٧٥ - بَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية غسل الوجه.
والوجه: ما يواجه به الإنسان غيرَه.
وَحَدُّه طولًا من منابت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضا من الأذن إلى الأذن، والاعتبار بالمنابت المعتادة لا بمن تصلع الشعر عن ناصيته، ولا بمن نزل إلى جبهته.
٩٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: أَتَيْنَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَقَدْ صَلَّى فَدَعَا بِطَهُورٍ، فَقُلْنَا: مَا يَصْنَعُ بِهِ وَقَدْ صَلَّى؟ مَا يُرِيدُ إِلاَّ لِيُعَلِّمَنَا، فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَطَسْتٍ، فَأَفْرَغَ مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَيَدَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَرِجْلَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَهُوَ هَذَا.
رجال الإسناد: [٥]
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري، الواسطي ثقة ثبت [٧] تقدم في ٤١/ ٤٦.
٣ - (خالد بن عَلْقمة) الهَمْداني الوَادعي الكوفي صدوق [٦] تقدم في ٧٤/ ٩١.
٤ - (عبد خير) قيل: اسمه عبد الرحمن بن يزيد، أبو عمارة الكوفي ثقة مخضرم [٢] تقدم في ٧٤/ ٩١.
٥ - (علي) بن أبي طالب ﵁ تقدم في ٧٤/ ٩١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته موثوقون، وكلهم كو فيون إلا شيخه فبغلاني، وأبا عوانة فواسطي، وفيه الإخبار، والتحديث والعنعنة.
شرح الحديث
عن عبد خير أنه (قال: أتينا علي بن أبي طالب ﵁) أي في منزله، وفي رواية أبي داود «أتانا علي» أي في منازلنا (وقد صلى) جملة حالية، أي والحال أنه قد صلى (فدعا بطهور) بفتح الطاء، أي بماء الوضوء (فقلنا) أي في أنفسنا، أو فيما بيننا (ما يصنع به؟) «ما» استفهامية، أيْ أيَّ شيء يصنع بالطهور؟ (وقد صلى) أي والحال أنه صلى (ما) نافية (يريد) علي بوُضوئه أمرا من الأمور (إلا ليعلمنا) من التعليم، أو الإعلام، أي إلا ليبين لنا كيفية وضوء النبي - ﷺ - بالفعل،
لكونه أبلغ، فالاستثناء من العموم، وهذا جواب عن الاستفهام والمجيب هو البعض المسؤول، أو أنهم بعد أن خطر ببالهم السؤال، خطر ببالهم الجواب، قاله في المنهل جـ ٢/ ص ٢٧.
(فأتي) بالبناء للمفعول (بإناء فيه ماء، وطست) بالجر، يحتمل أنه عطف تفسير، فيكون المراد بالإناء الطست، أو أن العطف للمغايرة، فيكون الطست غير الإناء.
والمعنى أنه أتي بالماء في قدح أو إبريق، أو نحو ذلك ليتوضأ منه، وأتي بطست ليتساقط فيه الماء السائل من أعضاء الوضوء، والاحتمال الثاني هو الأولى، لأن الأصل في العطف أن يكون للمغايرة، ورجح في عون المعبود الاحتمال الأول، لما أخرجه الطبراني في كتابه مسند الشاميين بسنده، عن عثمان بن سعيد النخعي، عن علي، وفيه «فأتي بطست من ماء».
قال الجامع: ما قاله في العون هو الأولى.
والطست بفتح الطاء، أصلها طس، فأبدل أحد السينين تاء لثقل اجتماع المثلين، لأنه يقال في الجمع: طساس، مثل سَهْم وسهام، وفي التصغير: طُسَيسَة، وجمعت أيضا على طُسُوس باعتبار الأصل، وعلى طسوت باعتبار اللفظ، وهي مؤنثة.
ونقل عن بعضهم التذكير، والتأنيث، فيقال: هو الطسة، والطست، وهي الطسة والطست، وقال الزجاج: التأنيث أكثر كلام العرب، وجمعها طسات على لفظها، وقال السجستاني: هى أعجمية معربة، ولهذا قال الأزهري: هي دخيلة في كلام العرب، لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربية اهـ، وحكى طشت بالشين المعجمة، وهو آنية من النحاس، اهـ المنهل جـ ٢/ ص ٢٧.
(فأفرغ) أي صب الماء الذي في الإناء (على يديه) هكذا في النسخة المصرية، وفي النسخة الهندية «على يده» بالأفراد، وهي الموافقة لقوله «فغسلها» وفي رواية أبي داود «فأفرغ من الإناء على يمينه، فغسل يديه، ثلاثا» وهي أوضح، وهذا الغسل للتنظيف قبل إدخالهما في الإناء.
كما يأتي للمصنف: «فبدأ، فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وَضوئه» (ثم تمضمض واستنشق) وفي رواية للمصنف تأتي، وهي رواية أبي داود «واستنثر» ولا تنافي بينهما، لأن الاستنثار يستلزم الاستنشاق (ثلاثًا) راجع لكل من المضمضة، والاستنشاق، أي تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاث مرات، لما يأتي للمصنف «ثم تمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا» (من الكف الذي يأخد به الماء) يتعلق بكل من «تمضمض»، و«استنشق» على سبيل التنازع، والمراد بالكف الذي يأخذ به الماء، هو الكف اليمين، كما تقدم في حديث عثمان «ثم أدخل يمينه في الوَضوء، فتمضمض، واستنشق» وقدمنا أن في رواية هناك «فأفرغ على يمينه» الخ، فالمراد أنه تمضمض، واستنشق من اليد اليمنى، وأما الاستنثار فباليسرى لما في الباب السابق من رواية علي ﵁ «ونثر بيده اليسرى».
(ثم غسل وجهه ثلاثا، وفسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل الشمال ثلاثا) أي إلى المرفق، لما في رواية تأتي للمصنف «ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم اليسرى كذلك» (ومسح برأسه مرة واحدة) أي مسحة واحدة وفيه تصريح بأن مسح الرأس مرة واحدة، قال العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحا، ولم يصح عنه - ﷺ - خلافه البتة، بل ما عدا هذا إما صحيح غير صريح، كقول الصحابي «توضأ ثلاثا ثلاثا» وإما صريح غير صحيح انتهى
ملخصا جـ ١ ص ١٩٣.
وسيأتي تمام الكلام على هذه المسألة في باب مسح الرأس إن شاء الله تعالى.
(ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ورجله الشمال ثلاثا، ثم قال) علي ﵁ بعد أن أكمل الوضوء على هذه الكيفية تعليمًا للحاضرين (مَن سَرَّه أن يعلم وضوء رسول الله - ﷺ -) يقال: سَرَّه الأمر، يسُرُّه، سُرُورًا بالضم، والاسم السَّرور بالفتح: إذا أفرحه، والمسرة منه، وهو ما يُسَرُّ به الإنسان، والجمع المَسَارّ اهـ المصباح.
يعني أن من أراد أن يفرح بمعرفة كيفية وضوء رسول الله - ﷺ - (فهو هذا) أي مثله، أو أطلقه مبالغة، وقال السندي: أي فليعلم هذا فإنه هو هذا، فحذف الجزاء وأقيمت علته مقامه اهـ جـ ١/ ص ٦٨ وما ترجم له المؤلف واضح من قوله «ثم غسل وجهه». والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.