرًا مِنْ يُونُس بْن مَتَّى
وَفِي لَفْظٍ آخَر أَنْ يَقُول أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى ذَكَرَهُ البخاري أيضا
وفي صحيح البخاري عن بْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ ﷺ قال الكريم بن الْكَرِيم بْن الْكَرِيم يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن أَسِحَاق بْن إِبْرَاهِيم وَنَحْوه فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا عَنْ أبي هريرة عن النبي ﷺ قَالَ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآن
فَكَانَ يَأْمُر بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَج فَيَقْرَأ الْقُرْآن قَبْل أَنْ تُسْرَج دَوَابّه
وَلَا يَأْكُل إِلَّا مِنْ عَمَل يده
والمراد بالقرآن ها هنا الزَّبُور كَمَا أُرِيد بِالزَّبُورِ الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُور مِنْ بَعْد الذِّكْر أَنَّ الْأَرْض يَرِثهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
الصَّوَابُ كَمَا يَظْهَرُ مِنَ التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَكِيمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ الْحَدِيثِ)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بن يسار
(ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇) أَيِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ الْمَوْصُوفُ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ هُوَ إِبْرَاهِيمُ ﵇
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ التَّوَاضُعِ وَكَرِهَ إِظْهَارَ الْمُطَاوَلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لَا) هَذَا قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ شَأْنُ تُبَّعٍ
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حديث بن عباس مثله
وروى بن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ فِي أَمَالِيهِ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بَدَلَهُ وَمَا أَدْرِي ذَا الْقَرْنَيْنِ نَبِيًّا كَانَ أَمْ لَا وَزَادَ فِيهِ وَمَا أَدْرِي الْحُدُودَ كَفَّارَاتٍ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا وَرُوِّينَاهُ بِتَمَامِهِ بِذِكْرِ تُبَّعٍ وَعُزَيْرٍ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَالْحُدُودِ فِي تفسير بن مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ ثُمَّ أَعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٍ وَأَنَّ تُبَّعًا أَسْلَمَ
كذا في مرقاة الصعود
وقال الحافظ بن كثير في تفسير سورة الدخان أخرج بن عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عن معمر عن معمر عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا أَدْرِي الْحُدُودُ طَهَارَةٌ لِأَهْلِهَا أَوْ لَا وَلَا أَدْرِي تُبَّعٌ لَعِينًا كَانَ أَمْ لَا وَلَا أَدْرِي ذُو الْقَرْنَيْنِ
نَبِيًّا كَانَ أَمْ مَلِكًا وَقَالَ غَيْرُهُ عُزَيْرًا كان نبيا أم لا كذا رواه بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ الظِّهْرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عبد الرزاق
ثم روى بن عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كُرَيْبٍ عَنْ أبيه عن بن عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا عُزَيْرٌ لَا أدري أنبيا كان أَمْ لَا وَلَا أَدْرِي أَلَعَنَ تُبَّعًا أَمْ لَا ثُمَّ أَوْرَدَ مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ وَلَعْنَتِهِ
وَقَالَ قَتَادَةُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ فِي تُبَّعٍ الرَّجُلُ الصَّالِحُ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمَهُ وَلَمْ يَذُمَّهُ
قَالَ وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَقُولُ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ رَجُلًا صالحا
وقال بن أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ جَابِرٍ الْحَضْرَمِيَّ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ﵁ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنِ بن لَهِيعَةَ بِهِ
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَرْزَةَ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا أخبرنا معمر عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَدْرِي تُبَّعٌ نَبِيًّا كَانَ أَمْ غَيْرَ نَبِيٍّ وَتَقَدَّمَ بِهَذَا السند من رواية بن أبي حاتم كما أورده بن عساكر لاأدري تبع كان لعينا أم لا
ورواه بن عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الْمَدَنِيِّ عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ أَبُو الْهُذَيْلِ أَخْبَرَنِي تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ سَبِّهِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ) أَيْ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بَشَّرَ بِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ (الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ هُمْ إِخْوَةٌ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَلَّةَ الضَّرَّةُ وَبَنُو الْعَلَّاتِ أَوْلَادُ الرَّجُلِ مِنْ نِسْوَةٍ شَتَّى
وَالْمَعْنَى أَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّوْحِيدُ وَفُرُوعَ الشَّرَائِعِ مُخْتَلِفَةٌ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ أَزْمِنَتَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ (وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ) قَالَ الْحَافِظُ هَذَا أَوْرَدَهُ كَالشَّاهِدِ لِقَوْلِهِ إِنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
٤ - (بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ)
وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ بَابُ الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُرْجِئَةُ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْإِسْلَامِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ سُمُّوا مُرْجِئَةً لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ اللَّهَ أَرْجَأَ تَعْذِيبَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي أَيْ أَخَّرَهُ عَنْهُمْ وَالْمُرْجِئَةُ تُهْمَزُ وَلَا تُهْمَزُ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ
كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ
(الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) أَيْ شُعْبَةً وَالْبِضْعُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وفتحها هو عدد ذكر الشيخ بن القيم ﵀ حديث الإيمان بضع وسبعون ثم قال ولفظ مسلم الإيمان بضع وسبعون شعبة وفي كتاب البخاري بضع وستون وفي بعض رواياته بضع وسبعون بضعة وسبعون أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة العظم الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان مُبْهَمٌ مُقَيَّدٌ بِمَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ وَقِيلَ إِلَى الْعَشَرَةِ وَقِيلَ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى تِسْعَةٍ وَقِيلَ مِنَ اثْنَيْنِ إِلَى عَشْرَةٍ وَعَنِ الْخَلِيلِ الْبِضْعُ السَّبْعُ (وَأَدْنَاهَا) أَيْ أَدْوَنُهَا مِقْدَارًا (إِمَاطَةُ الْعَظْمِ) أَيْ إِزَالَتُهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إِمَاطَةُ الْأَذَى وَالْأَذَى مَا يُؤْذِي كَشَوْكٍ وَحَجَرٍ (وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ) الحياء بالمد وهو في اللغة تغير وانكسار يتعرى الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَفِي
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث الْإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ ثُمَّ قَالَ وَلَفْظ مُسْلِم الْإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ شُعْبَة وَفِي كِتَاب الْبُخَارِيّ بِضْع وَسِتُّونَ وَفِي بَعْض رِوَايَاته بِضْع وَسَبْعُونَ
وَالْمَعْرُوف سِتُّونَ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم بِالْوَجْهَيْنِ عَلَى الشَّكّ عَنْ أَبِي هريرة عن النبي ﷺ قَالَ الْإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْع وَسِتُّونَ شُعْبَة
وَحَدِيث الْحَيَاء شُعْبَة مِنْ الْإِيمَان رَوَاهُ البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وبن عُمَر وَأَبِي مَسْعُود عُقْبَة بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ وَعِمْرَان بْن حُصَيْنٍ
وَفِي حَدِيث بْن عُمَر المتفق عليه في سؤال جبريل للنبي ﷺ عَنْ الْإِسْلَام فَقَالَ
الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ كَالدَّاعِي إِلَى بَاقِي الشُّعَبِ إذا الْحَيِيُّ يَخَافُ فَضِيحَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَأْتَمِرُ وَيَنْزَجِرُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَانَ الشَّرْعِيَّ اسْمٌ بِمَعْنَى ذِي شُعَبٍ وَأَجْزَاءٍ لَهَا أَعْلَى وَأَدْنَى وَأَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ وَزِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ فَالِاسْمُ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهَا كَمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّهَا وَالْحَقِيقَةُ تَقْتَضِي جَمِيعَ شُعَبِهَا وَتَسْتَوْفِي جُمْلَةَ أَجْزَائِهَا كَالصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ لَهَا شُعَبٌ وَأَجْزَاءٌ وَالِاسْمُ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهَا وَالْحَقِيقَةُ تَقْتَضِي جَمِيعَ أَجْزَائِهَا وَتَسْتَوْفِيهَا ويدل على
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَنْ تَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وأن محمدا رسول الله وَتُقِيم الصَّلَاة وَتُؤْتِي الزَّكَاة وَتَصُوم رَمَضَان وَتَحُجّ الْبَيْت إِنْ اِسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلًا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه جَاءَ رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد ثَائِر الرَّأْس نَسْمَع دَوِيّ صَوْته وَلَا نَفَقه مَا يَقُول حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ
فَإِذَا هُوَ يَسْأَل عَنْ الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ خَمْس صَلَوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة الْحَدِيث
وَفِي مُسْنَد الإمام أحمد عن بن عمر ﵄ عَنْ النَّبِيّ ﷺ الْإِسْلَام شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ محمد رسول الله وَإِقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحَجّ الْبَيْت
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ أَيّ الْإِسْلَام خَيْر قَالَ تُطْعِم الطَّعَام
وَتَقْرَأ السَّلَام عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِف
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِن عَبْد حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ وَقَالَ مُسْلِم حَتَّى يُحِبّ لِجَارِهِ أَوْ قَالَ لِأَخِيهِ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى أَكُون أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِده وَوَلَده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَقَالَ مُسْلِم مِنْ أَهْله وَمَاله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي سَعِيد الخدري ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان
وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أن رسول الله ﷺ قَالَ مَا مِنْ نَبِيّ بَعَثَهُ اللَّه فِي أُمَّته قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّته حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ
ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُف مِنْ بَعْدهمْ خُلُوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ
فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِن
وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِن
وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِن
لَيْسَ وَرَاء ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل
وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي مَرْحُوم عَنْ سَهْل بْن مُعَاذ بْن أَنَس الْجُهَنِيّ عَنْ أَبِيهِ أن رسول الله ﷺ قَالَ مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ وَأَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَنْكَحَ لِلَّهِ فَقَدْ اِسْتَكْمَلَ إِيمَانه وَأَبُو مَرْحُوم وَسَهْل قَدْ ضُعِّفَا
صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَيَاءَ أَحَدُ الشُّعَبِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ التَّفَاصِيلِ فِي الْإِيمَانِ وَتَبَايُنُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَرَجَاتِهِمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
(إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ) الْوَفْدُ جَمْعُ وَافِدٍ وَهُوَ الَّذِي أَتَى إِلَى الْأَمِيرِ بِرِسَالَةٍ مِنْ قَوْمٍ وَقِيلَ رَهْطٌ كِرَامٌ وَعَبْدُ الْقَيْسِ أَبُو قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ تَنْتَهِي إِلَى رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ (لَمَّا قَدِمُوا) أَيْ أَتَوْا (وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِهَا (مِنَ الْمَغْنَمِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ أَيِ الْغَنِيمَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ) مُبْتَدَأٌ وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَصْلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ
وَالْمَعْنَى يُوصِلُهُ إِلَيْهِ
وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ زَالَ الْإِشْكَالُ فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّ الْحَاجِزَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ فِعْلُ الصَّلَاةِ لَا تَرْكُهَا قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ
وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ الْفَرْضِ عَمْدًا قَالَ عُمَرُ ﵁ لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ ترك الصلاة وقال بن مَسْعُودٍ تَرْكُهَا كُفْرٌ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﵊ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِهَا جُحُودًا أَوْ عَلَى الزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَمَكْحُولٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَارِكُ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ
