HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٣٨

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: «مَرِضْتُ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي، فَوَجَدَانِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص53
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٨٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٣ ص٢٩٩
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: أخرجه (خ م) فأما البخاري: فأخرجه في صفة النبي - ﷺ - (المناقب ٢٣/ ٢٦) عن الحسن ابن الصباح، عن محمَّد بن سابق، عن مالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه. وأما مسلم فأخرجه في الصلاة (٤٧/ ١١) عن قاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن مالك، عن عون، عن أبيه،. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث طهارة الماء المستعمل، وجواز الانتفاع به، وهو الذي ترجم له المصنف، وجواز لتبرك بآثاره - ﷺ -، ومحبة الصحابة له - ﷺ -، وتعظيمهم إياه، واستعمال العنزة للسترة، واستعانة الإمام بمن يركز له إياها، وعدم بطلان الصلاة، ولا نقصها بمرور شيء وراءها. وجواز استخدام الحر برضاه، واستحباب خدمة أهل الفضل. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. ١٣٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: مَرِضْتُ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِّي، فَوَجَدَانِي قَدْ أُغْمِي عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَصَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ. رجال الإسناد: أربعة ١ - (محمَّد بن منصور) ٢ - (سفيان) تقدما في السند السابق. ٣ - (ابن المنكدر) هو محمَّد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُدَير بالتصغير التيمي، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة -١٣٠ - أو بعدها (ع). ٤ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بمهملة وراء، الأنصاري، ثم السَّلَمي، بفتحتين، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة، بعد السبعين، وهو ابن -٩٤ - (ع) تقدم في ٣١/ ٣٥. لطائف الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وقد تقدم في المقدمة أنه أعلى ما وقع له، وهو التاسع من رباعيات الكتاب. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مكي وهو شيخه، وكوفي ثم مكي، وهو سفيان، ومدنيين، وهما ابن المنكدر، وجابر. «تنبيهان»: الأول: معنى قولي: إن هذا السند من رباعيات الصنف، وأنه أعلى ما وقع له من الأسانيد: كون الوسائط بينه، وبين النبي - ﷺ - أربعة أشخاص، فمثلا هنا: شيخه، وسفيان، وابن المنكدر، وجابر، أربع وسائط. وهذا هو أعلى ما عنده، ومثله لمسلم وأبي داود، بخلاف البخاري، والترمذي، وابن ماجه، فإن لهم ثلاثيات. وقد اعتنى بعض العلماء بجمع ثلاثيات البخاري، والترمذي، وكذا الدارمي، وعبد بن حميد، والطبراني. وقد تقدم تحقيق هذا في المقدمة فأرجع إليه. الثاني: في تعريف الإسناد العالي، وأن طلبه أمر مستحب، وتقسيم العلو. الإسناد العالي: هو الذي قل عدد رجاله مع الاتصال، وكذا إذا تقدم سماع راويه، أو تقدمت وفاة شيخه. وعلو الإسناد له عند المحدثين شأن كبير، وذلك أنه يفيد قوة السند، لأنه يبعد احتمال الخلل عن الحديث؛ لأن كل رجل من رجاله قد يحتمل أن يقع من جهته خلل، فهذا قَلت الوسائط تقل جهات الاحتمالات للخلل، فيكون علو السند قوة للحديث. قال الحافظ أبو الفضل المقدسي: أجمع أهل النقل على طلبهم العلو، ومدحه، إذ لو اقتصروا على سماعه بنزول لم يرحل أحد منهم. وقد رحل المحدثون فيه، وأتعبوا