HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١١١

أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، (ح) وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ، فَرَأَى أَعْقَابَهُمْ تَلُوحُ، فَقَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص45
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ١ ص ٧٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٣ ص٢٠
٨٩ - بَابُ إِيِجَابِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أن الواجب في الوضوء غسل الرجلين لمن لم يلبس الخفين، لا مسحهما، خلافا لمن زعم ذلك، وقد تقدم ذلك في شرح حديث عثمان ﵁، في الباب [٦٨] في الحديث [٨٤]، وسنذكر طرفًا منه في المسائل الآتية آخر الباب إن شاء الله. ١١٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَأَنْبَأَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - ﷺ -: «وَيْلٌ لِلْعَقِبِ مِنَ النَّارِ». ١١١ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَأَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ فَرَأَى أَعْقَابَهُمْ تَلُوحُ، فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ». رجال الإسنادين رجال الإسناد الأول: سبعة ١ - (قتيبة) بن سعيد بن جَميل بن طَريف بن عبد الله الثقفي مولاهم، أبو رجاء البغلاني، وبغَلان من قرَى بَلْخ، قال ابن عدي: اسمه يحيى، وقتيبة لقبه، وقال ابن منده: اسمه علي، روى عن مالك، والليث، وابن لهيعة، ورشدين بن سعد، وداود بن عبد الرحمن العطار، وخلف بن خليفة، وعبد الرحمن ابن أبي الموالي، وبكر بن مضر، والمفضل بن فَضَالة، وعبد الوارث بن سعيد، وحماد بن زيد، وآخرين. روى عنه الجماعة سوى ابن ماجه، وروى له الترمذي أيضا، وابن ماجه بواسطة أحمد بن حنبل، وأحمد بن سعيد الدارمي، وأبي بكر ابن أبي شيبة ومحمد بن يحيى الذهلي، وروى عنه أيضا علي بن المديني، ونعيم بن حماد، وأبو بكر الحميدي، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ويحيى بن معين، ويحمى بن عبد الحميد الحماني، وماتوا قبله، وأبو خيثمة: زهير بن حرب، والحسن بن عرفة، وأبو العباس محمَّد بن إسحاق السَّرَّاج، وهو آخر من حدث عنه، وآخرون. قال الأثرم عن أحمد، أنه ذكر قتيبة، فأثنى عليه، وقال: هو آخر من سمع من ابن لهيعة. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، وزاد النسائي: صدوق، وقال أحمد بن محمَّد بن زياد الكرميني: قال قتيبة بن سعيد: ما رأيت في كتابي من علامة العمرة فهو علامة أحمد، ومن علامة الخضرة فهو علامة يحيى بن معين، وقال محمَّد بن حميد بن فروة: سمعت قتيبه: يقول تحدرت إلى العراق أول خروجي سنة ١٧٢، وكنت يومئذ ابن ٢٣ سنة وقال الفرهياني: قتيبة صدوق ليس أحد من الكبار إلا وقد حمل عنه بالعراق، قال: وسمعت عمرو بن علي يقول: مررت بمنى على قتيبة فجزته ولم أحمل عنه فندمت، وقال الحاكم: قتيبة، ثقة مأمون، والحديث الذي رواه عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل في الجمع بين الصلاتين موضوع. ثم روى بإسناده إلى البخاري، قال: قلت لقتيبة مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ قال: مع خالد المدائني، قال محمَّد بن إسماعيل: وكان خالد المدائني هذا يدخل الأحاديث على الشيوخ، وقال أبو سعيد بن يونس: لم يحدث به إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط، وأن الصواب عن أبي الزبير، وقال الخطيب: هو منكر جدا من حديثه، وقال أحمد بن سيار المروزي: كان ثبتا فيما روى، صاحب سنة وجماعة، سمعته يقول: ولدت سنة ١٥٠ ومات لليلتين خلتا من شعبان سنة ٢٤٠ وكان كتب الحديث عن ثلاث طبقات، وقال موسى بن هارون: ولد سنة مات الأعمش سنة ٤٨ قال الحافظ قلت: الأول أثبت، وقد سبق من حكايته عن رحلته ما يدل على أنه ولد قبل سنة ٥٥ فلعل ذلك كان في أولها، وما اعتمده الحاكم من الحكم على ذلك بأنه موضوع ليس بشيء، فإن مُقتضى ما استأنس به من الحكاية التي عن البخاري: أن خالد أدخل هذا الحديث على الليث، ففيه نسبة الليث مع إمامته وجلالته إلى الغفلة، حتى يدخل عليه ما ليس من حديثه والصواب ما قاله أبو سعيد بن سعيد بن يونس: أن يزيد بن أبي حبيب غَلَط من قتيبة، وأن الصحيح عن أبي الزبير، وكذلك رواه مالك، وسفيان عن أبي الزبير عن أبي الطفيل، لكن في متن الحديث الذي رواه قتيبة التصريح بجمع التقديم في وقت الأولى، وليس ذلك في حديث مالك، وإذا جاز أن يغلط في رجل من الإسناد، فجائز أن يغلط في لفظه من المتن، والحكم عليه مع ذلك بالوضع بعيدا جدًّا، والله أعلم. وقال ابن حبان في الثقات: مات قتيبة يوم الأربعاء مستهل ذهبان سنة [٤٠]، وقال مسلمة بن قاسم: خراساني ثقة مات سنة إحدى وأربعين، وقال ابن القطان الفاسي: لا يعرف له تدليس، وفي الزهرة رَوَى عنه البخاري ثلاثمائة وثمانية أحاديث، ومسلم: ستمائة وثمانية وستين اهـ تهذيب التهذيب [جـ ٨ ص ٣٥٨، ٣٦١] أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة ثبت من العاشرة. ٢ - (يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرا البصري، أبو معاوية ثقة ثبت من الثامنة مات سنة ١٨٢، وتقدم في باب ٨٧ حديث ١٠٨. ٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد أبو بسطام الواسطي البصري الحجة المثبت ٧ تقدم ٢٤/ ٢٦. ٤ - (مؤمل بن هشام) اليشكري، أبو هشام البصري، رَوَى عن إسماعيل بن علية، وكان صهره، وعن أبي معاوية الضرير، ويحيى بن عباد الضبعي. روى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وابن أبي داود البُجَيْري، وابن خزيمة، ومحمد بن علي الحكيم الترمذي، وأبو بكر محمَّد بن هارون الروياني، ويحيى بن محمَّد بن صاعد، وأبو عروبة، وآخرون. قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، قال أبو القاسم بن عساكر مات في ربيع الأول سنة ٢٥٣ قال الحافظ: وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي. اهـ تهذيب التهذيب [جـ ١٠/ ص ٣٨٣، ٣٨٤] وفي (ت) ثقة من العاشرة. ٥ - (إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري المعروف بابن علية بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء روى عن عبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وأيوب، وابن عون، وأبي ريحانة، والجريري، وابن أبي نجيح، ومعمر، وعوف الأعرابي، وأبي التّيَّاح، حديثا واحدا ويونس بن عبيد، وخلق كثير. وعنه شعبة، وابن جريج، وهما من شيوخه، وبقية، وحماد بن زيد وهما من أقرانه، وإبراهيم بن طهمان، وهو أكبر منه، وابن وهب، والشافعي، وأحمد ويحيى، وعلى، وإسحاق، والفلاس، وأبو معمر الهذلي، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة. وعلي بن حجر، وابن نمير، وخلق، آخرهم أبو عمران موسى بن سهيل، بن كثير الوشاء ، قال علي بن الجعد، عن شعبة: إسماعيل بن علية ريحانة الفقهاء، وقال يونس بن بكير عنه: ابن علية سيد المحدثين. وقال ابن مهدي: ابن علية أثبت من هشيم، وقال القطان: ابن علية أثبت من وهيب، وقال حماد بن سلمة: كنا نشبهه بيونس بن عبيد، وقال عفان: كنا عند حماد بن سلمة فأخطأ في حديث، وكان لا يرجع إلى قول أحد، فقيل له: قد خولفت فيه، فقال: من؟ قالوا حماد بن زيد، فلم يلتفت، فقال له إنسان: إن ابن علية يخالفك، فقام فدخل ثم خرج، فقال: القول ما قال إسماعيل. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال أيضا: فاتني مالك، فأخلف الله علي سفيان، وفاتني حماد بن زيد، فأخلف الله إسماعيل ابن علية، وقال أيضا كان حماد بن زيد، لا يعبأ إذا خالفه الثقفي، ووهب، وكان يَفْرَق من إسماعيل ابن علية إذا خالفه. وقال غندر نشأت في الحديث يوم نشأت، وليس أحد يقدم على إسماعيل ابن علية، وقال ابن محرز عن يحيى بن معين: كان ثقة مأمونا، صدوقا، مسلما ورعا، تقيا، وقال قتيبة: كانوا يقولون: الحفاظ أربعة: إسماعيل ابن علية، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، ووهيب. وقال الهيثم بن خالد: اجتمع حفاظ أهل البصرة، فقال أهل الكوفة لأهل البصرة نَحُّوا عنا إسماعيل، وهاتوا من شئتم، وقال زياد ابن أيوب: ما رأيت لابن علية كتابا قط، وكان يقال: ابن علية يعد الحروف، وقال أبو داود السجستاني: ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ إلا إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضل، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا في الحديث حجة، وقد ولي صدقات البصرة وولي ببغداد المظالم في آخر خلافة هارون. وعُلَيَّة: أمه، وقال الخطيب: زعم علي بن حجر أن علية جدته، أمُّ أمه. قال أحمد، وعمرو بن علي: ولد سنة ١١٠ ومات سنة ١٩٣ وكذا قال زياد بن أيوب وغير واحد في تاريخ وفاته، وقال يعقوب بن شيبة: إسماعيل: ثبت جدًّا. توفي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة. قال الحافظ: كان يقول: من قال ابن علية فقد اغتابني، وقال ابن المديني: ما أقول إن أحدًا أثبت في الحديث من ابن علية. وقال أيضًا: بت عنده ليلة فقرأ ثلث القرآن: ما رأيته ضحك قط، وقال أحمد بن سعيد الدارمي: لا يعرف لابن علية غلط إلا في حديث جابر في المدبر جعل اسم الغلام اسم المولى، واسم المولى اسم الغلام، وقال ابن وضاح: سألت أبا جعفر البستي عنه؟ فقال: بصري ثقة، وهو أحفظ من الثقفي، وحكى ابن شاهين في الثقات عن عثمان بن أبي شيبة: ابن علية أثبت من الحمادين، ولا أقدم عليه أحدا من البصريين، لا يحيى، ولا ابن مهدي، ولا بشر بن المفضل، وقال العيشي: ثنا الحمادان أن ابن المبارك كان يُتاجِر، ويقول: لولا خمسة ما اتجرت: السفيانان وفضيل، وابن السماك، وابن علية فيَصلهم فقدم سنة فقيل له: قد ولي ابن علية القضاء فلم يأته، ولم يصله، فركب ابن علية إليه، فلم يرفع به رأسًا، فانصرف، فلما كان من غد كتب إليه رقعة يقول: قد كنت منتظرًا لبرِّك، وجئتك فلم تكلمني، فما رأيته مني؟ فقال ابن المبارك: يَأبَى هذا الرجل إلا أن تنشر له العصا، ثم كتب إليه: يَا جَاعلَ العلْم لَهُ بَازيًا … يَصْطادُ أمْوَالَ المَسَاكين احْتَلتَ للدُّنيَا وَلذَّاتهَا … بحيلَة تَذْهَبُ بالدِّين فَصرْتَ مَجْنُونًا بهَا بَعْدَ مَا … كُنْتَ دَوَاَء للمَجَانين أيْنَ روَايَاتُكَ فيمَا مَضَى … عَن ابْن عَون وابْن سيرين أيْنَ روَايَاتُكَ في سَرْدهَا … في تَرْك أبْوَاب السَّلاطين إنْ قُلتَ أكْرهْتُ فَذَا بَاطلٌ … زَلَّ حمَارُ العلم في الطِّين فلما وقع علي هذه الأبيات قام من مجلس القضاء فوطىء بساط الرشيد وقال: الله الله ارحم شيبتي، فإني لا أصبر على القضاء، قال: لعل هذا المجنون أغراك، ثم أعفاه فوجه إليه ابن المبارك بالصرة، وقيل: إن ابن المبارك إنما كتب إليه بهذه الأبيات لما ولي صدقات البصرة، وهو الصحيح، وقال إبراهيم الحربي: دخل ابن علية على الأمين، فحكى قصة فيها أن إسماعيل روى حديث «تجيء البقرة، وآل عمران، كأنهما غمامتان تحاجان عن صاحبهما»، فقيل له ألهما لسان؟ قال: نعم، فكيف تكلم؟. فشنعوا عليه أنه يقول القرآن مخلوق وهو لم يقله، وإنما غلط، فقال للأمين أنا تائب إلى الله، وقال علي بن خشرم: قلت لوكيع: رأيت ابن علية شرب النبيذ حتى يحمل على الحمار يحتاج من يرده، فقال وكيع إذا ريت البصري يشرب النبيذ فاتهمه، وإذا رأيت الكوفي يشربه فلا تتهمه، قلت: وكيف ذاك؟ قال الكوفي يشربه تدينا والبصري يتركه تدينا، وقال المفضل بن زياد: سألت أحمد بن حنبل عن وهيب وابن علية؟ قال: وهيب أحب إلى، ما زال ابن علية وضيعا من الكلام الذي تكلم به إلى أن مات: قلت: أليس قد رجع، وتاب على رؤوس الناس؟ قال بلى إلى أن قال: وكان لا ينصف بحديث بالشفاعات وكان منصور بن سلمة الخزاعي يحدث مرة فسبقه لسانه، فقال ثنا إسماعيل بن علية، ثم قال: لا، ولا كرامة، بل أردت زهيرا، ثم قال: ليس من قارف الذنب كمن لم يقارفه، أنا والله استتبت ابن علية، قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا من الجرح المردود، وقال عبد الصمد بن يزيد مردويه: سمعت ابن علية يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ثلاث أو سنة ١٩٤ وقاله في ٤ أبو موسى العنزي في تاريخه، ونقله عنه البخاري في تاريخه، وخليفة، وابن أبي عاصم، وإسحاق القراب الحافظ، والكلاباذي، وغيرهم أخرج له الجماعة. اهـ تهذيب التهذيب [جـ ٢ ص ٢٧٥، ٢٧٩]، وفي (ت) ثقة حافظ [٨]. ٦ - (محمَّد بن زياد) القرشي الجمحي مولاهم أبو الحارث المدني، سكن البصرة. روى عن الفضل بن العباس، ومحيصة بن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن الحارث بن نوفل، وزبيد بن الصلت. وروى عنه ابنه الحارث، وخالد الحذاء، والحسين بن واقد المروزي، وأيوب السختياني، وإبراهيم بن طهمان، وهشام بن حسان، ويونس ابن عبيد، وشعبة، والربيع بن مسلم، والحمادان، وعبد الله بن المختار، وعثمان بن عبد الرحمن الجمحي، والقاسم بن الفضل الحداني، وآخرون. قال إبراهيم بن هانئ، عن أحمد: ثقة، وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه فقال: من الثقات، وليس أحد أروى عنه من حماد بن سلمة، ولا أحسن حديثًا وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: محلهُ الصدق، وهو أحب إلينا من محمَّد بن زياد الألهاني، وقال الآجري: أثنى عليه أبو داود، وقال الترمذي، والنسائي: ثقة. قال الحافظ: وكذا وثقه ابن الجنيد، وذكره ابن حبان في الثقات، وعندي أن روايته عن الفضل بن عباس مرسلة، أخرج له الجماعة. اهـ تهذيب التهذيب [جـ ٩ ص ١٦٩، ١٧٠] وفي (ت) ثقة ثبت ربما أرسل من الثالثة. ٧ - (أبو هريرة) الدوسي اليماني صاحب رسول الله - ﷺ -، اختلف في اسمه، وصحح الترمذي عن شيخه البخاري، أنه عبد الله بن عمرو تقدم ١/ ١. رجال الإسناد الثاني: تسعة ١ - (محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد ثقة من العاشرة، مات سنة ٢٣٩ وقيل غير ذلك، تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٢ - (وكيع) بن الجراح بن مَليح الرُّؤَاسي بضم الراء وهمزة ثم مهملة، أبو سفيان، الكوفي. ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات في آخر سنة ست، أو أول سنة ١٩٧ وله ٧٠ سنة وتقدم ٩٧/ ٣١. ٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن مالك بن ملكان بن ثور ابن عبد مناة بن أد بن طابخة على الصحيح، وقيل: هو من ثور همدان، الثوري أبو عبد الله الكوفي، أحد الأعلام. عن زياد بن علاقة، وحبيب بن أبي ثابت، والأسود بن قيس، وحماد بن أبي سليمان، وزيد بن أسلم، وخلائق. وعنه الأعمش، وابن عجلان من شيوخه، وشعبة، ومالك من أقرانه، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهدي، وخلق، قيل رَوى عنه عشرون ألفا، قال ابن المبارك: ما كتبت عن أفضل من سفيان، قال العجلي: كان لا يسمع شيئا إلا حفظ، قال علي بن الفضيل: رأيت سفيان ساجدا حول البيت، فقطعت سبعة أسابيع قبل أن يرفع رأسه قال الثوري: إذا رأيت القارئ مُحَبَّبًا إلى جيرانه فاعلم أنه مداهن. قال الخطيب: كان الثوري إماما من أئمة المسلمين، وعلما من أعلام الدين، مجمعا على إمامته مع الإتقان، والضبط، والحفظ، والمعرفة، والزهد، والورع، توفي بالبصرة سنة ١٦١ ومولده ٩٧ أخرج له الجماعة تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (عمرو بن علي) بن بحر بن كُنَيز الفلاس الصيرفي، أبو حفص، البصري الثقة المثبت ١٠ تقدم في ٨٧/ ١٠١، وتقدم في ٤. ٥ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان، أبو سعيد البصري الثقة الحجة ٩ تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٦ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب الكوفي ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من طبقة الأعمش مات سنة ١٣٢ ت وتقدم في ٢/ ٢ ٧ - (هلال بن يساف) بكسر التحتانية، ثم مهلمة، ثم فاء، ويقال: ابن إساف الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة من الثالثة تقدم في ٧٢/ ٨٩. ٨ - (أبو يحيى) اسمه مصْدعَ الأعرج، المُعَرْقَب مولى عبد الله بن عَمْرو، ويقال: مولى معاذ بن عفراء روى عن علي، والحسن، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وعائشة، وعنه سعد بن أوس العدوي، وسعيد بن أبي الحسن البصري، وعمار الدُّهْني، وشحر بن عطية، وأبو رزين الأسدي، وهلال بن يساف؛ قال حاتم: مصدع أبو يحيى الأعرج الأنصاري، يقال: مولى ابن عفراء، وكذا قال أحمد، وقال ابن المديني: سمعت ابن عيينة، قال عمار الدُّهْني كان مصدع عالما بابن عباس. قال الحافظ: إنما قيل له المعرقب لأن الحجاج، أو بشر بن مروان عرض عليه سب علي، فأبى، فقطع عرقوبه، قال ابن المديني: قلت لسفيان: في أي شيء عرقب؟ قال في التشيع، قال علي: وهو الذي مر به ابن أبي طالب، وهو يقص، فقال: تعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت، وأهلكت، وقد ذكره الجوزجاني في الضعفاء، فقال زائغ جائرٌ عن الطريق، يريد بذلك ما نسب إليه من التشيع، والجوزجاني مشهور بالنصب والانحراف، فلا يقدح فيه قوله، وقال ابن حبان في الضعفاء كان يخالف الأثبات في الروايات، وينفرد بالمناكير، أخرج له مسلم والأربعة. اهـ تهذيب التهذيب جـ ١٠ ص ١٥٧ - ١٥٨، وفي (ت) مصدع بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه أبو يحيى الأعرج المعرقب مقبول من الثالثة. اهـ. ٩ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص، السهمي، أبو محمَّد، بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة له سبعمائة حديث، اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، وعنه جبير بن نفير، وابن المسيب، وعروة، وطاوس، وخلائق، كان يلوم أباه على القتال في الفتنة بأدب وتؤدة، ويقول: مالي ولصفين؟ مالي ولقتال المسلمين، لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة، قال يحيى بن بكير: مات سنة ٦٥ وقال الليث: سنة ٨، أخرج له الجماعة. اهـ، صة. لطائف الإسنادين الإسناد الأول: فيه من اللطائف: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين، بلخي، وهو قتيبة، وبصريين وهم الباقون، إلا أبا هريرة فإنه مدني، ومحمد بن زياد، وإن كان مدنيا إلا أنه سكن البصرة. وفيه الإخبار، والإنباء، والتحديث، والعنعنة. والإسناد الثاني: فيه من اللطائف: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا أبا يحيى، فمقبول. وأنهم ما بين مروزي، وهو محمود بن غيلان، فإنه مروزي نزل بغداد، وكوفيين وهم: وكيع، وسفيان، ومنصور، وهلال، وأبو يحيى، وبصريين وهما: عمرو، وعبد الرحمن، ومصري، وهو الصحابي. وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وهما: هلال، وأبو يحيى. وفيه الإخبار، والتحديث. والعنعنة. شرح الحديثين الحديث الأول (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال قال أبو القاسم - ﷺ -) كنية النبي - ﷺ -، كني بابنه القاسم، أول مولود له، ولد قبل البعثة، ومات صغيرا، وقيل بعد أن بلغ سن التمييز، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمَّد بن نضلة عن بعض المشيخة قال: ولدت خديجة القاسم، وعاش حتى مشى. وأخرج ابن سعد من طريق محمَّد بن جبير بن مطعم، مات القاسم وله سنتان. وروى عن قتادة نحوه، وعن مجاهد: عاش سبعة أيام، وقال الفضل العلائي: عاش سبعة عشر شهرا بعد البعثة، وقد أخرج يونس ابن بكير في زيادات المغازي عن أبي عبد الله الجعفي هو جابر، عن محمَّد بن علي بن الحسين: كان القاسم قد بلغ أن يركب الدابة، ويسير على النجيبة، فلما قبض قال العاص بن وائل: لقد أصبح محمَّد أبتر، فنزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: آية ١]، عوضا عن مصيبتك يا محمَّد بالقاسم، فهذا يدل على أن القاسم مات بعد البعثة، وكذا ما أخرجه ابن ماجه، والطيالسي، والحربي من طريق فاطمة بنت الحسين، عن أبيها: قال «لما هلك القاسم، قالت خديجة: يا رسول الله: درت لبينة القاسم، فلو كان الله أبقاه حتى يتم رضاعه، قال: كان تمام رضاعه في الجنة» فقال الحربي: أرادت أنها حزنت عليه حتى دَرَّ لبنها عليه. وفي سنن ابن ماجه بعد قوله: لم يستكمل رضاعه، فقالت: لو أعلم ذلك يا رسول الله لهون عليَّ أمره، فقال: «إن شئت دعوت الله، فأسمعك صوته» فقالت: بل صدق الله ورسوله«وهذا ظاهر جدًّا في أنه مات في الإسلام، ولكن في السند ضعف، وأما قول أبي نعيم: لا أعلم أحدا من متقدمينا ذكره في الصحابة، وقد ذكر البخاري في التاريخ الأوسط من طريق سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة أن القاسم مات قبل الإسلام. لكن سيأتي في ترجمة فاطمة بنت أسد حديث«ما أعفي أحد من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد»قيل: ولا القاسم قال:«ولا القاسم وإبراهيم». وكان إبراهيم أصغرهما، وهذا أثر فاطمة بنت الحسين يدل على خلاف رواية هشام بن عروة اهـ الإصابة [جـ ٣ ص ٢٥٤]. (ويل للعقب من النار) الويل: مصدر، لا فعل له من لفظه، ومثله: ويح، ووَيْب وَوْيس، وَوْيه، وَعْول، ولا يثنى ولا يجمع، ويقال: ويلة، ويجمع على ويلات، وإذا أضيف، فالأحسن فيه النصب، ولا يجوز غيره عند بعضهم، وإذا أفردته اختير الرفع، ومعناه: الفضيحة والحسرة، وقال الخليل: شدة الشر، وابن المفضل: الحزن، وغيرهما: الهلكة، وقال الأصمعي: هي كلمة تفجع، وقد تكون ترحما، ومنه ويل أمه، مسعر حرب. ومحله