٨٢ - عَدَدُ مَسْحِ الرَّأْسِ
الظاهر من صنيع المصنف أنه لا يرى تعدد مسح الرأس، حيث إنه ذكر حديث سفيان الذي حكموا بخطائه، فكأنه يقول: لا يثبت في تعدد مسح الرأس حديث، بل الأحاديث الصحيحة ليس فيها ذكر العدد، فلا ينبغي تكراره.
٩٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَوَضَّأ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ.
رجال الإسناد: خمسة
كلهم تقدموا في السند السابق إلا اثنين:
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخزاعي، أبو عبد الله الجَوَّاز المكي، روى عن سفيان بن عيينة، ومروان بن عيينة، والوليد بن مسلم، وأبي سعيد مولى بني هاشم، وزيد بن الحباب، ومعاذ بن هشام، ويعقوب بن محمد الزهري، وبشر بن السري، وعبد الملك بن إبراهيم الجُدِّيّ، وغيرهم.
روى عنه النسائي، وروى أيضا عن زكريا السجزي عنه، وأبو حاتم الرازي ويعقوب بن شيبة، وعلي بن عبد العزيز، وعبد الله بن صالح البخاري، وأحمد بن علي الأبّار، وإبراهيم بن موسى، وزكريا ابن يحيى الساجي، وأبو بشر الدولابي، والمفضل بن محمد الجندي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وآخرون.
قال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، قال أبو بشر الدولابي: مات سنة ٢٥٢، قال الحافظ: وقال النسائي في مشيخته: ثقة، انفرد به المصنف، وفي «ت» ثقة [١٠] وتقدم في ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الهلالي، مولاهم الكوفي، نزيل مكة، ثقة ثبت حجة، فقيه إمام من كبار [٧] تقدم في ١/ ١.
قوله (عبد الله بن زيد الدي أري النداء) هكذا في رواية سفيان أن عبد الله هذا هو الذي أريَ النداء، وأجمعوا على تخطئة سفيان فيه، وممن خطأه المصنف قال: في كتاب الاستسقاء في (خروج الإمام إلى المصلَّى للاستسقاء) ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: هذا غلط من ابن عيينة، وعبد الله بن زيد الذي أري النداء هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهذا عبد الله بن زيد بن عاصم اهـ جـ ٣/ ص ١٥٥.
ومنهم البخاري: قال: في (باب تحويل الرداء في الاستسقاء) ما نصه قال أبو عبد الله: كان ابن عيينة يقول: هو صاحب الأذان، ولكنه وهم؛ لأن هذا عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، مازن الأنصار، اهـ.
قال الحافظ: وقد اتفقا في الاسم، واسم الأب والنسبة إلى الأنصار، ثم الخزرج، والصحبة والرواية، وافترقا في الجد والبطن الذي من الخزرج، لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبد ربه من بلحارث بن الخزرج اهـ جـ ٢/ ص ٥٨١.
وقد تقدم ترجمة عبد الله بن زيد بن عاصم، في باب «حد الغسل».
وأما عبد الله بن زيد الذي أُري الأذان، فهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو محمد المدني، وقيل في نسبه كير ذلك، شهد العَقَبة، وبدرا،
والمشاهد، وهو الذي أري النداء للصلاة في النوم، وكانت رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد، روى عن النبي - ﷺ -.
وعنه ابنه محمد، وابن ابنه عبد الله بن محمد على خلاف فيه، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل: لم يسمع منه، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال الترمذي، عن البخاري: لا
يعرف له إلا حديث الأذان، وقال يحيى بن بكير، وخليفة، وغير واحد: مات سنة ٣٢، زاد يحيى وسنُّهُ ٦٤.
قال الحافظ: وقال ابن عدي: لا نعرف له شيئا يصح عن النبي - ﷺ - إلا حديث الأذان، انتهى، وهذا يؤيد كلام البخاري، وهو المعتمد، وقد وجدت له أحاديث غير الأذان جمعتها في جزء، واغتر الأصفهاني بالأول فجزم به، وتبعه جماعة، فوهموا.
