HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١١٦

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ «أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص46
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٨٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٣ ص٩١
٩٤ - بَابُ حَدِّ الغُسْلِ أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على حد غسل الرجلين. وقال السندي: ما نصه: ذكر فيه حديث عثمان الدال على أن اليد إلى المرفق والرجل إلى الكعب أو الدال على أن الغسل يثلث دون المسح اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: الأولى ما ذكرته من أن المراد بحد الغسل حد غسل الرجلين؛ لأنه تقدم له نظير هذا في غسل اليدين حيث قال «باب صفة الوضوء» «باب غسل اليدين» «باب حد الغسل» ثم ذكرالأبواب المتعلقة بالمسح، ثم قال «باب إيجاب غسل الرجلين» إلى أن قال «عدد غسل الرجلين» «باب حد الغسل» فأراد بحد الغسل في الأول غسل اليدين، وفي الثاني غسل الرجلين. والله أعلم. ١١٦ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». رجال الإسناد: ثمانية ١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) هو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح بمهملات، أبو الطاهر المصري، ثقة من العاشرة، مات سنة ٢٥٠ تقدم في ٣٥/ ٣٩. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمَّد بن يوسف مولى بني أمية، أبو عمرو المصري، قاضيها، ثقة، فقيه من العاشرة مات سنة ٢٥٠، وله ٩٦، سنة، وتقدم في ٩/ ٩ وفي ٨٠/ ٩٧. ٣ - (ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي، مولاهم، أبو محمَّد، المصري، الفقيه، ثقة، حافظ، عابد، من التاسعة مات سنة ١٩٧. وله ٧٢ سنة وتقدم في ٩/ ٩. ٤ - (يونس) بن يزيد بن أبي النِّجَاد، الأيلي، بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، بعدها لام، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وَهَما قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة ١٥٩، على الصحيح، وقيل بعدها سنة ١٦٠، وتقدم في ٩/ ٩. ٥ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ابن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، القرشي، الزهري، وكنيته: أبو بكر، الفقيه الحافظ، متفق على جلالته، وإتقانه وثبته، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة ١٢٥، وقيل: قبل ذلك بسنة أو بسنتين، وتقدم في ١/ ١. ٦ - (عطاء بن يزيد الليثي) المدني، نزيل الشام، ثقة من الثالثة، مات سنة ٥/ أو ١٠٧، وقد جاوز ٨٠ وتقدم في ٦٨/ ٨٤. ٧ - (حمران) بضم أوله ابن أبان مولى عثمان بن عفان، اشتراه في زمن أبي بكر الصديق، ثقة من الثانية مات سنة ٧٥ وقيل غير ذلك، وتقدم في ٦٨/ ٨٤. ٨ - (عثمان) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، الأموي أمير المؤمنين، ذو النورين، أحد السابقين الأولين، والخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرة، استشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة ٣٥، وكانت خلافته ١٢ سنة، عمره ٨٠، وقيل أكثر، وقيل: أقل، وتقدم في ٦٨/ ٨٤. لطائف الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مصريين، وهم الثلاثة الأولون، وأيلي، وهو يزيد. ومدنيين: وهم الباقون. وأن فيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم ابن شهاب، وعطاء، وحمران. شرح الحديث (أن حمران مولى عثمان أخبره) أي أخبر عطاء (أن عثمان) بن عفان ﵁ (دعا بوضوء) بفتح الواو، لا غير؛ لأن المراد الماء الذي يتوضأ به (فنوضأ) من ذلك الماء (فغسل كفيه) الفاء تفسيرية لأن قوله: توضأ مجمل، فصله قوله: غسل. إلخ. وفي الرواية المتقدمة في [٦٨/ ٨٤]. «فأفرغ على يديه» وقلنا هناك، الراد كفيه (ثلاث مرات) صفة لمصدر محذوف: أي غسلا ثلاثا أفاده العيني. ثم إن الظاهر أنه غسل الكفين معا. قال الإمام ابن دقيق العيد: غسلُهما قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو مفترقتين، والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل؟ اهـ جـ ١ ص ١٦٨ وكتب العلامة الصنعاني: ما نصه: قوله أفضل، أقول: إن غسلهما مجموعتين أعون على إذهاب ما عساه فيهما، لقوة الدلك.، وغسل كل واحدة على حدة فيه زيادة عمل بإفراد كل واحدة بطهارة، والأظهر أن الوجهين متكافئان، والمكلف مخير اهـ عدة [جـ ١ ص ١٦٨]. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأظهر غسلهما معا، كما أسلفنا قريبا. وفيه استحباب غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، ولو لم يكن عقب النوم، وهو إجماع بين العلماء لمن لم يستيقظ، وقد مر الخلاف في وجوب غسلهما عقب النوم في ١/ ١. (ثم مضمض) أي حرك الماء في فمه، وأصل المضمضة، كما قال الفارابي صوت الحية، ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها. قاله في المصباح. وقال الحافظ: أصل المضمضة في اللغة التحريك، ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه وأما معناه في الوضوء الشرعي، فأكمله أن يضع الماء في الفم، ثم يديره، ثم يمجه اهـ وقال ابن دقيق: قال بعض الفقهاء: المضمضة أن يجعل الماء في فمه، ثم يمجه، فأدخل المج في حقيقة المضمضة، فعلى هذا لو ابتلع الماء لم يكن مؤديا للسنة، وهذا الذي يكثر في أفعال المتوضئيين، أعني الجعل، والمج، ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة، لا أنه يتوقف تأدية السنة على مجه اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: إدخال المج في مفهوم المضمضة ليس بشيء؛ لأن المضمضة كما أسلفنا هو التحريك، ولم يرد في السنة زيادة على معناه اللغوي، فلا ينبغي زيادته في مفهومها، والله أعلم. (واستنشق) أي جعل الماء في أنفه، وجذبه بنَفَسه، ليزول ما فيه من الأوساخ، وأصل الاستنشاق: شم الريح مع قوة، كما تقيده عبارة اللسان ثم إنه لم يرد في طرق هذا الحديث تقييد المضمضة، والاستنشاق بعدد غير طريق يونس عن الزهري، فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود، من وجهين آخرين عن عثمان ﵁ - فإن في أحدهما «فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا»، وفي الآخر «ثم تمضمض، واستنثر ثلاثا» أفاده العيني [جـ ٢ ص ٣٠٠]. (ثم غسل وجهه) عطفه بثم إشارة إلى أن غسل الوجه يتأخر عن المضمضة، والاستنشاق. قال العلامة ابن دقيق العيد: فيه دليل على الترتيب بين غسل الوجه، والمضمضة والاستنشاق، وتأخيره عنهما، فيؤخذ منه الترتيب بين المفروض، والمسنون. اهـ إحكام ج ١ ص ١٧١. قلت: هذا: إذا قلنا: بسنيتهما، وقد عرفت أن الراجح وجوبهما، فتنبه. وكتب العلامة الصنعاني على قوله: فيؤخذ منه الترتيب: الخ: ما نصه: إلا أنه قد ورد ما يعارضه، فأخرج أحمد، وأبو داود من حديث المقدام بن معدي كرب، قال: «أتي رسول الله - ﷺ - بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مضمض، واستنشق ثلاثا» وعليه ترجم ابن تيمية، يعني المجد عبد السلام صاحب المنتقى «باب جواز تأخيرهما من غسل الوجه واليدين» وأخرج عن الرُّبيِّع بنت معوذ مثله، إلا أنها قالت: «فغسل وجهه ثلاثا، ثم تمضمض». وقال النووي: إنهم يتأولون هذه الرواية على أن لفظة «ثم» ليست هنا للترتيب، بل لعطف جملة على جملة؛ لأن المراد ذكر الجمل، لا صفة الترتيب، ولهذا لم يذكر غسل الرجلين في هذه الرواية انتهى. قال الصنعاني: قلت: قد روى أبو داود في رواية المقدام: «غسل رجليه ثلاثا» وذهب ابن تيمية إلى ترجيح رواية تقدم المضمضة، فإنها