HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٢٩

أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتِ: ائْتِ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي. فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ يَمْسَحَ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص50
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ١ ص ٨٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٣ ص٢٣٢
٩٩ - التَّوْقيتُ فِي المَسْحِ عَلَى الخُفيَّيْنِ أي هذا باب يذكر فيه الحديث الدال على مشروعية تحديد المسح على الخفين للمقيم. وتقدم الكلام على معنى التوقيت في الباب السابق. ١٢٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، يَعْنِى فِي الْمَسْحِ. ١٢٩ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتِ: ائْتِ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي. فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا أَنْ يَمْسَحَ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثًا. رجال الإسنادين أما الإسناد الأول: ففيه ثمانية ١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن مَخْلد الحنظلي أبو محمَّد المروزي المعروف بابن راهويه ثقة حجة، ١٠ تقدم ٢/ ٢. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني ثقة ٩، تقدم في ٦١/ ٧٧. ٣ - (الثوري) سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي الإمام العلم الحجة ٧ تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (عمرو بن قيس المُلَائي) بضم الميم، وتخفيف اللام، والمد، أبو عبد الله. الكوفي وثقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وأبو زرعة، والعجلي، وقال: من كبار الكوفيين متعبد. وقال ابن حبان: كان من ثقات أهل الكوفة ومتقنيهم، وعباد أهل بلده وقرائهم. وفي «ت» ثقة متقن عابد، من السادسة، مات سنة بضع وأربعين ومائة. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، الباقون. وقوله (الملائي): نسبة إلى الملاءة التي تستتر بها النساء. قال السمعاني: وظني أن هذه النسبة إلى بيعها .اهـ اللباب ج ٣ ص ٢٧٧. ٥ - (الحكم بن عتيبة) بالمثناة، ثم الموحدة مصغرا، أبو محمَّد الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة ١١٣ أو بعدها وله- نيف وستون سنة تقدم في ٨٦/ ١٠٤. ٦ - (القاسم بن مخيمرة) بالمعجمة مصغرا، أبو عروة الهمداني بفتح فسكون الكوفي نزيل الشام، وثقه ابن سعد، وابن معين، والعجلي، وابن خراش، وغيرهم. وفي «ت» ثقة فاضل. من الثالثة، مات سنة مائة. علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون. ٧ - (شريح بن هانئ) بن يزيد الحارثي المذحجي أبو المقدام الكوفي مخضرم ثقة قتل مع ابن أبي بكرة بسجستان. تقدم في ٨/ ٨. ٨ - (علي) بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشمي أحد الخلفاء الأربعة ﵁ تقدمت ترجمته ٧٤/ ٩١. لطائف هذا الإسناد منها أنه من ثمانياته. ومنها أن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون إلا إسحاق فمروزي، وعبد الرزاق فصنعاني. ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين يروى بعضهم، عن بعض: وهم الحكم، والقاسم، وشريح. ومنها بأن فيه الإخبار، والإنباء ، والعنعنة، والقول. رجال الإسناد الثاني: سبعة ١ - (هناد بن السري) بن مصعب، أبو السري، الزاهد، الكوفي ثقة ١٠، تقدم في ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو معاوية) محمَّد بن خازم بمعجمتين- الضرير الكوفي، عمي وهو صغير، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهم في حديث غيره، من كبار التاسعة، مات سنة ١٩٥ - وله -٨٢ - سنة، وقد رمي بالإرجاء، تقدم في ٢٦/ ٣٠. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي، الكاهلي، أبو محمَّد، الكوفي، ثقة حافظ من -٥ - تقدم في ١٧/ ١٨. وأما (٤) و(٥) و(٦) فقد سبق ذكرهم في السند السابق. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين رضي لله عنها، تقدمت ترجمتها في ٥/ ٥. لطائف هذا الإسناد منها أنه من سباعياته، وأن رجاله كلهم ثقات، أجلاء، وأنهم كوفيون إلا عائشة ﵁، فمدنية. ومنها أنه أعلى من السند الأول لأنه سباعي بخلاف الأول، فثماني. ومنها أن فيه رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض وهم الأعمش، والحكم، والقاسم، وشريح. ومنها أن فيه الإخبار، والعنعنة، والقول. شرح الحديث الأول (عن علي ﵁) أنه (قال: جعل رسول الله - ﷺ -) أي قدر مدة المسح (للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن) وجعل مدة المسح (يوما وليلة للمقيم) قال المصنف، أو أحد الرواة مفسرا لهذا الحديث (يعني) أي يقصد علي ﵁ بقوله: جعل رسول الله - ﷺ - الخ (في المسح) أي تقدير مدة المسح. وحاصل معنى الحديث: أن رسول الله - ﷺ - وقت مدة المسح للمسافر بثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم بيوم وليلة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث الثاني (عن شريح) بصيغة التصغير. (بن هانئ) الحارثي الكوفي التابعي، أنه (قال: سألت عائشة) أم المؤمنين ﵂ قال المجد: رضي عنه، وعليه، يرضى، رضًا ورضْوانا -يعني بالكسر فيهما- ويضمان، ومرضاة: ضد سخِط، فهو راض، ورضيّ ورَض اهـ «ق» باختصار، ومعنى ﵂: قبل عملها وجازاها عليه. (عن المسح على الخفين) أي عن حكمه، أو عن مدته (فقالت) مرشدة إلى الأعلم به (ائت عليا، فإنه) الفاء للتعليل، أي لأنه (أعلم بذلك) أي بحكم المسح، أو مدته (مني) وفيه أنه ينبغي للعالم إذا سئل عن مسألة، وهناك من هو أعلم بالحكم منه أن يرشد السائل إليه، نصيحة له؛ لأن الدين النصيحة. قال شريح: (فأتيت عليا، فسألته عن) حكم (المسح) أو عن وقته (فقال) مجيبا عن المسألة: (كان رسول الله - ﷺ -: يأمرنا) أي أمر إباحة لا إيجاب (أن يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثًا) أي من الأيام والليالي، وإنما ذَكَّرَ ثلاثا مع أن اليوم مُذكَّر؛ لأن محل وجوب التأنيث مع المذكر والتذكير مع المؤنث إذا ذكر المعدود بعد اسم العدد، فأما إذا حذف كما في هذا المحل، وكما في حديث «وأتبعه ستا من شوال»- أو قدم كما في قولك: مسائل تسع، ورجال تسعة جاز الوجهان، كما نقله النووي عن النحاة. انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ج ٢ ص ١٣٥. وبالله التوفيق. مسائل تتعلق بحديث علي ﵁ المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند الصنف: أخرجه هنا ٩٩/ ١٢٨ -، ١٢٩ - بهذين الإسنادين، وفي الكبرى ١٣١ بالإسناد الثاني. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم. أخرجه مسلم في الطهارة (٢٤/ ١) عن إسحاق، عن عبد الرزاق عن الثوري عن عمرو بن قيس، وفي (٢٤/ ٢) عن إسحاق، عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة.، و(٢٤/ ٣) عن زهير بن حرب، عن أبي معاوية، عن الأعمش- ثلاثتهم عن الحكم، عن القاسم به. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة (٨٦/ ١) عن محمَّد بن بشار بندار، عن غندر، عن الحكم، عن القاسم، به. أفاده المزي في الأطراف ج ٧ ص ٣٨٤، ٣٨٥. وأخرجه أحمد. المسألة الرابعة: في فوائد هذا الحديث: من فوائده: مشروعية المسح على الخفين، وتحديد وقته، وكونه ثلاثا للمسافر، ويوما وليلة للمقيم، وسؤال أهل العلم فيما يجهله من أمور الدين، وإرشاد العالم السائل إلى من هو أعلم بالفتوى منه لأن ذلك من النصيحة، لحديث مسلم أنه - ﷺ - قال: «الدين النصحية ثلاثا». المسألة الخامسة: أنه تقدم في الباب السابق تحقيق الخلاف في توقيت المسح وعدمه. وأن الجمهور على التوقيت، وهو الحق. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وثبت التوقيت عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة والمغيرة، وأبي زيد الأنصاري: هؤلاء من الصحابة. وروي عن جماعة من التابعين: منهم شريح القاضي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك، وهو الأحوط عندي؛ لأن المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه أهل السنة والجماعة، واطمأنت النفس إلى اتفاقهم، فلما قال أكثرهم: لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس صلوات يوم وليلة، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة ثلاثة أيام ولياليها، فالواجب لحى العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغسل حتى يُجمعُوا على المسح، ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر، ولا فوق اليوم للمقيم اهـ التمهيد ج ١١ ص ١٥٣. وقال الشوكاني بعد ما ذكر ما تقدم من الأقوال: فالحق توقيت المسح بالثلاث للمسافر، واليوم والليلة للمقيم. اهـ نيل ج ١ ص ٢٧٦. قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن الراجح هو ما عليه الجمهور لقوة الدليل، كما أسلفت في الباب السابق. والله أعلم. المسألة السادسة: في اختلاف العلماء في ابتداء مدة المسح: قال النووي في المجموع ج ١ ص ٤٨٦: ماحاصله: مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، وجمهور العلماء، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وداود: أن ابتداء المدة من أول حدث بعد لبس الخف، فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إن كان مسافرا انقضت المدة، ولم يجز المسح بعد ذلك حتى يستأنف لبسها على طهارة، وما لم يحدث لا تحسب المدة، فلو بقي بعد اللبس يوما على طهارة اللبس، ثم أحدث استباح بعد الحدث يوما وليلة إن كان حاضرا، وثلاثة أيام ولياليها إن كان مسافرًا. وقال الأوزاعي، وأبو ثور: ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد، وداود، وهو المختار الراجح دليلا، واختاره ابن المنذر، وحكي نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁، وحكى الماوردي، والشاشي عن الحسن البصري أن ابتداءها من اللبس. واحتج القائلون من حين المسح بقوله - ﷺ - «يمسح المسافر ثلاثة أيام»، وهي أحاديث صحاح، كما سبق، وهذا تصريح بأنه ثلاثة ولا يكون ذلك إلا إذا كانت المدة من المسح. واحتج القائلون: من أول الحدث بعد اللبس برواية رواها الحافظ القاسم بن زكريا المطرزي في حديث صفوان «من الحدث إلى الحدث» وهي زيادة غريبة ليست ثابتة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه النووي -﵀- مع مخالفته لمذهبه هو عين التحقيق من هذا الإمام المحقق الجليل، حيث دار مع الدليل أينما دار، وما تجمد على المذهب، وهذا هو الذي يجب على المسلم أن يلتزمه، ويتمسك به، وهو الذي كان عليه السلف الصالحون من الصحابة، والتابعين، كانوا إذا وقع بينهم اختلاف في أي مسألة ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسول الله - ﷺ - ثم يأخذون ما وافق النص، ولا يعدلون عنه، قال الله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. فنصيحتي لمقلدي المذاهب أن يقارنوا أقوال الأئمة بالنصوص الصحيحة، فيأخذوا ما اتفق معها، ولا يتجمدوا على قول إمامهم، ولا يتعصبوا له، بل التحمس يكون للحق، وهذه هي وصية الأئمة كلهم لأتباعهم كما هو مشهور في تراجمهم رحمهم الله تعالى. والله أعلم. المسألة السابعة: في اختلاف العلماء في الخف المخرّق: قال النووي في المجموع ما حاصله: أنه الصحيح الجديد في مذهب الشافعي أنه لا يجوز المسح على الخف المخرق في محل الفرض، وبه قال معمر بن راشد، وأحمد بن حنبل، وحكى ابنُ المنذر عن سفيان الثوري، وإسحاق ويزيد بن هارون، وأبي ثور: جواز المسح على جميع الخفاف، وعن الأوزاعي إن ظهرت طائفة من رجله مسح على خفيه وعلى ما ظهر من رجليه. وعن مالك ﵁: إن كان الخرق يسيرا مسح، وإن كان كثيرا لم يجز المسح. وعن أبي حنيفة وأصحابه إن كان الخرق قدر ثلاثة أصابع لم يجز المسح، وإن كان دونه جاز، وعن الحسن البصري إن ظهر أكثر من أصابعه لم يجز. قال ابن المنذر: بقول الثوري أقول لظاهر إباحة رسول الله - ﷺ - المسح على الخفين قولا عاما يدخل فيه جميع الخفاف. واحتج القائلون: بالجواز على اختلاف مذاهبهم بما احتج به ابن المنذر، وبأنه جوز المسح رخصة وتدعوا الحاجة إلى المخرق، وبأنه لا تخلو الخفاف عن الخرق