(مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالظَّاءِ أَيْ مَوْضِعًا يُنْظَرُ إِلَيْهِ وَعَبَّرَ عَنِ الْمَوْضِعِ بِالْمَنْظَرِ مُبَالَغَةً لِأَنَّهُ إِذَا نُفِيَ الشَّيْءُ مَعَ لَازِمِهِ يَنْتَفِي بِالطَّرِيقِ الْبُرْهَانِيِّ (قَطُّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ أَبَدًا وَهُوَ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا في الماضي (إلا القبر أَفْظَعُ مِنْهُ) مِنْ فَظُعَ الْأَمْرُ كَكَرُمَ اشْتَدَّتْ شَنَاعَتُهُ وَجَاوَزَ الْمِقْدَارَ فِي ذَلِكَ يَعْنِي أَشَدُّ وَأَفْظَعُ وَأَنْكَرُ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْظَرِ
قِيلَ الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ مَنْظَرٍ وَهُوَ مَوْصُوفٌ حُذِفَتْ صِفَتُهُ أَيْ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا فَظِيعًا عَلَى حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ الْفَظَاعَةِ إِلَّا فِي حَالَةِ كَوْنِ الْقَبْرِ أَقْبَحَ مِنْهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَزَادَ رَزِينٌ فِيهِ مِمَّا لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ هَانِئٌ
وَسَمِعْتُ عُثْمَانَ يَنْشُدُ عَلَى قَبْرٍ فَإِنْ تَنْجُ مِنْ ذِي عظيمة وإلا فإني لا أخا لك ناجيا انتهى
والحديث أخرجه أيضا بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَاعْتُرِضَ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ
(بَاب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ)
[٢٣٠٩] قَوْلُهُ (يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ إِلَخْ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَائِزِ
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِنْذَارِ النَّبِيِّ ﷺ)
قَوْمَهُ [٢٣١٠] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ) الْعِجْلِيُّ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ صَاحِبُ حَدِيثٍ طَعَنَ أَبُو دَاوُدَ فِي مُرُوَّتِهِ مِنَ الْعَاشِرَةِ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكَانَ يَعْلَمُ الْمُجَّانَ الْمُجُونَ فَأَنَا لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ
قَالَ بن عَدِيٍّ وَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ
وَقَالَ فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ كَانَ بِالْبَصْرَةِ مُجَّانٌ يُلْقُونَ صُرَّةَ الدَّرَاهِمِ وَيَرْقُبُونَهَا فَإِذَا جَاءَ مَنْ لَحَظَهَا فَرَفَعَهَا صَاحُوا بِهِ وَخَجِلُوهُ فَعَلَّمَهُمْ أَبُو الْأَشْعَثِ أَنْ يَتَّخِذُوا صُرَّةً فِيهَا زُجَاجٌ فَإِذَا أَخَذُوا صُرَّةَ الدَّرَاهِمِ فَصَاحَ صَاحِبُهَا وَضَعُوا بَدَلَهَا فِي الْحَالِ صُرَّةَ الزُّجَاجِ انْتَهَى
قَالَ فِي الْقَامُوسِ مَجَنَ مُجُونًا صَلُبَ وَغَلُظَ وَمِنْهُ الْمَاجِنُ لِمَنْ لَا يُبَالِي قَوْلًا وَفِعْلًا كَأَنَّهُ صُلْبُ الْوَجْهِ وَقَدْ مَجَنَ مُجُونًا وَمَجَانَةً وَمُجْنًا بِالضَّمِّ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ مَجَنَ مُجُونٌ بيباكي مَجَنَ يَمْجُنُ مَجَانَةً كَذَلِكَ فَهُوَ مَاجِنٌ وَهُمْ مُجَّانٌ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ انْتَهَى
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ) أَبُو الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ الثَّامِنَةِ
قَوْلُهُ (يَا صَفِيَّةُ) بِالرَّفْعِ (بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) وَبِالنَّصْبِ وَكَذَا قَوْلُهُ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ وَصَفِيَّةُ هَذِهِ هِيَ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ) أَيْ مِنْ عَذَابِهِ (شَيْئًا) أَيْ مِنَ الْمِلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالدَّفْعِ وَالْمَنْفَعَةِ وَالْمَعْنَى أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَدْفَعَ عَنْكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نفعا بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ الله (سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَالِ الْمَعْرُوفِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَمَّا يَمْلِكُهُ مِنَ الْأَمْرِ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ لَا سِيَّمَا بِمَكَّةَ
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْكَلِمَتَيْنِ أَعْنِي مِنْ وَمَا وَقَعَ الْفَصْلُ فِيهِمَا مِنْ بَعْضِ مَنْ لَمْ يُحَقِّقْهُ من الرواة فكتبهما منفصلتين انتهى
