عون المعبود · العظيم آبادي · ج12 ص229عُرَى الْإِيمَانِ الْمُوَالَاةُ فِي اللَّهِ وَالْمُعَادَاةُ فِي اللَّهِ وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ ﷿ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْكُوفِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ مُتَابَعَةً وَفِيهِ أَيْضًا رَجُلٌ مَجْهُولٌ
[٤٦٠٠] (وَكَانَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (قَائِدَ كَعْبٍ) خَبَرُ كَانَ (مِنْ بَنِيهِ) بِفَتْحِ الموحدة وكسر النون وسكون التحتية جمع بن أَيْ مِنْ بَيْنِهِمْ (حِينَ عَمِيَ) أَيْ كَعْبٌ وَكَانَ أَبْنَاؤُهُ أَرْبَعَةً عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَجُمْلَةُ كَانَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ أَنَّ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَخَبَرِهَا وَهُوَ قَالَ (قِصَّةَ تَخَلُّفِهِ) أَيْ كَعْبٍ (أَيُّهَا الثَّلَاثَةِ) هُوَ مِنْ بَابِ الِاخْتِصَاصِ الْمُشَابِهِ لِلنِّدَاءِ لَفْظًا لَا مَعْنًى (حَتَّى إِذَا طَالَ) أَيِ الْمُكْثُ (عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (تَسَوَّرْتُ) أَيِ ارْتَقَيْتُ (جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ) الْحَائِطُ الْبُسْتَانُ (وَهُوَ) أَيْ أبو قتادة (ثم ساق) أي بن السَّرْحِ (خَبَرَ تَنْزِيلِ تَوْبَتِهِ) أَيْ كَعْبٍ وَخَبَرُهُ طويل أورده المؤلف ها هنا مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْهُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مِنْ قِبَلِ عُتْبٍ وَمَوْجِدَةٍ أَوْ لِتَقْصِيرٍ يَقَعُ فِي حُقُوقِ الْعِشْرَةِ وَنَحْوِهَا دُونَ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الدِّينِ فَإِنَّ هِجْرَةَ أَهْلِ الهواء وَالْبِدْعَةِ دَائِمَةٌ عَلَى مَمَرِّ الْأَوْقَاتِ وَالْأَزْمَانِ مَا لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مطولا ومختصرا
(باب في تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ)
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْهَوَى مَقْصُورُ مَصْدَرِ مَيْلِ النَّفْسِ وَانْحِرَافِهَا نَحْوَ الشَّيْءِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مَيْلٍ مَذْمُومٍ فَيُقَالُ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ انْتَهَى
(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَخْ) الْحَدِيثُ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ فِي بَابِ التَّرَجُّلِ وَالْمَقْصُودُ من
إيراده ها هنا قَوْلُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ التَّرَجُّلِ أَتَمُّ مِنْ هَذَا
(عَنْ سُمَيَّةَ) مُصَغَّرًا هِيَ الْبَصْرِيَّةُ وحديثها عند المؤلف والنسائي وبن مَاجَهْ قَالَ الْحَافِظُ هِيَ مَقْبُولَةٌ (اعْتَلَّ بَعِيرٌ) أَيْ حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ) بِالتَّصْغِيرِ وَهِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ (وَعِنْدَ زَيْنَبَ) أَيْ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ (فَضْلُ ظَهْرٍ) أَيْ مَرْكَبٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهَا (فَقَالَتْ) أَيْ زَيْنَبُ (تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ) تَعْنِي صَفِيَّةَ وَكَانَتْ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ ﵇ (فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ إِلَخْ) أَيْ تَرَكَ صُحْبَتَهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ سُمَيَّةُ لَمْ تُنْسَبْ
(بَاب النَّهْيِ عَنْ الْجِدَالِ فِي الْقُرْآنِ)
(الْمِرَاءُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْمَدِّ (فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيِ الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث الْمِرَاء فِي الْقُرْآن ثُمَّ قَالَ حَدِيث حَسَن
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رسول الله ﷺ اقرأوا الْقُرْآن مَا اِئْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ فَإِذَا اِخْتَلَفْتُمْ عَنْهُ فَقُومُوا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ أَبْغَض الرِّجَال إِلَى اللَّه الْأَلَدّ الْخَصِم وَفِي سُنَن بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَا ضَلَّ قَوْم بَعْد هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَل ثُمَّ تَلَا تِلْكَ الْآيَة ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَك إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْم خصمون﴾
أَوْ أَرَادَ الْخَوْضَ فِيهِ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ أَوْ قَدِيمٌ أَوِ الْمُجَادَلَةَ فِي الْآيِ الْمُتَشَابِهَةِ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْجُحُودِ فَسَمَّاهُ كُفْرًا بِاسْمِ مَا يخاف عاقبته انتهى
وقال الإمام بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الْمِرَاءُ الْجِدَالُ وَالتَّمَارِي وَالْمُمَارَاةُ الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ وَيُقَالُ لِلْمُنَاظَرَةِ مُمَارَاةٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ وَيَمْتَرِيهِ كَمَا يَمْتَرِي الْحَالِبُ اللَّبَنَ مِنَ الضَّرْعِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَيْسَ وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّأْوِيلِ وَلَكِنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ عَلَى حَرْفٍ فَيَقُولَ الْآخَرُ لَيْسَ هُوَ هَكَذَا وَلَكِنَّهُ عَلَى خِلَافِهِ وَكِلَاهُمَا مُنَزَّلٌ مَقْرُوءٌ بِهِ فَإِذَا جَحَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِرَاءَةَ صَاحِبِهِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ إِلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهُ نَفَى حَرْفًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ
وَقِيلَ إِنَّمَا جَاءَ هَذَا فِي الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ فِي الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْقَدَرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَأَبْوَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ ظُهُورَ الْحَقِّ لِيُتَّبَعَ دُونَ الْغَلَبَةِ وَالتَّعْجِيزِ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ أَنْ يَرُومَ تَكْذِيبَ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ لِيَدْفَعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمُتَخَالِفِينَ عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ عَقِيدَةَ السَّلَفِ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَلْيَكِلْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ هُوَ الْمُجَادَلَةُ فِيهِ وَإِنْكَارُ بَعْضِهَا انْتَهَى
(بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ)
(عَنْ حَرِيزٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وكسر الراء وآخره زاي (بن عُثْمَانَ) الرَّحْبِيِّ الْحِمْصِيِّ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ جَرِيرٌ بِالْجِيمِ وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّ جَرِيرَ بْنَ عُثْمَانَ بِالْجِيمِ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ أَحَدًا مِنَ الرُّوَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (أُوتِيتُ الْكِتَابَ) أَيِ الْقُرْآنَ (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) أَيِ الْوَحْيَ الْبَاطِنَ غَيْرَ الْمَتْلُوِّ أَوْ تَأْوِيلَ الْوَحْيِ الظَّاهِرِ وَبَيَانَهُ بِتَعْمِيمٍ وَتَخْصِيصٍ وَزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ أَوْ أَحْكَامًا وَمَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا تُمَاثِلُ الْقُرْآنَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ أَوْ فِي الْمِقْدَارِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الْوَحْيِ الْبَاطِنِ غَيْرِ الْمَتْلُوِّ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مِنَ الظَّاهِرِ الْمَتْلُوِّ وَالثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَحْيًا يُتْلَى وَأُوتِيَ مِثْلَهُ مِنَ الْبَيَانِ أَيْ أُذِنَ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا فِي الْكِتَابِ
فَيَعُمَّ وَيَخُصَّ وَأَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ فَيُشَرِّعَ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ لَهُ ذِكْرٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْحُكْمِ وَلُزُومِ الْعَمَلِ بِهِ كَالظَّاهِرِ الْمَتْلُوِّ مِنَ الْقُرْآنِ (أَلَا يُوشِكُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُحْذِّرُ بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ السُّنَنِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَرَكُوا السُّنَنَ الَّتِي ضُمِّنَتْ بَيَانَ الْكِتَابِ فَتَحَيَّرُوا وَضَلُّوا انْتَهَى (رَجُلٌ شَبْعَانُ) هو كناية عن البلادة وسوء الفهم الناشىء عَنِ الشِّبَعِ أَوْ عَنِ الْحَمَاقَةِ اللَّازِمَةِ لِلتَّنَعُّمِ وَالْغُرُورِ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) أَيْ سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ بِالْحُلَلِ وَالْأَثْوَابِ وَأَرَادَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَصْحَابَ التَّرَفُّهِ وَالدَّعَةِ الَّذِينَ لَزِمُوا الْبُيُوتَ وَلَمْ يَطْلُبُوا الْعِلْمَ مِنْ مَظَانِّهِ (فَأَحَلُّوهُ) أَيِ اعْتَقَدُوهُ حَلَالًا (فَحَرَّمُوهُ) أَيِ اعْتَقَدُوهُ حَرَامًا وَاجْتَنَبُوهُ (أَلَا لَا يحل لكم) بيان للقسم الَّذِي ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ (وَلَا لُقَطَةُ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ مِمَّا ضَاعَ مِنْ شَخْصٍ بِسُقُوطٍ أَوْ غَفْلَةٍ (مُعَاهَدٍ) أَيْ كَافِرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ بِأَمَانٍ وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِالْإِضَافَةِ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي لُقَطَةِ الْمُسْلِمِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى (إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا) أَيْ يَتْرُكَهَا لِمَنْ أَخَذَهَا اسْتِغْنَاءً عَنْهَا (فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يُضَيِّفُوهُ مِنْ قَرَيْتُ الضَّيْفَ إِذَا أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ (فَلَهُ أَنْ يَعْقُبَهُمْ) مِنَ الْإِعْقَابِ بِأَنْ يَتْبَعَهُمْ وَيُجَازِيَهُمْ مِنْ صَنِيعِهِ