رفع بالابتداء خبره الجار والمجرور، فإن كان عَلَمًا لواد في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره كما ورد في بعض الروايات وفي بعضها أنه جبل فيها، فمسوغه ظاهر، ولا فالمسوغ كونه دعاء، وقد حول عن المصدر المنصوب للدلالة على الدوام والثبات، ومثله يجوز فيه ذلك لأنه غير مخبر عنه، وقيل: لتخصص النكرة فيه بالداعي كما تخصص «سلام» في سلام عليك بالمسلّم، فإن المعنى سلامي عليك، وكذلك المعنى ها هنا دعائي على العقب بالهلاك ثابت لها. أفاد نحو هذا التقرير العلامة الآلوسي في روح العاني عند تفسير قوله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [جـ ١ ص ٣٠٢]. والعقب -بفتح العين، وكسر القاف- مؤخر القدم، وهي أنثى، والسكون للتخفيف جائز، والجمع أعقاب أفاده في المصباح. والمعنى أنه دعا على أصحاب الأعقاب التي لم يصبها الماء في الوضوء، أو أخبر بهذا الوعيد الشديد، وقال البغوي: معناه: ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها نحو ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: آية ٨٢] وقيل: أراد أن الأعقاب تختص بالعذاب إذا قصر في غسلها اهـ زهر. وقال السندي: والمراد بالعقب الجنس، والجمع في الحديث الثاني لأنه جاء في قوم تسامحوا في غسل الرجلين ولا حاجة إلى حمل الجمع على معنى التثنية، والمراد ويل لأعقابهم أو أعقاب من يصنع صنيعهم اهـ قال الحافظ: وإنما خصت بالذكر لصورة السبب كما في حديث عبد الله بن عمرو الآتي، فيلتحق بها ما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التساهل في إسباغها. وفي رواية الحاكم وغيره من حديث عبد الله بن الحارث «ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار» اهـ فتح [جـ ١ ص ٣٢١]. وقوله (من النار) قال العلامة العيني كلمة «من» للبيان كما في قوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: آية ٣٠]، ويحتمل أن تكون بمعنى «في» كما في قوله تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: آية ٩] أي في يوم الجمعة اهـ عمدة [١/ ٣٨٣]، وبالله التوفيق، وعليه التكلان. شرح الحديث الثاني (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵄، أنه (قال: رأى رسول الله - ﷺ - قوما يتوضئون) وذلك في سفر كما في الصحيحين، ولفظ مسلم «رجعنا مع رسول الله - ﷺ - من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا في الطريق، تعجل قوم عند العصر، فتوضئوا» الحديث. (فرأى أعقابهم) جمع عَقب، وتقدم وجه الجمع عن السندي في الحديث الذي قبله (تلوح) أي تظهر، وتُضيء، يقال: لاح، يلوح، لَوْحا بالفتح، ولُؤُوحا بالضم والهمز، ولَوَحَانا، بالتحريك، وليَاحا: إذا بَدَا، وظهر، أفاده في اللسان. والمعنى أن تلك الأعقاب تظهر للعين من بين سائر الرجل بأنها لم يمسها الماء (فقال) - ﷺ - (ويل للأعقاب من النار) ويل مرفوع بالابتداء سوغه كونه مصدرا في معنى الدعاء كما في «سلام عليكم»، وهي كلمة تقابل ويح، تقال: لمن وقع فيما لا يستحقه ترحما عليه، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ «ويل: واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره، وقيل: ويل صديد أهل النار . وهي من المصادر التي لا أفعال لها، وهي كلمة عذاب وهلاك. وقوله: (للأعقاب) جار ومجرور خبر المبتدإ، وهو جمع عقب مثال كَبد، وهو المستأخر الذي يمسك مؤخر شراك النعل، وقال أبو حاتم: عَقب وعُقْب: مثال كَبد وصُفْر، وهي مؤنثة، ولم يكسروا العين كما في كَبد، وكَتف، وقال النضر بن شُميل: العقب: يكون في المتن والساقين مختلط باللحم يمشق منه مشقا، ويهذب، ويُنَقَّى من اللحم، ويسوى منه الوَتَر، وأما العصب فالعلياء الغليظ ولا خير فيه. وقال الليث: العقب مؤخر القدم فهو من العصب لا من العقب، وقال الأصمعي: العقب: ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك. وفي المخصص: عرش القدم: أصول سُلَامِيَاتهَا المنتشرة القريبة من الأصابع وعَقبُها: مؤخرها الذي يفصل عن مؤخر القدم وهو موقع الشراك من خلفها. قاله العلامة العيني في عمدته [جـ١ ص ٣٨٢] (من النار) بيان للويل، أو بمعنى «في» أي ويل لها في النار. (أسبغوا الوضوء) أي بالغوا في إتمامه. يقالط سَبَغَ الشيء يَسبُغ سُبُوغًا أي من باب دخل: طال إلى الأرض واتسع، وأسبغه هو، وسبغ الشعر سبوغا، وسبغت الدرع، وكل شيء طال إلى الأرض فهو سابغ. أفاده في اللسان. قال السندي: ﵀ فيه دليل على أن التهديد كان لتسامحهم في الوضوء لا لنجاسة على أعقابهم، فيلزم من الحديث بطلان المسح على الرجلين على الوجه الذي يقول به من يجوز المسح عليها، وهو أن يكون على ظاهر القدمين. وهذا ظاهر، فتعين الغسل، وهو المطلوب، وأما القول بالمسح على وجه يستوعب ظاهر القدم وباطنه، وكذا القول بأن اللازم أحد الأمرين إما الغسل وإما المسح على الظاهر، وهم قد اختاروا الغسل فلزمهم استيعابه فورد الوعيد لتركهم ذلك فهو ما لم يقل به أحد فلا يضر احتماله لبطلانه باتفاق اهـ كلام السندي. وقال العلامة العيني: عند قول البخاري «ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا» ما نصه: قال القاضي عياض: معناه نغسل كما هو المراد في الآية بدليل تباين الروايات، وليس معناه ما أشار إليه بعضهم أنه دليل على أنهم كانوا يمسحون فنهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك وأمرهم بالغسل وقالوا أيضا: لو كان غسلا لأمرهم بالإعادة لما صلوا، وهذا لا حجة فيه لقائله لأنه ﵊ قد أعلمهم بأنهم مستوجبون النار على فعلهم بقوله «ويل للأعقاب من النار» وهذا لا يكون إلا في الواجب، وقد أمرهم بالغسل بقوله «أسبغوا الوضوء» ولم يأت أنهم صلوا بهذا الوضوء، ولا أنها كانت عادتهم قبل، فيلزم أمرهم بالإعادة. وقال الطحاوي ما ملخصه: إنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس، ثم إن رسول الله - ﷺ - منعهم عن ذلك وأمرهم بالغسل فهذا يدل على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح، وفيه نظر؛ لأن قوله نمسح على أرجلنا يحتمل أن يكون معناه نغسل غسلا خفيفا مبقعا حتى كأنه مسح، والدليل عليه ما في الرواية الأخرى «رأى قوما توضئوا، وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون، ولكن غسلا قريبا من المسح، فلذلك قال لهم:»أسبغوا الوضوء« وأيضا إنما يكون الوعيد على ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل في الأول فرضا عندهم لما توجه الوعيد؛ لأن المسح لو كان هو المشهور فيما بينهم كان يأمرهم بتركه، وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد، ولأجل ذلك قال القاضي عياض: معناه نغسل كما ذكرناه آنفا، والصواب أن يقال: إن أمر رسول الله - ﷺ - بإسباغ الوضوء ووعيده وإنكاره عليهم في ذلك الغسل يدل على أن وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي لا الغسل المشابه بالمسح، كغسل هؤلاء، وقول عياض: وقد أمرهم بالغسل بقوله «أسبغوا الوضوء» غير مسلم لأن الأمر بالإسباغ أمر بتكميل الغسل، والأمر بالغسل فهم من الوعيد، لأنه لا يكون إلا في ترك الواجب، فلما فُهِمَ ذلك من الوعيد، أكده بقوله: «أسبغوا الوضوء» ولهذا ترك العاطف فوقع هذا تأكيدا عاما يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء؛ لأنه لم يقل: أسبغوا الرجلين؛ بل قال: «أسبغوا الوضوء» والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، ومطلوبية الإسباغ غير مختصة بالرجلين، فكما أنه مطلوب فيهما، فكذلك مطلوب في غيرهما. فإن قلت: لم ذكر الإسباغ عاما، والوعيد خاصا؟ قلت: لأنهم ما قصروا إلا في وظيفة الرجلين، فلذلك ذكر لفظ الأعقاب فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاص اهـ كلام العيني في عمدته [جـ ١ ص ٣٨٣]. والله ولي التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديثى الباب المسألة الأولى: في درجتهما: أما حديث أبي هريرة فهو متفق عليه. وأما حديث عبد الله بن عمرو عن طريق أبي يحيى الأعرج فأخرجه مسلم. وقد أخرجاه عن طريق يوسف بن ماهَك عن عبد الله بن عمرو بلفظ: «تخلف عنا النبي - ﷺ - في سفرة سافرناها، فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا» هذا لفظ البخاري ونحوه لمسلم. المسألة الثانية في بيان مواضع ذكر المصنف لهما، وفيمن أخرجهما معه. أما حديث أبي هريرة فأخرجه المصنف هنا -٨٩/ ١١٠ - وفي الكبرى -٧٩/ ١١٣ - عن قتيبة، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، وعن مؤمل بن هشام، عن ابن علية، عن شعبة، عن محمَّد بن زياد، عنه. وأخرجه البخاري في الطهارة، عن آدم، عن شعبة به. وأخرجه مسلم في الطهارة أيضا عن قتيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب ثلاثتهم عن وكيع، عن شعبة به. وأما حديث عبد الله بن عمرو. فأخرجه المصنف هنا -٨٩/ ١١١ - وفي الكبرى -٧٩/ ١١٤ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع -وعن عمرو بن علي، عن ابن مهدي- كلاهما عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عنه. وفي -١٠٦/ ١٤٢ - وفي الكبرى -٩٢/ ١٣٧ - عن قتيبة، عن جرير، عن منصور به ببعضه «أسبغوا الوضوء». وأخرجه مسلم في الطهارة عن زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن جرير، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن شعبة، ثلاثتهم، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى به. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد، عن يحيى القطان، عن سفيان به. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي ابن محمَّد كلاهما عن وكيع به. أفاده أبو الحجاج المزي ﵀. المسألة الثالثة: في ذكر مذاهب العلماء في غسل الرجلين: قال العلامة ابن رشد في بداية المجتهد: ما نصه: اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في نوع طهارتهما: فقال قوم: طهارتهما الغسل، وهم الجمهور، وقال قوم: فرضهما المسح، وقال قوم: بل طهارتهما تجوز. بالنوعين: الغسل، والمسح، وأن ذلك راجع إلى اختيار المكلف. وسبب اختلافهم القراءتان المشهورتان في آية الوضوء: أعني قراءة من قرأ «وأرجلكم» بالنصب عطف على المغسول، وقراء ة من قرأ وأرجلكم« بالخفض عطفا على الممسوح وذلك أن قراءة النصب ظاهرة في الغسل، وقراءة الخفض ظاهرة في المسح، كظهور تلك في الغسل، فمن ذهب إلى أن فرضهما واحد من هاتين الطهارتين على التعيين إما الغسل، وإما المسح ذهب إلى ترجيح ظاهر إحدى القراءتين على القراءة الثانية، وصرف بالتأويل ظاهر القراءة الثانية إلى معنى ظاهر القراءة التي ترجحت عنده، ومن اعتقد أن دلالة كل واحدة من القراءتين على ظاهرها أيضا جعل ذلك من الواجب المخير ككفارة اليمين، وغير ذلك، وبه قال الطبري، وداود. وللجمهور تأويلات في قراء الخفض أجودها أن ذلك عطف على اللفظ لا على المعنى إذ كان ذلك موجودًا في كلام العرب مثل قول الشاعر: (من الكامل): لعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا … بَعْدِي سَوَافي المُور وَالقَطْرِ بالخفض، ولو عطف على المعنى لرفع القطر. وأما الفريق الثاني، وهم الذين أوجبوا المسح فإنهم تأولوا قراءة النصب على أنها عطف على الموضع كما قال الشاعر (من الوافر): فَلَسْنَا بالجبَالِ وَلَا الحَديدَا وقد رجح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه ﵊ إذ قال في قوم لم يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء «ويل للأعقاب من النار» قالوا: فهذا يدل على أن الغسل هو الفرض لأن الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب، وهذا ليس فيه حجة؛ لأنه إنما وقع الوعيد على أنهم تركوا أعقابهم دون غسل، ولا شك أن من شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم كما أن من شرع في المسح ففرضه المسح عند من يخير بين الأمرين. وقد دل على هذا ما جاء في أثر أخرجه مسلم أيضا أنه قال: «فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى ويل للأعقاب من النار» وهذا الأثر، وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدل على جوازه منه على منعه. لأن الوعيد انما تعلق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة، بل سكت عن نوعها، وذلك دليل على جوازها، وجواز المسح هو أيضا مروي عن بعض الصحابة، والتابعين ولكن من طريق المَعْنَى فالغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل إذ كانت القدمان لا يُنقَّى دنسهما غالبا إلا بالغسل. وينقى دنس الرأس بالمسح، وذلك أيضا غالب، والمصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لاحظ فيها معنيين: معنى مصلحيا، ومعنى عباديا وأعني بالمصلحي ما رجع إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي ما رجع إلى زكاة النفس، وكذلك اختلفوا في الكعبين هل يدخلان في المسح أو في الغسل عند من أجاز المسح؟. وأصل اختلافهم الاشتراك الذي في حرف «إلى» أعني في قوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: آية ٦] وقد تقدم القول في اشتراك هذا الحرف في قوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائة: آية ٦] لكن الاشتراك وقع هنالك من جهتين من اشتراك اسم «اليد»، ومن اشتراك حرف «إلى»، وهنا من قبيل اشتراك حرف «إلى» فقط. وقد اختلفوا في الكتب ما هو؟ وذلك لاشتراك اسم الكعب، واختلاف أهل اللغة في دلالته، فقيل: هما العظمان اللذان عند معقد الشراك، وقيل: هما العظمان الناتئان في طرف الساق، ولا خلاف فيما أحسب في دخولهما في الغسل عند من يرى أنهما عند معقد الشراك إذ كان جزءا من القدم لذلك قال قوم: إنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخلت الغاية فيه، أعني الشيء الذي يدل عليه حرف «إلى»، وإذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه مثل قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: آية ١٨٧] اهـ كلام ابن رشد في بدايته [جـ ١ ص ١٥، ١٦]. وقال القرطبي في «جامع الأحكام»، عند قوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ما نصه: قرأ نافع، وابن عا مر، والكسائي ﴿وأرجلكم﴾ بالنصب، وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ ﴿وأرجلُكُم﴾ بالرفع، وهي قراءة الحسن والأعمش سليمانَ، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة ﴿وأرجلكم﴾ بالخفض، وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون، فمن قرأ بالنصب جعل العامل اغسلوا، وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح، وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي - ﷺ -. واللازم من قوله في غير ما حديث وقد رأى قومًا يتوضؤون، وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته «ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء». ثم إن الله حددهما فقال ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كما قال في اليدين ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فدل على وجوب غسلهما، والله أعلم. ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء، قال ابن العربي: اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من ردّ ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الخفض. قلت قد رُويَ عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال: اغسلوا وجوهكم وامسحوا برؤسكم وأرجلكم فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فسمع ذلك أنس بن مالك فقال: صدق الله، وكذب الحجاج، قال الله تعالي، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: آية ٦] قال: وكان إذا مسح رجليه بلّهما، وروي عن أنس أيضا أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل وكان عكرمة يمسح رجليه، وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح، ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا، ويُلغَى ما كان مسحا، وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين، قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه: إن المسح والغسل واجبان جميعا، فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين. وقال ابن عطية: وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل. قلت : هو الصحيح، فإن لفظ المسح مشترك يطلق بمعنى المسح، ويطلق بمعنى الغسل، قال الهروي: أخبرنا الأزهري، أخبرنا أبو بكر محمَّد بن عثمان بن سعيد الدَّاريّ، عن أبي حاتم، عن أبي زيد الأنصاري، قال: المسح في كلام العرب يكون غسلا، ويكون مسحا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك: إذا غسلك، وطهرك من الذنوب. فهذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل، فترجح قول من قال: إن المراد بقراءة الخفض الغسل، وبقراءة النصب التي لا احتمال فيها، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل، والتوعد على ترك غسلها في أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة. ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرجلين، التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برؤسكم، فلما كان الرأس مفعولا قبل الرجلين قدم عليهما في التلاوة، والله أعلم، لا أنهما مشتركان مع الرأس، لتقدمه عليهما في صفة التطهير. وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قرأ الحسن، والحسين رحمة الله عليهما عَليَّ «وأرجلكم» أي بالجر فسمع علي ذلك، وكان يقضي بين الناس فقال «وأرجلكم» أي بالنصب هذا من المقدم والمؤخر من الكلام. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ قال: اغسلوا الأقدام إلى الكعبين، وكذا روي عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قرءَا ﴿وأرجلكم﴾ بالنصب وقد قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدا لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله - ﷺ - إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين - ﷺ - بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل، والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن. وقد قيل: إن قوله تعالى: «وأرجلكم» معطوف على اللفظ دون المعنى، وهذا أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى، لا اللفظ، وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب، وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: آية ٣٥]، بالجر لأن النحاس الدخان، وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: آية ٢١، ٢٢] [البروج: آية ٢١، ٢٢] بالجر ، قال إمرؤ القيس (من الطويل): كبيرُ أنَاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّل فخفض مزمل بالجوار وأن المزمل الرجل وإعرابه الرفع. قال زهير: (من الكامل) لَعِبَ الزَّمَانُ بِها وَغَيَّرَهَا … بَعْدي سَوَافِي الموُرِ والقَطْرِ قال أبو حاتم: كان الوجه القطر بالرفع، ولكنه جره على جوار المور، كما قالت العرب هذا جحر ضب خَرِبٍ فجروه، وإنما هو رفع. وهذا مذهب الأخفش، وأبي عبيدة، ورده النحاس وقال: هذا القول غلط عظيم، لأن الجوار لا يكون في الكلام أن ينقاس عليه، وإنما هو غلط ونظيره الإقواء. قلت : والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه، وما ثبت من قوله - ﷺ - «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» فخوفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله ﷿، ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الاستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح. ودليل آخر من جهة الإجماع، وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه، واختلفوا فيمن مسح قدميه، فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه. ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم - ﷺ - أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنين وثلاثا حتي ينقيها، وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح كما ذكرناه، وأن العامل في قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾. والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول: أكلت الخبز واللبن أي وشربت اللبن، ومنه قول الشاعر: عَلفْتُهَا تبْنًا وَمَاءً بَارِدًا … ........... وقال الآخر (من الكامل): وَرآيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى … مُتَقلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا وبعضهم أورد له صدرا وجعل المذكور هكذا: لما حَطَطْتُ الرَّحْلَ عَنْهَا وَاردَا .. عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَاردَا اهـ من هامش القرطبي بتغيير يسير. وقال آخر (من الكامل أيضًا): وَأَطفَلتْ بِالجَلهَتَيْن ظبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا وقال آخر: شَرَّابُ ألبْانٍ وَتَمْرٍ وَأقِطْ التقدير: علفتها تبنا وسقيتها ماء، ومتقلدا سيفا وحاملا رمحا، وأطفلت بالجلهتين ظباؤها، وفرخت نعامها، والنعام لا يطفل إنما يَفرخ، وأطفلت كان لها أطفال والجلهتان: جنبتا الوادي. وشراب ألبان وآكل تمر، فيكون قوله: وامسحوا برءوسكم وأرجلكم عطف بالغسل على المسح حملا على المعنى. والمراد الغسل اهـ جامع الأحكام [جـ ٦ ص ٩١، ٩٤]. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة القرطبي تقرير حسن جدًّا والله أعلم. وقال العلامة ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام: ما نصه: قوله (ثم غسل كلتا رجليه) صريح في الرد على الروافض في أن واجب الرجلين المسح، وقد تبين هذا من حديث عثمان، وجماعة وصفوا وضوء رسول الله - ﷺ -، ومن أحسن ما جاء فيه حديث عمرو بن عَبَسَة، بفتح العين والباء، «أن رسول الله - ﷺ - قال»ما منكم من أحد يقرب وَضُوءه«إلى أن قال:»ثم يغسل رجليه كما أمره الله ﷿« فمن هذا الحديث انضم القول إلى الفعل، وتبين أن المأمور به الغسل في الرجلين. اهـ[جـ ١/ ص ١٨٢]. فعلا فروع الآيهقان وأطفلت … بالجلهتين ظباؤها ونعامها قال الجامع عفا الله عنه: حديث عمرو هذا أخرجه مسلم وهو نص في تفسير الآية من أن المراد بها الغسل سواء قرئت بالنصب أو بالجر، والله أعلم. وكتب العلامة الصنعاني في حاشيته في هذا المحل ما نصه: أقول: اختلف الناس في الواجب في الرجلين على أربعة أقوال، وهي الاحتمال المتعقلة التي تعقل في المسألة: الغسل، والمسح، والجمع، والتخيير: فالأكثر على الغسل، وذهبت الرافضة إلى أنه المسح، وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين. وذهب بعض الظاهرية إلى وجوب الجمع بين المسح والغسل، وذهب ابن جرير الطبري وآخرون إلى التخيير بين الأمرين، كخصال الكفارة. ودليل الجمهور الأحاديث الثابتة في فعله وتعليمه - ﷺ -، وبحديث «ويل للأعقاب من النار» واستدل من قال بإيجاب المسح بقراءة ﴿وأرجلكم﴾ بالجر عطفا على ﴿برؤسكم﴾ وأجاب الجمهور بأنها قرئت بالنصب عطفا على أيديكم وبأنه معطوف على محل برؤسكم، وبأنها تحمل قراءة الجر في الآية على مسح الخفين، وقراءة النصب على غسل الرجلين، وقرر هذا ابن العربي بما فيه بعض الطول، وأيد مذهب الجمهور من جهة المعنى بأن الغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح، كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل، إذ كانت القدمان لا ينقى درنهما غالبا إلا بالغسل، وينقى درن الرأس بالمسح، وذلك أيضا غالب. والمصالح المعقولة لا تمنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لحفظ معنيين معنى مصلحي، ومعنى عبادي وأعني بالمصلحي ما يرجع إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي ما يرجع إلى زكاة النفس. انتهى. واستدل موجب الجمع بأنه الأحوط، واستدل المخير بأنه ليس إحدى القراءتين بأولى بالعمل من الأخرى، ولا شك أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلا لتعارض قراءة النصب، والقول، والفعل النبوي، وليس مع قراءة الجر سنة فعلية، ولا قولية. وأما الجمع، فلم تأت السنة به، ولا مَعْنَى للمسح مع الغسل فإنه إتيان بما لا حاجة إليه، وبما دخل معناه تحت الغسل. وقد بسط العاملي في شرح الأربعين القول في ترجيح مذهب الإمامية، وذكر مناظرة بين الفريقين، فأما الآية فلا تنهض لأحد الفريقين للاحتمال، ولكن البيان في السنة فإنه لم يأت فيها المسح، ولكن العاملي على قواعد أهل مذهبه يدفع الأحاديث الصحيحة، أو يعارضها بروايات غير ثابتة عند خصمه، فلا تقوم الحجة بها عليه، وإنما أشرنا إلى كلامه لأنه قد أبدى قوة ساعده في المسألة، فلا يغتر به الناظر اهـ ما كتبه الصنعاني ﵀ [جـ ١/ ص ١٨٢، ١٨٣]. وقال الحافظ ﵀: وقد تواترت الأخبار عن النبي - ﷺ - في صفة وضوئه أنه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله، وقد قال في حديث عمرو بن عبَسَةَ الذي رواه ابن خزيمة وغيره مطولا في فضل الوضوء «ثم غَسَل قدميه كما أمره الله». ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي، وابن عباس، وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله - ﷺ - على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور. وادعى الطحاوي، وابن حزم أن المسح منسوخ والله أعلم اهـ فتح [جـ ١ ص ٣٢٠]. قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل من هذا كله أن الراجح هو مذهب الجمهور، فالواجب في الرجلين الغسل، ولا يجوز المسح إلا لمن لبس الخفين، والله أعلم. المسألة الرابعة: ذكر العلامة العيني في هذا الحديث من الفوائد على طريق السؤال والجواب: قال ﵀: «الأسئلة والأجوبة»: منها ما قيل: والرَّجُل له رجلان، وليس له أرجل، فالقياس أن يقال على رجلينا: أجيب بأن الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع، فتوزع الأرجل على الرجال. ومنها ما قيل: فعلى هذا يكون لكل رَجُل رجل؟ أجيب بأن جنس الرجل يتناول الواحد، والاثنين، والعقل يعين المقصود، سيما فيما هو محسوس. ومنها ما قيل: إن المسح على ظهر القدم، لا على الرجل كلها، أجيب بأنه أطلق الرجل وأريد به البعض، أي ظهر القدم، ولقرينة العرف الشرعي، إذ المعهود مسح ذلك، وهذا فيه نظر؛ لأنهم ما كانوا يمسحون مثل مسح الرأس، وإنما كانوا يغسلون، ولكن غسلا خفيفا، فلذلك أطلقوا عليه المسح، وقد حققناه قريبا. ومنها ما قيل: لم خص الأعقاب بالعذاب؟ أجيب بأنها العضو التي لم تغسل، وفي «الغريبين»: وفي الحديث «ويل للعقب من النار» أي لصاحب العقب المقصّر عن غسلها، كما قال «واسأل القرية» أي أهل القرية، وقيل: إن العقب يخص بالمؤلم من العقاب، إذا قصر في غسلها، وفي المنتهى في اللغة «ويل للأعقاب من النار» أراد التغليظ في إسباغ الوضوء، وهو التكميل، والإتمام. ومنها ما قيل: ما الألف واللام في الأعقاب؟ أجيب بأنها للعهد: أي الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء، أو يكون المراد الأعقاب التي صفتها هذه، لا كل الأعقاب. ومنها ما قيل: إن اللام للاختصاص النافع، إذا المشهور أن اللام تستعمل في الخير «وعلى» في الشر، نحو ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: آية ٢٨٦]. وأجيب بأنها للإختصاص ها هنا نحو ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] ونحو ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، قلت: وقد تستعمل اللام في موضع «على»، وقالوا: إن اللام في «وإن أسأتم فلها» بمعنى عليها. ومنها ما قيل: كيف أخر الصحابة ﵃ الصلاة عن الوقت الفاضل، أجيب بأنهم إنما أخروها عنه طمعا أن يصلوها مع النبي - ﷺ - لفضل الصلاة معه، فلما خافوا الفوات استعجلوا فأنكر عليهم النبي - ﷺ -. ومنها ما قيل: رَوَى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، رأى رجلا لم يغسل عقبه فقال: «ويل للأعقاب من النار» وكذلك حديث مسلم عن عبد الله بن عمرو الذي مضى ذكره عن قريب، وفيه «فانتهينا إليهم، وأعقابهم تلوح، لم يمسها الماء» فقال ﵊: «ويل للأعقاب من النار» وهذان الحديثان تصريح بأن الوعيد وقع على عدم استيعاب الرجل بالماء، وحديث البخاري يدل على أن المسح لا يجزئ عن الغسل في الرجل وأجيب بأنه تُرَّدُ الأحاديث إلى معنى واحد، ويكون معنى قوله: «لم يسمها الماء» أي بالغسل، وإن مسها بالمسح، فيكون الوعيد وقع على الاقتصار على المسح دون الغسل. اهـ عمدة القارئ [جـ ١ ص ٣٨٤]. والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٩)