مطاياهم من أجله، ما يسمع أحدهم بحديث عن محدث في عصره حتى يرحل إليه ليسمعه منه مباشرة. قال أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف، وقيل ليحيى بن معين في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: بيت خال، وسند عال. وينقسم العلو بحسب جهته إلى خمسة أقسام: ترجع إلى قسمين: علو مسافة بقلة الوسائط، وعلو صفة، أما العلو بالمسافة: فهو ثلاثة أقسام: القسم الأول: القرب من رسول الله - ﷺ - من حيث العدد، بإسناد صحيح نظيف، وهذا علو مطلق، وهو أفضل أنواع العلو، وأجلها، قال محمَّد بن أسلم الطوسي الزاهد: قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله ﷿، ووجه كلامه هذا فيما نرى: أن قرب الإسناد يفيد قوة السند كما عرفت، واستخراج المحدث لذلك يقربه إلى الله ﷿. القسم الثاني: القرب من إمام من أئمة الحديث، وهو علو نسبي كالعلو إلى مالك، والأوزاعي، وسفيان. ووجه هذا أن هؤلاء الأئمة قد انتهى إليهم علم الحديث، وحفظه، فأصبح خوف الخلل في رواياتهم مأمونا، فرغبوا في العلو إليهم، لما فيه من قوة السند. القسم الثالث: العلو بالنسبة إلى الكتب الحديثية المشتهرة، وهو أن يعلو إسناد المحدث بالنسبة إلى روايته عن طريق الصحيحين وبقية الستة، إذ لو روى الحديث من طريق كتاب من الستة يقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها، وغالبا ما يكون السبب نزول الإسناد عن طريق هذه الكتب. أما عُلُوَّا الصفة: فقد ذكرهما الحافظ أبو يعلى الحنبلي في كتاب الإرشاد إلى معرفة الحديث، واشتهرا بعده. الأول: العلو بتقدم وفاة الراوي بأن يتقدم موت الراوي في هذا السند على موت الراوي الذي في السند الآخر، وإن كانا متساويين في العدد. الثاني: العلو بتقدم السماع من الشيخ بأن يكون أحد الرواة سمع منه قبل غيره إلا أنه يقع التداخل كثيرا بين هذين القسمين حتى عدهما بعض العلماء قسما واحدا. شرح الحديث (عن سفيان) بن عيينة أنه (قال: سمعت ابن المنكدر يقول) قال الجلال السيوطي ﵀: يتكرر قول الراوي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول، وقد اختلف هل يتعدى سمعت إلى مفعولين فجوزه الفارسي، لكن لابد أن يكون الثاني مما يسمع نحو سمعت زيدا قال كذا، فلو قلت: سمعت زيدا أخاك لم يجز، والصحيح تعديتها إلى واحد، وما وقع بعده منصوبا فعلى الحال، والأول على تقدير مضاف، أي سمعت كلام رسول الله - ﷺ -؛ لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بين هذا المحذوف بالحال المذكور، وهو يقول، وهي حال مبينة، ولا يجوز حذفها. وقال الزمخشري في قوله: «سمعنا مناديا»: «تقول: سمعت رجلا يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد وأن يقال: سمعت كلامه. وقال الطيبي: الأصل في سمعت رسول الله - ﷺ - في قول، سمعت قول رسول الله - ﷺ -، فأخر القول وجعل حالا ليفيد الإبهام والتعيين وهو أوقع في النفس من الأصل. اهـ عقود الزبرجد ج ١ ص ٢١ (سمعت جابرا) ﵁، (يقول: مرضت فأتاني رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر) ﵁ (يعوداني) قال في المصباح: عُدت المريض عيادَة: زُرته فالرجل عائد وجمعه عُوَّاد، والمرأة عائدة وجمعها عُوّد بغير ألف. قال الأزهري: هكذا كلام العرب. اهـ ج ٢ ص ٤٣٧. (فوجداني قد أغمى علي) أي غشي على قال في المصباح: وغمي على المريض ثلاثي مبني للمفعول فهو مَغْميّ عليه على مفعول، قاله ابن السكيت، وجماعة، وأغمي عليه إغماء بالبناء للمفعول أيضا وتقدم في غشي ما قيل فيه عن الأطباء. وقال في مادة غشي: ويقال إن الغَشْيَ يعطّل القوى المحركة والأوْردَة الحساسة لضعف القلب بسبب وجع شديد أو برد أو جوع مفرط، وقيل الغشي: هو