وَقَالَ صَاحِبُ الرَّأْيِ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ
وَقَدْ أَطَالَ الكلام في هذه المسألة الإمام بن الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ فَأَطَابَ وَأَحْسَنَ وأجاد
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ
٥ - (بَاب الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ)
وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَابُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁
قَالَ الْحَافِظُ ذَهَبَ السَّلَفُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَالُوا مَتَى قُبِلَ ذَلِكَ كان شكا
وقال الشيخ محي الدِّينِ وَالْأَظْهَرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بكثرة النظر ووضوح الأدلة لهذا كَانَ إِيمَانُ الصِّدِّيقِ أَقْوَى مِنْ إِيمَانِ غَيْرِهِ لَا يَعْتَرِيهِ الشُّبْهَةُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى أَنَّهُ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الْإِيمَانُ أَعْظَمَ يَقِينًا وَإِخْلَاصًا وَتَوَكُّلًا مِنْهُ فِي بَعْضِهَا وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ بِحَسَبِ ظُهُورِ الْبَرَاهِينَ وَكَثْرَتِهَا انتهى
(لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْكَعْبَةِ) أَيْ تَوَجَّهَ لِلصَّلَاةِ إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أَيْ صَلَاتَكُمْ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ فَسُمِّيَتِ الصَّلَاةُ إِيمَانًا فَعُلِمَ أَنَّهَا مِنَ الْإِيمَانِ بِمَكَانٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) وَهُوَ الْبَاهِلِيُّ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ ﵁ (مَنْ أَحَبَّ) أَيْ شيئا أو شخصا فخذف الْمَفْعُولُ (لِلَّهِ) أَيْ لِأَجْلِهِ وَلِوَجْهِهِ مُخْلِصًا لَا لِمَيْلِ قَلْبِهِ وَلَا لِهَوَاهُ (وَأَبْغَضَ لِلَّهِ لَا) لِإِيذَاءِ مَنْ أَبْغَضَهُ لَهُ بَلْ لِكُفْرِهِ وَعِصْيَانِهِ (وَأَعْطَى لِلَّهِ) أَيْ لِثَوَابِهِ وَرِضَاهُ لَا لِنَحْوِ رِيَاءٍ (وَمَنَعَ لِلَّهِ) أَيْ لِأَمْرِ اللَّهِ كَأَنْ لَمْ يَصْرِفِ الزَّكَاةَ لِكَافِرٍ لِخِسَّتِهِ وَلَا لِهَاشِمِيٍّ لِشَرَفِهِ بَلْ لِمَنْعِ اللَّهِ لَهُمَا مِنْهَا
قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَكْمَلَهُ وَقِيلَ بِالرَّفْعِ أَيْ تَكَمَّلَ إِيمَانُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فيه غير واحد
(لِذِي لُبٍّ) بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ بِمَعْنَى الْعَقْلِ (قَالَتْ) أَيِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي خَاطَبَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ (فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ) أَيْ تُعْدَلُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ (وتقيم أياما) أي أيام الحيض والنقاس (لَا تُصَلِّي) أَيْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَصْفُهُ ﷺ النِّسَاءَ نُقْصَانَ الدِّينِ لِتَرْكِهِنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ قَدْ يَسْتَشْكِلُ مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ بَلْ هو ظاهر فإن الدين والإيمان مُشْتَرِكَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الطَّاعَاتِ تُسَمَّى إِيمَانًا وَدِينًا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ عِبَادَتُهُ زَادَ إِيمَانُهُ وَدِينُهُ وَمَنْ نَقَصَتْ عِبَادَتُهُ نَقَصَ دِينُهُ ثُمَّ نَقْصُ الدِّينِ قَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يَأْثَمُ بِهِ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ وَقَدْ يَكُونُ على وجه لاإثم فِيهِ كَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُذْرُ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ
انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
وَبِهَذَا الْكَلَامِ ظَهَرَ أَيْضًا وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الْحَدِيثِ بِالْبَابِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه مسلم وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سرح عن أبي سعيد الخدري
(أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) بِضَمِّ اللَّامِ
قال بن رَسْلَانَ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَوْصَافِ الْإِنْسَانِ الَّتِي يُعَامِلُ بِهَا غَيْرَهُ وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَحْمُودَةٍ وَمَذْمُومَةٍ فَالْمَحْمُودَةُ مِنْهَا صِفَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَالصَّبْرِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ وَالْحَمْلِ عِنْدَ الْجَفَا وَحَمْلِ الْأَذَى وَالْإِحْسَانِ لِلنَّاسِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَيْهِمْ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَاللِّينِ فِي الْقَوْلِ وَمُجَانَبَةِ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ الوجه
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَزَادَ فِي آخره وخياركم خياركم لنسائهم
(قَالَ أَوْ مُسْلِمٌ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بإسكان الواو لا بفتحها
وفي رواية بن الْأَعْرَابِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَا تَقُلْ مُؤْمِنٌ بَلْ مُسْلِمٌ فَوَضَّحَ أَنَّهَا لِلْإِضْرَابِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارَ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ إِطْلَاقَ الْمُسْلِمِ عَلَى مَنْ يُخْتَبَرُ حَالُهُ الْخِبْرَةَ الْبَاطِنَةَ أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الظاهر انتهى مخلصا (مَخَافَةَ أَنْ يُكِبَّ) ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ مِنَ الْإِكْبَابِ
قَالَ الْحَافِظُ أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا أَطْرَقَ وَكَبَّهُ غَيْرُهُ إِذَا قَبَّلَهُ وَهَذَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْفِعْلَ اللَّازِمَ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَهَذَا زِيدَتْ عَلَيْهِ الْهَمْزَةُ فَقُصِرَ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ إِنْ لَمْ يُعْطِ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمُجَرَّدِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ بَعْدَ الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فقال وهو طرف من الذي قبله
(حَتَّى أَعَادَهَا) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (وَأَدَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ أَتْرُكُ (مَخَافَةَ أَنْ يُكِبُّوا) بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ أَوْ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمُجَرَّدِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
(قَالَ) أَيِ الزُّهْرِيُّ (نَرَى) بِضَمِّ النُّونِ وَبِفَتْحٍ (أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ) أَيْ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ (وَالْإِيمَانَ الْعَمَلُ) أَيِ الصالح
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ مَا أَكْثَرَ مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى مَا حَكَاهُ مَعْمَرٌ عَنْهُ وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
فَمَا وَجَدْنَا فيها غير بيت من المسلمين قَالَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ إِذْ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ وَعَدَ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيِّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ مِنْهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْ وَجَدَهُ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنْجَازًا لِلْوَعْدِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
قَالَ وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَيَّدَ الْكَلَامُ فِي هَذَا وَلَا يُطْلَقَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِهَا وَالْمُؤْمِنَ مُسْلِمٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا
فَإِذَا حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا اسْتَقَامَ لَكَ تَأْوِيلُ الْآيَاتِ وَاعْتَدَلَ الْقَوْلُ فِيهَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ شَيْءٌ مِنْهَا
وَأَصْلُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ وَقَدْ يكون المرء مستسلما في الظاهر غير مننقاد في الباطن ولا مصدق وَقَدْ يَكُونُ صَادِقَ الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الظَّاهِرِ انْتَهَى
وَحَاصِلُ مَا صَحَّحَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُسْلِمِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ
والحديث سكت عنه المنذري
(لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكُفَّارِ الْمُتَكَفِّرِينَ بِالسِّلَاحِ يُقَالُ تَكَفَّرَ الرَّجُلُ بِسِلَاحِهِ إِذَا لَبِسَهُ فَكَفَرَ نَفْسَهُ أَيْ سَتَرَهَا وَأَصْلُ الْكُفْرِ السَّتْرُ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَتَكُونُوا فِي ذَلِكَ مُضَاهِينَ لِلْكُفَّارِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ مُتَعَادُونَ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ وَالْمُسْلِمُونَ مُتَوَاخُونَ يَحْقِنُ بَعْضُهُمْ دَمَ بَعْضٍ
وَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ قَالَ سَأَلْتُ مُوسَى بْنَ هَارُونَ عَنْ هَذَا فَقَالَ هَؤُلَاءِ أَهْلُ الرِّدَّةِ قَتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
(أَكْفَرَ رَجُلًا مُسْلِمًا) أَيْ نَسَبَهُ إِلَى الْكُفْرِ (فَإِنْ كَانَ) الرَّجُلُ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْكُفْرُ (كَافِرًا) فَلَا شَيْءَ
عَلَى النَّاسِبِ (وَإِلَّا) أَيْ لَمْ يَكُنْ هُوَ كَافِرًا (كَانَ هُوَ) أَيِ النَّاسِبُ (الْكَافِرُ) أَيْ يُخَافُ عَلَيْهِ شُؤْمُ كَلَامِهِ
قَالَهُ السِّنْدِيُّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(أَرْبَعٌ) أَيْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ أَوْ أَرْبَعٌ مِنَ الْخِصَالِ فَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ (مَنْ كُنَّ) أَيْ تِلْكَ الْأَرْبَعُ (فِيهِ) الضَّمِيرُ لِمَنْ (فَهُوَ مُنَافِقٌ خَالِصٌ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ أَيْ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ فَقَطْ لَا فِي غَيْرِهَا أَوْ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالْمُنَافِقِينَ وَوَصْفُهُ بِالْخُلُوصِ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ الْعَمَلِيِّ دون الإيماني أن النِّفَاقُ الْعُرْفِيُّ لَا الشَّرْعِيُّ لِأَنَّ الْخُلُوصَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ الْمُلْقِي فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (حَتَّى يَدَعَهَا) أَيْ إِلَى أَنْ يَتْرُكَهَا (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أَيْ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ (وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ) أَيْ إِذَا وَعَدَ بِالْخَيْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ (وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ) أَيْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَتَرَكَ الوفاء بماعاهد عَلَيْهِ
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ صريحا
والظاهر من صفيع الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ ﵀ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَلْ هُمَا مُتَرَادِفَانِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ صَحِيحِهِ بَابُ مَنْ أُمِرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَضْمُونِ الْبَابِ بِأَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ أَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا وَهُوَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ
فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ الْحَدِيثَ
وَلَوْلَا أَنَّ الْوَعْدَ وَالْعَهْدَ مُتَّحِدَانِ لَمَا تَمَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ فَثَبَتَ مِنْ صَنِيعِهِ هَذَا أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ ﵀ فِي الْفَتْحِ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَتَّحِدُ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ بَابِ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ حَصَلَ فِي مَجْمُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ لِأَنَّهُمَا تَوَارَدَتَا عَلَى الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ وَالْخِيَانَةِ فِي الْأَمَانَةِ وَزَادَ الْأَوَّلُ الْخُلْفَ فِي الْوَعْدِ وَالثَّانِي الْغَدْرَ فِي الْمُعَاهَدَةِ وَالْفُجُورَ فِي الْخُصُومَةِ
قُلْتُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الثَّانِي بَدَلُ الْغَدْرِ فِي الْمُعَاهَدَةِ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ تَصَرَّفَ فِي لَفْظِهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَتَّحِدُ إِلَخْ
فَلَفْظُهُ قَدْ تَدُلُّ دِلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَلَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ أَيْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَلَعَلَّ الْفَرْقَ هُوَ أَنَّ الْوَعْدَ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ مُطْلَقًا فَإِنَّ الْعَهْدَ هُوَ الْوَعْدُ الْمُوثَقُ فَأَيْنَمَا وُجِدَ الْعَهْدُ وُجِدَ الْوَعْدُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ
لِجَوَازِ أَنْ يُوجَدَ الْوَعْدُ مِنْ غَيْرِ تَوْثِيقٍ
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ فَالْوَعْدُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ بِأَنَّ الْعَهْدَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْوَعْدُ مُوَثَّقًا والوعد أعم مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوَثَّقًا أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ لَفْظُ الْحَدِيثِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطْلَقَ عَلَى إِخْلَافِ الْوَعْدِ لَفْظَ الْإِخْلَافِ وَعَلَى إِخْلَافِ الْعَهْدِ لَفْظَ الْغَدْرِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَدْرَ أَشَدُّ مِنَ الْإِخْلَافِ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَهْدَ أَشَدُّ وَأَوْثَقُ مِنَ الْوَعْدِ