عن علي، وعثمان، وهما أقعد بمعرفة أحواله - ﷺ -، ولأن روايتهما أخرجها الشيخان. وما أخرجاه مقدم على غيره كما عرف في أصول الحديث اهـ كلام الصنعاني في العدة [جـ ١ ص ١٧١، ١٧٢]. وسيأتي تمام البحث في وجوب الترتيب، وعدمه في المسائل آخر الباب إن شاء الله تعالى. (ثلاث مرات) وهذا التثليث مستحب بالإجماع (ثم يده اليمنى) مؤنث اليمين، ضد اليسار. وأنثه لأن اليد مؤنثة (إلى المرفق) بفتح الميم وكسر الفاء، وعكسه، لغتان، وهو موصل الذراع بالعضد (ثلاث مرات) أي غسلا ثلاث مرات (ثم غسل يده اليسرى) تأنيث اليسار (مثل ذلك) أي ثلاث مرات. ولا خلاف في وجوب غسل اليدين للنص، والجمهور على وجوب غسل الرفق، وخالف في ذلك زفر من الحنفية، وداود الظاهري. وقد تقدم ترجيح وجوب دخولهما في الغسل في شرح حديث عبد الله بن زيد في الباب ٨٠/ ٩٧. (ثم مسح برأسه) بزيادة الباء، وفي رواية للبخاري: «رأسه» بلاباء وهي رواية أبي داود. وقد تقدم الكلام في هذه الباء، وفي معنى المسح، وأن مسح جميع الرأس واجب في شرح حديث عثمان في الباب ٦٨/ ٨٤ (ثم غسل رجله اليمنى) وفي الرواية السابقة قدمه اليمنى. ورجل الإنسان التي يمشي بها من أصل الفخد إلى القدم وهي: أنثى، وجمعها: أرْجُل، ولا جمع لها غير ذلك. قاله في المصباح. [جـ ١ ص ٢٢٠]. (إلى الكعبين) تثنية كعب. قال في المصباح: الكتب من الإنسان: اختلف فيه أئمة اللغة، فقال أبو عمرو بن العلاء، والأصمعي، وجماعة: هو العظم الناشز في جانب القدم عند ملتقى الساق، والقدم، فيكون لكل قدم كعبان عن يمنتها، ويسرتها، وقد صرح بهذا الأزهري، وغيره. وقال ابن الأعرابي، وجماعة: الكعب: هو المفصل بين الساق، والقدم، والجمع كعوب، وأكعب، وكعاب. قال الأزهري: الكعبان: الناتئان في منتهى الساق مع القدم عن يمنة القدم ويسرتها. وذهب الشيعة إلى أن الكعب في ظهر القدم، وأنكره أئمة اللغة كالأصمعي، وغيره اهـ[٢/ ٥٣٥]. قلت: وتقدم عن محمَّد بن الحسن مثل مذهب الشيعة إلا أن ذلك في تفسير حديث المحرم «وإذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل الكعبين» لا أنه فسر به آية الوضوء، كما حققه العلامة بدر الدين العيني في العمدة. وقد ذكر الحافظ في الفتح: أنه مروي عن مالك أيضا، والكلام في دخول الكعبين في وجوب الغسل كالكلام في المرفقين قد مر تحقيقه في الباب ٨٠ في الحديث ٩٧. (ثلاث مرات) فيه دليل على استحباب التكرار في غسل الرجلين ثلاثا، وبعض الفقهاء لا يرى ذلك، وقد استدلوا بما في بعض الروايات «فغسل رجليه حتى أنقاهما» ولم يذكر عددا. وأكدوا ذلك أيضا من جهة المعنى: بأن الرجل لقربها من الأرض في المشي عليها تكثر فيها الأوساخ. والأدران، فيُحَالُ الأمر فيها على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد. قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: والرواية التي ذكر فيها العدد زائدة على الرواية التي لم يذكر فيها، فالأخذ بها متعين. والمعنى المذكور، لا ينافي اعتبار العدد، فليعمل بما دل عليه لفظ الحديث اهـ إحكام [جـ ١ ص ١٨٤]. قال الجامع: هذا الكلام في غاية التحقيق (ثم غسل رجله اليسرى مثل ذلك) أي إلى الكعبين، ثلاث مرات (ثم) بعد وضوئه على هذه الكيفية (قال) عثمان ﵁ (رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ) جملة حالية من المفعول، لأن «رأى» هنا بصرية فلا تنصب مفعولين كما تقدم. (نحو وضوئي هذا) أي مثله (ثم قال) عثمان ﵁ (قال رسول الله - ﷺ -: من توضأ نحو وضوئي هذا) أي مثله في الكيفية والكمية. قال العلامة ابن دقيق العيد: لفظة «نحو» لا تطابق لفظة «مثل» فإن لفظه «مثل» يقتضي ظاهرها المساواة من كل وجه، إلا في الوجه الذي يقتضي التغاير بين الحقيقتين، بحيث يخرجها عن الوحدة ولفظة «نحو» لا تعطي ذلك، ولعلها