الإغماء، وقيل: الإغماء: امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل الإغماء سهو يلحق الإنسان مع فتورالأعضاء لعلة. اهـ ج ٢ ص ٤٤٨. وقال في اللسان: وغُميَ على المريض وأغمي عليه: غُشيَ عليه ثم أفاق. وفي التهذيب: أغمي على فلان إذا ظن أنه مات، ثم يرجع حيا. اهـ ج ١٥. ص ١٣٤. (فتوضأ رسول الله - ﷺ -، نصب عليّ وَضوءه) بفتح الواو: أي الماء الذي توضأ به، أو منه. قال السندي: والظاهر أنه الماء الستعمل، فهذا يدل على طهارة الماء المستعمل، وحديث الخصوص غير مسموع لكون الأصل العموم. اهـ ج ١ ص ٨٧/ ٨٨. وقال الحافظ: يحتمل أن يكون الراد صب علي بعض الماء الذي توضأ به، أو مما بقي منه، والأول المراد، فللمصنف في الاعتصام «ثم صب وضوءه علي» ولأبي داود «توضأ وصبه علي». اهـ فتح ج ١ ص ٣٦٠. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر هذا، متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه من هذا الكتاب: حديث جابر عن طريق ابن عيينة لم يذكره المصنف في المجتبى إلا في هذا الموضع. وأخرجه في الكبرى في الفرائض والتفسير عن محمَّد بن منصور، وفي الطب أيضا عن قتيبة، عن سفيان، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر ﵁. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم: أخرجه (خ) في المرضَى عن عبد الله بن محمَّد، وفي الفرائض عن قتيبة - وفي الاعتصام عن علي بن عبد الله. وأخرجه (م) في الفرائض -٣/ ١ - عن عمرو الناقد. وأخرجه (د) في الفرائض عن أحمد بن حنبل. وأخرجه (ت) في الفرائض وفي التفسير عن الفضل بن الصباح البغدادي، وفي التفسير عن عبد بن حميد، عن يحي بن آدم- وأخرجه (ق) في الجنائز -١/ ٤ - عن محمَّد ابن عبد الأعلى الصنعاني، وفي الفرائض -٥/ ٣ - عن هشام بن عمار ثمانيتهم عن سفيان، عن ابن المنكدر، عن جابر ﵁. وأخرجه أحمد في مسنده ج ٣/ ٣٠٧. المسألة الرابعة: في فوائد هذا الحديث: يستفاد من هذا الحديث: مشروعية عيادة المريض، واعتناء كبير القوم بتفقد أصحابه، وطهارة الماء المستعمل، وجواز الانتفاع به وهو الذي بوب عليه المصنف، رحمه الله. وسيأتي تحقيق المسألة، وأقوال العلماء فيها، وترجيح المذهب الصحيح في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في الماء المستعمل: قال الإمام النووي ﵀ ما ملخصه: اختلف العلماء في طهارة الماء المستعمل وكونه ليس بمطهر فأما المسألة الأولى، وهي كونه طاهرا فقد قال بها مالك والشافعي، وأحمد، وجمهور السلف، والخلف، وخالف في ذلك أبو يوسف فقال بنجاسته. وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: إحداها رواية محمَّد بن الحسن: طاهر، وهو المشهور عنه. والثانية: نجس نجاسة مخففة. والثالثة: نجس نجاسة مغلظة. واحتج لهما بقوله - ﷺ - «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه، ولا يغتسل فيه من الجنابة». قالوا فجمع بين البول، والاغتسال. ولأنه أدى به فرض طهارة، فكان نجسا، كالمزال به النجاسة. واحتج الأولون بحديث جابر ﵁يعني حديث الباب- واحتجوا أيضا بقوله - ﷺ - «الماء طهور لا ينجسه شيء» وهو حديث صحيح وهو على عمومه، إلا ما خص لدليل. واحتج الشافعي ثم أصحابه بأن النبي - ﷺ -، والصحابة ﵃ كانوا يتوضؤون، ويتقاطر على ثيابهم، ولا يغسلونها. واحتجوا بأن الماء طاهر لاقى محلا طاهرًا، فكان طاهرًا كما لو غسل به ثوب طاهر. ولأن الماء طاهر، والأعضاء طاهرة، فمن أين النجاسة. والجواب عن حديث «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة» من أوجه: أحدها أن هذا الحديث رواه هكذا أبو داود في سننه من رواية محمَّد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - ومسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه» وفي رواية لمسلم «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» فقيل لأبي هريرة: كيف يفعل؟ قال: «يتناوله تناولا» فهاتان الروايتان خلاف رواية أبي داود، قال البيهقي: رواية الحفاظ من أصحاب أبي هريرة كما رواه البخاري، ومسلم، وأشار البيهقي إلى تقديم هذه الرواية، وجعله جوابا لاستدلالهم به، لكن لا يُرتَضَى هذا الجواب، ولا الترجيح لأن الترجيح إنما يستعمل إذا تعذر الجمع بين الروايتين، وليس هو متعذرا هنا، بل الجواب المرضي أنه لا يلزم اشتراك القرينين في الحكم، قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالأكل غير واجب، والإيتاء واجب. وجواب آخر وهو أن النهي عن البول والاغتس الذيه ليس لأنه ينجس بمجرد ذلك، بل لأنه يقذره، ويؤدي إلى تغيره. ولهذا نص الشافعي، والأصحاب على كراهة الاغتسال في الماء الراكد وإن كان كثيرا. وعلى الجملة تعلقهم بهذا الحديث وحكمهم بنجاسة الماء به عجيب. وأما قياسهم على المزال به نجاسة فجوابه من أوجه: أحدها لا نسلم نجاسته إذا لم يتغير، وانفصل وقد طهر المحل. الثاني: أنا حكمنا بنجاسته لملاقاته محلا نجسا بخلاف المستعمل في الحدث. الثالث: أنه انتقلت إليه النجاسة. والله أعلم. وأما المسألة الثانية وهي كونه ليس بمطهر، فقال به أبو حنيفة والشافعي، وأحمد، وهو رواية عن مالك، ولم يذكر ابن المنذر عنه غيرها. وذهب طوائف إلى أنه مطهر، وهو قول الزهري، ومالك، والأوزاعي في أشهر الروايتين عنهما، وأبي ثور، وداود. قال ابن المنذر: وروي عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة، وعطاء، والحسن، ومكحول، والنخعي، وإنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللا: يكفيه مسحه بذلك، قال ابن المنذر: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرا، قال وبه أقول. واحتج لهؤلاء بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] والفَعُول لما يتكرر منه الفعل، وبما رُويَ عن النبي - ﷺ - «أنه توضأ فمسح رأسه بفضل ماء في يده»، وفي حديث آخر أنه - ﷺ - «مسح رأسه ببلل لحيته»، وعن ابن عباس أن النبي - ﷺ - «اغتسل فنظر لمعة من بدنه لم يصبها الماء فأخذ شعرا من بدنه عليه ماء فأمرّة على ذلك الموضع» قالوا: ولأنه ماء لاقَىَ طاهرا فبقي مطهرا كما لو غسل به ثوب، ولأنه مستعمل فجاز الطهارة به، كالمستعمل في تجديد الوضوء، ولأنه ما أدِّيَ به الفرض مرة لا يمتنع أن يؤدي به ثانيا، كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد وكما يخرج الطعام في الكفارة ثم يشتريه، ويخرجه فيها ثانيا، وكما يصلي في الثوب الواحد مرار. قالوا: ولأنه لو لم تجز الطهارة بالمستعمل لامتنعت الطهارة؛ لأنه بمجرد حصوله على العضو يصير مستعملا، فإذا سال على باقي العضو ينبغي أن لا يرفع الحدث، وهذا متروك بالإجماع، فدل على أن المستَعْمَل مُطهِّر. قال النووي: واحتج أصحابنا بحديث الحكم بن عمرو ﵁ أن النبي - ﷺ - «نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن، وقال البخاري: ليس هو بصحيح، قالوا: ووجه الاستدلال أن المراد بفضل طهور المرأة ما سقط عن أعضائها لأنا نقول نحن والمنازعون على أن الباقي في الإناء مطهر فتعين حمله على الساقط، قال النووي: وفي صحة هذا الحديث والاستدلال به هنا نظر. واحتجوا بحديث أبي هريرة السابق مع أبي حنيفة «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب» قالوا: والمراد نهيه لئلا يصير مستعملا، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأن المختار، والصواب أن المراد بهذا الحديث النهي عن الاغتسال في الدائم، وإن كان كثيرا، لئلا