يُقَالُ أَعْقَبَهُ بِطَاعَتِهِ إِذَا جَازَاهُ وَرُوِيَ بِالتَّشْدِيدِ يُقَالُ عَقَّبَهُمْ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا وَأَعْقَبَهُمْ إِذَا أَخَذَ مِنْهُمْ عُقْبَى وَعُقْبَةً وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَدَلًا عَمَّا فَاتَهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (بِمِثْلِ قِرَاهُ) بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ أَيْ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عِوَضًا عَمَّا حَرَّمُوهُ مِنَ الْقِرَى
قِيلَ هَذَا فِي الْمُضْطَرِّ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَا حَاجَةَ بِالْحَدِيثِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْكِتَابِ وَأَنَّهُ مَهْمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ فَأَمَّا مَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ إِذَا جَاءَكُمُ الْحَدِيثُ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَخُذُوهُ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ
وَقَدْ حَكَى زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمَا
(لا ألفين) أي لاأجدن مِنْ أَلْفَيْتُهُ وَجَدْتُهُ (مُتَّكِئًا) حَالٌ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) أَيْ سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ (يَأْتِيهِ الْأَمْرُ) أَيِ الشَّأْنُ من شؤون الدِّينِ (مِنْ أَمْرِي) بَيَانُ الْأَمْرِ وَقِيلَ اللَّازِمُ فِي الْأَمْرِ زَائِدَةٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِي (مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ) بَيَانُ أَمْرِي (لَا نَدْرِي) أَيْ لَا نَعْلَمُ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَلَا أَتَّبِعُ غَيْرَهُ (مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) مَا مَوْصُولَةٌ أَيِ الَّذِي وَجَدْنَاهُ فِي الْقُرْآنِ اتَّبَعْنَاهُ وَعَمِلْنَا بِهِ
وَلَقَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَوَقَعَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ فَإِنَّ رَجُلًا خَرَجَ مِنَ الْفِنْجَابِ مِنْ إِقْلِيمِ الْهِنْدِ وَانْتَسَبَ نَفْسَهُ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ وَشَتَّانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقُرْآنِ بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ فَأَضَلَّهُ الشَّيْطَانُ وَأَغْوَاهُ وَأَبْعَدَهُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَتَفَوَّهَ بِمَا لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَأَطَالَ لِسَانَهُ فِي إِهَانَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَدَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ بِأَسْرِهَا وَقَالَ هَذِهِ كُلُّهَا مَكْذُوبَةٌ وَمُفْتَرَيَاتٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَقَطْ دُونَ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً مُتَوَاتِرَةً وَمَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ الْقُرْآنِ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِ الْكُفْرِيَّةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ وَجَعَلَهُ إِمَامًا وَقَدْ أَفْتَى عُلَمَاءُ الْعَصْرِ بِكُفْرِهِ وَإِلْحَادِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ وَالْأَمْرِ كَمَا قَالُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثَيْنِ تَوْبِيخٌ مِنْ غَضَبٍ عَظِيمٍ عَلَى مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِالْكِتَابِ فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَّحَ الرَّأْيَ عَلَيْهَا أَوْ قَالَ لَا عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ بِهَا فَإِنَّ لِي مذهبا أتبعه
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مُرْسَلًا
(عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ (مَنْ أَحْدَثَ) أَيْ أَتَى بِأَمْرٍ جَدِيدٍ (فِي أَمْرِنَا هَذَا) أَيْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ (مَا لَيْسَ فِيهِ) أَيْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَنَدٌ ظَاهِرٌ أَوْ خَفِيٌّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَهُوَ) أَيِ الَّذِي أَحْدَثَهُ (رَدٌّ) أَيْ مَرْدُودٌ وَبَاطِلٌ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَقْدِ نِكَاحٍ وَبَيْعٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعُقُودِ فَإِنَّهُ مَنْقُوضٌ مَرْدُودٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَهُوَ رَدٌّ يُوجِبُ ظَاهِرُهُ إِفْسَادَهُ وَإِبْطَالَهُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ الظَّاهِرِ فَيَنْزِلُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ لِقِيَامِ الدليل فيه انتهى (قال بن عِيسَى) هُوَ مُحَمَّدٌ (مَنْ صَنَعَ أَمْرًا) أَيْ عَمِلَ عَمَلًا (عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا) أَيْ لَيْسَ فِي دِينِنَا
عَبَّرَ عَنِ الدِّينِ بِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الدِّينَ هُوَ أَمْرُنَا الَّذِي نَشْتَغِلُ به
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
(وَهُوَ) أَيِ الْعِرْبَاضُ وَلَا عَلَى الذين إذا ما أتوك لتحملهم أَيْ مَعَكَ إِلَى الْغَزْوِ وَالْمَعْنَى لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ (قُلْتَ لَا أجد ما أحملكم عليه) حَالٌ مِنَ الْكَافِ فِي أَتَوْكِ بِتَقْدِيرِ قَدْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّهُ قِيلَ مَا بَالُهُمْ تَوَالَوْا
قُلْتَ لَا أَجِدُ وَتَمَامُ الْآيَةِ (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يجدوا ما ينفقون) وَقَوْلُهُ (تَوَلَّوْا) جَوَابُ إِذَا وَمَعْنَاهُ انْصَرَفُوا (فَسَلَّمْنَا) أَيْ عَلَى الْعِرْبَاضِ (زَائِرِينَ) مِنَ الزِّيَارَةِ (وَعَائِدِينَ) مِنَ الْعِيَادَةِ (وَمُقْتَبِسِينَ) أَيْ مُحَصِّلِينَ الْعِلْمَ مِنْكَ (ذَرَفَتْ) أَيْ دَمَعَتْ (وَوَجِلَتْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ خَافَتْ (كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ) بِالْإِضَافَةِ فَإِنَّ الْمُوَدِّعَ بِكَسْرِ الدَّالِ عِنْدَ الْوَدَاعِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا يُهِمُّ الْمُوَدَّعَ بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ كأنك تودعنا بها لمارأى مِنْ مُبَالَغَتِهِ ﷺ فِي الْمَوْعِظَةِ (فَمَاذَا تَعْهَدُ) أَيْ تُوصِي (وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمُطَاعُ عَبْدًا حَبَشِيًّا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ بِهِ طَاعَةَ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي الشَّيْءِ بِمَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فِي الْوُجُودِ كَقَوْلِهِ ﷺ من بنى لله مسجداولو مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَقَدْرُ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا لِشَخْصٍ آدَمِي وَنَظَائِرُ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرٌ
(وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قِيلَ هُوَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ وَقِيلَ هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَيْضًا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْمَضَضِ فِي ذَاتِ اللَّهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَأَلِّمُ بِالْوَجَعِ يُصِيبُهُ (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ إِلَخْ) قَالَ الحافظ بن رَجَبٍ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ فِيهِ تَحْذِيرٌ لِلْأُمَّةِ مِنَ اتِّبَاعِ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لُغَةً فَقَوْلُهُ ﷺ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ مِنَ اسْتِحْسَانِ بَعْضِ الْبِدَعِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْبِدَعِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ فِي التَّرَاوِيحِ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ بِدْعَةً فَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ وَمِنْ ذَلِكَ أَذَانُ الْجُمُعَةِ الْأَوَّلِ زَادَهُ عُثْمَانُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَأَقَرَّهُ عَلِيٌّ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ
وَرُوِيَ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ هُوَ بِدْعَةٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَ أَبُوهُ فِي التَّرَاوِيحِ انْتَهَى مُلَخَّصًا
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا ذِكْرُ حُجْرِ بْنِ حُجْرٍ غَيْرَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ تَعْلِيقًا
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَالْخُلَفَاءُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَقَالَ ﷺ اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَخَصَّ اثْنَيْنِ وَقَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ فَخَصَّهُ فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ قَوْلًا وَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِهِ أَوْلَى
