HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٥٨

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ قَالَ: «أَتَيْتُ رَجُلًا يُدْعَى صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ فَقَعَدْتُ عَلَى بَابِهِ، فَخَرَجَ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: أَطْلُبُ الْعِلْمَ. قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ! فَقَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَسْأَلُ؟ قُلْتُ: عَنِ الْخُفَّيْنِ. قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَنْزِعَهُ ثَلَاثًا إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:حسن
  • الألباني:حسنصحيح سنن النسائي ج1 ص59
  • زبير علي زئي:حسن
ج ١ ص ٩٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٣ ص٤٦٢
١١٣ - بَابُ الوُضُوءِ من الغَائِطِ وَالبَوْلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من أجل خروج الغائط، والبول. الغائط: في الأصل المُطمئنّ الواسع من الأرض، والجمع غيطان، وأغواط وغُوط، ثم أطلق الغائط على الخارج المستقذر من الإنسان كراهية لتسميته باسمه الخاص؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسعوا فيه حتى اشتقوا منه وقالوا: تغوط الإنسان، وقال ابن القوطية: غاط في الماء غوطا: دخل فيه، ومنه الغائط. اهـ المصباح ج ٢ ص ٤٥٧ وأما البول: فهو في الأصل مصدر، يقال: بال الإنسان، والدابة يبول بَوْلا، ومَبَالا، فهو بائل، ثم استعمل في العين -أي في الماء الخارج من القبل- وجمع على أبوال. اهـ المصباح ج ١ ص ٦٦. ١٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ قَالَ: أَتَيْتُ رَجُلًا يُدْعَى صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ، فَقَعَدْتُ عَلَى بَابِهِ، فَخَرَجَ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: أَطْلُبُ الْعِلْمَ، قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ، فَقَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَسْأَلُ؟ قُلْتُ: عَنِ الْخُفَّيْنِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَنْزِعَهُ ثَلَاثًا إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ. رجال الإسناد: ستة فتقدم -١ - و-٢ - و-٣ - في السند السابق آخر الباب الماضي. ٤ - (عاصم بن بهدلة)، وهو ابن أبي النجود -بنون وجيم- الأسدي مولاهم الكوفي أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون، من السادسة، مات سنة ١٢٨ اهـ «ت» ص ١٥٩. وفي مقدمة الفتح: أبو النجود اسمه بهدلة في قول الجمهور، وقال عمرو بن علي: بهدلة اسم أمه. قال أبو حاتم: محله الصدق وليس محله أن يقال: هو ثقة، ولم يكن بالحافظ، قد تكلم فيه ابن علية. قال العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال البزار: لا نعلم أحدا ترك حديثه مع أنه لم يكن بالحافظ. اهـ هدي الساري ص ٥٧٨ - ٥٧٩. وتقدم في ٩٨/ ١٢٦. ٥ - (زر بن حببش) -بكسر أوله وتشديد الراء-، وحبيش -بمهملة وموحدة ومعجمة مصغرا- ابن حباشة -بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة- الأسدي الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل مضرم، مات سنة إحدى أو اثنين، أو ثلاث وثمانين وهو ابن -١٢٧ - سنة. تقدم في ٩٨/ ١٢٦. ٦ - (صفوان بن عسال) (ت س ق) بتشديد المهملة، المرادي الجملي -بفتح الجيم والميم- غزا مع النبي - ﷺ - ثنتي عشرة غزوة، له عشرون حديثا. وعنه ابن مسعود مع جلالته، وزر بن حبيش اهـ «صة» ج ١ ص ٤٧٠، وفي «ت» صحابي نزل الكوفة اهـ ص ١٥٣. وتقدم في ٩٨/ ١٢٦. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته ثقات، غير عاصم فصدوق، وأنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وكوفييين، وهم الباقون. شرح الحديث (عن عاصم) بن بهدلة المقرئ (أنه سمع زر بن حبيش) أي كلامه (يحدث) جملة حالية من المفعول (قال:) تفسير لقوله: يحدث (أتيت رجلا يدعى) أي يسمى يقال: دعوت الولد زيدا:، وبزيد: إذا سميته بهذا الاسم. قاله في المصباح ج ١ ص ١٩٤ (صفوان بن عسال) تقدم ضبطه (فقعدت على بابه) منتظرًا خروجه؛ لأن من آداب طالب العلم أن لا يزعج شيخه بالنداء، أو بدق الباب بل يصبر حتى يخرج بنفسه؛ لأن العالم وارث للنبي - ﷺ -، لحديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعا «وأن العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر» الحديث رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم مصححا، وحسنه حمزة الكناني، وضعفه غيرهم باضطراب سنده، قال الحافظ: لكن له شواهد يتقوى بها. فللعلماء من التبجيل، والاحترام ما للنبي - ﷺ - حيث إنهم ورثته، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٤، ٥]. (فخرج) صفوان ﵁ من بيته (فقال: ما شأنك؟) أي ما حالك، استفهام عن جلوسه على الباب، قال زر (قلت: أطلب العلم، قال) صفوان مبشرا له بأنه على خير، وشرف عظيم (ان الملائكة) مشتق من لفظ الألُوك، وقيل: من المَألَك، الواحد مَلَك وأصله مَلأك، ووزنه مَعْفَل، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام وسقطت، فوزنه مَعَل، فإن الفاء هي الهمزة وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لأك: إذا أرسل، فَمَلأك مفعل، فنقلت الحركة، وسقطت الهمزة وهي عين، فوزنه مَفَل، وقيل غير ذلك. اهـ المصباح ج ١ ص ٨. (تضع أجنحتها) جمع جناح، وهو للطائر بمنزلة اليد من الإنسان. قاله في المصباح. ج ١ ص ١١١ (لطالب العلم رضا) أي لأجل رضاها (بما يطلب) من العلم. قال في النهاية في تفسير هذا الحديث: أي تضعها -يعني الأجنحة لتكون وطاء له إذا مشى، وقيل: هو بمعنى التواضع له، تعظيما بحقه، وقيل: أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم، وترك الطيران، وقيل: أراد إظلالهم بها. اهـ زهر ج ١ ص ١٠٠. وقال السندي ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال: ما نصه: وعلى التقادير فالفعل غير مُشَاهَد لكن بإخبار الصادق صار كالمشاهد، ففائدته إظهار تعظيم العلم بواسطة الإخبار، ويحتمل أن الملائكة يتقربون إلى الله تعالى بذلك، ففائدة فعلهم يكون ذلك فائدةَ الإخبار إظهارُ جلالة العلم عند الناس، والله أعلم. (فقال) صفوان بن عسال ﵁ (عن أي شيء تسأل؟) قال زر (قلت: عن الخفين) أي عن حكم المسح عليهما، أو عن مدته (قال) صفوان (كنا) معاشر الصحابة (إذا كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر أمرنا) أي أمر إباحة (أن لا ننزعه) أي الخف، وإنما أفرد الضمير باعتبار الجنس (ثلاثا) أي ثلاثة أيام، وإنما جرده من التاء، لعدم ذكر المعدود، أو بتقدير التمييز بلفظ ليال، وعند الترمذي «ثلاثة أيام ولياليهن» (إلا من جنابة) استثناء مفرغ، فالجار والمجرور متعلق بننزع، يعني أنه أمرهم أن ينزعوا الخف من أجل الجنابة (ولكن من غائط وبول ونوم) الجار والمجرور متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي لا ننزعه من أجل غائط، وبول، ونوم، وتقدم عند المصنف في ٩٨/ ١٢٧ بلفظ «كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام، من غائط، وبول، ونوم، إلا من جنابة». وهو واضح. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث صفوان ﵁ هذا حديث حسن كما نقله الترمذي، عن البخاري، وقد صححه الترمذي، والخطابي كما قال الحافظ في التلخيص، قال: ومداره على عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عنه، وذكر ابن منده أبو القاسم أنه رواه عن عاصم أكثر من أربعين نفسا، وتابع عاصما عليه عبد الوهاب بن بخت، وإسماعيل بن أبي خالد، وطلحة بن مصرف، والمنهال بن عمرو، ومحمد بن سوقة، وذكر جماعة معه، قال الحافظ ﵀: ومراده أصل الحديث لأنه في الأصل طويل مشتمل على التوبة، والمرءُ مع من أحب، وغير ذلك، لكن حديث طلحة عند الطبراني بإسناد لا بأس به، وقد روى الطبراني أيضا حديث المسح من طريق عبد الكريم، أبي أمية، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زر، وعبد الكريم ضعيف، ورواه البيهقي من طريق أبي رَوْق، عن أبي الغريف، عن صفوان بن عسال، ولفظه: «وليمسح أحدكم إذا كان مسافرا على خفيه إذا أدخلهما طاهرتين ثلاثة أيام ولياليهن، وليمسح المقيم يوما وليلة» ووقع في الدارقطني زيادة في آخر هذا المتن وهو قوله: «أو ريح»، وذكر أن وكيعا تفرد بها، عن مسعر عن عاصم، اهـ تلخيص ج ١ ص ١٥٧ - ١٥٨. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف أخرجه ١١٣/ ١٥٨ عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة وفي ١١٤/ ١٥٩ عن عمرو بن علي، وإسماعيل بن مسعود، كلاهما عن يزيد بن زريع عن شعبة وفي ٩٨/ ١٢٦ عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، ومالك بن مغول، وزهير بن معاوية، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة وفي ٩٨/ ١٢٧ عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة- ستتهم عن عاصم بقصة المسح، وفي الكبرى في التفسير عن محمَّد بن النضر بن مساور، عن حماد، عن عاصم، وليس فيه المسح. أفاده الحافظ المزِّيّ في تحفة الأشراف ج ٤ ص ٢٤٠. المسألة الثالثة: في بيان من أخرجه مع المصنف، من أصحاب الأصول، وغيرهم: أخرجه (ت ق) فأخرجه الترمذي في الدعوات ١٠٣/ أو في ١٠٣/ ٢ وقال حسن صحيح، وفي الزهد ٥٠/ ٣، وفي ٥٠/ ٤ وفي الطهارة ٧١/ ٢ وأخرجه (ق) في الطهارة ٦٢/ ٥، وفي الفتن ٣٢/ ٣. وقد تقدم تحقيق ذلك في الباب [٩٨]، فارجع إليه تزدد علمًا. وأخرجه الشافعي، وأحمد، وابن خزيمة، وابن حبان والدارقطني والبيهقي قاله في التلخيص، وتقدم تحقيق هذا كله في الباب المذكور. المسألة الرابعة: في فوائده: مما يستفاد من هذا الحديث تأدب طالب العلم، واحترامه لشيخه، وقد وردت أحاديث تدل عليه ساق الحافظ المنذري منها ما فيه الكفاية. فمنها حديث جابر ﵁: أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد -يعني في القبر-، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد. رواه البخاري. وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن، غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» رواه أبو داود. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «البَركَة مع أكابركم» رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري، وعن عبد الله بن عمر ﵄ يبلغ به النبي - ﷺ - قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا». رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا». رواه أحمد بإسناد حسن. والطبراني والحاكم إلا أنه قال: «ليس منا». وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويجل كبيرنا». رواه الطبراني من رواية ابن شهاب، عن واثلة، ولم يسمع منه. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا». رواه الترمذي، وأبو داود، إلا أنه قال: «ويعرف حق كبيرنا». وعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: لقد سمعت حديثا منذ زمان: «إذا كنت في قوم، عشرين رجلا، أو أكثر، فتصفحت وجوههم، فلم تر فيهم رجلا يهاب في الله، فاعلم أن الأمر قد رَقَّ» رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. أورد هذه الأحاديث الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، وهي في ص ٤٤ - ٤٥ من صحيح الترغيب للشيخ الألباني. ومنها أن فيه شرف طالب العلم حيث إن الملائكة تخضع له، وقد وردت في بيان شرفه أحاديث كثيرة: منها ما أخرجه مسلم وغيره في حديث طويل «ومن سلك طريقا، يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة» ومنها حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: «أتيت النبي - ﷺ - وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر فقلت له: يا رسول الله إني جئت أطلب العلم، فقال:»مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضا، حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب«. رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد، واللفظ له، وابن حبان في صحيحه، والحاكم. وقال صحيح الإسناد. اهـ صحيح الترغيب ج ١ ص ٣٢ - ٣٤. ومنها اعتناء المرء بسؤال العلماء عما يهمه من أمر دينه، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ومنها مشروعية المسح على الخفين في السفر، وتوقيته بثلاثة أيام، وأنه لا ينزع إلا من جنابة. ومنها كون البول، والغائط، والنوم، من نواقض الوضوء، وهو الذي ترجم له المصنف. ولا خلاف بين أهل العلم في كون البول والغائط ناقضا للضوء، وأما النوم فسيأتي الخلاف فيه إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة في بيان مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء مما يخرج من الجسد. قال العلامة ابن رشد رحمه الله تعالى في بداية المجتهد: اختلف علماء الأمصار في انتقاض الوضوء مما يخرج من الجسد من النجس على ثلاث مذاهب: فاعتبر قوم في ذلك الخارج وحده من أي موضع خرج، وعلى أي وجه خرج، وهو أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وأحمد، وجماعة، ولهم من الصحابة السلف، فقالوا: كل نجاسة تسيل من الجسد وتخرج منه يجب منها الوضوء كالدم، والرعاف الكثير، والفصد، والحجامة، والقيء، إلا