قال القارىء وَفِيهِ أَنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فأغنى أَيْ بِمَالِ خَدِيجَةَ ﵂ عَلَى ما قاله
الْمُفَسِّرُونَ
وَأَيْضًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ الْمَالِ الْحَاضِرِ لِلْجَوَادِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَيُحْمَلُ الْوَعْدُ الْمَذْكُورُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ لِتَصْحِيحِ الدِّرَايَةِ تَعَيَّنَ عَدَمُ التَّخْطِئَةِ فِي الرِّوَايَةِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ أَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَدْخُلُ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ إِذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ يَتَحَمَّلُ عَنْهَا ﷺ بِمَا يُخَلِّصُهَا فَإِذَا كَانَ عَمَلُهُ لَا يَقَعُ نِيَابَةً عَنِ ابْنَتِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَشْفَعُ فِيمَنْ أَرَادَ وَتُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ حَتَّى يُدْخِلَ قَوْمًا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَيَرْفَعَ دَرَجَاتِ قَوْمٍ آخَرِينَ وَيُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا بِذُنُوبِهِ أَوْ كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ التَّخْوِيفِ وَالتَّحْذِيرِ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الْحَضِّ عَلَى الْعَمَلِ وَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ لَا أُغْنِي شَيْئًا إِضْمَارٌ إِلَّا إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لِي بِالشَّفَاعَةِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وبن عَبَّاسٍ وَأَبِي مُوسَى) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التفسير وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ إِنْ كَانَتْ وَاقِعَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بمكة فلم يدركها بن عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ وَفِي نِدَاءِ فَاطِمَةَ يَوْمَئِذٍ أَيْضًا مَا يَقْتَضِي تَأَخُّرَ الْقِصَّةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ صَغِيرَةً أَوْ مُرَاهِقَةً وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ مرة في صدر الإسلام ورواية بن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لَهَا مِنْ مُرْسَلِ الصَّحَابَةِ ويؤيد ذلك ما وقع في حديث بن عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ كَانَ حَاضِرًا لِذَلِكَ وَهُوَ مَاتَ فِي أَيَّامِ بَدْرٍ وَمَرَّةً بَعْدَ ذَلِكَ حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ تُدْعَى فِيهَا فَاطِمَةُ ﵍ أَوْ يَحْضُرَ ذَلِكَ أَبُو هريرة أو بن عَبَّاسٍ كَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي بَابِ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى آبَائِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْجَاهِلِيَّةِ
وَقَالَ في باب قوله (وأنذر عشيرتك الأقربين) من كتاب التفسير تحت حديث بن عَبَّاسٍ مَا لَفْظُهُ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عشيرتك الأقربين جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي هَاشِمٍ وَنِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ فَقَالَ يَا بَنِي هَاشِمٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ وَاسْعَوْا فِي فِكَاكِ رِقَابِكُمْ يَا عَائِشَةُ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ يَا حَفْصَةُ بِنْتَ عُمَرَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا
فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ دَلَّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ لِأَنَّ الْقِصَّةَ الْأُولَى وَقَعَتْ بِمَكَّةَ بِتَصْرِيحِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ يَعْنِي حَدِيثَ بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَعِدَ الصَّفَا وَلَمْ تَكُنْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ عِنْدَهُ وَمِنْ أَزْوَاجِهِ إِلَّا بالمدينة فيجوز أن تكون متأخرة لَمَّا نَزَلَتْ جَمَعَ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ وَقَعَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَعَلَّهُ كَانَ نَزَلَ أولا وأنذر عشيرتك الأقربين فَجَمَعَ قُرَيْشًا فَعَمَّ ثُمَّ خَصَّ ثُمَّ نَزَلَ ثانيا