غالبا، وقد يتعذر خرزه، لا سيما في السفر، فعفي عنه، للحاجة، وبأنه خف يحرم على المحرم لبسه وتجب به الفدية فجاز المسح عليه كالصحيح. واحتج القائلون: بالمنع بأن ما انكشف من الرجل حكمه الغسل وما استتر حكمه المسح، والجمع بينهما لا يجوز فغلب حكم الغسل، كما لو انكشفت إحدى الرجلين واستترت الأخرى. اهـ كلام النووي بتغيير يسير. وقال العلامة ابن رشد في بدايته بعد ذكر ما تقدم من الأقوال ما نصه: وقال الثوري: كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ذلك حظر لورد ونقل عنهم، قلت: هذه المسألة هي مسكوت عنها فلو كان فيها حكم مع عموم الابتلاء به لبينه - ﷺ - وقد قال الله تعالى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، اهـ بداية ج ١ ص٢٠. وكتب العلامة محدث العصر الألباني في رسالته «إتمام النصح في أحكام المسح» كلاهما حسنا أحببت إيراده هنا لتحقيقه المسألة تَمَام تحقيق. قال: وأما المسح على الخف، أو الجورب المخرق فقد اختلفوا فيه اختلافا كثيرا، فأكثرهم يمنع منه على اختلاف طويل بينهم تراه في مبسوطات الكتب الفقهية، والمحلى. وذهب غيرهم إلى الجواز، وهو الذي نختاره. وحجتنا في ذلك أن الأصل الإباحة، فمن منع، واشترط السلامة من الخرق، أو وضع له حدا فهو مردود، لقوله - ﷺ -: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» متفق عليه. وأيضا فقد صح عن الثوري أنه قال: امسح عليها ما تعلقت به رجلك، هل كانت خفاف المهاجرين والأنصار الا مخرقة، مشققة، مرقعة؟. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٥٣) ومن طريقه البيهقي (١/ ٨٣) وقال ابن حزم (٢/ ١٠٠) فإن كان في الخفين، أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير طولا أو عرضا فظهر منه شيء من القدم، أقل القدم أو أكثرها، فكل ذلك سواء، والمسح على كل ذلك جائز، ما دام يتعلق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوري، وداود، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، ويزيد بن هارون، ثم حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بينها من اختلاف وتعارض، ثم رد عليها، وبين أنها مما لا دليل عليها سوى الرأي وختم ذلك بقوله: لكن الحق في ذلك ما جاءت به السنة المبينة للقرآن من أن حكم القدمين اللتين ليس عليهما شيء ملبوس يُمسَحُ عليه أن يغسلا، وحكمهما إذا كان عليهما شيء ملبوس أن يمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وقد علم رسول الله - ﷺ - إذ أمر بالمسح على الخفين وما يلبس في الرجلين ومسح على الجوربين أن من الخفاف والجوارب وغير ذلك مما يلبس على الرجلين المخرقَ خرقا فاحشا أو غير فاحش. وغير المخرق، والأحمر والأسود والأبيض والجديد والبالي، فما خص ﵇ بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكم ذلك في الدين يختلف لما أغفله الله تعالى أن يوحي به، ولا أهمله رسول الله - ﷺ - المفترض عليه البيان، حاشاه من ذلك فصح أن حكم ذلك المسح على كل حال، والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطبنا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته (ص ١٣) ويجوز على اللفائف في أحد الوجهين حكاه ابن تميم وغيره وعلى الخف المخرق ما دام اسمه باقيا والمشي فيه ممكنا وهو قديم قولي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء. قلت: ونسبه الرافعي في شرح الوجيز (٢/ ٣٧٠) للأكثرية، واحتج له بأن لقول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة، فوجب أن يمسح. ولقد أصاب ﵀. اهـ كلام العلامة الألباني. قال الجامع عفا الله عنه: هذا تحقيق نفيس حقيق بالقبول، وما عداه قول لا يؤيده منقول، والحاصل أن الراجح جواز المسح على جميع أنواع الخف، سالمها، ومخرقها، لعموم الأدلة في الجميع، والله أعلم. المسألة الثامنة: في اشتراط الطهارة في لبس الخف. قال العلامة ابن رشد في بدايته ص (٢١، ج ١): وأما شرط المسح على الخفين، فهو أن تكون الرجلان طاهرتين يطهر الوضوء، وذلك شيء مجمع عليه إلا خلافا شاذا. وقد روي عن ابن القاسم عن مالك ذكره ابن لبابة في المنتخب، وإنما قال به الأكثر لثبوته في حديث المغيرة، وغيره، إذ أراد ينزع الخف عنه، فقال ﵊: «دعهما، فإني أدخلتهما، وهما طاهرتان»، والمخالف حمل هذه الطهارة على الطهارة اللغوية. واختلف الفقهاء من هذا الباب فيمن غسل رجليه ولبس خفيه، ثم أتم وضؤه هل يمسح عليهما؟ فمن لم ير أن الترتيب واجب، ورأى أن الطهارة تصح لكل عضو قبل أن تكمل الطهارة لجميع الأعضاء قال بجواز ذلك، ومن رأى أن الترتيب واجب وأنه لا تصح طهارة العضو إلا بعد طهارة جميع الأعضاء لم يُجزْ ذلك، وبالقول الأول قال أبو حنيفة، وبالقول الثاني قال الشافعي، ومالك إلا أن مالكا لم يمنع ذلك من جهة الترتيب، وإنما منعه من جهة أنه يرى أن الطهارة لا توجد للعضو إلا بعد كمال جميع الطهارة، وقد قال ﵊ «وهما طاهرتان» فأخبر عن الطهارة الشرعية. وفي بعض روايات حديث المغيرة «إذا أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما» وعلى هذه الأصول يتفرع فيمن لبس أحد خفيه بعد أن غسل إحدى رجليه، وقبل أن يغسل الأخرى، فقال مالك: لا يمسح على الخفين لأنه لابس للخف قبل تمام الطهارة، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، والثوري والمزني والطبري، وداود: يجوز له المسح، وبه قال جماعة من أصحاب مالك: منهم مطرف، وغيره، وكلهم أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول بعد غسل الرجل الثانية ثم لبسها جاز له المسح اهـ كلام ابن رشد. قال الجامع عفا الله عنه: والراجح عندي قول من اشترط لبسهما على طهر كامل لظاهر قوله: «وهما طاهرتان»، والله أعلم. المسألة التاسعة: في نواقض مسح الخف: قال ابن رشد في بدايته ج ١ ص ٢٢: فأما نواقض هذه الطهارة، فإنهم أجمعوا على أنها نواقض الوضوء، واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا؟ قال قوم: إن نزعه وغسل قدميه فطهارته باقية، وإن لم يغسلهما وصلى أعاد الصلاة بعد غسل قدميه، وممن قال بذلك مالك، وأصحابه، والشافعي، وأبو حنيفة، إلا أن مالكا رأى أنه إن أخر ذلك استأنف الوضوء على رأيه في وجوب الموالاة. وقال قوم: طهارته باقية حتى يحدث حدثا ينقض الوضوء وليس عليه غسل، وممن قال بهذا القول داود، وابن أبي ليلى: وقال الحسن بن حي: إذا نزع خفيه فقد بطلت طهارته، وبكل واحد من هذه الأقوال الثلاثة قالت طائفة من فقهاء التابعين، وهذه المسألة هي مسكوت عنها، يعني أنه لم يرد نص بتبيينها- وسبب اختلافهم هل المسح على الخفين هو أصل بذاته في الطهارة، أو بدل من غسل القدمين عند غيبوبتهما في الخفين؟ فإن قلنا: هو أصل بذاته فالطهارة باقية وإن نزع الخفين، كمن قطعت رجلاه بعد غسلهما، وإن قلنا: إنه بدل، فيحتمل أن يقال: إذا نزع الخف بطلت الطهارة، وإن كنا لا نشترط الفور، ويحتمل أن يقال: إن غسلهما أجزأت الطهارة إذا لم يشترط الفور. وأما اشتراط الفور من حيث نزع الخف فضعيف، وإنما هو شيء يتخيل. فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الباب. اهـ كلام ابن رشد - ﵀. وكتب العلامة الألباني في الرسالة المتقدمة ما نصه: اختلف العلماء أيضا فيمن خلع الخف ونحوه بعد أن توضأ ومسح عليه على أقوال ثلاثة: الأول: أن وضوءه صحيح ولا شيء عليه. الثاني: أن عليه غسل رجليه فقط. الثالث: أن عليه إعادة الوضوء. وبكل من هذه الأقوال: قد قال به طائفة من السلف، وقد أخرج الآثار عنهم بذلك عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢١٠/ ٨٠٩ - ٨١٣) وابن أبي شيبة (١٨٧ - ١٨٨) والبيهقي (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠). ولا شك أن القول الأول هو الأرجح؛ لأنه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيرًا من الله، والقول بغيره ينافي ذلك، كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها كما تقدم، ويترجح على القولين الآخرين بمرجح آخر بل مرجحين: الأول: أنه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، فقد قدمنا بالسند الصحيح عنه ﵁- أنه