وَالْمُحْدَثُ عَلَى قِسْمَيْنِ مُحْدَثٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ إِلَّا الشُّهْرَةُ (الشَّهْوَةُ) وَالْعَمَلُ بِالْإِرَادَةِ فَهَذَا بَاطِلٌ وَمَا كَانَ عَلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ أَوْ مَرْدُودٍ إِلَيْهَا فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ وَلَا ضَلَالَةٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) أَيِ الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالُونَ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُتَنَطِّعُ الْمُتَعَمِّقُ فِي الشَّيْءِ الْمُتَكَلِّفُ لِلْبَحْثِ عَنْهُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ
الْكَلَامِ الدَّاخِلِينَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمُ الْخَائِضِينَ فِيمَا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِظَاهِرِ الْكَلَامِ وَأَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ إِلَى غَيْرِهِ مَا كَانَ لَهُ مَسَاغٌ وَأَمْكَنَ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ انْتَهَى (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ قَالَ هذه الكلمة ثلاث مرات
(باب من دعا إلى السُّنَّةِ)
(مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى) أَيْ إِلَى مَا يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ) إِنَّمَا اسْتَحَقَّ الدَّاعِي إِلَى الْهُدَى ذَلِكَ الْأَجْرَ لِكَوْنِ الدُّعَاءِ إِلَى الْهُدَى خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ (لَا يَنْقُصُ) بِضَمِّ الْقَافِ (ذَلِكَ) أَيِ الْأَجْرُ وَقِيلَ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَصْدَرِ كَانَ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) هَذَا دَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ أَجْرَ الدَّاعِي إِنَّمَا يَكُونُ مَثَلًا بِالتَّنْقِيصِ مِنْ أَجْرِ التَّابِعِ وَبِضَمِّ أَجْرِ التَّابِعِ إِلَى أَجْرِ الدَّاعِي وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي أُجُورِهِمْ رَاجِعٌ إِلَى مِنْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
(إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ جُرْمًا مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْظَمَ مَنْ أَجْرَمَ جُرْمًا كَائِنًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ (مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ إِلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّبْيِينِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَسُؤَالِ عُمَرَ ﵁ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَمْرِ الْخَمْرِ حتى حرمت بعد ما كَانَتْ حَلَالًا لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَعَتْ إِلَيْهِ
وَثَانِيهِمَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَهُوَ السُّؤَالُ عَمَّا لَمْ يَقَعْ وَلَا دَعَتْ إِلَيْهِ حاجة فسكوت النبي فِي مِثْلِ هَذَا عَنْ جَوَابِهِ رَدْعٌ لِسَائِلِهِ وإن أجاب عنه كان تغليظ له فيكون بسببه تغليظ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ لِتَعَدِّي جِنَايَتِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا كذلك غيره
كذا قال بن الْمَلَكِ فِي الْمَبَارِقِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(عَائِذَ اللَّهِ) بِالنَّصْبِ اسْمُ أَبِي إِدْرِيسَ (أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَمِيرَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَخَبَرُ أَنَّ قَوْلُهُ أَخْبَرَهُ وَقَوْلُهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بين اسم أن وخبرها (قَالَ كَانَ) أَيْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (لِلذِّكْرِ) أَيِ الْوَعْظِ (اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ) أَيْ حَاكِمٌ عَادِلٌ (هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ) أَيِ الشَّاكُّونَ (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ) أَيْ بَعْدَكُمْ (فِتَنًا) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ فِتْنَةٍ وَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ بِالْبَلِيَّةِ (وَيُفْتَحُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شُيُوعِ إِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ وَكَثْرَةِ تِلَاوَتِهِ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ شُيُوعِ الْإِقْرَاءِ وَالْقِرَاءَةِ وَكَثْرَةِ التِّلَاوَةِ أَنْ يُفْتَحَ الْقُرْآنُ
وَالْمَعْنَى أَنَّ فِي أَيَّامِ هَذِهِ الْفِتَنِ يَشِيعُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتُهُ وَيَرُوجُ تِلَاوَتُهُ بِحَيْثُ يَقْرَؤُهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ (حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ) أَيْ أَخْتَرِعَ لَهُمُ الْبِدْعَةَ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَيَقُولُ ذَلِكَ لَمَّا رَآهُمْ يَتْرُكُونَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَيَتَّبِعُونَ الشَّيْطَانَ وَالْبِدْعَةَ (فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتَدَعَ) أَيِ احْذَرُوا مِنْ بِدْعَتِهِ (فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَوِ الْمَعْلُومِ (زَيْغَةَ الْحَكِيمِ) أَيِ انْحِرَافَ الْعَالِمِ عَنِ الْحَقِّ
وَالْمَعْنَى أُحَذِّرُكُمْ مِمَّا صَدَرَ مِنْ لِسَانِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الزَّيْغَةِ وَالزَّلَّةِ وَخِلَافِ الْحَقِّ فَلَا تَتَّبِعُوهُ (قَالَ قُلْتُ) ضَمِيرُ قَالَ رَاجِعٌ إِلَى يَزِيدَ (مَا يُدْرِينِي) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُنِي (رَحِمَكَ اللَّهُ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دُعَائِيَّةٌ (أَنَّ الْحَكِيمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيُدْرِينِي (قَالَ) أَيْ
مُعَاذٌ ﵁ (بَلَى) أَيْ قَدْ يَقُولُ الْحَكِيمُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ وَالْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ (اجْتَنِبْ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ (مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ) أَيِ الْكَلِمَاتِ الْمُشْتَهِرَاتِ بِالْبُطْلَانِ (الَّتِي يُقَالُ لَهَا مَا هَذِهِ) أَيْ يَقُولُ النَّاسُ إِنْكَارًا فِي شأن تلك المشتهرات ما هذه (ولا ينئينك) أَيْ لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ مُشْتَهِرَاتِ الْحَكِيمِ (عَنْهُ) أَيْ عَنِ الْحَكِيمِ (فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ) أَيِ الْحَكِيمَ (أَنْ يُرَاجِعَ) أَيْ يَرْجِعَ عَنِ الْمُشْتَهِرَاتِ (وَتَلَقَّ الْحَقَّ) أَيْ خُذْهُ (فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا) أَيْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ كَلِمَةُ الْحَقِّ وَإِنْ سَمِعْتَهَا مِنَ الْمُنَافِقِ لِمَا عَلَيْهَا مِنَ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَكَذَلِكَ كَلِمَاتُ الْحَكِيمِ الْبَاطِلَةُ لَا تَخْفَى عَلَيْكَ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا يَسْمَعُونَهَا يُنْكِرُونَهَا لِمَا عَلَيْهَا مِنْ ظَلَامِ الْبِدْعَةِ وَالْبُطْلَانِ وَيَقُولُونَ إِنْكَارًا مَا هَذِهِ وَتُشْتَهَرُ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْبُطْلَانِ فَعَلَيْكَ أَنْ تَجْتَنِبَ مِنْ كَلِمَاتِ الْحَكِيمِ الْمُنْكَرَةَ الْبَاطِلَةَ وَلَكِنْ لَا تَتْرُكْ صُحْبَةَ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ عَنْهَا (وَلَا يُنْئِيَنَّكَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ لَا يُبَاعِدَنَّكَ فَفِي الْقَامُوسِ نَأَيْتُهُ وَعَنْهُ كَسَعَيْتُ بَعُدْتُ وَأَنْأَيْتُهُ فَانْتَأَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مَوْقُوفٌ
(يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَدَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَدْ يُسَكَّنُ الدَّالُ (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ دُلَيْلٍ) بِالتَّصْغِيرِ (فَكَتَبَ) أَيْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (أَمَّا بَعْدُ أُوصِيكَ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنِ الْقَدَرِ (بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاقْتِصَادِ) أَيِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (فِي أَمْرِهِ) أَيْ أَمْرِ اللَّهِ أَوِ
الاستقامة في أمره أوصيك (اتباع) أي باتباع (سنة نبيه وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيِ ابْتَدَعَ الْمُبْتَدِعُونَ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَوْصَاهُ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَنْ يَقْتَصِدَ أَيْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي أَمْرِ اللَّهِ أَيْ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ وَأَنْ يَسْتَقِيمَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَرْغَبُ عَنْهُ إِلَى الْيَمِينِ وَلَا إِلَى الْيَسَارِ وَأَنْ يَتَّبِعَ سنة نبيه وطريقته وأن يترك ما ابتدعه المبتدعون (بعد ما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ) ظَرْفٌ لِأَحْدَثَ وَقَوْلُهُ كُفُوا بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ مِنَ الْكِفَايَةِ وَالْمُؤْنَةُ الثِّقَلُ يُقَالُ كَفَى فُلَانًا مُؤْنَتَهُ أَيْ قَامَ بِهَا دُونَهُ فَأَغْنَاهُ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا
فَمَعْنَى كُفُوا مُؤْنَتَهُ أَيْ كَفَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مُؤْنَةَ مَا أَحْدَثُوا أَيْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَى ظُهُورِهِمْ ثِقَلَ الْإِحْدَاثِ وَالِابْتِدَاعِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ لِعِبَادِهِ دِينَهُمْ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ وَرَضِيَ لَهُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَلَمْ يَتْرُكْ إِلَيْهِمْ حَاجَةً لِلْعِبَادِ فِي أَنْ يُحْدِثُوا لَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَيْ يَزِيدُوا عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ يَنْقُصُوا مِنْهُ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا (فَعَلَيْكَ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (بِلُزُومِ السنة) أي سنة النبي وَطَرِيقَتِهِ (فَإِنَّهَا) أَيِ السُّنَّةَ أَيْ لُزُومَهَا (لَكَ بِإِذْنِ اللَّهِ عِصْمَةٌ) مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْمُهْلِكَاتِ وَعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَنِقْمَتِهِ (ثُمَّ اعْلَمْ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إِلَّا قَدْ مَضَى) فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ تِلْكَ الْبِدْعَةِ (مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى تِلْكَ الْبِدْعَةِ أَيْ عَلَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ (أَوْ) مَضَى فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ قَبْلَهَا مَا هُوَ (عِبْرَةٌ فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ الْبِدْعَةِ أَيْ فِي أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا) أَيْ وَضَعَهَا (مَنْ) هو الله تعالى أو النبي (قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا) أَيْ خِلَافِ السنة أي البدعة (ولم يقل بن كَثِيرٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ أَحَدُ شُيُوخِ الْمُؤَلِّفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَفْظَ (مَنْ قَدْ عَلِمَ) وَإِنَّمَا قَالَهُ الرَّبِيعُ وَهَنَّادٌ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ فَقَالَ مَكَانَهُ لَفْظًا آخَرَ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ ذَلِكَ اللَّفْظَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ) بَيَانٌ لِمَا فِي خِلَافِهَا فَإِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ إِنَّمَا سَنَّهَا وَوَضَعَهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوِ النبي فَكَيْفَ يُتْرَكُ بَيَانُ مَا فِي خِلَافِهَا فِي كتابه أو سنة نبيه هذا مما لايصح
وَالتَّعَمُّقُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُتَعَمِّقُ الْمُبَالِغُ فِي الْأَمْرِ الْمُتَشَدِّدُ فِيهِ الَّذِي يَطْلُبُ أَقْصَى غَايَتِهِ
انْتَهَى (فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ) أَيِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي رَضِيَ بِهَا السَّلَفُ الصَّالِحُونَ أَيِ النبي وَأَصْحَابُهُ (لِأَنْفُسِهِمْ) عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ افْتِرَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّهُمْ) أَيِ الْقَوْمَ الْمَذْكُورِينَ (عَلَى عِلْمٍ) عَظِيمٍ عَلَى مَا يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (وَقَفُوا) أَيِ اطَّلَعُوا
وَقَوْلُهُ (بِبَصَرٍ نَافِذٍ) أَيْ مَاضٍ فِي الْأُمُورِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (كَفُّوا) بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ مَنَعُوا عَمَّا مَنَعُوا مِنَ الْإِحْدَاثِ وَالِابْتِدَاعِ (وَلَهُمْ) بِفَتْحِ لَامِ الِابْتِدَاءِ لِلتَّأْكِيدِ وَالضَّمِيرُ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِينَ (عَلَى كَشْفِ الْأُمُورِ) أَيْ أُمُورِ الدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (أَقْوَى) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ أَيْ هُمْ أَشَدُّ قُوَّةً عَلَى كَشْفِ أُمُورِ الدِّينِ مِنَ الْخَلَفِ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا) أَيِ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ (فِيهِ) مِنْ أَمْرِ الدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (أَوْلَى) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ أَيْ هُمْ أَحَقُّ بِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْخَلَفِ
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ (فَإِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) أَيِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا أَيُّهَا الْمُحْدِثُونَ الْمُبْتَدِعُونَ (لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى الْهُدَى وَتَقَدَّمْتُمُوهُمْ وَخَلَفْتُمُوهُمْ وَهَذَا صَرِيحُ الْبُطْلَانِ فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوكُمْ إِلَى الْهُدَى لَا أَنْتُمْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْهُدَى لَيْسَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ جَوَابُ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَ الْقَسَمُ أَوَّلَ الْكَلَامِ ظَاهِرًا أَوْ مُقَدَّرًا وَبَعْدَهُ كَلِمَةُ الشَّرْطِ فَالْأَكْثَرُ وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الْقَسَمِ دُونَ الشَّرْطِ فَيَجْعَلُ الْجَوَابَ لِلْقَسَمِ وَيَسْتَغْنِي عَنْ جَوَابِ الشَّرْطِ لِقِيَامِ جَوَابِ الْقَسَمِ مَقَامَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ولئن قوتلوا لا ينصرونهم وقوله تعالى وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (وَلَئِنْ قُلْتُمْ) أَيُّهَا الْمُحْدِثُونَ الْمُبْتَدِعُونَ فِيمَا حَدَثَ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (إِنَّ مَا حَدَثَ) مَا مَوْصُولَةٌ أَيِ الشَّيْءَ الَّذِي حَدَثَ (بَعْدَهُمْ) أَيْ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (مَا أَحْدَثَهُ) مَا نَافِيَةٌ أَيْ لَمْ يُحْدِثْ ذَلِكَ الشَّيْءَ (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ) أَيْ سَبِيلِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ) أَيْ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اتَّبَعَ أَيْ فَضَّلَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ
وَالْحَاصِلُ أَنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ إِنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ لَيْسَ بِضَلَالٍ بَلْ هُوَ الْهُدَى وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِسَبِيلِهِمْ
وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَذَلِكَ بَاطِلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ
وقوله
(فَإِنَّهُمْ) أَيِ السَّلَفُ (هُمُ السَّابِقُونَ) إِلَى الْهُدَى عِلَّةٌ لِلْجَوَابِ الْمَحْذُوفِ قَائِمَةٌ مَقَامَهُ
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَوَابًا لِلشَّرْطِ فَإِنَّ كَوْنَ السَّلَفِ هُمُ السَّابِقِينَ مُتَحَقِّقُ الْمُضِيِّ وَالْجَزَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَقْبَلًا (فَقَدْ تَكَلَّمُوا) أَيِ السَّلَفُ (فِيهِ) أَيْ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ (بِمَا يَكْفِي) لِلْخَلَفِ (وَوَصَفُوا) أَيْ بَيَّنُوا السَّلَفُ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ (مَا يَشْفِي) لِلْخَلَفِ (فَمَا دُونَهُمْ) أَيْ فَلَيْسَ دُونَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ أَنَّ تَحْتَهُمْ أَيْ تَحْتَ قَصْرِهِمْ (مِنْ مَقْصَرٍ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ ظَرْفٍ أَيْ حَبْسٍ أَوْ مَحَلِّ حَبْسٍ مَنْ قَصَرَ الشَّيْءَ قَصْرًا أَيْ حَبَسَهُ (وَمَا فَوْقَهُمْ) أَيْ وَلَيْسَ فَوْقَهُمْ أَيْ فَوْقَ حَسْرِهِمْ (مِنْ مَحْسَرٍ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ ظَرْفٍ أَيْضًا أَيْ كَشْفٍ أَوْ مَحَلِّ كَشْفٍ مِنْ حَسَرَ الشَّيْءَ حَسَرًا أَيْ كَشَفَهُ يُقَالُ حَسَرَ كُمَّهُ مِنْ ذِرَاعِهِ أَيْ كَشَفَهَا وَحَسَرَتِ الْجَارِيَةُ خِمَارَهَا مِنْ وَجْهِهَا أَيْ كَشَفَتْهُ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحِينَ قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ كَشْفِ مَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَى كَشْفِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ حَبْسًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَشَفُوا مَا احْتِيجَ إِلَى كَشْفِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ كَشْفًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ (وَقَدْ قَصَّرَ) مِنَ التَّقْصِيرِ (قَوْمٌ دُونَهُمْ) أَيْ دُونَ قَصْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ أَيْ قَصَّرُوا قَصْرًا أَزْيَدَ مِنْ قَصْرِهِمْ (فَجَفَوْا) أَيْ لَمْ يَلْزَمُوا مَكَانَهُمُ الْوَاجِبَ قِيَامُهُمْ فِيهِ مِنْ جَفَا جَفَاءً إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مَكَانَهُ أَيِ انْحَدَرُوا وَانْحَطُّوا مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ بِهَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ زِيَادَةُ الْقَصْرِ (وَطَمَحَ) أَيِ ارْتَفَعَ مِنْ طَمَحَ بَصَرُهُ إِذَا ارْتَفَعَ وَكُلُّ مُرْتَفِعٍ طَامِحٌ (عَنْهُمْ) أَيِ السَّلَفِ (أَقْوَامٌ) أَيِ ارْتَفَعُوا عَنْهُمْ فِي الْكَشْفِ أَيْ كَشَفُوا كَشْفًا أَزْيَدَ مِنْ كَشْفِهِمْ (فَغَلَوْا) فِي الْكَشْفِ أَيْ شَدَّدُوا حَتَّى جَاوَزُوا فِيهِ الْحَدَّ فَهَؤُلَاءِ قَدْ أَفْرَطُوا وَأَسْرَفُوا فِي الْكَشْفِ كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ قَدْ فَرَّطُوا وَقَتَّرُوا فِيهِ (وَإِنَّهُمْ) أَيِ السَّلَفَ (بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالطَّمْحِ أَيْ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) يَعْنِي أَنَّ السَّلَفَ لَعَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ الِاقْتِصَادُ وَالتَّوَسُّطُ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ لَيْسُوا بِمُفَرِّطِينَ كَالْقَوْمِ الْقَاصِرِينَ دُونَهُمْ وَلَا بِمُفَرِّطِينَ كَالْأَقْوَامِ الطَّامِحِينَ عَنْهُمْ
