HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٥٣

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ لِلْمِقْدَادِ : إِذَا بَنَى الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ فَأَمْذَى وَلَمْ يُجَامِعْ، فَسَلِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ وَابْنَتُهُ تَحْتِي. فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:ضعيف
ج ١ ص ٩٦

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٣ ص٤٣٥
المصباح: واستحيا منه، واستحييته، وفيه لغتان، إحداهما لغة الحجاز وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة (فقلت لرجل جالس إلى جنبي) هو المقداد بن الأسود، أو عمار بن ياسر كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (سله) أي اسأل النبي - ﷺ - عن حكمه (فسأله) عنه (فقال) - ﷺ - (فيه الوضوء) مبتدأ وخبر، أي الوضوء الشرعي واجب بسببه، وإنما قلنا الشرعي، لما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى من قوله: «ويتوضأ وضوءه للصلاة». والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث علي ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: ذكر المصنف ﵀ حديث علي تحت ترجمتين فذكر حديث ١٧٢، ١٧٣، ١٧٥، ١٧٦، ١٧٧ بهذا الترتيب في باب [١١٢]، الوضوء من المذي، وحديث ١٧٤،١٧٨،١٧٩، ١٨٠، ١٨١، ثم ١٧٧ بهذا الترتيب في باب ٢٧٣ باب الوضوء من المذي، وتكرر حديث رقم ١٧٤، ١٧٧ في كلا البابين، وليس حديث ١٧٧، ١٧٨، ١٧٩، ١٨٠، ١٨١ في الكبرى. أفاده محقق السنن الكبرى ج ١ ص ٨٣ - ٨٤، وبقية مسائله تأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى. ١٥٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلْمِقْدَادِ: إِذَا بَنَى الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ فَأَمْذَى، وَلَمْ يُجَامِعْ، فَسَلِ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَإِنِّي اَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ وَابْنَتُهُ عِنْدِي. فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: «يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ». رجال الإسناد: خمسة ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه، ثقة حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (جرر) بن عبد الحميد الضبي أبو عبد الله الكوفي ثقة ثبت -٨ - تقدم في -٢/ ٢. ٣ - (هشام بن عروة) المدني ثقة فقيه -٥ - تقدم في -٤٩/ ٦١ - ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في -٤٩/ ٦١ - . ٥ - (علي) ﵁. تقدم في ٧٤/ ٩١. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ممن اتفقوا على التخريج لهم، وأنهم ما بين مروزي، وهو إسحاق، وكوفي، وهو جرير، ومدنيين، وهما هشام، وأبوه، وأما علي ﵁ فمدني، كوفي. وأن فيه رواية الابن، عن أبيه. شرح الحديث (عن علي ﵁) أنه (قال: قلت للمقداد) بكسر الميم وسكودن القاف وبالمهملتين- ابن عمرو بن ثعلبة، البهراني الكندي، ويقال له: ابن الأسود لأن الأسود بن عبد يغوث رباه، أو تبناه، أو تزوج بأمه، ويقال له: الكندي لأنه أصاب دما في بهراء، فهرب منهم إلى كندة، فحالفهم، ثم أصاب فيهم دما، فهرب، إلى مكة فحالف الأسود، وهو قديم الصحبة من السابقين في الإسلام، قيل: إنه سادس ستة، شهد بدرا، ولم يثبت أنه شهد فيه فارس مع رسول الله - ﷺ - غيره، وقيل إن الزبير ﵁ أيضا كان فارسا، رُوي له عن رسول - ﷺ - اثنان وأربعون حديثا، اتفقا على حديث واحد، ولمسلم ثلاثة، مات بالجُرُف، وهو على عشرة أميال من المدينة، ثم حُمل على رقاب الرجال إليها