أحدث، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم خلعهما، ثم صلى. والآخر موافقته للنظر الصحيح، فإنه لو مسح على رأسه ثم حَلَق لم يجب عليه أن يعيد المسحَ بَلْهَ الوضوء، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في اختياراته ص ١٥: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصري كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد، وقول الجمهور، وهو مذهب ابن حزم أيضا فراجع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف فإنه نفيس (المحلى ٢/ ١٠٥) وأما ما رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٨٧) والبيهقي (١/ ٢٨٩) عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - في- الرجل يمسح على خفيه، ثم يبدو له أن ينزع خفيه قال: يغسل قدميه. ففيه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، قال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرا، وكان يدلس. وروى البيهقي عن أبي بكرة نحوه. ورجاله ثقات غير علي بن محمَّد القرشي، فلم أعرفه. ثم روى عن المغيرة بن شعبة مرفوعا: «المسح على الخفين ثلاثة أيام وليالها للمسافر ويوما وليلة للمقيم ما لم يخلع». وقال: تفرد به عمر بن رديح وليس بالقوي. قلت: هذه الزيادة «ما لم يخلع» منكرة لتفرد هذا الضعيف بها، وعدم وجود الشاهد لها. اهـ كلام المحقق الألباني. قال الجامع عفا الله عنه: كلام العلامة الألباني هذا في غاية الحسن، والتحقيق. والله أعلم. المسألة العاشرة: في مذاهب العلماء في انتهاء مدة المسح هل ينقض أم لا؟ كتب العلامة الألباني في رسالته أيضا ما نصه: انتهاء المدة هل ينقض الوضوء؟ للعلماء في ذلك أقوال أشهرها قولان في مذهب الشافعي. الأول: يجب استئناف الوضوء. الثاني: يكفيه غسل القدمين. والثالث: لا شيء بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم يحدث، قاله النووي - ﵀ قلت: وهذا القول الثالث أقواها. وهو الذي اختاره النووي خلافا لمذهبه أيضا، فقال: - رحمه الله - (١/ ٥٢٧) وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وقتادة، وسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر، وهو المختار الأقوى، وحكاه أصحابنا عن داود. قلت: وحكاه الشعراني في الميزان (١/ ١٥٠) عن الإمام مالك، وحكى النووي عنه غيرَه فليحقق. وهو الذي ذهب إليه ابن تيمية تبعا لابن حزم، وذكر هذا -يعني ابن حزم- في القائلين به إبراهيم النخعي وابنَ أبي ليلي، ثم قال (٢/ ٩٤): وهذا هو القول الذي لا يجوز غيره، لأنه ليس في شيء من الأخبار أن الطهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء، ولا عن بعضها بانقضاء وقت المسح، وإنما نهى النبي ﵇ - عن أن يمسح أحد أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم. فمن قال غير هذا فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه، وقَوَّلَ رسولَ الله - ﷺ - ما لم يقل، فمن فعل ذلك واهمًا فلا شيء عليه، ومن فعل ذلك عامدًا بعد قيام الحجة عليه فقد أتى كبيرة من الكبائر، والطهارة لا ينقضها إلا الحدث، وهذا قد صحت طهارته، ولم يحدث فهو طاهر، والطاهر يصلي ما لم يحدث أو ما لم يأت نص جلي في أن طهارته انتقضت وإن لم يحدث، وهذا الذي انقضى وقت مسحه لم يحدث، ولا جاء نص في أن طهارته انتقضت، لا عن بعض أعضائه، ولا عن جميعها، فهو طاهر يصلي حتى يحدث فيخلع خفيه حينئذ، وما على قدميه، ويتوضأ، ثم يستأنف المسح توقيتا آخر وهكذا أبدا وبالله تعالى التوفيق. اهـ كلام العلامة الألباني حفظه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الذي اختاره هؤلاء الأئمة: ابن المنذر وابن حزم، والنووي، وابن تيمية، وحققه الألباني، هو الراجح عندي لوضوح دليله، والله أعلم. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
مصادر المؤلف (٤)

١. و(^٢) في نسخة «أنْبَأنَا».

٢. وفي «تت» كان يبيع الملاءة.

٣. أي كما في بعض النسخ.

٤. ص ٨٤ - ٨٦ والرسالة مطبوعة مع رسالة العلامة محمَّد جمال الدين القاسمي «المسح على الجوربين».