استعلمت بمعنى المثل مجازا، أو لعله لم يترك مما يقتضي المثلية إلا ما لا يقدح في المقصود، فقد يظهر في الفعل المخصوص أن فيه أشياء ملغاة عن الاعتبار في المقصود من الفعل. فإذا تركت هذه الأشياء لم يكن الفعل مماثلا حقيقة لذلك الفعل، ولم يقدح تركها في المقصود منه، وهو رفع الحدث، وترتب الثواب. وإنما احتجنا إلى هذا، وقلنا به لأن هذا الحديث ذكر لبيان فعل يقتدى به، ويحصل الثواب الموعود عليه، فلابد أن يكون الوضوء المحكي المفعول محصلا لهذا الغرض، فلهذا قلنا: إما أن يكون استعمل «نحو» في غير حقيقتها أي بمعنى «مثل» أو يكون ترك ما علم قطعا أنه لا يخل بالمقصود، فاستعمل «نحو» في حقيقتها مع عدم فوات المقصود. والله أعلم. ويمكن أن يقال: إن الثواب يترتب على مقارنة ذلك الفعل، تسهيلا وتوسيعا على المخاطبين من غير تضييق، وتقييد بما ذكرناه أوّلا، إلا أن الأول أقرب إلى مقصود البيان. ثم قال: هذا الثواب الموعود به يترتب على مجموع أمرين: أحدهما: الوضوء على النحو المذكور والثاني: صلاة ركعتين بعده بالوصف المذكور بعده في الحديث، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج. وقد أدخل قوم هذا الحديث في فضل الوضوء، وعليهم في ذلك هذا السؤال الذي ذكرناه، ويجاب عنه: بأن كون الشيء جزءا مما يترتب عليه الثواب العظيم كاف في كونه ذا فضل، فيحصل المقصود من كون الحديث دالا على فضيلة الوضوء، ويظهر بذلك الفرق بين حصول الثواب المخصوص، وحصول مطلق الثواب، فالثواب المخصوص يترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور. ومطلق الثواب قد يحصل بما دون ذلك. اهـ إحكام الأحكام [جـ ١ ص ١٨٤، ١٨٩]. (ثم قام فركع ركعتين) وهاتان الركعتان مستحبتان، كما تقدم في الباب ٦٨/ ٨٤ وقوله: (لا يحدث فيهما نفسه) جملة في محل نصب صفة لركعتين، وتقدم في ٦٨/ ٨٤ زيادة «بشيء» والمراد أنه لا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا. لما في رواية الترمذي الحكيم في هذا الحديث «لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا». وهي في الزهد لابن المبارك أيضا، والمصنَّف لابن أبي شيبة قاله في الفتح [جـ ١ ص ٣١٢]، وقال العلامة ابن دقيق العيد: قوله:«لا يحدث فيهما نفسه» إشارة إلى الخواطر، والوساوس الواردة على النفس، وهي على قسمين: أحدهما: ما يهجُم هجما يتعذر دفعه عن النفس. والثاني: ما تسترسل معه النفس، ويمكن قطعه ودفعه. فيمكن أن يحمل هذا الحديث على هذا النوع الثاني. فيخرج عنه النوع الأول لعسر اعتباره. ويشهد لذلك لفظة «يحدث نفسه» فإنه يقتضي تكسبا منه، وتفعلا، لهذا الحديث ، ويمكن أن يحمل على النوعين معا، إلا أن العسر إنما يجب دفعه عفا يتعلق بالتكاليف. والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص. فمن حصل له ذلك العمل: حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا. وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه. نعم لابد وأن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول. أعني الوصف المرتب عليه الثواب المخصوص، والأمر كذلك فإن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله ﷿ على قلوبهم وغمرها تحصل لهم تلك الحالة، وقد حكى بعضهم ذلك. اهـ إحكام [جـ ١ ص ١٩٠، ١٩٢]. ثم إن تلك الخواطر منها ما يتعلق بالدنيا، والمراد دفعه مطلقا، ومنها ما يتعلق بالآخرة فإن كان أجنبيا أشبه أحوال الدنيا، وإن كان من متعلقات الصلاة كالتفكر في معاني القرآن والأذكار فلا، أفاده في الفتح جـ ١ ص ٣١٣. (غفر له ما تقدم من ذنبه) قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: ظاهره العموم في جميع الذنوب، وقد خصوا مثله بالصغائر. وقالوا: إن الكبائر إنما تكفر بالتوبة وكأن المستند في ذلك