وقال الحاكم: الصحيح أنه قتل بأحد، والروايات عنه كلها منقطعة، كذا قال، وفي ترجمة عمر بن عبد العزيز من الحلية بسند صحيح، عن عبيد الله بن عمر العمري، قال: دخلت ابنة عبد الله بن زيد بن عبد ربه على عمر بن عبد العزيز، فقالت: أنا ابنة عبد الله بن زيد، شهد أبي بدرًا، وقتل بأحد، فقال: سليني ما شئت، فأعطاها. اهـ تهذيب التهذيب جـ ٥/ ص ٢٢٤.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث واضح مما سبق وقوله: (ومسح برأسه مرتين) قال البيهقي: هكذا في مسح الرأس مرتين، وقد خالفه -
يعني سفيان- مالك، ووهيب، وسليمان بن بلال، وخالد الواسطي، وغيرهم، فرووه عن عمرو بن يحيى في مسح الرأس، إلا أنه قال: أقبل وأدبر اهـ السنن الكبرى جـ ١/ ص ٦٤.
وقال ابن عبد البر: روى ابن عيينة هذا الحديث، فذكر فيه مسح الرأس مرتين، وهو خطأ لم يذكره أحد غيره، وقال: وأظنه تأوله على أن الإقبال مرة، والإدبار أخرى، اهـ نقله الزرقاني في شرحه على الموطأ جـ ١/ ص ٤٦. والله أعلم ﷾ أعلم، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بحديث الباب
الأولى: في درجته: هذا الحديث ضعيف للمخالفة المذكورة، وحاصلها، أن سفيان وقع له مخالفة للأكثرين في هذا الحديث سندًا ومتنًا، أما سندًا ففي قوله: الذي أري النداء، وأما متنًا ففي قوله: وغسل رجليه مرتين، ومسح برأسه مرتين، فأما الأول، والثالث، فصرحوا بتغليطه، وأما الثاني فلم أر من صرح به، والظاهر أنه كذلك، لأن غيره رواه إما مطلقًا، وإما مقيدًا بالثلاث، والله أعلم.
الثانية: في مذاهب العلماء في حكم تكرار مسح الرأس:
قال الإمام النووي ﵀: مذهب الشافعي، وأصحابه ﵃ استحباب الثلاث، وهو مذهب داود، ورواية عن أحمد، وحكاه ابن المنذر عن أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وعطاء، وزاذان، وميسرة ﵃، وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن ابن سيرين أنه قال: يمسح رأسه مرتين.
وقال أكثر العلماء: إنما يسن مسحة واحدة، هكذا حكاه عن أكثر العلماء الترمذي وآخرون، قال ابن المنذر: وممن قال به: عبد الله بن عمر، وطلحة بن مصرف، والحكَم، وحماد، والنخعي، ومجاهد،
وسالم بن عبد الله، والحسن البصري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وأبو ثور ﵃، وحكاه غير ابن المنذر عن غيرهم أيضًا، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وسفيان الثوري، وإسحاق
بن راهويه، واختاره ابن المنذر.
فأما ابن سيرين فاحتج له بحديث الرُّبَيِّع بنت معوذ «أن النبي - ﷺ - مسح رأسه مرتين»، وعن عبد الله بن زيد مثله.
وأما القائلون بمسحة واحدة: فاحتجوا بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما، من روايات جماعات من الصحابة في صفة وضوء رسول الله - ﷺ - «أنه مسح رأسه مرة واحدة، مع غسله بقية الأعضاء ثلاثًا ثلاثًا».
منها: رواية عثمان، وابن عباس، وعبد الله بن زيد ﵃، وروي ذلك أيضا من رواية عبد الله بن أبي أوفى، وسلمة بن الأكوع، والربيع بنت معوذ، وغيرهم، وقد قال أبو داود في سننه وغيره من الأئمة: الصحيح في أحاديث عثمان، وغيره مسح الرأس مرة، وقد سَلَّم لهم البيهقي هذا واعترف به، ولم يُجب عنه، مع أنه المعروف بالانتصار لمذهب الشافعي ﵁.
قالوا: ولأنه مسح واجب، فلم يسن تكراره كمسح التيمم والخف، ولأن تكراره يؤدي إلى أن يصير المسح غسلًا، ولأن الناس أجمعوا قبل الشافعي على عدم التكرار، فقوله خارق للإجماع.
واحتج الشافعي وأصحابه بأحاديث وأقيسة:
أحدها: وهو الذي اعتمده الشافعي، حديث عثمان ﵁ «أن النبي - ﷺ - توضأ ثلاثا ثلاثا» رواه مسلم، ووجه الدلالة منه أن قوله: «توضأ» يشمل المسح والغسل، وقد منع البيهقي وغيره الدلالة من هذا،
لأنها رواية مطلقة، وجاءت الروايات الثابتة في الصحيح المفسرة مصرحة بأن غسل الأعضاء ثلاثًا ثلاثًا ومسح الرأس مرة، فصرحوا بالثلاث في غير الرأس، وقالوا في الرأس: ومسح برأسه، ولم يذكروا عددًا ثم قالوا بعده: وغسل رجليه ثلاثا ثلائا، وجاءت في روايات في الصحيح «ثم غسل يديه ثلاثًا، ثم مسح برأسه مرة، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا» فلم يبق فيه دلالة.