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) الآية
وأما العهد أعم مِنَ الْوَعْدِ فَبِأَنَّ الْوَعْدَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَا يَكُونُ لِشَخْصٍ آخَرَ وَالْعَهْدَ يُطْلَقُ على ما يكون لشخص آخرأو لِنَفْسِهِ كَمَا لَا يَخْفَى
قَالَ اللَّهُ ﷿ (أو كلما عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يؤمنون) فههنا عَهْدُهُمْ لَيْسَ إِلَّا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَانِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) الآية فههنا مُعَاهَدَةُ الْمُؤْمِنِينَ لَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَلْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وَأَمَّا الْوَعْدُ فَلَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا لِرَجُلٍ آخَرَ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿ فِي الْقُرْآنِ (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ووعدتكم فأخلفتكم) الْآيَةَ
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وعدتنا على رسلك) الْآيَةَ
وَقَالَ تَعَالَى (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وعدتهم) الْآيَةَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ أَهْلِ الْعَرَبِ
فَلَعَلَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ الْحَافِظِ بِاتِّحَادِ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَادَّةِ الْوَعْدِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْوُثُوقِ وَغَيْرِ الْوُثُوقِ وكذلك إلى أنه لرجل آخرأو لِنَفْسِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) أَيْ شَتَمَ وَرَمَى بِالْأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
(لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ كامل أو
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن القيم ﵀ حديث لا يزاني الزَّانِي ثُمَّ قَالَ وَفِي لَفْظ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا يَنْتَهِب نُهْبَة ذَات شَرَف يَرْفَع إِلَيْهِ النَّاس فِيهَا أَبْصَارهمْ حِين يَنْتَهِبهَا وَهُوَ مُؤْمِن وَزَادَ مُسْلِم وَلَا يَغُلّ حِين يَغُلّ وَهُوَ مُؤْمِن فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ وَزَادَ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِيهِ فِي الْمُسْنَد يَنْزِع الْإِيمَان مِنْ قَلْبه فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ في صحيحه عن بن عباس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ
مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ أَوْ هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَوْ أَنَّهُ شَابَهَ الْكَافِرَ فِي عَمَلِهِ وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي جَوَازِ قِتَالِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَكُفَّ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَفْعَلُ هَذِهِ الْمَعَاصِيَ وَهُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ إِلَخْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لَا يَزْنِي الْعَبْد حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن
وَلَا يَسْرِق حِين يَسْرِق وَهُوَ مُؤْمِن
وَلَا يَشْرَب حِين يَشْرَب وَهُوَ مُؤْمِن
وَلَا يَقْتُل حين يقتل وهو مؤمن قال عكهمة قُلْت لِابْنِ عَبَّاس كَيْف يُنْزَع الْإِيمَان مِنْهُ قَالَ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْن أَصَابِعه
ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْن أصابعه
وروى بن صَخْر فِي الْفَوَائِد مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن خالد المخزومي عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْ زُبَيْد الْيَامِيّ عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ الْيَقِين الْإِيمَان كُلّه وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه موقوفا على بن مَسْعُود
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي قَتَادَة أن رسول الله ﷺ قَامَ فِيهِمْ
فَذَكَرَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ أَفْضَل الْأَعْمَال الْحَدِيث
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ سُئِلَ رَسُول اللَّه ﷺ أَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل قَالَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ قَالَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه قَالَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجّ مَبْرُور
وَفِي لَفْظ إِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ (بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّة الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ عِدَّة مِنْ أَهْل الْعِلْم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنْ قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل قَالَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالْجِهَاد فِي سَبِيله الْحَدِيث
وَرَوَى الْبَزَّار فِي مُسْنَده مِنْ حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر عَنْ النَّبِيّ ﷺ ثَلَاث مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَان الْإِنْصَاف مِنْ نَفْسك وَبَذْل السَّلَام لِلْعَالَمِ
وَالْإِنْفَاق مِنْ الْإِقْتَار
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ عَائِشَة مِنْ قَوْلهَا
وَقَالَ الْبُخَارِيّ قَالَ مُعَاذ اِجْلِسْ بِنَا نُؤْمِن سَاعَة وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيح
بَاب سُؤَال جِبْرِيل النَّبِيّ ﷺ عَنْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام
وَالْإِحْسَان وَعِلْم السَّاعَة وَبَيَان النَّبِيّ ﷺ لَهُ ثُمَّ قَالَ جَاءَ جِبْرِيل يُعَلِّمكُمْ دِينكُمْ فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلّه دِينًا
وَمَا بَيَّنَ النَّبِيّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْد الْقَيْس مِنْ الْإِيمَان وَقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وَفِي حَدِيث الشَّفَاعَة الْمُتَّفَق عَلَى صِحَّته أَخْرِجُوا مِنْ النَّار مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان وَفِي لَفْظ مِثْقَال دِينَار مِنْ إِيمَان وَفِي لَفْظ مِثْقَال شَعِيرَة مِنْ إِيمَان وَفِي لَفْظ مِثْقَال خَرْدَلَة مِنْ إِيمَان وَفِي لَفْظ اِنْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبه أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان وَفِي لفظ
وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى تَمَامِ كَلَامِهِ فَارْجِعْ إِلَى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَهُ (وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ) أَيْ عَلَى فَاعِلِهَا (بَعْدُ) بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
إذا كان يوم القيامة شفعت فقلت يا رَبّ أَدْخِلْ الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه خَرْدَلَة مِنْ إِيمَان فَيَدْخُلُونَ
ثُمَّ أَقُول أَدْخِلْ الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه أَدْنَى شَيْء
قَالَ أَنَس كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى أَصَابِع رَسُول اللَّه ﷺ
وَفِي لَفْظ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ ﷺ يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِن شَعِيرَة
ثُمَّ قَالَ يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِن بُرَّة
ثُمَّ يَخْرُج مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِن ذَرَّة
وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث
بَاب زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه
وَقَوْله تَعَالَى ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ وَقَالَ ﴿وَيَزْدَاد الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وَقَالَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ﴾ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْكَمَال فَهُوَ نَاقِص
وَكُلّ هَذِهِ الْأَلْفَاظ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدهمَا وَالْمُرَاد بِالْخَيْرِ فِي حَدِيث أَنَس الْإِيمَان فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَخْرُج بِهِ مِنْ النَّار
وَكُلّ هَذِهِ النُّصُوص صَحِيحَة صَرِيحَة لَا تَحْتَمِل التَّأْوِيل فِي أَنَّ نَفْس الْإِيمَان الْقَائِم بِالْقَلْبِ يَقْبَل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَبَعْضهمْ أَرْجَح مِنْ بَعْض
وقال البخاري في صحيحه قال بن أبي ملكية أَدْرَكْت ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ كُلّهمْ يَخَاف النِّفَاق عَلَى نَفْسه مَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَد يَقُول إِنَّهُ عَلَى إِيمَان جِبْرِيل وَمِيكَائِيلَ
وَقَالَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا
بَاب الصَّلَاة مِنْ الْإِيمَان
وَقَوْله ﷿ ﴿وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانكُمْ﴾ يَعْنِي صَلَاتكُمْ عِنْد الْبَيْت ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث تَحْوِيل الْقِبْلَة
وَأَقْدَم مَنْ رُوِيَ عَنْهُ زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه مِنْ الصَّحَابَة عُمَيْر بْن حَبِيب الْخَطْمِيّ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُوسَى حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي جَعْفَر الْخَطْمِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عُمَيْر بْن حَبِيب قَالَ الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص
قِيلَ وَمَا زِيَادَته وَنُقْصَانه قَالَ إِذَا ذَكَرْنَا اللَّه ﷿ وَحَمِدْنَاهُ وَسَبَّحْنَاهُ فَذَلِكَ زِيَادَته وَإِذَا غَفَلْنَا وَضَيَّعْنَا وَنَسِينَا
فَذَلِكَ نُقْصَانه
وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن طَلْحَة عَنْ زُبَيْد عَنْ ذَرّ قَالَ كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول لِأَصْحَابِهِ هَلُمُّوا نَزْدَدْ إِيمَانًا فَيَذْكُرُونَ اللَّه تَعَالَى
وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ شَرِيك عَنْ هِلَال عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم قال سمعت عبد الله بن مَسْعُود يَقُول فِي دُعَائِهِ (اللَّهُمَّ زِدْنِي إِيمَانًا وَيَقِينًا وَفِقْهًا أَوْ قَالَ فَهْمًا وَقَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ أَخْبَرَنَا يَزِيد بْن هَارُون أَخْبَرَنَا الْعَوَّام حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُدْرِك عَنْ أَبِي زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ الْإِيمَان بر فمن زنا فَارَقَهُ الْإِيْمَان فَإِنْ لَامَ نَفْسه وَرَجَعَ رَاجَعَهُ الْإِيمَان
وَفِي تَفْسِير عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عن بن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إيمانهم﴾ قال
وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى تَمَامِ كَلَامِهِ فَارْجِعْ إِلَى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَهُ (وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ) أَيْ عَلَى فَاعِلِهَا (بَعْدُ) بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
إن الله بعث محمدا ﷺ بشهادة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه
فَلَمَّا صَدَّقَ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ زَادَهُمْ الصَّلَاة
فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمْ الصِّيَام
فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهِ زَادَهُمْ الزَّكَاة
فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمْ الْحَجّ
فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهِ زَادَهُمْ الْجِهَاد
ثُمَّ أَكْمَلَ لَهُمْ دِينهمْ فَقَالَ ﴿الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا﴾
وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش حَدَّثَنِي صَفْوَان بْن عَمْرو عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبِيعَة الْحَضْرَمِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ الْإِيمَان يَزْدَاد وَيَنْقُص
وَقَالَ إِسْمَاعِيل أَيْضًا عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن مُجَاهِد عَنْ أبيه عن أبي هريرة وبن عَبَّاس قَالَا الْإِيمَان يَزْدَاد وَيَنْقُص
وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد فِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرْب حَدَّثَنَا جَرِير بْن حَازِم عَنْ فُضَيْلِ بْن يَسَار قَالَ قَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ هَذَا الْإِسْلَام وَدَوَّرَ دَائِرَة وَدَوَّرَ فِي وَسَطهَا أُخْرَى
وَقَالَ هَذَا الْإِيمَان الَّذِي فِي وَسَطهَا مَقْصُور فِي الْإِسْلَام
وَقَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لا يزاني الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن وَلَا يَشْرَب الْخَمْر حِين يَشْرَبهَا وَهُوَ مُؤْمِن وَلَا يَسْرِق حين يسرق هو مُؤْمِن قَالَ قَالَ يَخْرُج مِنْ الْإِسْلَام فَإِذَا تَابَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِ فَرَجَعَ إِلَى الْإِيمَان
وَقَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَشَعْت عَنْ الْحَسَن عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ يُنْزَع مِنْهُ الْإِيمَان فَإِنْ تَابَ أُعِيدَ إِلَيْهِ
وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَوْف عَنْ الْحَسَن مِنْ قَوْله وَهُوَ أَشْبَه
وَقَالَ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان لُوَيْن سَمِعْت سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ غَيْر مَرَّة يَقُول الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل وَأَخَذْنَاهُ مِمَّنْ قَبْلنَا قِيلَ لَهُ يَزِيد وَيَنْقُص قَالَ فَأَيّ شَيْء إِذَنْ