أنه ورد مقيدا في مواضع، كقوله - ﷺ - «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» فجعلوا هذا القيد في هذه الأمور مقيدا للمطلق في غيرها. اهـ إحكام جـ ١ ص ١٩٢، ١٩٣. وقال العلامة الصنعاني في حاشيته عليه: ما نصه: اتفقت كلمتهم في أحاديث الترغيب الموعود فيها بالغفران على أعمال من البر أنه خاص بغفران الصغائر دون الكبائر، فإنها لا تغفر إلا بالتوبة كقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠﴾، فلو كان لها مكفر غير التوبة لذكر، وبأنه - ﷺ - قيد كثيرا من غفران الذنوب بأنواع من الطاعات بقيد «ما اجتنبت الكبائر» فدل على أنها لا تكفر الكبائر بالطاعات غير التوبة، ودلت الآية على أنها لا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر. فههنا دعويان: إحداهما: أن الصغائر لا تكفر بالطاعات إلا بشرط اجتناب فاعلها الكبائر، والثانية: أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة. أما دليل الأولى فإنه ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية النساء ٣١. وحديث «الصلوات الخمس» إلى آخره، أخرجه أحمد، ومسلم، والترمذي، من حديث أبي هريرة، وهذه أمهات الطاعات، فهذا قيدت بذلك فاعتبار التقييد في غيرها بالأولى. وأما دليل الثانية: فهذا الحديث أيضا، فإنها إذا اشترط اجتناب الكبائر في التكفير للصغائر دل أنها لا تكفر بطاعة سوى التوبة كما دلت لذلك الآيات المصرحة بذلك، وقد سلف بعضها. فقول الشارح المحقق: وكأن المستند في ذلك أي فيما قيد من الحكمين، وإن كان صريح كلامه في أحدهما، فالثاني يدل له المقام. وقوله: وكأن، فيه، إشارة إلى أن للمناقشة مجالا في هذا بأن يقال: مقادير الطاعات مختلفة، لا يعلم قدر كل طاعة إلا الله، فيجوز أن يكون من الطاعات ما يكفر الكبائر كما ورد في الحج أنه «يخرج منه كيوم ولدته أمه» وغيره مما لم يقيد بذلك القيد كما ورد في المريض «أنه لا يزال به البلاء حتى يتركه يمشي، وليس عليه خطيئة» فحمل هذه المطلقات على تلك المقيدات لا يتم، إلا إذا علم تساويهما في قدر الجزاء عند الله، وهو لا يعلم إلا بإعلام الله، ورسوله - ﷺ -، وحينئذ فيجوز أن بعض الطاعات تكفر الكبائر، فلا يتم اطراد التقييد، وكأنه لذلك نسبه إليهم بقوله: فقالوا، على أنه لا يخفى عليك أن هذا كله مشي معهم على ظاهر قولهم: أن هذه الطلقات مقيدات بما قيد به بعض الطاعات من قيد اجتناب الكبائر، وعلم من الأصول أنه لا يلحق المطلق بالمقيد إلا إذا اتحد سببهما وحكمهما، وهنا الاختلافات أوضح من الشمس، ولا سبيل إلى القياس لما سمعت من عدم الجامع وتعيينه. اهـ عدة جـ ١ ص ١٩٢، ١٩٣. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الصنعاني ﵀ أخيرًا هو الذي يترجح عندي، وحاصله عدم تقييد النصوص بقيد اجتناب الكبائر، بل الطاعات التي أطلق الشارع عليها بأنها تكفر الذنوب، ولم يقيدها بشيء فإنها تكفر مطلقا، لما ذكر من التعليل ولأن هذا من باب الفضل والكرم فلله أن يجعل لبعض الطاعات خصوصية ليست لغيرها، وإن كانت مفضولة وإنما التقييد يجري في الأحكام التكليفية كما لا يخفى. والله أعلم. مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى: في درجة الحديث: حديث الباب متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان المواضع التي ذكره المصنف فيها، وفيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم. أخرجه المصنف هنا وفي الباب ٦٨، وفي الباب ٦٩ وقد ذكرنا تفصيله في الباب ٦٨. وأخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والدراقطني، والبيهقي كما تقدم تفصيله هناك. المسألة الثالثة: في ذكر اختلاف العلماء في وجوب الترتيب: قال العلامة ابن رشد في بدايته: اختلفوا في وجوب ترتيب أفعال الوضوء على نسق