٢٣ - (بَاب مَا جَاءَ أَيْنَ تَعْتَدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا)
[١٢٠٤] قَوْلُهُ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) الْبَلَوِيِّ الْمَدَنِيِّ حَلِيفِ الْأَنْصَارِ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ زَوْجِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَقْبُولَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ وَيُقَالُ لَهَا صُحْبَةٌ (أَنَّ الْفُرَيْعَةَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ (بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ) بِكَسْرِ السِّينِ (وَهِيَ) أَيْ الْفُرَيْعَةُ زَيْنَبُ (أَنَّهَا) أَيْ الْفُرَيْعَةُ (تَسْأَلُهُ) حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (فِي بَنِي خُدْرَةَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَبُو قَبِيلَةٍ (فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ جَمْعُ عَبْدٍ (أَبَقُوا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ هَرَبُوا (حَتَّى إِذَا كَانَ) أَيْ زَوْجُهَا (بِطَرَفِ الْقَدُومِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الدَّالِ مُشَدَّدَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ مَوْضِعٌ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ (حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ) أَيْ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ (أَوْ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَهُوَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ (قَالَ امْكُثِي) بِضَمِّ الْكَافِ أَيْ تَوَقَّفِي وَاثْبُتِي (فِي بَيْتِكِ) أَيْ الَّذِي كُنْتِ فِيهِ (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ) أَيْ الْعِدَّةُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهَا أَيْ الْمَفْرُوضَةُ (أَجَلَهُ) أَيْ مُدَّتَهُ وَالْمَعْنَى حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَسُمِّيَتِ الْعِدَّةُ كِتَابًا لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَيْ فُرِضَ (فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ) أَيْ خَلِيفَةً وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِين
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ في الموطإ وأبو داود والنسائي وبن ماجه والدارمي وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ
وقَالَ الذَّهَبِيُّ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ والذهلي وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وغيرهم إِلَخْ)
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا فِي السكنى المعتدة عَنِ الْوَفَاةِ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ فَعَلَى الْأَصَحِّ لَهَا السُّكْنَى وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَقَالُوا إِذْنُهُ ﷺ لِلْفُرَيْعَةِ أَوَّلًا صَارَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ امْكُثِي فِي بَيْتِكِ إِلَخْ
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْفِعْلِ
والْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ لَا سُكْنَى لَهَا بَلْ تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ علي وبن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلْفُرَيْعَةِ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا وَقَوْلُهُ لَهَا آخِرًا امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ انْتَهَى
وحُجَّةُ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَدِيثُ الْبَابِ وَاسْتَدَلَّ عَلِيٌّ القارىء عَلَى عَدَمِ خُرُوجِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ متاعا إلى الحول غير إخراج فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى عَدَمِ خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا
ولَمَّا نَسَخَ مُدَّةَ الْحَوْلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وعشرا وَالْوَصِيَّةِ بَقِيَ عَدَمُ الْخُرُوجِ عَلَى حَالِهِ انْتَهَى
(وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
فَفِي مُوَطَّأِ الإمام محمد عن نافع أن بن عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لَا تَبِيتُ الْمَبْتُوتَةُ وَلَا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِلَّا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَبِهَذَا نَأْخُذُ أَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ فِي حَوَائِجِهَا وَلَا تَبِيتُ إِلَّا فِي بَيْتِهَا وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ مَبْتُوتَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَبْتُوتَةٍ فَلَا تَخْرُجُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةُ مِنْ فُقَهَائِنَا انْتَهَى
(وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ وَإِنْ لَمْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا) وهو قول علي وبن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَمَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ
وقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي الْبِنَايَةِ وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وبن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ أَنَّهَا تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ
وهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالظَّاهِرِيَّةِ انْتَهَى
واسْتُدِلَّ لَهُمْ بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مَحْبُوبِ بْنِ مُحْرِزٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ النَّخَعِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْمُتَوَفَّى
عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ أَبِي مَالِكٍ النَّخَعِيِّ وهو ضعيف قال بن الْقَطَّانِ وَمَحْبُوبُ بْنُ مُحْرِزٍ أَيْضًا ضَعِيفٌ وَعَطَاءٌ مُخْتَلَفٌ وَأَبُو مَالِكٍ أَضْعَفُهُمْ فَلِذَلِكَ أَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِهِ وَذِكْرُ الْجَمِيعِ أَصْوَبُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْجِنَايَةُ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ
(وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ) فَإِنَّ دَلِيلَهُ أَصَحُّ مِنْ دَلِيلِ الْقَوْلِ الثَّانِي
قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ قَدِ اسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ فُرَيْعَةَ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَعْتَدُّ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي بَلَغَهَا نَعْيُ زَوْجِهَا وَهِيَ فِيهِ وَلَا تَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ
وقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ وعثمان وبن عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أكثر أصحاب بن مَسْعُودٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ
وأَخْرَجَهُ حَمَّادٌ عن بن سِيرِينَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ قَالَ وَحَدِيثُ فُرَيْعَةَ لَمْ يَأْتِ مَنْ خَالَفَهُ بِمَا يَنْتَهِضُ لمعارضته فالتمسك به متعين انتهى
١٢ - أبواب الْبُيُوعِ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الشُّبُهَاتِ)
[١٢٠٥] قَوْلُهُ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِمُوَحَّدَةٍ هُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ قَالَ مَكْحُولٌ مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ ثِقَةٌ فَاضِلٌ تُوفِّيَ سَنَةَ ٣٠١ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ
قَوْلُهُ (الْحَلَالُ بَيِّنٌ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ وَاضِحٌ لَا يَخْفَى حِلُّهُ بِأَنْ وَرَدَ نَصٌّ عَلَى حِلِّهِ أَوْ مُهِّدَ أَصْلٌ يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (خَلَقَ لَكُمْ مَا في الأرض جَمِيعًا) فَإِنَّ اللَّامَ لِلنَّفْعِ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَضَرَّةٌ (وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) أَيْ ظَاهِرٌ لَا تَخْفَى حُرْمَتُهُ بِأَنْ وَرَدَ نَصٌّ عَلَى حُرْمَتِهِ كَالْفَوَاحِشِ وَالْمَحَارِمِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهَا أَوْ مُهِّدَ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ نَحْوُ كُلِّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ (وَبَيْنَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَبَيْنَهُمَا (مُشْتَبِهَاتٌ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ أُمُورٌ مُلْتَبِسَةٌ غَيْرُ مُبَيَّنَةٍ لِكَوْنِهَا ذَاتَ جِهَةٍ إِلَى كُلٍّ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ (لَا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) قَالَ الْحَافِظُ مَفْهُومُ قَوْلِهِ كَثِيرٌ أَنَّ مَعْرِفَةَ حُكْمِهَا مُمْكِنٌ لَكِنْ لِلْقَلِيلِ مِنَ النَّاسِ وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ فَالشُّبُهَاتُ عَلَى هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ
وقَدْ تَقَعُ لَهُمْ حَيْثُ لَا يَظْهَرُ لَهُمْ تَرْجِيحُ
أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ (فَمَنْ تَرَكَهَا) أَيْ الْمُشْتَبِهَاتِ (اسْتِبْرَاءً) اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْبَرَاءَةِ أَيْ طَلَبًا لِلْبَرَاءَةِ (لِدِينِهِ) مِنَ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ (وَعِرْضِهِ) مِنْ كَلَامِ الطَّاعِنِ (فَقَدْ سَلِمَ) مِنَ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ وَالطَّعْنِ (وَمَنْ وَاقَعَ شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ (يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَ الْحَرَامَ) أَيْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ (كَمَا أَنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ مِيمٍ مُخَفَّفَةٍ وَهُوَ الْمَرْعَى الَّذِي يَحْمِيهِ السُّلْطَانُ مِنْ أَنْ يَرْتَعَ مِنْهُ غَيْرُ رُعَاةِ دَوَابِّهِ
وهَذَا الْمَنْعُ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ) أَيْ يَقْرَبُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحِمَى قَالَ الْحَافِظُ فِي اخْتِصَاصِ التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ نُكْتَةٌ وَهِيَ أَنَّ مُلُوكَ الْعَرَبِ كَانُوا يَحْمُونَ لِمَرَاعِي مَوَاشِيهِمْ أَمَاكِنَ مُخْتَصَّةً يَتَوَعَّدُونَ مَنْ يَرْعَى فِيهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ فَمَثَّلَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا هُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ فَالْخَائِفُ مِنَ الْعُقُوبَةِ الْمُرَاقِبُ لِرِضَا الْمَلِكِ يَبْعُدُ عَنْ ذَلِكَ الْحِمَى خَشْيَةَ أَنْ تَقَعَ مَوَاشِيهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَبُعْدُهُ أَسْلَمُ لَهُ وَلَوْ اشْتَدَّ حَذَرُهُ
وغَيْرُ الْخَائِفِ الْمُرَاقِبُ يَقْرَبُ مِنْهُ وَيَرْعَى مِنْ جَوَانِبِهِ فَلَا يَأْمَنُ أَنْ تَنْفَرِدَ الْفَاذَّةُ فَتَقَعَ فِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَوْ يَمْحَلُ الْمَكَانُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَيَقَعُ الْخِصْبُ فِي الْحِمَى فَلَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ فَاللَّهُ ﷾ هُوَ الْمَلِكُ حَقًّا وَحِمَاهُ مَحَارِمُهُ (أَلَا) مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَحَرْفِ النَّفْيِ لِإِعْطَاءِ مَعْنَى التَّنْبِيهِ عَلَى تَحَقُّقِ مَا بَعْدَهَا (وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى) أَيْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ أَوِ إِخْبَارٌ عما يكون عليه ظلمة الاسلامية
قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ هِيَ الِابْتِدَائِيَّةُ الَّتِي تُسَمِّي النُّحَاةُ الِاسْتِئْنَافِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى انْقِطَاعِ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا فِي الْجُمَلِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي (أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ) وَهِيَ أَنْوَاعُ الْمَعَاصِي فَمَنْ دَخَلَهُ بِارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْهَا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ
زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