سنة -٣٣ - في خلافة عثمان، وصلى عليه عثمان ﵁، وهو ابن [٧٠] سنة، روى له الجماعة . (إذ ابني الرجل بأهله) أي قرب منها، أنه دخل بها، وإن كان أصله لذلك، بدليل قوله: ولم يجامعها. قال الفيومي ﵀: وَبَنَى على أهله: دخل بها، وأصله أن الرجل كان إذا تزوج بني للعرس خباء جديدا، وعمره بما يحتاج إليه، أو بنى له تكريما، ثم كثر حتى كني به عن الجماع، وقال ابن دريد: بَنَى عليها وبنى بها، والأول أفصح، هكذا نقله جماعة، ولفظ التهذيب: والعامة تقول: بني بأهله، وليس من كلام العرب، قال ابن السكيت: بني على أهله: إذا زفت إليه. المصباح ج ١ ص ٦٣. وقال ابن منظور ﵀ بعد حكايته نحو ما تقدم: وقد ورد بَنَى بأهله في شعر جراَن العَوْد، قال: (من الطويل) بَنَيْتُ بهَا قَبلَ اِلمحَاقِ بلَيْلَةٍ … فَكَانَ محَاقًا كُلُّهُ ذَلكَ الشَهْرُ قال ابن الأثير: وقد جاء بني بأهله في غير موضع من الحديث وغير الحديث. وقال الجوهري: لا يقال: بني بأهله، وعاد فاستعمله في كتابه. اهـ لسان ج ١٤ ص ٩٧. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن بني بأهله فصيح لمجيئه في شعر العرب الذي هو ديوان لغتها، وفي الأحاديث بكثرة. كما قال ابن الأثير والله أعلم. وجواب إذا محذوف، تقديره فماذا عليه؟، يدل عليه قوله: فسل النبي - ﷺ - (فأمذى) أي خرج منه ماء أبيض رقيق لزج (ولم يجامع) زوجته، بل حصل منهما ما يوجب المذي من التقبيل أو غيره (فسل النبي - ﷺ -) الفاء تفريعية على الجواب المذكور. وسل: أمر من سَال يسال، كخاف يخاف. قال في المصباح: اسأل بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز، لأنه الأصل، وجاز الحذف للتخفيف، نحو واسألوا وسلوا، وفيه لغة: سأل يسال من باب خاف، والأمر من هذه: سَلْ، وفي المثنى والمجموع: سَلا وَسَلُوا، على غير قياس وسلته أنا، وهما يتساولان. اهـ ج ١ ص ٢٩٧. وقوله: على غير قياس: أي لأن القياس يقتضي أن يقال: سالا وسالوا، كقولهم: خافا وخافوا، وقد قال بعضهم: إن هذا الإسناد دليل على أن سأل يسال تخفيف سأل يسأل، ولكن رد عليه بقولهم: هما يتساولان بالواو، وبقولهم: سلت بكسر السين، ولو كان مخففا عن المهموز لقالوا: يتساءلان، وسَلت بفتح السين. اهـ من هامش المصباح. وقال العلامة العيني ﵀: يقال: سألته الشيء، وسألته عن الشيء سؤالا، وقد يتعدى بنفسه إلى المفعول الأول، وبعن، وبفي إلى المفعول الثاني، وبالعكس. اهـ عمدة ج ٢ ص ٢١٥ (عن ذلك) أي عن الحكم المذكور. (فإني أستحيي) هكذا بياءين في النسخة الهندية، وأستحي بياء واحدة في المصرية، وقد تقدم أنهما لغتان: الأُولى لأهل الحجاز، والثانية لتميم، وهذه الجملة علة لأمره بالسؤال، أي لأني أستحيي (أن أسأله) أي النبي - ﷺ - عن هذا الحكم، لما بينه بقوله (وابنته تحتي) جملة حالية من المفعول، أي أستحيى عن سؤاله حال كون بنته زوجة لي؛ لأن ذلك مما يستحيى منه عادة (فسأله) أي سأل المقداد النبي - ﷺ - عن الحكم (فقال) - ﷺ - (يغسل مذاكيره) قيل: هو جمع ذكر على غير قياس، وقيل: جمع لا واحد له، وقيل: واحده مذْكار. قال ابن خروف: وإنما جمعه مع أنه ليس في الجسد منه إلا واحد بالنظر لما يتصل به، وأطلق على الكل اسمه فكأنه جعل كل جزء من المجموع كالذكر في حكم الغسل. اهـ زهر ج ١ ص ٩٦ - ٩٨. وقال ابن منظور: والذكر معروف، والجمع ذُكور، ومَذاكير، على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو الفحل، وبين الذكر الذي هو العضو. وقال الأخفش: هو من الجمع الذي ليس له واحد مثل العباديد والأبابيل وفي التهذيب: وجمعه الذِّكَارَة، ومن أجله يُسَمَّى ما يليه المذاكير، ولا يفرد، وإن أفرد، فمُذكَّر، مثل مُقَدَّم، ومَقَاديم. اهـ ج ٤ ص ٣١١. قال ابن دقيق العيد ﵀: المشهور في الرواية يَغسلُ بضم اللام على صيغة الإخبار، وهو استعمال لصيغة الإخبار بمعنى الأمر، واستعمال صيغة الإخبار بمعنى الأمر جائز مجازا لما يشتركان فيه من معنى الإثبات للشيء. ولو روي: يغسلْ ذكره بجزم اللام على حذف اللام الجازمة، وإبقاء عملها لجاز عند بعضهم على ضعف، ومنهم من منعه إلا لضرورة، كقوله (من الوافر): مُحَمَّدُ تَفْد نَفْسَكَ كُلُّ نَفْس … إذَا ما خفْتَ منْ أمْر تَبَالا وأجازه الفراء بلا ضعف، وجعل منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]. اهـ إحكام الأحكام بزيادة من حاشيته العدة. ج ١ ص ٣١٠ - ٣١١. قال الجامع: قد وقع عند المصنف في روايات الباب هكذا تقديم غسل الذكر على الوضوء، وهو الأولى، ووقع عند البخاري تقديم الأمر بالوضوء على غسله، قال الحافظ ﵀: هكذا وقع في البخاري تقديم الأمر بالوضوء على غسله ووقع في العمدة نسبة ذلك إلى البخاري بالعكس، لكن الواو لا ترتب فالمعنى واحد، وهي رواية الإسماعيلي، فيجوز تقديم غسله على الوضوء، وهو أولى، ويجوز تقديم الوضوء على غسله لكن من يقول بنقض الوضوء بمسه يشترط أن يكون ذلك بحائل، واستدل به ابن دقيق العيد على تعين الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأن ظاهره يعين الغسل والمعين لا يقع الامتثال إلا به. وهذا ما صححه النووي في شرح مسلم، وصحح في باقي كتبه جواز الاقتصار على الأحجار إلحاقا بالبول، وحملا للأمر على الاستحباب، أو على أنه خرج مخرج الغالب، وهذا المعروف في المذهب. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح ما قاله ابن دقيق العيد من تعين الماء عملا بظاهر الحديث والله أعلم. (يتوضأ وضوءه للصلاة) أي كما يتوضأ إذا قام لها، أنه يجب الوضوء بمجرد خروجه كما قال به قوم، ورد عليهم الطحاوي بما رواه عن علي قال: سئل النبي - ﷺ - عن المذي؟ فقال: «فيه الوضوء، وفي المني الغسل»، فعرف أنه كالبول وغيره من نواقض الوضوء لا يوجب الوضوء بمجرده. قال الرافعي: وفي قوله: «وضوءه للصلاة» قطع احتمال حمل الوضوء على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج فإن غسل العضو الواحد قد يسمى وضوءا كما ورد «إن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر» والمراد غسل اليد. اهـ زرقاني ج ١ ص ٨٥. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث أما درجته وبيان مواضعه فقد مر في الحديث الماضي، فنذكر بقية المسائل. فالمسألة الأولى: فيمن أخرجه: قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: أخرجه البخاري في العلم عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن محمَّد بن الحنفية، عن علي ﵁. وأخرجه أيضا في الطهارة عن قتيبة، عن جرير، قال: ورواه شعبة. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر، عن وكيع وأبي معاوية، وهشيم، وعن يحيى بن حبيب بن عربي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، خمستهم عن منذر به. وأخرجه النسائي في الطهارة، وفي العلم (في الكبرى) عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد ابن الحارث، وهذا الحديث روي بوجوه مختلفة، فأخرجه مسلم من حديث عبد الله ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان ابن يسار، عن ابن عباس، قال: قال علي ﵁: أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله - ﷺ -، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «توضأ وانضح فرجك». وأخرج النسائي عن هناد بن السري، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال علي ﵁: كنت رجلا مذاء، وكانت ابنة النبي - ﷺ - تحتي، فاستحييت أن أسأله، فقلت لرجل جالس إلى جنبي سله، فسأله؟ فقال: «فيه الوضوء». وأخرج الترمذي عن محمَّد بن عمرو، حدثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، وعن محمود بن غيلان، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، قال: سألت النبي - ﷺ - عن المذي؟ فقال: «من المذي الوضوء، ومن المني الغسل». قال: حديث حسن صحيح. وأخرج أحمد في مسنده عن أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي ﵁، قال: كنت رجلا مذاء فإذا مذيت اغتسلت، وأمرت المقداد، فسأل النبي - ﷺ -؟ فضحك، فقال: «فيه الوضوء». وأخرج أبو داود: حدثنا قتيبة، عن سعيد، حدثنا عَبيدة بن حُمَيد الحذاء، عن أبي بكر بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي رضي الله هـ عنه. قال: كنت رجلا مذاء، فجعلت أغتسل، حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - أو ذكر له؟ فقال: رسول الله - ﷺ -: «لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا نَضَحْت الماء فاغتسل». وأخرجه أحمد، والطبراني أيضا. وأخرج النسائي عن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عايش بن أنس، قال: سمعت عليا ﵁ على المنبر يقول: كنت رجلا مذاء، فأمرت أن أسأل النبي - ﷺ -، فاستحييت عنه؛ لأن ابنته كانت تحتي، فأمرت عمارا، فسأله؟ فقال: «يكفي منه الوضوء». وأخرج الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود، حدثنا أمية بن بسطام، قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا روح بن القاسم، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس ابن خليفة، عن رافع بن خديج: أن عليا ﵁ أمر عمارا أن يسأل رسول الله - ﷺ - عن المذي؟ قال: «يغسل مذاكيره، ويتوضأ»، وأخرج النسائي عن عثمان بن عبد الله، عن أمية بن بسطام، إلى آخره نحوه. اهـ. عمدة بزيادة يسيرة في أوله ج ٢ ص ٢١٤ - ٢١٥. المسألة الثانية: في بيان الأحكام المستنبطة من هذا الحديث: قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: الأول: فيه دليل على أن المذي لا يوجب الغسل، بل يوجب الوضوء، فإنه نجس، ولهذا يجب منه غسل الذكر، والمراد منه عند الشافعي غسل ما أصابه منه، واختلف عن مالك في غسل الذكر كله، قال عياض: والخلاف مبني على أنه هل يتعلق الحكم بأول الاسم، أو بآخره، لقوله - ﷺ -: «يغسل ذكره» واسم الذكر يطلق على البعض، وعلى الكل، واختلف عن مالك أيضا هل يحتاج إلى النية أم لا؟، وعن الزهري: لا يغسل الأنثيين من المذي إلا أن يكون أصابهما شيء، وفي المغني لابن قدامة: المذي ينقض الوضوء، وهو ما يخرج لزجا متسبسبا عند الشهوة فيكون على رأس الذكر، واختلف الرواية في حكمه: فروي أنه يوجب الوضوء، وغسل الذكر، والأنثيين، والرواية الثانية: لا يجب أكثر من الاستنجاء، والوضوء. وقال أبو عمر: المذي عند جميعهم يوجب الوضوء ما لم يكن خارجا عن علة باردة وزَمَانَة، فإن كان كذلك فهو أيضا كالبول عند جمعيهم، فإن كان سلسا لا ينقطع فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضا إلا أن طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة قياسا على المستحاضة عندهم، وطائفة تستحبه ولا توجبه، وأما المذي المعهود والمتعارف وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لا يجرى من اللذة، أو لطول عُزْبة فعلى هذا المعنى خروج سؤال علي ﵁، وعليه يقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته. الثاني: فيه جواز الاستنابة في الاستفتاء، وأنه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع لأن عليا ﵁ بعث من يسأل له مع القدرة على المشافهة، قال بعضهم: لعل عليا ﵁ كان حاضرا وقت السؤال، فلا دليل عليه، لكن يضعف هذا قوله في بعض طرقه «فأرسلنا المقداد»، وفي هذا إشارة إلى أنه لم يحضر مجلس السؤال، قال العيني: فيه نظر لأنه يجوز أن يكون قد حضره بعد إرساله المقداد. وقال المازري: لم يتبين في هذا الحديث كيف أمره أن يسأل؟ ولا كيفية سؤال المقداد، هل سأله سؤالا يخص المقداد، أو يعمه وغيره، فإن كان علي ﵁ لم يسأل على أي وجه وقع السؤال ففيه دليل على أن عليا ﵁ كان يرى أن القضايا تتعدى، وقد اختلف أهل الأصول؛ لأنه لو كان لا يتعدى لأمره أن يسميه، إذ قد يجوز أن يحيى له ما لا يبيح لغيره، لكنه قد جاء مبينا في الصحيح «فسأله المقداد عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال:»توضأ، وانضح فرجك«قال العيني: قد جاء مبينا كلاهما: أمر علي، وسؤال المقداد، أما الأول ففي الموطأ»أن عليا ﵁ أمر المقداد أن يسأل له رسول الله - ﷺ - عن الرجل إذا دنى من أهله، فخرج منه المذي ماذا عليه؟ قال المقداد: فسألته عن ذلك«. وجاء أيضا في النسائي ما يثبت الاحتمال المتقدم:»فقلت لرجل جالس إلى جنبي سله؟ فقال: «فيه الوضوء». الثالث: فيه حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي أن لا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبوي المرأة وغيرهما من أقاربها، لأن المعنى أن المذي يكون غالبا عند ملاعبة الزوجة. الرابع: احتج به أبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله على وجوب الوضوء من المذي مطلقا، سواء كان عن ملاعبة أو استنكاح، أو غيره وقال أصحاب مالك: المراد به ما كان عن ملاعبة، واستدل عياض وغيره لذلك بما وقع في الموطأ في الحديث أنه قال في السؤال عن الرجل إذا دنى من أهله، وأمذى ماذا عليه؟ قال: فجواب النبي - ﷺ - في مثله في المعتاد بخلاف المستنكح، والذي به علة فإنه لا وضوء عليه، قالوا: وإنما يتوضأ مما جرت العادة به أن يخرج من لذة، وقال القاضي عبد الوهاب مؤيدا لمذهبهم: السؤال صدر عن المذي الخارج على وجه اللذة، لقوله «إذا دنى من أهله» وأيضا مما يدل عليه استحياء علي ﵁؛ لأنه لو كان علي مَرضَ أو سَلسَ لم يستح من ذلك. قال العيني: فيما قالوا نظر؛ لأن سؤال المقداد النبي - ﷺ - أولا مطلق غير مقيد، فإنه جاء في الصحيح فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ قال: «اغسل ذكرك، وتوضأ» فالحكم متعلق بسؤال المقداد الذي وقع الجواب عنه، فصار أمر علي ﵁ أجنبيا عن الحكم، وقول القاضي عبد الوهاب حكاية قول علي للمقداد، وهو حاضر، وأما سؤال المقداد فكان عاما، وهو من فقه المقداد، فوقع السؤال من المقداد عاما، والجواب من النبي - ﷺ - مترتب عليه، والتمسك بقول المقداد فسألته عن ذلك لا يعارض النص بصريح سؤاله، والأول محتمل للتأويل في تعيين ما يرجع الإشارة إليه، وأما ثانيا فإنه قد جاء في سنن أبي داود ما يدل على خلافه وهو من علي ﵁ قال: «كنت رجلا مذاء، فجعلت أغتسل، حتى تشقق ظهري» فهذا يدل على كثرة وقوعه منه ومعاودته، وجاء أيضا أن عليا أمر عمارا أن يسال رسول الله - ﷺ -؟ فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ». وفي بعضها: «كنت رجلا مذاء فأمرت عمار بن ياسر يسأل رسول الله - ﷺ - من أجل ابنته عندي». وفي بعض
مصادر المؤلف (٤)

١. راجع «تت» جـ ١٠ ص ٢٨٥ - ٢٨٧.

٢. العباديد والعبابيد: الخيل المتفرقة في ذهابها ومجيئها ولا واحد له. والأبابيل: الفرَق، لا واحد له اهـ لسان و(ق).

٣. أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄، قال الصغاني: موضوع، وكذا قال الشيخ الألباني، انظر ضعيف الجامع ص ٨٨٩.

٤. أي مسترسلا.