الحديث الثاني: عن عثمان ﵁ «أنه توضأ فمسح رأسه ثلاثًا، وقال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ هكذا» رواه أبو داود بإسناد حسن، وقد ذكر أيضًا الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ أنه حديث حسن.
وربما ارتفع من الحسن إلى الصحة بشواهده وكثرة طرقه: فإن البيهقي وغيره رووه من طرق كثيرة غير طريق أبي داود.
الحديث الثالث: عن علي ﵁ «أنه توضأ فمسح رأسه ثلاثا ثم قال: هكذا رأيت رسول الله فعل» رواه البيهقي من طرق، وقال: أكثر الرواة رووه عن علي ﵁ دون ذكر التكرار، قال: وأحسن ما روي عن علي ﵁ فيه: ما رواه عنه ابنه الحسن بن علي ﵄، فذكره بإسناده عنه، وذكر مسح الرأس ثلاثا، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ، وإسناده حسن.
وروي عن أبي رافع، وابن أبي أوفى عن النبي - ﷺ - «أنه مسح رأسه ثلاثا».
وأما الأقيسة فقالوا: أحد أعضاء الطهارة، فيسن تكراره كغيره، وقالوا: ولأنه إيراد أصل على أصل، فسن تكراره كالوجه.
وأما الجواب عما احتج به ابن سيرين من حديث الربيع فمن أوجه:
أحدها: أنه ضعيف، رواه البيهقي، وغيره من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث.
والثاني: لو صح لكان حديث الثلاث مقدما عليه لما فيه من الزيادة.
والثالث: أنه محمول على بيان الجواز، وأحاديث الثلاث للاستحباب جمعا بين الأحاديث.
وأما حديث عبد الله بن زيد فرواه النسائي بإسناد صحيح، والجواب عنه من الوجهين الأخيرين، وقد أشار البيهقي إلى منع الاحتجاج به من حيث أن سفيان بن عيينة انفرد عن رفقته فرواه مرتين، والباقون رووه مرة، فعلى هذا يجاب عنه بالأجوبة الثلاثة.
وأما دليل القائلين بمسحة واحدة فأحسن الأجوبة عنها أنه نقل عن رواتها المسح ثلاثا، وواحدة، فوجب الجمع بينها، فيقال: الواحدة لبيان الجواز، والثنتان لبيان الجواز، وزيادة الفضيلة على الواحدة، والثلاث للكمال والفضيلة، ويؤيد هذا أنه روي الوضوء على أوجه كثيرة، فروي على هذه الأوجه المذكورة، وروي غسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين.
وروي على غير ذلك، وهذا يدل على التوسعة، وأنه لا حرج كيف توضأ على أحد هذه الأوجه، ولم يقل أحد من العلماء يستحب غسل بعض الأعضاء ثلاثا، وبعضها مرتين مع أن حديثه هكذا في الصحيحين، فعلم بذلك أن القصد بما سوى الثلاث بيان الجواز، فإنه لو واظب النبي - ﷺ - على الثلاث لظن أنه واجب، فبين في أوقات الجواز بدون ذلك وكرر بيانه في أوقات، وعلى أوجه ليستقر معرفته، ولاختلاف الحاضرين الذين لم يحضروا الوقت الآخر.
فإن قيل: فإذا كانت الثلاث أفضل، فكيف تركه في أوقات؟
فالجواب: ما قدمناه أنه قصد - ﷺ - البيان، وهو واجب عليه - ﷺ - فثوابه فيه أكثر، وكان البيان بالفعل آكد، وأقوى في النفوس، وأوضح من القول وأما قول أبي داود وغيره فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه قال: الأحاديث الصحاح، وهذا حديث حسن غير داخل في قوله.
والثاني: أن عموم إطلاقه مخصوص بما ذكرناه من الأحاديث الحسان وغيرها. اهـ خلاصة ما في المجموع جـ ١/ ص ٤٣٣ - ٤٣٦.