(كَتَبْتَ تَسْأَلُ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ) هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ بِدْعَةٌ (فَعَلَى الْخَبِيرِ) أَيِ الْعَارِفِ بِخَبَرِهِ (بِإِذْنِ اللَّهِ) تَعَالَى (وَقَعْتَ) أَيْ سَأَلْتَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ مَنْ هُوَ عَارِفٌ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ (مَا أَعْلَمُ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ) مَفْعُولٌ أَوَّلُ لِأَعْلَمَ (مِنْ مُحْدِثَةٍ) بَيَانٌ لِمَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ (وَلَا ابْتَدَعُوا مِنْ بِدْعَةٍ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ مُحْدِثَةٍ (هِيَ
فَصْلٌ بَيْنَ مَفْعُولَيْ أَعْلَمَ (أَبْيَنُ أَثَرًا) مَفْعُولٌ ثَانٍ لَهُ (وَلَا أَثْبَتُ أَمْرًا) عَطْفٌ عَلَى أَبْيَنَ أَثَرًا (مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَبْيَنَ وَأَثْبَتَ عَلَى التَّنَازُعِ
يَقُولُ إِنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ هُوَ أَبْيَنُ أَثَرًا وَأَثْبَتُ أَمْرًا فِي عِلْمِي مِنْ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ مِنْ مُحْدِثَةٍ وَابْتَدَعُوهُ مِنْ بِدْعَةٍ لَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِمَّا أَحْدَثُوهُ وَابْتَدَعُوهُ أَبْيَنَ أَثَرًا وَأَثْبَتَ أَمْرًا مِنْهُ أَيْ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْإِقْرَارُ بِالْقَدَرِ مُحْدَثًا وَبِدْعَةً لُغَةً نَظَرًا إِلَى تَأْلِيفِهِ وَتَدْوِينِهِ فَإِنَّ تَأْلِيفَهُ وَتَدْوِينَهُ مُحْدَثٌ وَبِدْعَةٌ لُغَةً بلا ريب
فإن النبي لَمْ يُدَوِّنْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ مُحْدَثًا وَبِدْعَةً بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ أَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ (لَقَدْ كَانَ ذَكَرَهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ (الْجُهَلَاءُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ ذَكَرَ (يَتَكَلَّمُونَ بِهِ) أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ (فِي كَلَامِهِمْ) الْمَنْثُورِ (وَفِي شِعْرِهِمْ) أَيْ كَلَامِهِمُ الْمَنْظُومِ (يُعَزُّونَ) مِنَ التَّعْزِيَةِ وَهُوَ التَّسْلِيَةُ وَالتَّصْبِيرُ أَيْ يُسَلُّونَ ويصيرون (بِهِ) أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ (أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَا فَاتَهُمْ) فِي نِعَمِهِ (ثُمَّ لَمْ يَزِدْهُ) أَيِ الْإِقْرَارُ بِالْقَدَرِ (الْإِسْلَامُ بَعْدُ) مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ أَيْ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ (إِلَّا شِدَّةً) وَإِحْكَامًا حَيْثُ فَرَضَهُ عَلَى الْعِبَادِ (وَلَقَدْ ذَكَرَهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بالقدر (رسول الله فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَلَا حَدِيثَيْنِ) بَلْ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ (وَقَدْ سَمِعَهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (منه) ﷺ (الْمُسْلِمُونَ) أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃ (فَتَكَلَّمُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃ (بِهِ) أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ (فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ) ﵌ (يَقِينًا وَتَسْلِيمًا لِرَبِّهِمْ وَتَضْعِيفًا لِأَنْفُسِهِمْ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ ضَعَّفَهُ تضعيفا عده تضعيفا (أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ) مِنَ الْأَشْيَاءِ لَمْ يُحِطْ مِنَ الْإِحَاطَةِ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ (عِلْمُهُ) أَيْ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَمْ يُحْصِهِ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنَ الْإِحْصَاءِ وَهُوَ الْعَدُّ وَالضَّبْطُ أَيْ لَمْ يَضْبِطْهُ (كِتَابُهُ) أَيْ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ (وَلَمْ يَمْضِ) أَيْ لَمْ يَنْفُذْ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ (قَدَرُهُ) أَيْ قَدَرُ اللَّهِ تَعَالَى
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَيِ الصَّحَابَةَ ﵃ أَقَرُّوا بِالْقَدَرِ وَتَيَقَّنُوا بِهِ وَسَلَّمُوا ذَلِكَ لِرَبِّهِمْ وَضَعَّفُوا أَنْفُسَهُمْ أَيِ اسْتَحَالُوا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا عَزُبَ وَغَابَ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُ تَعَالَى وَلَمْ يَضْبِطْهُ كِتَابُهُ وَلَمْ يَنْفُذْ فِيهِ أَمْرُهُ (وَإِنَّهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (مَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْجُهَلَاءُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَذَكَرَهُ رَسُولُ الله فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَأَقَرَّ بِهِ الصَّحَابَةُ وَتَيَقَّنُوا به وسلموه واستحلوا نَفْيَهُ (لَفِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ) أَيْ لَمَذْكُورٌ فِي القرآن المجيد
(مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ (اقْتَبَسُوهُ) أَيِ اقْتَبَسَ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ وَاسْتَفَادَهُ السلف الصالحون رسول الله وَأَصْحَابُهُ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ (تَعَلَّمُوهُ) أَيْ تَعَلَّمُوا الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (وَلَئِنْ قُلْتُمْ) أَيُّهَا الْمُبْتَدِعُونَ (لِمَ أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ كَذَا وَلِمَ قَالَ كَذَا) فِي شَأْنِ الْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا يُخَالِفُ الْقَدَرَ (لَقَدْ قَرَؤُوا) أَيِ السَّلَفُ (مِنْهُ) مِنْ كِتَابِهِ الْمُحْكَمِ (مَا قَرَأْتُمْ وَعَلِمُوا) أَيِ السَّلَفُ (مِنْ تَأْوِيلِهِ) أَيْ تَأْوِيلِ مُحْكَمِ كِتَابِهِ (مَا جَهِلْتُمْ وَقَالُوا) أَيِ السَّلَفُ أَيْ أَقَرُّوا (بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ بعد ما قَرَؤُوا مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ مَا قَرَأْتُمْ وَعَلِمُوا مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا جَهِلْتُمْ (بِكِتَابٍ وَقَدَرٍ) أَيْ أَقَرُّوا بِكِتَابٍ وَقَدَرٍ أَيْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَدَّرَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السماوات والأرض بمدة طويلة أَقَرُّوا بِأَنَّ (مَا يُقَدَّرُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَمَا شرطية (يكن و) أقروا بأن (ما شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يكن و) بأنا (لا نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ثُمَّ رَغِبُوا) أَيِ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ هَذَا الْإِقْرَارُ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيهَا (وَرَهِبُوا) الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ أَيْ خَافُوهَا وَاتَّقَوْهَا
وَقَوْلُهُ لَقَدْ قَرَؤُوا إِلَخْ جَوَابُ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ وَاسْتَغْنَى عَنْ جَوَابِ الشَّرْطِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ كَمَا تَقَدَّمَ هَكَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْأَعْلَامِ فِي تَعْلِيقَاتِ السُّنَنِ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْبِدْعَةَ هِيَ عَمَلٌ عَلَى غَيْرِ مِثْلٍ سَبَقَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ هِيَ الْحَدَثُ فِي الدِّينِ بَعْدَ الْإِكْمَالِ وَالْبِدْعَةُ أَصْغَرُ مِنَ الْكُفْرِ وَأَكْبَرُ مِنَ الْفِسْقِ وَكُلُّ بِدْعَةٍ تُخَالِفُ دَلِيلًا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ بِهِ فَهِيَ كُفْرٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ تُخَالِفُ دَلِيلًا يُوجِبُ الْعَمَلَ ظَاهِرًا فَهِيَ ضَلَالَةٌ وَلَيْسَتْ بِكُفْرٍ
قَالَ السَّيِّدُ فِي التَّعْرِيفَاتِ الْبِدْعَةُ هِيَ الْفِعْلَةُ الْمُخَالِفَةُ لِلسُّنَّةِ سُمِّيَتْ بِدْعَةً لِأَنَّ قَائِلَهَا ابْتَدَعَهَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ انْتَهَى
وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ فَاحْفَظْهَا
وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فِي الْمَرَاسِيلِ وَعَزَاهُ لِأَبِي داود ثم قال هو في رواية بن الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ انْتَهَى
(أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ) هُوَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ (كَانَ لِابْنِ عُمَرَ صَدِيقٌ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ
الْمُخَفَّفَةِ عَلَى وَزْنِ أَمِيرٍ أَيْ حَبِيبٌ مِنَ الصَّدَاقَةِ وَهِيَ الْمَحَبَّةُ (فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ) أَيْ فَاحْذَرْ عَنِ الْكِتَابَةِ إِلَيَّ لِأَنِّي تَرَكْتُ حُبَّكَ وَالْمُكَاتَبَةَ إِلَيْكَ
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هو في رواية بن الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ انْتَهَى