وَقَالَ مَرَّة وَسُئِلَ الْإِيمَان يَزِيد وينقص قال أليس تقرؤون الْقُرْآن ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ فِي غَيْر مَوْضِع قِيلَ يَنْقُص قَالَ لَيْسَ شَيْء يَزِيد إِلَّا وَهُوَ يَنْقُص وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق سَمِعْت سُفْيَان الثَّوْرِيَّ ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وبن جُرَيْجٍ وَمَعْمَرًا يَقُولُونَ الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وينقص وقال الحميدي سمعت بن عُيَيْنَةَ يَقُول الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وَيَنْقُص فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيم بْن عُيَيْنَةَ
يَا أَبَا مُحَمَّد لَا تَقُلْ يَزِيد وَيَنْقُص فَغَضِبَ وَقَالَ اُسْكُتْ يَا صَبِيّ بَلَى حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْء
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمِعْت أَحْمَد بْن حَنْبَل يَقُول الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وَيَنْقُص وَقَالَ الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان سَمِعْت الشَّافِعِيّ يَقُول الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وَيَنْقُص ذَكَرَهُ الْحَاكِم فِي مَنَاقِبه
وَقَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ النَّمِرِيّ قَالَ رَجُل لِلشَّافِعِيِّ أَيّ الْأَعْمَال عِنْد اللَّه أَفْضَل قَالَ مَا لَا يُقْبَل عَمَل إِلَّا بِهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ هُوَ أَعْلَى الْأَعْمَال دَرَجَة وَأَشْرَفهَا مَنْزِلَة وَأَسْنَاهَا
وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى تَمَامِ كَلَامِهِ فَارْجِعْ إِلَى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَهُ (وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ) أَيْ عَلَى فَاعِلِهَا (بَعْدُ) بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
حَظًّا
قَالَ الرَّجُل أَلَا تُخْبِرنِي عَنْ الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل أَوْ قَوْل بِلَا عَمَل قَالَ الشَّافِعِيّ الْإِيمَان عَمَل لِلَّهِ وَالْقَوْل بَعْض ذَلِكَ ثُمَّ الْعَمَل احْتُجَّ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الْحَاكِم عَنْهُ
وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَا نَقَصَتْ أَمَانَة عَبْد إِلَّا نَقَصَ إِيمَانه
وَقَالَ وَكِيع حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي الْهَيْثَم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قَالَ لِيَزْدَادَ إِيمَانًا
وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيِّ عَنْ مُجَاهِد أَنَّ أَبَا ذَرّ سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ عَنْ الْإِيمَان فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب﴾ حَتَّى خَتَمَ الْآيَة
اِحْتَجَّ بِهِ أَحْمَد فِي كِتَاب الرَّدّ عَلَى الْمُرْجِئَة
وَرَوَاهُ جَعْفَر بْن عَوْف عَنْ الْمَسْعُودِيّ عَنْ الْقَاسِم عَنْ أَبِي ذَرّ بِمِثْلِهِ
وَقَالَ يَحْيَى بْن سَلِيم الطَّائِفِيّ قَالَ هِشَام عَنْ الْحَسَن الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل فَقُلْت لِهِشَامٍ فَمَا تَقُول أَنْتَ فَقَالَ قَوْل وَعَمَل
وَقَالَ الْحُمَيْدِيّ سَمِعْت وَكِيعًا يَقُول وَأَهْل السُّنَّة يَقُولُونَ الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل وَالْمُرْجِئَة يَقُولُونَ الْإِيمَان قَوْل وَالْجَهْمِيّةُ يَقُولُونَ الْإِيمَان الْمَعْرِفَة وَصَحَّ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْإِيمَان بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْب وَصَدَّقَهُ الْعَمَل وَنَحْوه عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيّ ﷺ الْعَمَل تَصْدِيقًا فِي قوله حَدِيث زِنَى الْعَيْن وَالْجَوَارِح الْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ أو يكذبه وأما الحديث الذي رواه بن مَاجَهْ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث عَبْد السَّلَام بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن مُرْسِيّ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ بْن الْحَسَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ الْإِيمَان مَعْرِفَة بِالْقَلْبِ وَقَوْل بِاللِّسَانِ وَعَمَل بِالْأَرْكَانِ قَالَ عَبْد السَّلَام بْن صَالِح لَوْ قُرِئَ هَذَا الْإِسْنَاد عَلَى مَجْنُون لَبَرَأَ
فَهَذَا حَدِيث مَوْضُوع لَيْسَ مِنْ كَلَام رسول الله ﷺ
قال بَعْض أَئِمَّة الْحَدِيث لَوْ قُرِئَ هَذَا عَلَى مَجْنُون لَبَرَأَ لَوْ سَلِمَ مِنْ عَبْد السَّلَام وَهُوَ الْمُتَّهَم بِهِ وَفِي الْحَقّ مَا يُغْنِي عَنْ الْبَاطِل وَلَوْ كُنَّا مِمَّنْ يَحْتَجّ بِالْبَاطِلِ وَيَسْتَحِلّهُ لَرَوَّجْنَا هَذَا الْحَدِيث وَذَكَرْنَا بَعْض مَنْ أَثْنَى عَلَى عَبْد السَّلَام وَلَكِنْ نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَة كَمَا نَعُوذ بِهِ مِنْ طَرِيقَة تَضْعِيف الْحَدِيث الثَّابِت وَتَعْلِيله إِذَا خَالَفَ قَوْل إِمَام مُعَيَّن وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
(كَأَنَّ) أَيِ الْإِيمَانَ () عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ أَيْ كَالسَّحَابَةِ (فَإِذَا انْقَلَعَ) أَيْ فَرَغَ مِنْ فِعْلِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَقْلَعَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْإِقْلَاعُ عَنِ الْأَمْرِ الْكَفُّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ بَيَّنُوا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ تَأْوِيلَاتٍ كَثِيرَةً وَهَذِهِ إِحْدَاهَا وَهُوَ أَنَّهُ يُسْلَبُ الْإِيمَانُ حَالَ تَلَبُّسِ الرِّجَالِ بالزنى فَإِذَا فَارَقَهُ عَادَ إِلَيْهِ
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ في باب إثم الزنى مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ قَالَ عِكْرِمَةُ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ يُنْزَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ قَالَ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَإِذَا تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَأَخْرَجَ الحاكم من طريق بن حُجَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ زَنَى أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ الْإِيمَانَ كَمَا يَخْلَعُ الْإِنْسَانُ الْقَمِيصَ مِنْ رَأْسِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٦ - (بَاب فِي الْقَدَرِ)
بِفَتْحِ الدَّالِ وَيُسَكَّنُ
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ فَرْضٌ لَازِمٌ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا وَكَتَبَهَا فِي اللوح المحفوظ قبل أن خلقهم وَالْكُلُّ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَرْضَى الْإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ وَوَعَدَ عَلَيْهِمَا الثَّوَابَ وَلَا يَرْضَى الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِمَا الْعِقَابَ وَالْقَدَرُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا وَلَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهِ وَالْبَحْثُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ خَلَقَهُمْ لِلنَّعِيمِ فَضْلًا وَفِرْقَةٌ لِلْجَحِيمِ عَدْلًا
(الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ إِنَّمَا جَعَلَهُمْ مجوسا لمضاهاة
مَذْهَبِهِمْ مَذَاهِبَ الْمَجُوسِ فِي قَوْلِهِمْ بِالْأَصْلَيْنِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخَيْرَ مِنْ فِعْلِ النُّورِ وَالشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الْخَيْرَ إِلَى اللَّهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيْرِهِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُمَا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ
وَخَلْقُهُ الشَّرَّ شَرًّا فِي الْحِكْمَةِ كَخَلْقِهِ الْخَيْرَ خَيْرًا فَإِنَّ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مُضَافَانِ إِلَيْهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا وَإِلَى الْفَاعِلِينَ لَهُمَا فِعْلًا وَاكْتِسَابًا انْتَهَى (وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ) أَيْ لَا تَحْضُرُوا جِنَازَتَهُمْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُنْقَطِعٌ
أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ لم يسمع من بن عُمَرَ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ بن عُمَرَ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ مُثْبَتٌ انْتَهَى
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ هَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَقَدَهَا الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ عَلَى المصابيح وزعم أنه موضوع
وقال الحافظ بن حَجَرٍ فِيمَا تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَرِجَالُهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ إِلَّا أَنَّ لَهُ عِلَّتَيْنِ الْأُولَى الِاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ زَكَرِيَّا بْنُ مَنْظُورٍ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ فَقَالَ عَنْ نافع عن بن عُمَرَ
وَالْأُخْرَى مَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ سَنَدَهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ أَبَا حَاتِمٍ لَمْ يسمع من بن عُمَرَ فَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِيَةِ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْقَطَّانِ الْقَابِسِيَّ الْحَافِظَ صَحَّحَ سَنَدَهُ فَقَالَ إن أبا حازم عاصر بن عُمَرَ فَكَانَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ وَمُسْلِمٌ يَكْتَفِي فِي الِاتِّصَالِ بِالْمُعَاصَرَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِ
وَعَنِ الْأُولَى بِأَنَّ زَكَرِيَّا وُصِفَ بِالْوَهْمِ فَلَعَلَّهُ وَهِمَ فَأَبْدَلَ رَاوِيًا بِآخَرَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ وَهِمَ فَيَكُونُ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِ شَيْخَانِ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا لَا يَسُوغُ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَلَعَلَّ مُسْتَنَدَ مَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْوَضْعَ تَسْمِيَتُهُمُ الْمَجُوسَ وَهُمْ مُسْلِمُونَ
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ كَالْمَجُوسِ فِي إِثْبَاتِ فَاعِلِينَ لَا فِي جَمِيعِ مُعْتَقَدِ الْمَجُوسِ وَمِنْ ثَمَّ سَاغَتْ إِضَافَتُهُمْ إِلَى هَذِهِ انْتَهَى
(مَوْلَى غُفْرَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ (وَيَقُولُونَ لَا قَدَرَ) يَعْنِي يَنْفُونَ القدر (وهم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث لِكُلِّ أُمَّة مَجُوس وَمَجُوس هَذِهِ الْأُمَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَر ثم قال
شِيعَةُ الدَّجَّالِ) أَيْ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَنْصَارُهُ وَأَصْلُهُ الْفِرْقَةُ مِنَ النَّاسِ وَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَغَلَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ تَوَلَّى عَلِيًّا وَأَهْلَ بَيْتِهِ حَتَّى اخْتُصَّ بِهِ وَجَمْعُهُ شِيَعٌ مِنَ الْمُشَايَعَةِ الْمُتَابَعَةُ وَالْمُطَاوَعَةُ (أَنْ يُلْحِقَهُمْ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مَجْهُولٌ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَلَا يَثْبُتُ
(خَلَقَ آدَمَ مِنْ قُبْضَةٍ) القبضة بالضم ملأ الْكَفِّ وَرُبَّمَا جَاءَ بِفَتْحِ الْقَافِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْقَبْضُ الْأَخْذُ بِجَمِيعِ الْكَفِّ وَالْقَبْضَةُ الْمَرَّةُ مِنْهُ وَبِالضَّمِّ الِاسْمُ مِنْهُ (قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ) أَيْ مِنْ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا (فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ) أَيْ مَبْلَغِهَا مِنَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
هَذَا الْمَعْنَى قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ من حديث بن عمر وحذيفة وبن عَبَّاس وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَرَافِع بن خديج
فأما حديث بن عُمَر وَحُذَيْفَة فَلَهُمَا طُرُق وَقَدْ ضُعِّفَتْ
وَأَمَّا حديث بن عَبَّاس فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الْقَاسِم بْن حَبِيب وَعَلِيّ بْن نِزَار عَنْ نِزَار عَنْ عكرمة عن بن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَام نَصِيب الْقَدَرِيَّة وَالْمُرْجِئَة قَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب
وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن بِشْر أَخْبَرَنَا سَلَام بْن أَبِي عَمْرَة عن عكرمة عن بن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ ﷺ وأما حديث جابر فرواه بن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُصَفَّى عن الأوزاعي عن بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر يَرْفَعهُ نحو حديث بن عُمَر
فَلَوْ قَالَ بَقِيَّة حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ مَشَى حَال الْحَدِيث وَلَكِنْ عَنْعَنَهُ مَعَ كَثْرَة تَدْلِيسه
وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَرَوَى عَبْد الْأَعْلَى بْن حَمَّاد حَدَّثَنَا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث عَنْ مَكْحُول عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أن رسول الله ﷺ قَالَ فَذَكَرَهُ رَوَاهُ عَنْ عَبْد الْأَعْلَى جَمَاعَة
وَلَهُ عِلَّتَانِ
إِحْدَاهُمَا أَنَّ الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْحُرّ حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن الْحَارِث عَنْ يَزِيد بْن مَيْسَرَة عَنْ عَطَاء الخرساني عَنْ مَكْحُول عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ
وَالْعِلَّة الثَّانِيَة أَنَّ مَكْحُولًا لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة
الْأَلْوَانِ وَالطِّبَاعِ (جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ) بِحَسَبِ تُرَابِهِمْ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولُ الْأَلْوَانِ وَمَا عَدَاهَا مُرَكَّبٌ مِنْهَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَبَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ بَيْنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ باعتبار أجزاء أرضه قاله القارىء (وَالسَّهْلُ) أَيْ وَمِنْهُمُ السَّهْلُ أَيِ اللَّيِّنُ الْمُنْقَادُ (وَالْحَزْنُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ أَيِ الْغَلِيظُ الطَّبْعِ (وَالْخَبِيثُ) أَيْ خَبِيثُ الْخِصَالِ (وَالطَّيِّبُ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَرَادَ بِالْخَبِيثِ مِنَ الْأَرْضِ الْخَبِيثَةِ السَّبْخَةِ وَمِنْ بَنِي آدَمَ الْكَافِرَ وَبِالطَّيِّبِ مِنَ الْأَرْضِ الْعَذْبَةِ وَمِنْ بَنِي آدَمَ الْمُؤْمِنَ
ذَكَرَهُ الْعَزِيزِيُّ (زاد في حديث يحي) هو بن سَعِيدٍ (وَبَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ بَيْنَ السَّهْلِ وَالْحَزْنِ والخبيث والطيب
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَيَرْوِيه عَمْرو بْن مُهَاجِر عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ يَحْيَى بْن الْقَاسِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَرْفَعهُ مَا هَلَكَتْ أُمَّة قَطّ إِلَّا بِالشِّرْكِ بِاَللَّهِ ﷿
وَمَا أَشْرَكَتْ قَطّ إِلَّا كَانَ بَدْء إِشْرَاكهَا التَّكْذِيب بِالْقَدَرِ وَهَذَا الْإِسْنَاد لَا يُحْتَجّ بِهِ
وَأَجْوَد مَا فِي الْبَاب حَدِيث حيوة بن شريح أخبرني بن صخر حدثني نافع أن بن عُمَر جَاءَهُ رَجُل
فَقَالَ إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام
فَقَالَ
إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَث
فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَث فَلَا تَقْرَأهُ مِنِّي السَّلَام
فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول يَكُون فِي هَذِهِ الْأُمَّة أَوْ أُمَّتِي الشَّكّ مِنْهُ خَسْفٌ وَمَسْخٌ أَوْ قَذْفٌ فِي أَهْل الْقَدَر قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب
وَاَلَّذِي صَحَّ عَنْ النَّبِيّ ﷺ ذَمّهمْ من طوائف أهل البدع هم الْخَوَارِج فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ الْحَدِيث مِنْ وُجُوه كُلّهَا صِحَاح
لِأَنَّ مَقَالَتهمْ حَدَثَتْ فِي زَمَن النَّبِيّ ﷺ
وَكَلِمَة رَئِيسهمْ
وَأَمَّا الْإِرْجَاء وَالرَّفْض وَالْقَدَر وَالتَّجَهُّم وَالْحُلُول وَغَيْرهَا مِنْ الْبِدَع فَإِنَّهَا حَدَثَتْ بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر الصَّحَابَة
وَبِدْعَة الْقَدَر أَدْرَكَتْ آخِر عَصْر الصَّحَابَة فَأَنْكَرَهَا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا كَعَبْدِ الله بن عمر وبن عباس وأمثالهما ﵃
وأكثر مَا يَجِيء مِنْ ذِمَّتهمْ فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى الصَّحَابَة مِنْ قَوْلهمْ فِيهِ
ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَة الْإِرْجَاء بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر الصَّحَابَة فَتَكَلَّمَ فِيهَا كِبَار التَّابِعِينَ الَّذِينَ أَدْرَكُوهَا كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَة التَّجَهُّم بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر التَّابِعِينَ
وَاسْتَفْحَلَ أَمْرهَا وَاسْتَطَارَ شَرّهَا فِي زَمَن الْأَئِمَّة كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَزَوِيهِ
ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْد ذَلِكَ بِدْعَة الْحُلُول وَظَهَرَ أَمْرهَا فِي زَمَن الْحُسَيْن الْحَلَّاج
وَكُلَّمَا أَظْهَرَ الشَّيْطَان بِدْعَة مِنْ هَذِهِ الْبِدَع وَغَيْرهَا أَقَامَ اللَّه لَهَا مِنْ حِزْبه وَجُنْده مَنْ يَرُدّهَا وَيُحَذِّر
قَالَ الْعَزِيزِيُّ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنُ الْمُرْتَكِبُ الْمَعَاصِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ) هُوَ مَقْبَرَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْغَرْقَدُ نَوْعٌ مِنَ الشَّجَرِ وَكَانَ بِالْبَقِيعِ فَأُضِيفَ إِلَيْهِ (وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ عَصًا أَوْ قَضِيبٌ يُمْسِكُهُ الرَّئِيسُ لِيَتَوَكَّأَ عَلَيْهِ وَيَدْفَعَ بِهِ عَنْهُ وَيُشِيرُ بِهِ لِمَا يُرِيدُ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ تَحْتَ الْخَصْرِ غَالِبًا لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا قَالَهُ الْحَافِظُ (فَجَعَلَ يَنْكُتُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ وَآخِرُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقَ أَيْ يَخُطُّ بِالْمِخْصَرَةِ خَطًّا يَسِيرًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَهَذَا فِعْلُ الْمُفَكِّرِ الْمَهْمُومِ (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) أَيْ مَوْلُودَةٍ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ (أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (إِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ إِلَّا قَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا إِلَخْ وَالضَّمِيرُ فِي كُتِبَتْ لِلنَّفْسِ (قَالَ) أَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا) أَيْ أَفَلَا نَعْتَمِدُ عَلَى الْمُقَدَّرِ لَنَا فِي الْأَزَلِ (وَنَدَعُ الْعَمَلَ) أَيْ نَتْرُكُهُ (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ) أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى (لَيَكُونَنَّ) أَيْ لَيَصِيرَنَّ (إِلَى السَّعَادَةِ) أَيْ إِلَى عَمَلِ السَّعَادَةِ (مِنْ أَهْلِ الشِّقْوَةِ) بِكَسْرِ الشِّينِ بِمَعْنَى الشَّقَاوَةِ وَهِيَ ضِدُّ السَّعَادَةِ (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ) أَيْ لِمَا خُلِقَ لَهُ (فَيُيَسَّرُونَ لِلسَّعَادَةِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُسَهَّلُونَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا نَصِيحَة لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَهْلِ الْإِسْلَام
وَجَعَلَهُ مِيرَاثًا يُعْرَف بِهِ حِزْب رَسُول اللَّه ﷺ وَوَلِيّ سُنَنه مِنْ حِزْب الْبِدْعَة وَنَاصِرهَا
وَقَدْ جَاءَ فِي أَثَر لَا يَحْضُرنِي إِسْنَاده إِنَّ لِلَّهِ عِنْد كُلّ بِدْعَة يُكَاد بِهَا الْإِسْلَام وَلِيًّا يَنْطِق بِعَلَامَاتِهِ
فَاغْتَنِمُوا تِلْكَ الْمَجَالِس وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّه
فَإِنَّ الرَّحْمَة تَنْزِل عَلَيْهِمْ
نَسْأَل اللَّه تَعَالَى أَنْ يَجْعَلنَا مِنْهُمْ وَأَنْ يُلْحِقنَا بِهِمْ وَأَنْ يَجْعَلنَا لَهُمْ خَلَفًا كَمَا جَعَلَهُمْ لَنَا سَلَفًا بمنه وكرمه
وَيُهَيَّئُونَ
وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَلَّا نَتْرُكَ مَشَقَّةَ الْعَمَلِ فَإِنَّا سَنُصَيَّرُ إِلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا مَشَقَّةَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَهُوَ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ
قَالَ الطِّيبِيُّ الْجَوَابُ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ مَنَعَهُمْ عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ وَأَمَرَهُمْ بِالْتِزَامِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَزَجَرَهُمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمَغِيبَةِ فَلَا يَجْعَلُوا الْعِبَادَةَ وَتَرْكَهَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بَلْ هِيَ عَلَامَاتٌ فَقَطْ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) أَيْ حَقَّ اللَّهِ مِنَ الْمَالِ أَوِ الِامْتِثَالِ (وَاتَّقَى) أَيْ خَافَ مُخَالَفَتَهُ أَوْ عُقُوبَتَهُ وَاجْتَنَبَ مَعْصِيَتَهُ (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أَيْ بِكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (فَسَنُيَسِّرُهُ) أَيْ نُهَيِّئُهُ فِي الدُّنْيَا (لِلْيُسْرَى) أَيْ لِلْخُلَّةِ الْيُسْرَى وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا يَرْضَاهُ (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) أَيْ بِالنَّفَقَةِ فِي الْخَيْرِ (وَاسْتَغْنَى) أَيْ بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عَنْ نَعِيمِ الْعُقْبَى (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أَيْ بِكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) أَيْ لِلْخُلَّةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْعُسْرِ وَالشِّدَّةِ وَهِيَ خِلَافُ الْيُسْرَى
وَفِي الْكَشَّافِ سَمَّى طَرِيقَةَ الْخَيْرِ بِالْيُسْرَى لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ الْيُسْرُ وَطَرِيقَةَ الشَّرِّ بِالْعُسْرَى لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ الْعُسْرُ
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
(أَخْبَرَنَا كَهْمَسٌ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وفتح الميم وبالسين المهملة هو بن الحسن أبو الحسن التميمي البصري (عن يحي بْنِ يَعْمُرَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُقَالُ بِضَمِّهَا وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَالْعَلَمِيَّةِ (أَوَّلُ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ) أَيْ بِنَفْيِ الْقَدَرِ (مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ نِسْبَةً إِلَى جُهَيْنَةَ قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ (وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِيَاءِ النِّسْبَةِ (فَوَفَّقَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ
قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ مَعْنَاهُ جُعِلَ وَفْقًا لَنَا وَهُوَ مِنَ الْمُوَافَقَةِ الَّتِي هِيَ كَالِالْتِحَامِ يُقَالُ أتانا لميفاق الْهِلَالِ وَمِيفَاقِهِ أَيْ حِينَ أَهَلَّ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَهِيَ لَفْظَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الِاجْتِمَاعِ وَالِالْتِئَامِ
وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ فوافق
لَنَا بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالْمُوَافَقَةُ الْمُصَادَفَةُ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ (دَاخِلًا) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي) أَيْ صِرْنَا فِي نَاحِيَتِهِ وَأَحَطْنَا بِهِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ يُقَالُ اكْتَنَفَهُ النَّاسُ وَتَكَنَّفُوهُ أَيْ أَحَاطُوا بِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ (فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ) أَيْ يَسْكُتُ وَيَفْرِضُهُ إِلَيَّ لَإِقْدَامِي وَجُرْأَتِي وَبَسْطَةِ لِسَانِي فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ لِأَنِّي كُنْتُ أَبْسَطَ لِسَانًا
قَالَهُ النَّوَوِيُّ (فَقُلْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ وَهُوَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ (إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ) بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْفَاءِ أَيْ يَطْلُبُونَهُ وَيَتَتَبَّعُونَهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَقْدِيمِ الْفَاءِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا مَعْنَاهُ يَبْحَثُونَ عَنْ غَامِضِهِ وَيَسْتَخْرِجُونَ خَفِيَّهُ (وَالْأَمْرُ أُنُفٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ أَيْ مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ قَدَرٌ وَلَا عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ (وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ) الْوَاوُ لِلْقَسَمِ (فَأَنْفَقَهُ) أَيْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ طَاعَتِهِ (إِذْ طَلَعَ) أَيْ ظَهَرَ (عَلَيْنَا رَجُلٌ) أَيْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ (شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ) صِفَةُ رَجُلٍ وَاللَّامُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْعَائِدِ إِلَى الرَّجُلِ أَيْ شَدِيدُ بَيَاضِ ثِيَابِهِ شَدِيدُ سَوَادِ شَعْرِهِ (لَا يُرَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْغَائِبِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا نَرَى بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْلُومِ (أَثَرُ السَّفَرِ) مِنْ ظُهُورِ التَّعَبِ وَالتَّغَيُّرِ وَالْغُبَارِ (فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ) إِلَى رُكْبَتَيْهِ أَيْ رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ (وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) أَيْ فَخِذَيِ النَّبِيِّ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ (قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ) أَيْ لِلسَّائِلِ (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) وَجْهُ التَّعَجُّبِ السُّؤَالُ أَنْ يَقْتَضِيَ الْجَهْلَ غَالِبًا بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ وَالتَّصْدِيقُ يَقْتَضِي عِلْمَ السَّائِلِ بِهِ لِأَنَّ صَدَقْتَ إِنَّمَا يُقَالُ إِذَا عَرَفَ السَّائِلُ أَنَّ المسؤول طابق ما
عِنْدَهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَهَذَا خِلَافُ عَادَةِ السَّائِلِ ومما يزيد التعجب أن ما أجابه لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَلَيْسَ هَذَا الرجل ممن عرف بلقائه فَضْلًا عَنْ سَمَاعِهِ مِنْهُ (وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) وَالْمُرَادُ بِالْقَدَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ إِيجَادِهَا ثُمَّ أَوْجَدَ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يُوجَدُ فَكُلُّ مُحْدَثٍ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ (قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ) قَالَ الْحَافِظُ تَقُولُ أَحْسَنْتُ كَذَا إِذَا أَتْقَنْتُهُ وَأَحْسَنْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا أَوْصَلْتُ إِلَيْهِ النَّفْعَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِتْقَانُ الْعِبَادَةِ
قَالَ وَإِحْسَانُ الْعِبَادَةِ الْإِخْلَاصُ فِيهَا وَالْخُشُوعُ وَفَرَاغُ الْبَالِ حَالَ التَّلَبُّسِ بِهَا وَمُرَاقَبَةُ الْمَعْبُودِ
وَأَشَارَ فِي الْجَوَابِ إِلَى حَالَتَيْنِ أَرْفَعُهُمَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ بِقَلْبِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ بِعَيْنَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ أَيْ وَهُوَ يَرَاكَ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ يَرَى كُلَّ مَا يَعْمَلُ وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ يُثْمِرُهُمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَخَشْيَتُهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا
(فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أَيْ عَنْ وَقْتِ قِيَامِهَا (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) أَيْ لَيْسَ الَّذِي سُئِلَ عَنِ القيامة (بأعلم من السائل) هذا وإن كَانَ مُشْعِرًا بِالتَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ التَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ لَسْتُ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْكَ إِلَى لَفْظٍ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ تَعْرِيضًا لِلسَّامِعِينَ أي أن كل سائل وكل مسؤول فَهُوَ كَذَلِكَ
قَالَهُ الْحَافِظُ (عَنْ أَمَارَاتِهَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَمَارَةٍ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) أَيْ سَيِّدَتَهَا وَمَالِكَتَهَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ثم ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث جِبْرِيل إِلَى قَوْل الْمُنْذِرِيِّ عَلْقَمَة بْن حَارِثَة اِتَّفَقَا عَلَى الِاحْتِجَاج بِحَدِيثِهِ ثُمَّ قَالَ وَرَوَاهُ أَبُو جَعْفَر الْعُقَيْلِيّ مِنْ طَرِيقه
وَقَالَ فِيهِ فَمَا شَرَائِع الْإِسْلَام قَالَ تُقِيم الصَّلَاة الْحَدِيث وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا اللفظ مرجىء آخَر وَهُوَ جَرَّاح بْن الضَّحَّاك قَالَ الْعُقَيْلِيّ وهذه زيادة مرجىء تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ الثِّقَات الْأَئِمَّة فَلَا تُقْبَل
ورواه بن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمَر
فَذَكَرَ فِيهِ أَلْفَاظًا لَمْ يَذْكُرهَا غَيْره
فَقَالَ فِي الْإِسْلَام وَتَحُجّ وَتَعْتَمِر وَتَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة وَأَنْ تُتِمّ الْوُضُوء وَقَالَ فِيهِ فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِم قَالَ نَعَمْ وَقَالَ فِي الْإِيمَان أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله وَتُؤْمِن بِالْجَنَّةِ وَالنَّار وَالْمِيزَان وَذَكَرَ الْبَعْث وَالْقَدَر ثُمَّ قَالَ فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأَنَا مُؤْمِن قَالَ نَعَمْ وَقَالَ في
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَّسِعَ الْإِسْلَامُ وَيَكْثُرَ السَّبْيُ وَيَسْتَوْلِدَ النَّاسُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَتَكُونُ ابْنَةُ الرَّجُلِ مِنْ أَمَتِهِ فِي مَعْنَى السَّيِّدَةِ لِأُمِّهَا إِذْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِأَبِيهَا وَمِلْكُ الْأَبِ رَاجِعٌ فِي التَّقْدِيرِ إِلَى الْوَالِدِ انْتَهَى
وَقِيلَ تَحْكُمُ الْبِنْتُ عَلَى الْأُمِّ مِنْ كَثْرَةِ الْعُقُوقِ حُكْمَ السَّيِّدَةِ عَلَى أَمَتِهَا
وَقَدْ جَاءَ وُجُوهٌ أُخَرُ فِي مَعْنَاهُ (وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ الْحَافِي وَهُوَ مَنْ لَا نَعْلَ لَهُ (الْعُرَاةَ) جَمْعُ الْعَارِي وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى مَنْ يَكُونُ بَعْضُ بَدَنِهِ مَكْشُوفًا مِمَّا يَحْسُنُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَلْبُوسًا (الْعَالَةَ) جَمْعُ عَائِلٍ وَهُوَ الْفَقِيرُ مِنْ عَالَ يَعِيلُ إِذَا افْتَقَرَ أَوْ مِنْ عَالَ يَعُولُ إِذَا افْتَقَرَ وَكَثُرَ عِيَالُهُ (رِعَاءَ الشَّاءِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ جَمْعُ رَاعٍ وَالشَّاءُ جَمْعُ شَاةٍ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ (يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ) أَيْ يَتَفَاخَرُونَ فِي تَطْوِيلِ الْبُنْيَانِ وَيَتَكَاثَرُونَ بِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ تُبْسَطُ لهم الدنيا حتى يتباهون فِي الْبُنْيَانِ (ثُمَّ انْطَلَقَ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ السَّائِلُ (فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ لَيَالٍ (هَلْ تَدْرِي) أَيْ تَعْلَمُ (أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) فِيهِ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَالْإِخْلَاصَ يُسَمَّى كُلُّهَا دِينًا
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
(فَذَكَرَ نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا وَهُمَا قَبِيلَتَانِ وَأَوْ لِلشَّكِّ (فِيمَا نَعْمَلُ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (أَوْ فِي شَيْءٍ يُسْتَأْنَفُ الْآنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ وَقَدَرِهِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْإِحْسَان وَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأَنَا مُحْسِن قَالَ نَعَمْ وَقَالَ فِي آخِره هَذَا جِبْرِيل أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمكُمْ دِينكُمْ
خُذُوا عَنْهُ
قَالَ أَبُو حَاتِم تَفَرَّدَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ
(أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ) بِكَسْرِ الْفَاءِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ (يَزِيدُ وَيَنْقُصُ) أَيْ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ وَالضَّمِيرُ فِيهِمَا لِعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ (قَالَ أَبُو داود علقمة مرجيء) قال الحافظ في مقدمة فتح الباري إلا رجاء بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ بِهِ تَأْخِيرَ الْقَوْلِ فِي تَصْوِيبِ أَحَدِ الطَّائِفَتَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَاتَلُوا بَعْدَ عُثْمَانَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ تَأْخِيرَ الْقَوْلِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَنْ أَتَى الْكَبَائِرَ وَتَرَكَ الْفَرَائِضَ بِالنَّارِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُمُ الْإِقْرَارُ وَالِاعْتِقَادُ وَلَا يَضُرُّ الْعَمَلُ مَعَ ذَلِكَ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَعَلْقَمَةُ هَذَا هُوَ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ الْكُوفِيُّ وَقَدِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ
(بَيْنَ ظَهْرَيْ أَصْحَابِهِ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْهِمْ وَظَهْرَانَيْهِمْ وَلَا تُكْسَرُ النُّونُ وَبَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَيْ وَسَطَهُمْ وَفِي مُعْظَمِهِمْ (فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ) أَيِ الْمُسَافِرُ (فَلَا يدري أيهم هو) أي رسول الله (فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا) بِضَمِّ الدَّالِ وَشِدَّةِ الْكَافِ
قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ الدُّكَّانُ الدِّكَّةُ وَقِيلَ نونه زائدة انتهى
وقال في القاموس الدكة بِالْفَتْحِ وَالدُّكَّانُ بِالضَّمِّ بِنَاءٌ يُسْطَحُ أَعْلَاهُ لِلْمَقْعَدِ (بِجَنْبَتَيْهِ) أَيْ بِجَانِبَيْهِ (وَذَكَرَ هَيْئَتَهُ) أَيْ ذَكَرَ الرَّاوِي هَيْئَةَ الرَّجُلِ الْمُقْبِلِ (حَتَّى سَلَّمَ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ (مِنْ طَرْفِ السِّمَاطِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيِ الْجَمَاعَةِ يَعْنِي الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ كَانُوا جُلُوسًا عَنْ جَانِبَيْهِ (فَرَدَّ عَلَيْهِ) أَيِ السَّلَامَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنسائي وبن مَاجَهْ بِتَمَامِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ
(عن بن الدَّيْلَمِيِّ) هُوَ أَبُو بُسْرٍ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمَضْمُومَةِ
وَيُقَالُ بِشْرٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ
قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ) أَيْ مِنْ بَعْضِ شُبَهِ الْقَدَرِ الَّتِي رُبَّمَا تُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ فِيهِ (فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ) أَيْ بِحَدِيثٍ (فَقَالَ) أَيْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ) لِأَنَّهُ مَالِكُ الْجَمِيعِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ كَيْفَ شَاءَ وَلَا ظُلْمَ أَصْلًا
وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ) أَيِ الصَّالِحَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَعْمَالِ كَيْفَ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ رَحْمَتِهِ بِهِمْ فَرَحْمَتُهُ إِيَّاهُمْ مَحْضُ فَضْلٍ مِنْهُ تَعَالَى فَلَوْ رَحِمَ الْجَمِيعَ فَلَهُ ذَلِكَ (مِثْلَ أُحُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَبَلٌ عَظِيمٌ قَرِيبُ الْمَدِينَةِ الْمُعَظَّمَةِ (ذَهَبًا) تَمْيِيزٌ (مَا قَبِلَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ أَوْ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَبَلِ (مَا أَصَابَكَ) مِنَ النِّعْمَةِ وَالْبَلِيَّةِ أَوِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) أَيْ يُجَاوِزَكَ (وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ) أَيْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أَيْ عَلَى اعْتِقَادٍ غَيْرِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لك من الإيمان بالقدر (قال) أي بن الديلمي (فحدثني عن النبي مِثْلَ ذَلِكَ) فَصَارَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سنان الشيباني وثقه يحي بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ) بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ثِقَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (يَا بُنَيَّ) بالتصغير
(الْقَلَمُ) بِالرَّفْعِ (وَمَاذَا أَكْتُبُ) أَيْ مَا الَّذِي أَكْتُبُ (اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ) جَمْعُ مِقْدَارٍ وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ قَدْرُ الشَّيْءِ وَكَمِّيَّتُهُ كَالْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقَدْرِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْكَمِّيَّةُ وَالْكَيْفِيَّةُ (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أَيْ عَلَى غَيْرِ هَذَا الِاعْتِقَادِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى) أَيْ عِنْدَ رَبِّهِمَا كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَيْ طَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْحُجَّةَ مِنْ صَاحِبِهِ عَلَى مَا يَقُولُ (خَيَّبْتَنَا) أَيْ أَوْقَعْتَنَا فِي الْخَيْبَةِ وَهِيَ الْحِرْمَانُ وَالْخُسْرَانُ (وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ بِخَطِيئَتِكَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْكَ وَهِيَ أَكْلُكَ مِنَ الشَّجَرَةِ (اصْطَفَاكَ اللَّهُ) أَيِ اخْتَارَكَ (تَلُومُنِي) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِالتَّقْدِيرِ هُنَا الْكِتَابَةُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ فِي صُحُفِ التَّوْرَاةِ وَأَلْوَاحِهَا أَيْ كَتَبَهُ عَلَيَّ قَبْلَ خَلْقِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ الْقَدَرِ فَإِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَدَّرَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَأَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ أَزَلِيٌّ لَا أَوَّلَ لَهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا
(فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) بِرَفْعِ آدَمَ وَهُوَ فَاعِلٌ أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ بِهَا
فَإِنْ قِيلَ فَالْعَاصِي مِنَّا لَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ قَدَّرَهَا اللَّهُ عَلَيَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ اللَّوْمُ وَالْعُقُوبَةُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا قَالَهُ
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْعَاصِي بَاقٍ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَاللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ وَغَيْرِهَا وَفِي لَوْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ زَجْرٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الزَّجْرِ مَا لَمْ يَمُتْ فَأَمَّا آدَمُ فَمَيِّتٌ خَارِجٌ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ وَعَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الزَّجْرِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ لَهُ فَائِدَةٌ بَلْ فِيهِ إِيذَاءٌ وَتَخْجِيلٌ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ (قَالَ
أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ) وَأَمَّا مُسَدَّدٌ فَقَالَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ طَاوُسًا
فَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بِالْعَنْعَنَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ بِلَفْظِ السَّمَاعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
(وَنَفْسَهُ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي أَخْرَجَنَا (مِنْ رُوحِهِ) الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّخْصِيصِ أَيْ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ مَخْلُوقٌ وَلَا بُدَّ لِأَحَدٍ فِيهِ (لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا) أَيْ لَا مَلِكًا وَلَا غَيْرَهُ (أَفَمَا وَجَدْتَ أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ خُرُوجَنَا مِنَ الْجَنَّةِ (قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) بِالتَّصْغِيرِ (سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ) أَيْ عَنْ كَيْفِيَّةِ أَخْذِ اللَّهِ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمُ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ (وَإِذْ أَخَذَ) أَيْ أَخْرَجَ (مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ) قِيلَ إِنَّهُ بَدَلُ الْبَعْضِ وَقِيلَ إِنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ (قال قرأ القعنبي الآية) أي بتمامها
والقعبني هُوَ عَبْدُ اللَّهِ
شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ (ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ) أَيْ ظَهْرَ آدَمَ (فَفِيمَ الْعَمَلُ) أَيْ إِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ سَبْقِ الْقَدَرِ فَفِي أَيِّ شَيْءٍ يُفِيدُ الْعَمَلُ أَوْ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ الْعَمَلُ أَوْ فَلِأَيِّ شَيْءٍ أُمِرْنَا بِالْعَمَلِ (اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ جَعَلَهُ عَامِلًا بِهِ وَوَفَّقَهُ لِلْعَمَلِ (حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى عَمَلٍ مُقَارَنٍ بِالْمَوْتِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَمْرٍو
قَالَ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بَيْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَبَيْنَ عُمَرَ رَجُلًا
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا مِنْ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ نُعَيْمٍ عَنْ عمرو
قال بن الْحَذَّاءِ وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إِنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِنَّمَا يَرْوِيهِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُمَرَ يُشِيرُونَ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ
وقال بن أبي خيثمة قرأت على بن مَعِينٍ حَدِيثَ مَالِكٍ هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ فَكَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ لَا يُعْرَفُ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ لِأَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ هَذَا لَمْ يَلْقَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَبَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ نُعَيْمُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهَذَا أَيْضًا مَعَ الْإِسْنَادِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا مَجْهُولٌ
قِيلَ إِنَّهُ مَدَنِيٌّ وَلَيْسَ بِمُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْبَصْرِيِّ وَقَالَ أَيْضًا وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَائِمِ لِأَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ وَنُعَيْمَ بْنَ رَبِيعَةَ جَمِيعًا غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ بِحَمْلِ الْعِلْمِ وَلَكِنَّ مَعْنَى هَذَا الحديث قد صح عن النبي مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ جُعْثُمٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ كَذَا ضَبَطَهُ الْحَافِظُ
فِي التَّقْرِيبِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عُمَرُ بْنُ جَعْفَرٍ وَهُوَ غَلَطٌ وَلَيْسَ فِي التَّقْرِيبِ وَلَا فِي الْخُلَاصَةِ ذِكْرُ عُمَرَ بْنِ جَعْفَرٍ (وَحَدِيثُ مَالِكٍ) أَيِ الَّذِي قَبْلَهُ (أَتَمُّ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ جُعْثُمٍ
(طُبِعَ كَافِرًا) أَيْ خُلِقَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَاشَ يَصِيرُ كَافِرًا كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) أَيْ حَمَلَهُمَا عَلَيْهِمَا وَأَلْحَقَهُمَا بِهِمَا
وَالْمُرَادُ بالطغيان ها هنا الزِّيَادَةُ فِي الضَّلَالِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ أَيْ كَلَّفَهُمَا الطُّغْيَانَ وَحَمَلَهُمَا عَلَيْهِ وَعَلَى الْكُفْرِ أَيْ مَا تَرَكَهُمَا عَلَى الْإِيمَانِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
(يَقُولُ فِي قَوْلِهِ) أَيْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَكَانَ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا) هَذَا مَقُولٌ لِقَوْلِ يَقُولُ أَيْ كَانَ خُلِقَ يَوْمَ خُلِقَ كَافِرًا
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(أَبْصَرَ الْخَضِرُ) أَيْ رَأَى (فَتَنَاوَلَ رَأْسَهُ) أَيْ أَخَذَ رَأْسَهُ (فَقَلَعَهُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ قَلَعَهُ كَمَنَعَهُ انْتَزَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زَكِيَّةٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ قُرِئَ فِي السَّبْعِ زَاكِيَةٌ زَكِيَّةٌ قالو وَمَعْنَاهُ طَاهِرَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا الْفَصْلُ قَدْ يَكُونُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(الْمَعْنَى وَاحِدٌ وَالْإِخْبَارُ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ) الْإِخْبَارُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ حَدِيثَ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْمَتْنِ وَأَمَّا مَعْنَاهُمَا فَوَاحِدٌ وَأَمَّا فِي السَّنَدِ فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ يَسِيرٌ وَهُوَ أَنَّ سُفْيَانَ يَرْوِي بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ دُونَ الْعَنْعَنَةِ كَمَا قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا رسول الله وَشُعْبَةُ لَمْ يَرْوِ بِالْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ بَلْ بِالْعَنْعَنَةِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ لَكِنَّ هَذَا فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ فَقَطْ
وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ غَيْرِ حَفْصٍ كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَرَوَاهُ شُعْبَةُ أَيْضًا بِالْإِخْبَارِ وَقِيلَ فِي مَعْنَى هَذَا الْمُرَادُ بِالْإِخْبَارِ الْأَلْفَاظُ أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ وَحَدِيثِ سُفْيَانَ وَاحِدٌ وَأَمَّا أَلْفَاظُهُمَا فَمُخْتَلِفَةٌ وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي نَذْكُرُ هِيَ أَلْفَاظُ حَدِيثِ سُفْيَانَ لَا أَلْفَاظُ حَدِيثِ شُعْبَةَ (وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ) قَالَ الطِّيبِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اعْتِرَاضِيَّةً وَهُوَ أَوْلَى لِتَعُمَّ الْأَحْوَالَ كُلَّهَا
وَالصَّادِقُ مَعْنَاهُ الْمُخْبِرُ بِالْقَوْلِ الْحَقِّ وَيُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ يُقَالُ صَدَقَ الْقِتَالَ وَهُوَ صَادِقٌ فِيهِ وَالْمَصْدُوقُ مَعْنَاهُ الَّذِي يَصْدُقُ لَهُ فِي الْقَوْلِ يُقَالُ صَدَقْتُهُ الْحَدِيثَ إِذَا أَخْبَرْتُهُ بِهِ إِخْبَارًا جَازِمًا أَوْ مَعْنَاهُ صَدَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعْدَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي (أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ) أَيْ مَادَّةُ خَلْقِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ أَحَدُكُمْ (يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) أَيْ يُقَرَّرُ وَيُحْرَزُ فِي رَحِمِهَا
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجَمْعِ مُكْثَ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ (ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً) أَيْ دَمًا غَلِيظًا جَامِدًا (مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَعْنِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً) أَيْ قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ (ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى خَلْقِ أَحَدِكُمْ أَوْ إِلَى أَحَدِكُمْ يَعْنِي فِي الطور الرابع حين ما يَتَكَامَلُ بُنْيَانُهُ وَيَتَشَكَّلُ أَعْضَاؤُهُ (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) أَيْ بِكِتَابَتِهَا (فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ) الْمُرَادُ بِكِتَابَةِ الرِّزْقِ تَقْدِيرُهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَصِفَتُهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا وَبِالْأَجَلِ هَلْ هُوَ طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ وَبِالْعَمَلِ هُوَ صَالِحٌ أَوْ فَاسِدٌ (ثُمَّ يُكْتَبُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ) أَيْ هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ إِمَّا السَّعَادَةُ وَإِمَّا الشَّقَاوَةُ وَلَا يَكْتُبُهُمَا لِوَاحِدٍ مَعًا فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى أَرْبَعٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ كَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ وَشَقَاوَتُهُ وَسَعَادَتُهُ لِيُوَافِقَ مَا قَبْلَهُ فَعَدَلَ عَنْهُ حِكَايَةً لِصُورَةِ مَا يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ كَذَا فِي مَبَارِقِ الْأَزْهَارِ (حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) أَيْ بين الرجل
وَبَيْنَ الْجَنَّةِ (إِلَّا ذِرَاعٌ) تَمْثِيلٌ لِغَايَةِ قُرْبِهَا (أَوْ قِيدُ ذِرَاعٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ قَدْرُهَا (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) أَيْ كِتَابُ الشَّقَاوَةِ
قَالَ المنذري واخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
قِيدُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ قَدْرُ وَكَذَلِكَ قَادَ وَقِدَى بِكَسْرِ الْقَافِ وَقِدَةُ وَقِيسُ وَقَابُ
(عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ كَانَ يَزِيدُ كَبِيرَ اللِّحْيَةِ فَلُقِّبَ الرِّشْكَ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَمَا زَعَمَ أَبُو علي الغساني وجزم به بن الْجَوْزِيِّ الْكَبِيرُ اللِّحْيَةِ انْتَهَى
وَقِيلَ هُوَ بِمَعْنَى الْقَسَّامِ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ (أَعُلِمَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَبِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ) الْمَعْنَى إِذَا سَبَقَ الْقَلَمُ بِذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ الْعَامِلُ إِلَى الْعَمَلِ لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قدر له (قال) أي النبي (كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَآلَ مَحْجُوبٌ عَنِ الْمُكَلَّفِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي عَمَلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَا يترك وكولا إلى ما يؤول إِلَيْهِ أَمْرُهُ فَيُلَامُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ وَيَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ حُذَيْفَة يَبْلُغ بِهِ النَّبِيّ قَالَ يَدْخُل الْمَلَك عَلَى النُّطْفَة بَعْد مَا تَسْتَقِرّ فِي الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْس وَأَرْبَعِينَ لَيْلَة فَيَقُول يَا رَبّ أَشَقِيّ أَمْ سَعِيد فَيَكْتُبَانِ فَيَقُول يَا رَبّ أَذَكَر أَمْ أُنْثَى فَيَكْتُبَانِ وَيَكْتُب عَمَله وَأَثَره وَأَجَله وَرِزْقه ثُمَّ تُكْتَب الصُّحُف فَلَا يُزَاد فِيهَا وَلَا يُنْقَص وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس بْن مَالِك وَرَفَعَ الْحَدِيث قَالَ إِنَّ اللَّه قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُول أَيْ رَبّ نُطْفَة أَيْ رَبّ عَلَقَة أَيْ رَبّ مُضْغَة فَإِذَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَقْضِي خَلْقًا قَالَ الْمَلَك أَيْ رَبّ ذَكَر أَمْ أُنْثَى شَقِيّ أَمْ سَعِيد فَمَا الرِّزْق فَمَا الْأَجَل فَيَكْتُب ذَلِكَ فِي بَطْن أمه
وهذا مثل حديث بن مَسْعُود حَدِيث الصَّادِق الْمَصْدُوق أَنَّ كِتَابَة الْأَجَل وَالشَّقَاوَة وَالسَّعَادَة وَالرِّزْق فِي الطَّوْر الرَّابِع
(لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ (وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ أَيْ لَا تُحَاكِمُوهُمْ يَعْنِي لَا تَرْفَعُوا الْأَمْرَ إِلَى حُكَّامِهِمْ وَقِيلَ لَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَحَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيد يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَة فِي الطَّوْر الْأَوَّل
وَقَدْ رُوِيَ حَدِيث حُذَيْفَة بِلَفْظٍ آخَر يَتَبَيَّن الْمُرَاد مِنْهُ وَأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِد وَأَنَّهُمَا مُتَصَادِقَانِ لَا مُتَعَارِضَانِ
فَرَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ عَامِر بْن وَاثِلَة أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَقُول الشَّقِيّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْن أُمّه وَالسَّعِيد مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ
فَأَتَى رَجُل مِنْ أَصْحَاب النبي يُقَال لَهُ حُذَيْفَة بْن أَسِيد الْغِفَارِيّ
فَحَدَّثَهُ بذلك من قول بن مَسْعُود
فَقَالَ وَكَيْف يَشْقَى بِغَيْرِ عَمَل فَقَالَ الرَّجُل الْعَجَب مِنْ ذَلِكَ
قَالَ سَمِعْت رَسُول الله يقول إذا مر بالنطفة اثنتان وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بَعَثَ اللَّه إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعهَا وَبَصَرهَا وَجِلْدهَا وَلَحْمهَا وَعِظَامهَا ثُمَّ قَالَ يَا رَبّ أَذَكَر أَمْ أُنْثَى فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ وَيَكْتُب الْمَلَك
ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ أَجَله فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ وَيَكْتُب الْمَلَك ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ رِزْقه فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ وَيَكْتُب الْمَلَك
ثُمَّ يَخْرُج الْمَلَك بِالصَّحِيفَةِ فِي يَده فَلَا يَزِيد عَلَى مَا أَمَرَ وَلَا يَنْقُص وَفِي لَفْظ آخر عنه سمعت رسول الله بأدنى هَاتَيْنِ يَقُول إِنَّ النُّطْفَة تَقَع فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثُمَّ يَتَصَوَّر عَلَيْهَا الْمَلَك قَالَ زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة حَسِبْته قَالَ الَّذِي يَخْلُقهَا فَيَقُول يَا رَبّ أَذَكَر أَمْ أُنْثَى فَيَجْعَلهُ اللَّه ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى
ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ أَسَوِيّ أَوْ غَيْر سَوِيّ فَيَجْعَلهُ اللَّه سَوِيًّا أَوْ غَيْر سَوِيّ ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ مَا رِزْقه مَا أَجَله مَا خَلْقه ثُمَّ يَجْعَلهُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا
وَفِي لَفْظ آخَر أَنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالرَّحِمِ إِذَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَخْلُق شَيْئًا بِإِذْنِ اللَّه لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَة ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه
فَدَلَّ حَدِيث حُذَيْفَة عَلَى أَنَّ الْكِتَابَة الْمَذْكُورَة وَقْت تَصْوِيره وَخَلْق جِلْده وَلَحْمه وَعَظْمه وَهَذَا مُطَابِق لِحَدِيثِ بن مَسْعُود
فَإِنَّ هَذَا التَّخْلِيق هُوَ فِي الطَّوْر الرَّابِع وَفِيهِ وَقَعَتْ الْكِتَابَة
فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَع بِالتَّوْقِيتِ فِيهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة قُلْت التَّوْقِيت فِيهِ بَيَان أَنَّهَا قَبْل ذَلِكَ لَا يَتَعَرَّض لَهَا وَلَا يَتَعَلَّق بِهَا تَخْلِيق وَلَا كِتَابَة فَإِذَا بَلَغَتْ الْوَقْت الْمَحْدُود وَجَاوَزَتْ الْأَرْبَعِينَ وَقَعَتْ فِي أَطْوَار التَّخْلِيق طَبَقًا بَعْد طَبَق وَوَقَعَ حينئذ التقدير والكتابة وحديث بن مَسْعُود صَرِيح فِي أَنَّ وُقُوع ذَلِكَ بَعْد كَوْنه مُضْغَة بَعْد الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَة وَحَدِيث حُذَيْفَة فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ بَعْد الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يُوَقِّت البعدية بل أطلقها ووقتها في حديث بن مسعود
تَبْتَدِئُوهُمْ بِالْمُجَادَلَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ لِئَلَّا يَقَعَ أَحَدُكُمْ فِي شَكٍّ فَإِنَّ لَهُمْ قُدْرَةً عَلَى الْمُجَادَلَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وقيل لا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ حَدِيث حُذَيْفَة دَالّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ
وَيَحْتَمِل وَجْهًا آخَر وَهُوَ أَنْ تَكُون الْأَرْبَعُونَ الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث حُذَيْفَة هِيَ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَة وَسُمِّيَ الْحَمْل فِيهَا نُطْفَة إِذْ هِيَ مَبْدَؤُهُ الْأَوَّل
وَفِيهِ بُعْد وَأَلْفَاظ الْحَدِيث تأباه
ويحتمل وَجْهًا آخَر وَهُوَ أَنَّ التَّقْدِير وَالْكِتَابَة تَقْدِيرَانِ وَكِتَابَتَانِ
فَالْأَوَّل مِنْهُمَا عِنْد اِبْتِدَاء تَعَلُّق التَّحْوِيل وَالتَّخْلِيق فِي النُّطْفَة وَهُوَ إِذَا مَضَى عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ وَدَخَلَتْ فِي طَوْر الْعَلَقَة وَهَذَا أَوَّل تَخْلِيقه
وَالتَّقْدِير الثَّانِي وَالْكِتَابَة الثَّانِيَة إِذَا كَمُلَ تَصْوِيره وَتَخْلِيقه وَتَقْدِير أَعْضَائِهِ وَكَوْنه ذَكَرًا أَوْ أنثى من الخارج فبكتب مَعَ ذَلِكَ عَمَله وَرِزْقه وَأَجَله وَشَقَاوَته وَسَعَادَته
فَلَا تَنَافِي بَيْن الْحَدِيثَيْنِ وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ
وَيَكُون التَّقْدِير الْأَوَّل تَقْدِيرًا لِمَا يَكُون لِلنُّطْفَةِ بَعْد الْأَرْبَعِينَ فَيُقَدَّر مَعَهُ السَّعَادَة وَالشَّقَاوَة وَالرِّزْق وَالْعَمَل
وَالتَّقْدِير الثَّانِي تَقْدِيرًا لِمَا يَكُون لِلْجَنِينِ بَعْد تَصْوِيره فَيُقَدَّر مَعَهُ ذَلِكَ وَيَكْتُب أَيْضًا وَهَذَا التَّقْدِير أَخَصّ مِنْ الْأَوَّل
وَنَظِير هَذَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدَّرَ مَقَادِير الْخَلَائِق قبل أن يخلق السماوات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَة ثُمَّ يُقَدِّر لَيْلَة الْقَدْر مَا يَكُون فِي الْعَام لِمِثْلِهِ وَهَذَا أَخَصّ مِنْ التَّقْدِير الْأَوَّل الْعَامّ كَمَا أَنَّ تَقْدِير أَمْر النُّطْفَة وَشَأْنهَا يَقَع بَعْد تَعَلُّقهَا بالرحم وقد قدر أمرها قبل خلق السماوات وَالْأَرْض
وَنَظِير هَذَا رَفْع الْأَعْمَال وَعَرْضهَا عَلَى اللَّه تَعَالَى فَإِنَّ عَمَل الْعَام يُرْفَع فِي شَعْبَان كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِق الْمَصْدُوق أَنَّهُ شَهْر تَرْفَع فِيهِ الْأَعْمَال فَأُحِبّ أَنْ يُرْفَع عَمَلِي وَأَنَا صَائِم وَيُعْرَض عَمَل الْأُسْبُوع يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيح مُسْلِم وَعَمَل الْيَوْم يُرْفَع فِي آخِره قَبْل اللَّيْل وَعَمَل اللَّيْل فِي آخِره قَبْل النَّهَار
فَهَذَا الرَّفْع فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَخَصّ مِنْ الرَّفْع فِي الْعَام وَإِذَا اِنْقَضَى الْأَجَل رُفِعَ عَمَل الْعُمْر كُلّه وَطُوِيَتْ صَحِيفَة الْعَمَل
وَهَذِهِ الْمَسَائِل
مِنْ أَسْرَار مَسَائِل الْقَضَاء وَالْقَدَر
فَصَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَى هَادَى الْأُمَّة وَكَاشِف الْغُمَّة الَّذِي أَوْضَحَ اللَّه بِهِ الْمَحَجَّة وَأَقَامَ بِهِ الْحُجَّة وَأَنَارَ بِهِ السَّبِيل وَأَوْضَحَ بِهِ الدَّلِيل وَلِلَّهِ دَرّ الْقَائِل أَحْيَا الْقُلُوب مُحَمَّد لَمَّا أَتَى وَمَضَى فَنَاءَتْ بَعْده أُمَنَاؤُهُ كَالْوَرْدِ رَاقَك رِيحه فَشَمَمْته وَإِذَا تَوَلَّى نَابَ عَنْهُ مَسَاؤُهُ وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه يَقُول كَتَبَ اللَّه مَقَادِير الْخَلَائِق قَبْل أَنْ يخلق السماوات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَة قَالَ وَعَرْشه عَلَى الماء
تَبْتَدِئُوهُمْ بِالسَّلَامِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَهَذَا مِنْهُ تَوْثِيقٌ لِحَكِيمِ بن شريك الهذلي البصري وقد وثقه بن حبان البستي أيضا
وقال الذهبي لا يعرف قاله العلقمي
وقال بن حَجَرٍ مَجْهُولٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ
وَفِي مِيزَانِ الاعتدال قواه بن حبان وقال أبو حاتم مجهول انتهى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول الله يَقُول إِنَّ قُلُوب بَنِي آدَم كُلّهَا بَيْن أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِع الرَّحْمَن كَقَلْبٍ وَاحِد يُصَرِّفهُ حيث يشاء ثم قال رسول الله اللَّهُمَّ مُصَرِّف الْقُلُوب صَرِّفْ قُلُوبنَا عَلَى طَاعَتك
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عمر ﵄ قال قال رسول الله كُلّ شَيْء بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْز وَالْكَيْس أَوْ الْكَيْس وَالْعَجْز وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قال قال رسول الله إن الله كتب على بن آدم حظه من الزنى أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَة فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَر وَزِنَا اللِّسَان النُّطْق وَالنَّفْس تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبهُ
وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عن أبي سعيد ﵁ عن النبي قَالَ مَا اِسْتَخْلَفَ اللَّه خَلِيفَة إِلَّا كَانَ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَة تَأْمُرهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَة تَأْمُرهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَ اللَّه
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هريرة ﵁ قال قال رسول الله الْمُؤْمِن الْقَوِيّ خَيْر وَأَحَبّ إِلَى اللَّه مِنْ الْمُؤْمِن الضَّعِيف وَفِي كُلّ خَيْر اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجَز
وَإِنْ أَصَابَك شَيْء فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّه وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَح عَمَل الشَّيْطَان
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بن مسعود ﵁ قَالَ قَالَتْ أُمّ حَبِيبَة اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رسول الله وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَان وَبِأَخِي مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهَا رسول الله إِنَّك سَأَلْت اللَّه لِآجَالٍ مَضْرُوبَة وَآثَار مَوْطُوءَة وَأَرْزَاق مَقْسُومَة لَا يُعَجَّل مِنْهَا شَيْء قَبْل حِلّه وَلَا يُؤَخَّر مِنْهَا شَيْء بَعْد حِلّه وَلَوْ سَأَلْت اللَّه أَنْ يُعَافِيَك مِنْ عَذَاب فِي النَّار وَعَذَاب فِي الْقَبْر كَانَ خَيْرًا لك
وفي سنن بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْن أَبِي الْمُسَاوِر عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ لَمَّا قَدِمَ عَدِيّ بْن حَاتِم الْكُوفَة أَتَيْنَاهُ فِي نَفَر مِنْ فُقَهَاء أَهْل الْكُوفَة فَقُلْنَا لَهُ حَدِّثْنَا مَا سمعت من رسول الله قال أتيت النبي فَقَالَ يَا عَدِيّ بْن حَاتِم أَسْلِمْ تَسْلَم قُلْت وَمَا الْإِسْلَام قَالَ تَشْهَد أَنْ لَا إله إلا الله وأني رسول الله وَتُؤْمِن بِالْأَقْدَارِ كُلّهَا خَيْرهَا وَشَرّهَا وَحُلْوهَا وَمُرّهَا
وَفِي سُنَنه أَيْضًا مِنْ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ سُرَاقَة بْن جُعْشُم قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَنَعْمَلُ فِيمَا جَفَّ بِهِ الْقَلَم وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير أَمْ فِي أَمْر مُسْتَقْبَل قَالَ بَلْ فِيمَا جَفَّ بِهِ الْقَلَم وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير وَكُلّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ
وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَن قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرو بن تغلب قال أتى النبي مال فأعطى
تَبْتَدِئُوهُمْ بِالسَّلَامِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَهَذَا مِنْهُ تَوْثِيقٌ لِحَكِيمِ بن شريك الهذلي البصري وقد وثقه بن حبان البستي أيضا
وقال الذهبي لا يعرف قاله العلقمي
وقال بن حَجَرٍ مَجْهُولٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ
وَفِي مِيزَانِ الاعتدال قواه بن حِبَّانَ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ مَجْهُولٌ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قوما ومنع آخرين فبلغه أنهم عيبوا فَقَالَ إِنِّي أُعْطِي الرَّجُل وَأَدَع الرَّجُل وَاَلَّذِي أَدَع أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْجَزَع وَالْهَلَع وَأَكِل أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّه فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْر مِنْهُمْ عَمْرو بْن تَغْلِب فَقَالَ عَمْرو مَا أُحِبّ أَنَّ لِي بكلمة رسول الله حُمْر النَّعَم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عِمْرَان بن حصين قال إني عند النبي إِذْ جَاءَهُ قَوْم مِنْ بَنِي تَمِيم
فَقَالَ اِقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيم قَالُوا بَشَّرْتنَا فَأَعْطِنَا فَدَخَلَ نَاس مِنْ أَهْل الْيَمَن فَقَالَ اقبلوا البشرى يا أهل اليمن يا أهل اليمن إذا لَمْ يَقْبَلهَا بَنُو تَمِيم قَالُوا قَبِلْنَا جِئْنَاك نَتَفَقَّه فِي الدِّين وَنَسْأَلك عَنْ أَوَّل هَذَا الْأَمْر مَا كَانَ قَالَ كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء مِنْ قَبْله وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَكَتَبَ فِي الذكر كل شيء الحديث
وعن بن عباس أن النبي قال لأشج عبد القيس ﵁ إِنَّ فِيك لَخَلَّتَيْنِ يُحِبّهُمَا اللَّه الْحِلْم وَالْأَنَاة قَالَ يَا رَسُول اللَّه خَلَّتَيْنِ تَخَلَّقْت بِهِمَا أَمْ جُبِلْت عَلَيْهِمَا قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبّهُمَا اللَّه
وَقَالَ أَبُو هريرة ﵁
قال لي النبي جَفَّ الْقَلَم بِمَا أَنْتَ لَاقٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ طَاوُسٍ قَالَ سمعت عَبْد اللَّه بْن عُمَر ﵄ يقول قال رسول الله كُلّ شَيْء بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْز وَالْكَيْس أَوْ الكيس والعجز
وذكر البخاري عن بن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ قَالَ سَبَقَتْ لَهُمْ السَّعَادَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ هَمَّام بْن مُنَبِّه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال لا يأتي بن آدَم النَّذْر بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْته وَلَكِنْ يُلْقِيه الْقَدَر وَقَدْ قَدَّرْته لَهُ أَسْتَخْرِج بِهِ مِنْ الْبَخِيل
وَفِي لَفْظ لِلْبُخَارِيِّ لَا يأتي بن آدَم النَّذْر بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ وَلَكِنْ يُلْقِيه النَّذْر إِلَى الْقَدَر قَدْ قُدِّرَ لَهُ فَيَسْتَخْرِج اللَّه بِهِ مِنْ الْبَخِيل فَيُؤْتِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ قبل
وفي لفظ في الصحيحين عن بن عمر ﵄ عن النبي النذر لا يقرب من بن آدَم شَيْئًا لَمْ يَكُنْ اللَّه قَدَّرَهُ لَهُ وَلَكِنْ النَّذْر يُوَافِق الْقَدَر فَيُخْرَج بِذَلِكَ مِنْ الْبَخِيل مَا لَمْ يَكُنْ الْبَخِيل يُرِيد أَنْ يُخْرِج
هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي النَّذْر وَالْقَدَر أَدْخَلَهَا الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْقَدَر وَهُوَ إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى الْقَدَر الَّذِي لَا يَتَعَلَّق بِقُدْرَةِ الْعَبْد وَمَشِيئَته
وَالْكَلَام فِيهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ غُلَاة الْقَدَرِيَّة الْمُنْكِرِينَ لِتَقَدُّمِ الْعِلْم وَالْكِتَاب
وَأَمَّا الْقَدَرِيَّة الْمُنْكِرُونَ لِخَلْقِ الْأَفْعَال فَلَا يُحْتَجّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم
وَقَدْ نَظَرْت فِي أَدِلَّة إِثْبَات الْقَدَر وَالرَّدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة الْمَجُوسِيَّة فَإِذَا هِيَ تُقَارِب خَمْسَمِائَةِ دَلِيل وَإِنْ قَدَّرَ اللَّه تَعَالَى أَفْرَدْت لَهَا مُصَنَّفًا مُسْتَقِلًّا وَبِاَللَّهِ ﷿ التوفيق
٧ - (بَاب فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ)
أَيْ أَطْفَالِهِمْ إِذَا مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغِ
وَذَرَارِيُّ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ وَهِيَ نَسْلُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ
قَالَ الْأَكْثَرُونَ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَةٌ فِيهِمْ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ من أهل الجنة
(والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أَيْ بِمَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أو الترك بين المنزلتين قاله القارىء
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يُوهِمُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُفْتِ السَّائِلَ عَنْهُمْ وَأَنَّهُ رَدَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَلْحَقَهُمْ بِالْكَافِرِينَ وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ عَلِمَ لَوْ بَقُوا أَحْيَاءَ حَتَّى يَكْبَرُوا لَكَانُوا يَعْمَلُونَ