وقال العلامة الشوكلاني ﵀ نقلا عن الحافظ ﵀ بعد ذكر استدلال من استحب التثليث بحديث علي، وعثمان أنهما مسحا ثلاث مرات، ما نصه:
وفي كلا الحديثين مقال: أما حديث علي، فمن طرق منها عند الدارقطني من طريق عبد بن خير من رواية أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عنه، وقال: إن أبا حنيفة خالف الحفاظ في ذلك، فقال: ثلاثا، وإنما هو مرة واحدة، وهو أيضا عند الدارقطني من طريق عبد الملك بن سلع، عن عبد خير بلفظ «ومسح برأسه وأذنيه ثلاثا».
ومنها عند البيهقي في الخلافيات من طريق أبي حية، عن علي، وأخرجه البزار أيضا، ومنها عند البيهقي في السنن من طريق محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي في صفة الوضوء، قال البيهقي: كذا قال ابن وهب، عن ابن جريج عنه، وقال حجاج عن ابن جريج: «ومسح برأسه مرة واحدة».
ومنها عند الطبراني في مسند الشاميين عن عثمان بن سعيد الخزاعي،
عن علي في صفة الوضوء، وفيه عبد العزيز بن عبيد الله، وهو ضعيف.
وأما حديث عثمان: فرواه أبوداود، والبزار، والدراقطني، بلفظ «فمسح رأسه ثلاثا، وفي إسناده عبد الرحمن بن وَرْدَان، قال أبو حاتم: ما به بأس، وقال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات، وتابعه هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران، أخرجه البزار، وأخرجه أيضا من طريق عبد الكريم، عن حمران بإسناد ضعيف، ورواه أيضا من حديث أبي علقمة مولى ابن عباس عن عثمان، وفيه ضعف، ورواه أبو داود، وابن خزيمة، والدارقطني أيضا من طريق عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة، قال: رأيت عثمان غسل ذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، ثم قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - فعل مثل هذا» وعامر بن شقيق مختلف فيه، ورواه أحمد، والدارقطني، وابن السكن من حديث ابن دارة، عن عثمان، وابن دارة مجهول الحال، ورواه البيهقي من حديث عطاء بن أبي رباح، عن عثمان، وفيه انقطاع، ورواه الدارقطني من طريق ابن البَيْلمَاني، عن أبيه، عن عثمان، وابن البيلماني ضعيف جدًا، وأبوه ضعيف أيضًا.
ورواه أيضًا من حديث عبد الله بن جعفر، عن عثمان، وفيه إسحاق بن يحيى، وليس بالقوي، وروى البزار من طريق خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن عثمان، أن النبي - ﷺ - توضأ ثلاثا ثلاثا، وإسناده حسن، وهو عند مسلم، والبيهقي من وجه آخر هكذا، دون التعرض للمسح، وقد قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا، وقالوا فيها:
«ومسح رأسه» ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره، وقال البيهقي: روي من أوجه غريبة عن عثمان، وفيها: مسح الرأس ثلاثا، إلا أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها، ومال ابن الجوزي في كشف المشكل، إلى تصحيح التكرير.
فائدة: قال أبوعبيد القاسم بن سلام: لا نعلم أحدا من السلف جاء عنه استكمال الثلاث في مسح الرأس إلا عن إبراهيم التيمي.
قال الحافظ: قلت: قد رواه ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير، وعطاء، وزاذان، وميسرة، وأورده أيضا من طريق أبي العلاء عن قتادة عن أنس.
وأغرب ما يذكر هنا أن الشيخ أبا حامد الإسفرايني حكى عن بعضهم أنه أوجب الثلاث، وحكاه صاحب الإبانة عن ابن أبي ليلى اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٨٥.
قال العلامة الشوكاني: والإنصاف: أن أحاديث الثلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين، وغيرهما من حديث عثمان، وعبد الله بن زيد، وغيرهما هو المتعين، لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة.
وحديث «من زاد على هذا، فقد أساء وظلم» الذي صححه ابن خزيمة، وغيره قاض بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال بعده النبي - ﷺ - هذه المقالة، كيف، وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح مرة واحدة، ثم قال: «من زاد» قال الحافظ في الفتح: ويُحمَل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على
إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس، جمعا بين الأدلة اهـ نيل الأوطار جـ ١/ ص ٣٤٠.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ، وقرره الشوكاني رحمهما الله تعالى، نهاية التحقيق، وخلاصة التوفيق، والله محبحانه وتعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.