(قُلْتُ لِلْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ سَأَلَهُ عَنْ بَعْضِ فُرُوعِ مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ لِيَعْرِفَ عَقِيدَتَهُ فِيهَا لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَّهِمُونَهُ قَدَرِيًّا إِمَّا لِأَنَّ بَعْضَ تَلَامِذَتِهِ مَالَ إِلَى ذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ تَأْوِيلُهُ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَالَهُ لِاعْتِقَادِهِ مَذْهَبَ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ انْتَهَى (أَخْبِرْنِي عَنْ آدَمَ) هُوَ أَبُو الْبَشَرِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (لِلسَّمَاءِ) أَيْ لِأَنْ يَسْكُنَ وَيَعِيشَ فِي الْجَنَّةِ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (لَوِ اعْتَصَمَ) أَيْ لَمْ يُذْنِبْ وَلَمْ يَأْثَمْ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِآدَمَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَكْلِهَا أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى مَا أنتم عليه بفاتنين الْآيَةَ وَقَبْلَهُ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ وَالْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي عَلَيْهِ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَعْبُدُونَ وَالْمَعْنَى فَإِنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ وَالَّذِي تَعْبُدُونَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ مَا أَنْتُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بِمُضِلِّينَ أَحَدًا إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى وَقِيلَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْمَعْنَى لَسْتُمْ تُضِلُّونَ أَحَدًا عَلَى اللَّهِ إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى
قَالَ الْمِزِّيُّ الحديث في رواية بن الأعرابي وبن داسة
(ولذلك خلقهم) وَقَبْلَهُ (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) أَيْ أَهْلَ دِينٍ وَاحِدٍ (وَلَا يَزَالُونَ مختلفين) أَيْ فِي الدِّينِ (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) أَيْ أَرَادَ لَهُمُ الْخَيْرَ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ (ولذلك خلقهم) أَيْ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ لَهُ وَأَهْلَ الرَّحْمَةِ لَهَا كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ
(قَالَ) أَيِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى الْمَذْكُورِ (خَلَقَ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى (هَؤُلَاءِ لِهَذِهِ) أَيْ لِلْجَنَّةِ (وَهَؤُلَاءِ لِهَذِهِ) أَيْ لِلنَّارِ
قال المزي الحديث في رواية بن الأعرابي وبن دَاسَةَ انْتَهَى
(قُلْتُ لِلْحَسَنِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) أَيْ قُلْتُ لَهُ مَا تَقُولُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ إِلَخْ (إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) أَيْ دَاخِلُهَا
(حماد) هو بن زَيْدٍ نَسَبَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ (أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ) هو بن أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ (أَنْ يَقُولَ الْأَمْرُ بِيَدِي) أَيْ يَقُولُ بِنَفْيِ الْقَدَرِ
(قَالَ أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ) هو بن سَلَمَةَ هَكَذَا نَسَبَهُ الْمِزِّيُّ (قَدِمَ عَلَيْنَا الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ (أَنْ أُكَلِّمَهُ) أَيِ الْحَسَنَ (فَمَا رَأَيْتُ أَخْطَبَ) أَيْ أَحْسَنَ خُطْبَةً وَوَعْظًا (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْحَسَنِ (عَلَى هَذَا الشَّيْخِ) أَيِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
(كَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ إِدْخَالِنَا التَّكْذِيبَ فِي قُلُوبِ الْأَوَّلِينَ (نَسْلُكُهُ) أَيْ نُدْخِلُ التَّكْذِيبَ
(فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) أَيْ كُفَّارِ مَكَّةَ
كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ (قَالَ) أَيِ الْحَسَنُ (الشِّرْكُ) أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي نَسْلُكُهُ الشِّرْكُ
(عَنْ عُبَيْدٍ الصِّيدِ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيُّ يُعْرَفُ بِالصِّيدِ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ الْكُفَّارِ (وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) مِنَ الْإِيمَانِ وَذَلِكَ عِنْدَ الْبَعْثِ حِينَ يَفْزَعُونَ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ إِذْ مَحَلُّ الْإِيمَانِ هُوَ الدُّنْيَا لَا الْآخِرَةُ (قَالَ) الْحَسَنُ (بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا الْمَوْصُولَةِ الْإِيمَانُ وَالْحَائِلُ هُوَ الْقَدَرُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ وَالَّذِي أَحَالَهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى
وَقَوْلُهُ تَعَالَى كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قبل أَيْ بِأَنَّ الْقَدَرَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ وَتَمَامُ الْآيَةِ هَكَذَا وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ
وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا في شك مريب
وَحَاصِلُ مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ تَنَاوُشَهُمْ وَقَوْلَهُمْ في ذلك الوقت أن امنا به لَا يُفِيدُهُمْ وَلَا يُغْنِيهِمْ مِنْ إِيمَانِهِمْ لِأَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا قَدْ كَفَرُوا بِهِ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ وَالْقَدَرِ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ بِكُفْرِهِمْ كَانَ فِي الدُّنْيَا حَائِلًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا حَالَ الْقَدَرُ بَيْنَ أَشْيَاعِهِمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ فَكَفَرُوا وَكَانُوا فِي شَكٍّ من هذا اليوم
(سليم) مصغرا هو بن أَخْضَرَ قَالَهُ الْمِزِّيُّ
(ضَرْبَانِ) أَيْ قِسْمَانِ (قَوْمٌ الْقَدَرُ رَأْيُهُمْ) أَيْ رَأْيُهُمْ وَعَقِيدَتُهُمْ نَفْيُ الْقَدَرِ وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ (أَنْ يُنَفِّقُوا) مِنَ التَّنْفِيقِ أَيْ يُرَوِّجُوا (وَقَوْمٌ لَهُ) أَيْ لِلْحَسَنِ (شَنَآنٌ) أَيْ عداوة
(يَا فِتْيَانُ) جَمْعُ فَتًى (لَا تُغْلَبُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْقَدَرِيَّةُ فِي أَنَّ الْحَسَنَ مِنْهُمْ قَالَهُ السِّنْدِيُّ
(أَنَّ كَلِمَةَ الْحَسَنِ) الْبَصْرِيِّ الَّتِي قَالَهَا وَحَمَلَهَا بَعْضُ السَّامِعِينَ عَلَى نَفْيِ الْقَدَرِ (تَبْلُغُ) تِلْكَ الْكَلِمَةُ (مَا بَلَغَتْ) أَيْ تَبْلُغُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي بَلَغَتْ وَشَاعَتْ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (لَكَتَبْنَا بِرُجُوعِهِ) أَيْ بِرُجُوعِ الْحَسَنِ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ (وَأَشْهَدْنَا عَلَيْهِ) أَيْ ذَلِكَ الرُّجُوعِ (لَكِنَّا قُلْنَا) هِيَ (كَلِمَةٌ خَرَجَتْ) مِنْ لِسَانِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (لَا تُحْمَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ
(مَا أَنَا بِعَائِدٍ) مِنَ الْعَوْدِ (إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُوهِمُ إِلَى نَفْيِ الْقَدَرِ
(عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَكْسُورَةِ (إِلَّا عَلَى الْإِثْبَاتِ) أَيْ عَلَى إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ مَكَانَ عَلَى
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ إِلَى حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا لَيْسَتْ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُنْذِرِيُّ بَلْ هذه كلها من رواية بن الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ
ذَكَرَهُ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَاب فِي التَّفْضِيلِ)
(لَا نَعْدِلُ) أَيْ لَا نُسَاوِي (بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا) أَيْ مِنَ الصَّحَابَةِ بَلْ نُفَضِّلُهُ عَلَى غَيْرِهِ (ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عثمان) أي ثم لانعدل بِهِمَا أَحَدًا أَوْ ثُمَّ نُفَضِّلُهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا (لَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمْ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا لَا نُفَاضِلُ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ لَا نُوقِعُ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَهُمْ
وَالْمَعْنَى لَا نُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَجْهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الشُّيُوخَ وَذَوِي الْأَسْنَانِ مِنْهُمُ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ الله إذا حز به أَمْرٌ شَاوَرَهُمْ فِيهِ وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حديث السن ولم يرد بن عُمَرَ الِازْدِرَاءَ بِعَلِيٍّ وَلَا تَأْخِيرَهُ وَدَفْعَهُ عَنِ الْفَضِيلَةِ بَعْدَ عُثْمَانَ وَفَضْلُهُ مَشْهُورٌ وَلَا يُنْكِرُهُ بن عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَيْهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ إِلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَيْهِ وَذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى تَقْدِيمِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ
قَالَ وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذَا مَذَاهِبُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ وَبِتَقْدِيمِ عَلِيٍّ مِنْ وِجْهَةِ الْقَرَابَةِ وَقَالَ قَوْمٌ لَا يُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ خَيْرٌ وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ
قَالَ وَبَابُ الْخَيْرِيَّةِ غَيْرُ بَابِ الْفَضِيلَةِ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ إِنَّ الْحُرَّ الْهَاشِمِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْعَبْدِ الرومي والحبشي وقد يكون العبد الحبشي خير مِنْ هَاشِمِيٍّ فِي مَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلنَّاسِ فَبَابُ الْخَيْرِيَّةِ مُتَعَدٍّ وَبَابُ الْفَضِيلَةِ لَازِمٌ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ فَقَالَ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ أَنْتَ يَا أَبَتِ
فَكَانَ يَقُولُ مَا أَبُوكَ إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ
(كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حي) الواو للحال (بعده) قال القارىء أي بعد النبي وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ بَعْدَ وُجُودِهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحنفية) هو بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّهُ (قُلْتُ لِأَبِي) أَيْ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (قَالَ) أَيْ عَلِيٌّ (أَبُو بَكْرٍ) أَيْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ أَوْ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْخَيْرُ (مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَسْأَلَةِ خَيْرُ النَّاسِ بِلَا نِزَاعٍ لِأَنَّهُ بَعْدَ قَتْلِ عثمان ﵃
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
(قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَهُ الْمِزِّيُّ (مَنْ زَعَمَ) كَمَا تَزْعُمُ الشِّيعَةُ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ (فَقَدْ خَطَّأَ) مِنَ التَّفْعِيلِ (يُرْفَعُ لَهُ) أَيْ لِهَذَا الزَّاعِمِ (مَعَ هَذَا) الزَّعْمِ وَالْعَقِيدَةِ الْفَاسِدَةِ (عَمَلٌ) صَالِحٌ (إِلَى السَّمَاءِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(الْخُلَفَاءُ) الرَّاشِدُونَ الْقَائِمُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(بَاب فِي الْخُلَفَاءِ)
(ظُلَّةً) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَحَابَةً لَهَا ظِلٌّ وَكُلُّ مَا أَظَلَّ مِنْ سَقِيفَةٍ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى ظُلَّةً (يَنْطِفُ) بِنُونٍ وَطَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا أَيْ يَقْطُرُ (يَتَكَفَّفُونَ) أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ
قَالَ الْخَلِيلُ تَكَفَّفَ بَسَطَ كَفَّهُ لِيَأْخُذَ (فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ) أَيْ فَمِنْهُمُ الْآخِذُ كَثِيرًا وَمِنْهُمُ الْآخِذُ قَلِيلًا (سَبَبًا) أَيْ حَبْلًا (وَاصِلًا) أَيْ مَوْصُولًا فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (أَخَذْتَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ السَّبَبِ (ثُمَّ وُصِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِي وَأُمِّي) أَيْ أَنْتَ مُفْدًى بِأَبِي وَأُمِّي (لَتَدَعَنِّي) بِفَتْحِ اللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ وَالدَّالِ وَالْعَيْنِ وَكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لَتَتْرُكَنِّي (فلأعبرنها) بضم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث رُؤْيَا النَّبِيّ ﷺ السَّمْن وَالْعَسَل وَتَعْبِير الصِّدِّيق ﵁ وَكَلَام الْمُنْذِرِيِّ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا يُشْكِل عَلَيْهِ شيئان
وأحدهما أَنَّ فِي نَفْس الرُّؤْيَا ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا بِهِ فَتَفْسِير الصِّدِّيق لِذَلِكَ مُطَابِق لِنَفْسِ الرؤيا
والثاني أن قتل عثمان ﵁ لَا يَمْنَع أَنْ يُوصَل لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَر قَدْ قُتِلَ وَمَعَ هَذَا فَأَخَذَ بِهِ وَعَلَا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَتْله مَانِعًا مِنْ عُلُوّهُ بِهِ
وَقَدْ يُجَاب عَنْهُمَا
أَمَّا الْأَوَّل فَلَفْظه ثُمَّ وُصِلَ لَهُ لَمْ يَذْكُر هَذَا الْبُخَارِيّ وَلَفْظ حَدِيثه ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُل آخَر فَانْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ فَقَطْ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يُوصَل لَهُ بَعْد اِنْقِطَاعه بِهِ وَقَالَ الصِّدِّيق فِي تَفْسِيره فِي
الْمُوَحَّدَةِ مِنْ عَبَرْتُ الرُّؤْيَا بِالْخِفَّةِ إِذَا فَسَّرْتُهَا (فَيُعْلِيكَ اللَّهُ) أَيْ يَرْفَعُكَ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ) هُوَ عُمَرُ ﵁ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ) هُوَ عُثْمَانُ ﵁ (فَيَنْقَطِعُ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ) يَعْنِي أَنَّ عُثْمَانَ كَادَ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنِ اللَّحَاقِ بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ قاله القسطاني (أي رسول الله) أَيْ حَرْفُ نِدَاءٍ (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ الْخَطَأِ فَقِيلَ أَخْطَأَ لِكَوْنِهِ عَبَّرَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ بِالْقُرْآنِ فَقَطْ وَهُمَا شَيْئَانِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُعَبِّرَهُمَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَوْلَى السُّكُوتُ فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ الْخَطَأِ بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ لأنه سَكَتَ عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ مَعَ سُؤَالِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (لَا تُقْسِمْ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَيْ لَا تُكَرِّرْ يَمِينَكَ فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِيمَا أَخْطَأْتَ بِهِ عَلِمْتَهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ قِيلَ إِنَّمَا لم يبر النبي قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ مَخْصُوصٌ بما إذا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
نَفْس حَدِيث الْبُخَارِيّ فَيَنْقَطِع بِهِ ثُمَّ يُوصَل لَهُ فَهَذَا مَوْضِع الْغَلَط وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّن فَضْل صِدْق مَعْرِفَة الْبُخَارِيّ وَغَوْر عِلْمه فِي إِعْرَاضه عَنْ لَفْظه لَهُ فِي الْأَوَّل وَإِنَّمَا اِنْفَرَدَ بِهَا مُسْلِم
وَأَمَّا الثَّانِي فَيُجَاب عَنْهُ بأن عمر ﵁ لَمْ يَنْقَطِع بِهِ السَّبَب مِنْ حَيْثُ عَلَا بِهِ
وَإِنَّمَا اِنْقَطَعَ بِهِ بِالْأَجَلِ الْمَحْتُوم كَمَا يَنْقَطِع الْأَجَل بِالسُّمِّ وَغَيْره وَأَمَّا عُثْمَان فَانْقَطَعَ بِهِ مِنْ حَيْثُ وُصِلَ لَهُ مِنْ الْجِهَة الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْخِلَافَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُرِيدَ مِنْهُ أَنْ يَخْلَع نَفْسه وَإِنَّمَا قَتَلُوهُ لِعَدَمِ إِجَابَتهمْ إِلَى خَلْعِ نَفْسه فَخَلَعُوهُ هُمْ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا فَانْقَطَعَ بِهِ مِنْ الْجِهَة الَّتِي أَخَذَ بِهِ مِنْهَا ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ ﵁ وَهَذَا سِرّ سُكُوت النَّبِيّ ﷺ عَنْ تَعْيِين مَوْضِع خَطَأ الصِّدِّيق
فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ تَكَلَّفْتُمْ أَنْتُمْ بَيَانه وَقَدْ مَنَعَ النبي ﷺ الصِّدِّيق مِنْ تَعَرُّفه وَالسُّؤَال عَنْهُ
قِيلَ مَنَعَهُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَلُّق ذَلِكَ بِأَمْرِ الْخِلَافَة وَمَا يَحْصُل لِلرَّابِعِ مِنْ الْمِحْنَة وَانْقِطَاع السَّبَب بِهِ فَأَمَا وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ وَوَقَعَ فَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي غَيْره مِنْ الْوَقَائِع الَّتِي يُحْذَر الْكَلَام فِيهَا قَبْل وُقُوعهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَدَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ فَإِذَا وَقَعَتْ زَالَ الْمَعْنَى الَّذِي سُكِتَ عَنْهَا لِأَجْلِهِ
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ قَالَ وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ مِنَ انْقِطَاعِ السَّبَبِ بِعُثْمَانَ وَهُوَ قَتْلُهُ وَتِلْكَ الْحُرُوبُ وَالْفِتَنُ الْمُرِيبَةُ فَكَرِهَ ذِكْرَهَا خَوْفَ شُيُوعِهَا انتهى
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ هُوَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ هُوَ عُمَرُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ هُوَ عُثْمَانُ
فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ مَعْنَى فَيَنْقَطِعُ قُتِلَ لَكَانَ سَبَبُ عُمَرَ مَقْطُوعًا أَيْضًا قِيلَ لَمْ يَنْقَطِعْ سَبَبُ عُمَرَ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ إِنَّمَا هُوَ قَطْعٌ لِعَدَاوَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَأَمَّا قَتْلُ عُثْمَانَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْوِلَايَةُ فَجَعَلَ قَتْلَهُ قَطْعًا وَقَوْلُهُ ثُمَّ وُصِلَ يَعْنِي بِوِلَايَةِ عَلِيٍّ وَقِيلَ إِنَّ معنى كتمان النبي مَوْضِعَ الْخَطَأِ لِئَلَّا يَحْزَنَ النَّاسُ بِالْعَارِضِ لِعُثْمَانَ وَفِيهِ جَوَازُ سُكُوتِ الْعَابِرِ وَكَتْمِهِ عِبَارَةَ الرُّؤْيَا إِذَا كَانَ فِيهَا مَا يُكْرَهُ وَفِي السُّكُوتِ عَنْهَا مَصْلَحَةٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(فَأَبَى أَنْ يخبره) أي امتنع أَنْ يُخْبِرَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا أَخْطَأَ
قَالَ المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