الآية فقال قوم: هو سنة، وهو الذي حكاه المتأخرون من أصحاب مالك عن المذهب، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وداود. وقال قوم: هو فريضة، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وهذا كله في ترتيب المفروض مع المفروض، وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة، فهو عند مالك مستحب، وقال أبو حنيفة: هو سنة: وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: الاشتراك الذي في واو العطف، وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المرتبة بعضها على بعض، وقد يعطف بها غير المرتبة، وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب، ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة: ليس تقتضي نسقًا ولا ترتيبًا، وإنما تقتضي الجمع فقط، وقال الكوفيون: بل تقتضي النسق والترتيب، فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب، ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه. والسبب الثاني: اختلافهم في أفعاله ﵊، هل هي محمولة على الوجوب، أو على الندب؟ فمن حملها على الوجوب قال: بوجوب الترتيب؛ لأنه لم يرو عنه ﵊ أنه توضأ قط إلا مرتبًا، ومن حملها على الندب، قال: إن الترتيب سنة، ومن فرق بين المسنون، والمفروض من الأفعال، قال: إن الترتيب الواجب إنما ينبغي أن يكون في الأفعال الواجبة، ومن لم يفرق قال: إن الشروط الواجبة قد تكون في الأفعال التي ليست واجبة اهـ بداية المجتهد جـ ١ ص ١٦ - ١٧. وقال النووي في شرح المهذب: ما حاصله: إن الترتيب واجب عند الشافعي. وهو محكي عن عثمان بن عفان، وابن عباس، ورواية عن علي بن أبي طالب، ﵃، وبه قال قتادة، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه، وهو المشهور عن أحمد. وقالت طائفة لا يجب حكاه البغوي عن أكثر العلماء، وحكاه ابن المنذر عن علي، وابن مسعود ﵄، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، ومكحول، والنخعي، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، وأصحابهما، والمزني، وداود، واختاره أبو نصر البندنجي من الشافعية. واحتج لهم بآية الوضوء، والواو لا تقتضي ترتيبًا، فكيفما غسل المتوضئ أعضاءه كان ممتثلا للأمر، قالوا: روى ابن عباس ﵄ «أن النبي - ﷺ - توضأ فغسل وجهه، ثم يديه، ثم رجليه، ثم مسح رأسه». واحتج من أوجب الترتيب بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي - ﷺ -، وكلهم وصفوه مرتبا مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين، وثلاث، وغير ذلك، ولم يثبت فيه مع اختلاف أنواعه صفة غير مرتبة، وفعله - ﷺ - بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز كما ترك التكرار في أوقات اهـ المجموع باختصار، وتغيير جـ ١ ص ٤٤٣، ٤٤٦. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي قول من قال بوجوب الترتيب لما أخرجه المصنف في صفة حجة النبي - ﷺ - من حديث جابر ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - «فابدأوا بما بدأ الله» بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر فإنه عام، لا يقتصر على سببه عند الجمهور، كما تقرر في الأصول، وآية الوضوء مندرجة تحت ذلك العموم كما أفاده الشوكاني ج ١ ص ٢١٨. ولأن فعل النبي - ﷺ - بيان للآية لأن الراجح أن الآية مجملة كما قدمنا تحقيقه في المسألة السابعة من الباب ٦٨ من الحديث ٨٤ فارجع إليه، فهذا كان الفعل بيانا للإجمال دل على الوجوب فتفطن. والله أعلم. وبقية مباحث الحديث تقدمت في الباب ٦٨/ ٨٤. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
مصادر المؤلف (٣)

١. أي حديث النفس.

٢. حديث ضعيف كما قاله النووي في المجموع [١/ ٤٤٦].

٣. في الباب ١٦٣ في الحديث ٢٩٦٢.