١. بكسر الباء وسكون الشين.

٢. وفي ت سهل مكبرا اهـ.

٣. بفتح الواو وتشديد المعجمة. اهـ.

٤. لعله بحديث الشفاعات.

٥. وفي مسند بقي بن مخلد له -٧٢٢ - حديثا.

٦. أخرجه الترمذي، وقال حديث غريب، وابن حبان في صحيحه، وسيأتي قريبا أنه ضعيف.

٧. البقرة آية ٧٩

٨. الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد ﵁: بلفظ«ويل واد في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعرها» جـ ١٦ ص ٥٠٨. وفيه دراج، عن أبي الهيثم، وهو ضعيف.

٩. السوافي جمع سافية، وهي الريح الشديد التي تسفي التراب أي تطيره والمور بالضم الغبار.

١٠. الصواب أن هذا متفق عليه.

١١. القائل هو القرطبي.

١٢. أي بدليل قراءة النصب.

١٣. وهي قراءة ابن كثير.

١٤. صدر البيت: كَأن أبَانَا في أفَانين دَقّه .. والبجاد: الكساء المخطط، والمزمل المدثر في الثياب. والمعنى أن ما لبسه الخيل من المطر، وأحاط به إلى رأسه كشيخ في كساء مخطط.

١٥. السوافي جمع سافية وهي الريح الشديدة التي تسفي التراب أي تطيره. والمور بالضم التراب.

١٦. القائل هو القرطبي.

١٧. رجز مشهور لم يعرف قائله وعجز البيت: ........... … حتَّى غَدَت هَمَّالةً عَيْنَاهَا

١٨. البيت للبيد، ورواه في اللسان هكذا:

١٩. هم فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي ثم قالوا له تبرأ من الشيخبن فأبى وقال: كانا وزيري جدي فتركوه ورفضوه وارفضوا عنه أفاده في «ق».