(ذَاتَ يَوْمٍ) أَيْ يَوْمًا وَلَفْظَةُ ذَاتَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ لَا النَّهَارُ وَقِيلَ ذَاتَ مُقْحَمٌ قَالَهُ القارىء (كَأَنَّ) حَرْفٌ مُشَبَّهٌ بِالْفِعْلِ (فَوُزِنْتَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُخَاطَبِ (أَنْتَ) ضَمِيرُ فَصْلٍ وَتَأْكِيدٍ لِتَصْحِيحِ الْعَطْفِ (فَرَجَحْتَ) ضُبِطَ بِالْقَلَمِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ والجيم (ثم رفع الميزان)
قال القارىء فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى وَجْهِ مَا اخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ (فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رسول الله) وذلك لما علم مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ رَفْعِ الْمِيزَانِ انْحِطَاطُ رُتْبَةِ الْأُمُورِ وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ خِلَافَةِ عُمَرَ وَمَعْنَى رُجْحَانِ كُلٍّ مِنَ الْآخَرِ أَنَّ الرَّاجِحَ أَفْضَلُ من المرجوح
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ
قِيلَ يحتمل أن يكون النبي كَرِهَ وُقُوفَ التَّخْبِيرِ وَحَصَرَ دَرَجَاتِ الْفَضَائِلِ فِي ثَلَاثَةٍ وَرَجَا أَنْ يَكُونَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ التَّفْضِيلَ انْتَهَى إِلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيُّ
(فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ (فَاسْتَاءَ) أَيْ حَزِنَ وَاغْتَمَّ وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ السُّوءِ (لَهَا) أَيْ لِلرُّؤْيَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ كَرِهَهَا حَتَّى تَبَيَّنَتِ الْمُسَاءَةُ فِي وَجْهِهِ (يَعْنِي) هَذَا قول الراوي (فساءه) أي فأحزن النبي (ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الرَّجُلُ مِنْ رُؤْيَاهُ (فقال) أي النبي (خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ) بِالْإِضَافَةِ وَرَفْعِ خِلَافَةِ عَلَى الْخَبَرِ أَيِ الَّذِي رَأَيْتَهُ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ خِلَافَةٌ (ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ) وَقِيلَ أَيِ انْقَضَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ يَعْنِي هَذِهِ الرُّؤْيَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ بِالْحَقِّ تَنْقَضِي حَقِيقَتُهَا وَتَنْتَهِي بِانْقِضَاءِ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ دَلَّ إِضَافَةُ الْخِلَافَةِ إِلَى النُّبُوَّةِ عَلَى أَنْ لَا ثُبُوتَ فِيهَا مِنْ طَلَبِ الْمُلْكِ وَالْمُنَازَعَةِ فِيهِ لِأَحَدٍ وَكَانَتْ خِلَافَةُ الشَّيْخَيْنِ ﵄ عَلَى هَذَا وَكَوْنُ الْمَرْجُوحِيَّةِ انْتَهَتْ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ دَلَّ عَلَى حُصُولِ الْمُنَازَعَةِ فِيهَا وَأَنَّ الْخِلَافَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ مَشُوبَةٌ بِالْمُلْكِ فَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَكَانَتْ مُلْكًا عَضُوضًا انْتَهَى
وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافَةِ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْمُحَدِّثُ وَلِيُّ اللَّهِ الدِّهْلَوِيُّ فِي إِزَالَةِ الْخَفَاءِ عَنْ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ وَهُوَ كِتَابٌ لَمْ يُؤَلَّفْ مِثْلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي كِتَابِهِ قُرَّةُ الْعَيْنَيْنِ فِي تَفْضِيلِ الشَّيْخَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
(أُرِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ أَبْصَرَ فِي مَنَامِهِ (نِيطَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عُلِّقَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّوْطُ التَّعْلِيقُ وَالتَّنَوُّطُ التَّعَلُّقُ
قَالَ الطِّيبِيُّ كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ رَأَيْتُ نَفْسِيَ اللَّيْلَةَ وَأَبُو بَكْرٍ نِيطَ بِي فَجُرِّدَ منه لكونه رسول الله وحبيبه رجلا صالحا ووضع رسول الله مَوْضِعَ رَجُلًا تَفْخِيمًا غِبَّ تَفْخِيمٍ انْتَهَى (وَأَمَّا تَنَوُّطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) أَيْ تَعَلُّقُهُمْ وَاتِّصَالُهُمْ (فَهُمْ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ) أَيْ أَمْرِ الدِّينِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ يُونُسُ وَشُعَيْبٌ) يَعْنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ (لَمْ يَذْكُرَا عَمْرًا) أَيْ عَمْرَو بْنَ أَبَانَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُمَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا
لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(رَأَيْتُ) أَيْ فِي الْمَنَامِ (دُلِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّدْلِيَةِ أَيْ أُرْسِلَ (فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هِيَ أَعْوَادٌ تُخَالَفُ بَيْنَهَا ثُمَّ تُشَدُّ فِي عُرَى الدَّلْوِ وَتُعَلَّقُ بِهَا الْحَبْلُ وَاحِدَتُهَا عُرْقُوَةٌ (حَتَّى تَضَلَّعَ) أَيْ شَرِبَ وَافِرًا حَتَّى رُوِيَ فَتَمَدَّدَ جَنْبُهُ وَضُلُوعُهُ (فَانْتَشَطَتْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ انْتِشَاطُ الدَّلْوِ اضْطِرَابُهَا حَتَّى يَنْتَضِحَ مَاؤُهَا (وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَلِيٍّ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الدَّلْوِ (شَيْءٌ) أَيْ شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي أَبِي بَكْرٍ فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا فَإِنَّمَا هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قِصَرِ مُدَّةِ أَمْرِ وِلَايَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَعِشْ بَعْدَ الْخِلَافَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَشَيْءٍ وَبَقِيَ عُمَرُ عَشْرَ سِنِينَ وَشَيْئًا فَذَلِكَ مَعْنَى تَضَلُّعِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
الْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(لَتَمْخُرَنَّ) بِالنُّونِ الْمُثَقَّلَةِ مِنْ مَخَرَتِ السَّفِينَةُ وَتَمْخَرُ كَيَمْنَعُ وَيَنْصُرُ إِذَا جَرَتْ تَشُقُّ الْمَاءَ مَعَ صَوْتٍ
وَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِهَذِهِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانُ انْقِضَاءِ الْخِلَافَةِ وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ زَمَانِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (الرُّومُ) فَاعِلٌ (الشَّامَ) مَفْعُولٌ وَالْمَعْنَى تَدْخُلُ الرُّومُ الشَّامَ وَتَخُوضُهُ وَتَجُوسُ خِلَالَهُ فَشَبَّهَهَا بِمَخْرِ السَّفِينَةِ الْبَحْرَ (لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا إِلَّا دِمَشْقُ وَعُمَانُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ عُمَانٌ كَغُرَابٍ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ وَيُصْرَفُ وَكَشَدَّادٍ بَلَدٌ بِالشَّامِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَأَوْرَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْمَرَاسِيلِ وَقَالَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْأَعْيَسِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ (يَظْهَرُ عَلَى الْمَدَائِنِ) أَيْ يَغْلِبُ عَلَيْهَا
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْمَرَاسِيلِ وَقِيلَ إِنَّهُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَحْدَهُ انْتَهَى
(مَوْضِعُ فُسْطَاطِ الْمُسْلِمِينَ) الْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ وَبِطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْخِبَاءُ مِنْ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي الْمَلَاحِمِ) جَمْعُ مَلْحَمَةٍ وَهِيَ الْحَرْبُ وَمَوْضِعُ الْقِتَالِ (أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا الْغُوطَةُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُ الْبَسَاتِينِ وَالْمِيَاهِ حَوْلَ دِمَشْقَ
وَالْمَعْنَى يَنْزِلُ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ وَيَجْتَمِعُونَ هُنَاكَ
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ مِنَ الْأَطْرَافِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقِيلَ إِنَّهُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ فَقَطِ انْتَهَى
وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَتَمُّ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الْمَعْقِلِ مِنَ الْمَلَاحِمِ
(إن مثل عثمان) بن عَفَّانَ (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وَتَمَامُ الْآيَةِ هَكَذَا (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (يُشِيرُ) أَيِ الْحَجَّاجُ عِنْدَ قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الذين كفروا (إِلَيْنَا) أَيْ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ (بِيَدِهِ) الضَّمِيرُ لِلْحَجَّاجِ وَهَذَا مَقُولُ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ (وَإِلَى أَهْلِ الشَّامِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إِلَيْنَا
وَمَقْصُودُ الْحَجَّاجِ مِنْ تَمْثِيلِ عُثْمَانَ ﵁ بِعِيسَى ﵇ إِظْهَارُ عَظَمَةِ الشَّأْنِ لِعُثْمَانَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَنْ تَبِعَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَتَنْقِيصُ غَيْرِهِمْ يَعْنِي مَثَلَ عُثْمَانَ كَمَثَلِ عِيسَى ﵇ وَمَثَلُ مُتَّبِعِيهِ كَمَثَلِ مُتَّبِعِيهِ فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُتَّبِعِي عِيسَى ﵇ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا كَذَلِكَ جعل مُتَّبِعِي عُثْمَانَ ﵁ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ فَوْقَ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