يقذره، وقد يؤدي تكرار ذلك إلى تغيره. واحتجوا بالقياس على المستعمل في إزالة النجاسة، ولكن الفرق ظاهر وأقرب شيء يحتج به ما احتج به إمام الحرمين وهو عمدة المذهب أن النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ احتاجوا في مواطن من أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى. فإن قيل: تركوا الجمع لأنه لا يتجمع منه شيء فالجواب أن هذا لا يسلم وإن سلم في الوضوء لم يسلم في الغسل. فإن قيل: لا يلزم من عدم جمعه منع الطهارة به، ولهذا لم يجمعوه للشرب، والطبخ، والعجن، والتبرد، ونحوها، مع جوازها به بالاتفاق. فالجواب أن ترك جمعه للشرب ونحوه للاستقذار، فإن النفوس تعافه في العادة، وإن كان طاهرا، كما استقذر النبي - ﷺ - الضب وتركه، فقيل: أحرام هو؟ قال «لا، ولكني أعافه» وأما الطهارة به ثانية فليس فيها استقذار فتركه يدل على امتناعه. ومما احتجوا به أن السلف اختلفوا فيمن وجد من الماء بعض ما يكفيه لطهارته هل يستعمله، ثم يتيمم للباقي، أم يتمم ويتركه، ولم يقل أحد يستعمله ثم يجمعه ثم يستعمله في بقية الأعضاء، ولو كان مطهرا لقالوه. فإن قيل: لأنه لا يتجمع منه شيء، فالجواب: لا نسلم ذلك بل الحال في ذلك مختلف كما قدمته قريبا. وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية: فمن وجهين: أحدهما: لا نسلم أن فعولا يقتضي التكرار مطلقا، بل منه ما هو كذلك، ومنه غيره، وهذا مشهور لأهل العربية. والثاني: المراد بطهور المطهر والصالح للتطهير، والمُعَدُّ لذلك. وأما قولهم: «توضأ النبي - ﷺ - فمسح رأسه بفضل ماء كان في يده» فهذا الحديث رواه هكذا أبو داود في سننه، وإسناده عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، عن الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ ﵂. وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عن عبد الله بن زيد ﵁ أنه رأى النبي - ﷺ - «توضأ» فذكر صفة الوضوء إلى أن قال: «ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه» وهذا هو الموافق لروايات الأحاديث الصحيحة في أنه - ﷺ - أخذ لرأسه ماء جديدا. فإذا ثبت هذا فالجواب عن الحديث من أوجه: أحدها: أنه ضعيف فإن راويه عبد الله بن محمَّد ضعيف عند الأكثرين، وإذا كان ضعيفا لم يحتج بروايته ولو لم يخالفه غيره، ولأن الحديث مضطرب عن عبد الله بن محمَّد: قال البيهقي: قد رَوَى شريك عن عبد الله في هذا الحديث فأخذ ماء جديدا فمسح رأسه مقدمه ومؤخره الجواب الثاني: لو صح لحمل على أنه أخذ ماء جديدا وصب بعضه ومسح رأسه ببقيته ليكون موافقًا لسائر الروايات، وعلى هذا تأوله البيهقي على تقدير صحته. الثالث: يحتمل أن الفاضل في يده من الغسلة الثالثة لليد، ونحن نقول به على الصحيح، وكذا في سائر نفل الطهارة. وأما قولهم: مسح رأسه ببلل لحيته: فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه ضعيف. والثاني: حمله على بلل الغسلة الثانية والثالثة، وهو مطهر على الصحيح. وأما قولهم: اغتسل وترك لمعة ثم عصر عليها شعرا فجوابه من أوجه: أحدها: أنه ضعيف، وقد بين الدارقطني، ثم البيهقي ضعفه، قال البيهقي: وإنما هو من كلام النخعي. الثاني: لو صح لحمل على بلل باق من الغسلة الثالثة. الثالث: أن حكم الاستعمال إنما يثبت بعد الانفصال عن العضو، وهذا لم ينفصل، وبدن الجنب كعضو واحد، ولهذا لا ترتيب فيه. وأما قياسهم على ما غسل به ثوب وعلى تجديد الوضوء: فجوابه: أنه لم يؤد به فرض. وأما قياسهم على تيمم الجماعة: فجوابه: أن المستعمل ما علق بالعضو أو سقط عنه على الأصح، وأما الباقي بالأرض فغير مستعمل قطعا فليس هو كالماء. وأما طعام الكفارة: فإنما جاز أداء الفرض به مرة أخرى لتجدد عود الملك فيه فنظيره تجدد الكثرة في الماء ببلوغه قلتين، ونحن نقول به على الصحيح، وأما الثوب فلم يتغير من صفته شيء فلا يسمى مستعملا بخلاف الماء، وتغير الصفات مؤثر فيما أدي به الفرض كالعبد يعتقه عن كفارة. وأما قولهم: لو لم تجز الطهارة به لامتنعت الخ: فجوابه أنا لا نحكم بالاستعمال مادام مترددا على العضو بلا خلاف فلا يؤدي إلى مفسدة ولا حرج. والله أعلم. اهـ كلام النووي في المجموع ببعض تصرف ج ١ ص ١٥١/ ١٥٦. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى ما نصه: وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة، وأحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعي، والشافعي، ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه. واحتجوا بهذا الحديث -يعني حديث أبي هريرة في نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم- وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة، واحتج لهم في البحر بما روي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء، لا بما تساقط منه. وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملا، بل مصيره مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة يتناوله تناولا، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخص من الدعوى؛ لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمدعَى خروج كل مستعمل عن الطهورية. وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا، ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالعارضة بما أخرجه مسلم، وأحمد من حديث ابن عباس: «أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة» وأخرجه أحمد أيضا، وابن ماجه بنحوه من حديثه، وأخرجه أحمد أيضا، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وصححه من حديثه بلفظ «اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة، فجاء النبي - ﷺ - ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبا، فقال: إن الماء لا يجنب»، وأيضا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال. وعن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم، كالحسن البصري، والزهري، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فني؛ لأنهم لم يكونوا يتوضئون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف، وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار. وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية، لا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة، كحديث «خلق الماء طهورا» وحديث «مسحه - ﷺ - رأسه بفضل ماء كان بيده». وغيرهما. اهـ كلام الشوكاني في نيله ج ١ ص ٤٥/ ٤٦. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الذي قاله الشوكاني هو التحقيق الذي لا يحتاج إلى التعليق عليه. ولقد تكلم على هذه المسألة العلامة المجتهد أبو محمَّد ابن حزم في كتابه البديع «المحلى» فأفاد، وأجاد، وأسهب، وأعاد، ولولا بشاعة عباراته التي يرمي بها خصومه في رد أقوالهم، وتفنيد آرائهم من دون أن يفرق بين فلان، وفلان، وذلك غَيرَةً على النصوص، حسبما رآه هو، وإن كانوا كلهم يريدون الخير، وخدمةَ النصوص بقدر المستطاع، ولا يألون جهدا، فربما أصابوا، وربما أخطأوا، والكل مأجورون، لنقلت عبارته برمتها. فارجع إليه ج ١ ص ١٨٣ - ١٩١. فالحاصل أن المذهب الراجح: هو مذهب من يقول: بطهورية الماء المستعمل، وطهارته لوضوح أدلته، والله أعلم.
مصادر المؤلف (١)

١. راجع التدريب جـ ٢ ص ١٥٩ - ١٧٠، وشروح الألفية العراقية في المصطلح، وشرحي لألفية السيوطي فيه.