البلغم عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة: إنه إذا ملأ الفم ففيه الوضوء، ولم يعتبر أحد من هؤلاء اليسير من الدم إلا مجاهد. واعتبر آخرون المخرجين الذكر، والدبر، فقالوا: كل ما خرج من هذين السبيلين فهو ناقض للوضوء من أي شيء خرج من دم، أو حصاة أو بلغم، وعلى أي وجه خرج، كان خروجه على سبيل الصحة، أو على سبيل المرض، وممن قال بهذا الشافعي، وأصحابه، ومحمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك. واعتبر آخرون الخارج، والمخرج، وصفة الخروج، فقالوا: كل ما خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه، وهو البول، والغائط، والمذي، والودي، والريح، إذا كان خروجه على وجه الصحة فهو ينقض الوضوء، فلم يروا في الدم، والحصاة، والدود، وضوءا، ولا في السلس، وممن قال بهذا القول مالك، وجل أصحابه. والسبب في اختلافهم أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائط، وبول، وريح، ومذي، لظاهر الكتاب، ولتظاهر الآثار بذلك تطرق إلى ذلك ثلاث احتمالات: أحدها: أن يكون الحكم إنما علق بأعيان هذه الأشياء فقط المتفق عليها على ما رآه مالك ﵀. الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن لكون الوضوء طهارة والطهارة إنما يؤثر فيها النجس. والاحتمال الثالث: أن يكون الحكم أيضا إنما علق بها من جهة أنها خارجة من هذين السبيلين، فيكون على هذين القولين الأخيرين ورود الأمر بالوضوء من تلك الأحداث، المجمع عليها إنما هو من باب الخاص أريد به العام، ويكون عند مالك وأصحابه إنما هو من باب الخاص المحمول على خصوصه، فالشافعي، وأبو حنيفة اتفقا على أن الأمر بها هو من باب الخاص أريد به العام، واختلفا أي عام هو الذي قصد به؟ فمالك يرجح مذهبه بأن الأصل هو أن يحمل الخاص على خصوصه حتى يدل الدليل على غير ذلك، والشافعي محتج بأن المراد به المخرج لا الخارج باتفاقهم على إيجاب الوضوء من الريح الذي يخرج من أسفل، وعدم إيجاب الوضوء منه إذا خرح من فوق، وكلاهما ذات واحدة، والفرق بينهما اختلاف المخرجين، فكان تنبيها على أن الحكم للمخرج، وهو ضعيف لأن الريحين مختلفان في الصفة والرائحة. وأبو حنيفة يحتج لأن المقصود بذلك هو الخارج النجس يكون النجاسة مؤثرة في الطهارة، وهذه الطهارة وإن كانت حكمية فإن فيها شبها من الطهارة المعنوية، أعني طهارة النجس، وبحديث ثوبان «أن رسول الله - ﷺ - قاء فتوضأ» وبما روي عن عمر، وابن عمر ﵄ من إيجابهما الوضوء من الرعاف، وبما رُوي من أمره - ﷺ - المستحاضة بالوضوء لكل صلاة، فكان المفهوم من هذا كله عند أبي حنيفة الخارج النجس، وإنما اتفق الشافعي، وأبو حنيفة على إيجاب الوضوء من الأحداث المتفق عليها، وإن خرجت على جهة المرض لأمره - ﷺ - بالوضوء عند كل صلاة المستحاضة، والاستحاضة مرض. وأما مالك فرأى أن المرض له ها هنا تأثير في الرخصة قياسا أيضا على ما روي أيضا من أن المستحاضة لم تؤمر إلا بالغسل فقط، وذلك أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش هذا هو متفق على صحته، ويختلف في هذه الزيادة فيه، أعني الأمر بالوضوء لكل صلاة، ولكن صححها أبو عمر بن عبد البر، قياسا على من يغلبه الدم من جرح ولا ينقطع، مثل ما روي أن عمر ﵁ صلى وجرحه يثعب دما. اهـ كلام ابن رشد في بدايته ج ١ ص ٣٤ - ٣٥. وقال العلامة صديق بن حسن القنوجي رحمه الله تعالى في الروضة الندية: قد اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بخروج الدم، وجميع ما هو نص في النقض أو عدمه لم يبلغ إلى رتبة تصلح للاحتجاج بها، وقد تقرر أن كون الشيء ناقضا للوضوء لا يثبت إلا بدليل يصلح للاحتجاج به، وإلا وجب البقاء على الأصل؛ لأن التعبد بالأحكام الشرعية لا يجب إلا بإيجاب الله أو رسوله، وإلا فليس بشرع، ومع هذا فقد كان الصحابة ﵃ يباشرون معاركَ القتال، ومجاولة الأبطال في كثير من الأحوال ما هو من الشهرة بمكان أوضح من الشمس فلو كان خروج الدم ناقضا لما ترك - ﷺ - بيان ذلك مع شدة الاحتياج إليه وكثرة الحامل عليه، ومثل الدم القيء في عدم ورود دليل على أنه ناقض وغاية ما هناك حديث إسماعيل بن عياش وفيه من المقال ما لا يخفى. اهـ كلام العلامة صديق بن حسن- الروضة الندية ج ١، ص ٤٧. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة القنوجي ﵀ في غاية التحقيق، فالراجح عندي قول من قال بعدم نقض الوضوء بالأشياء المذكورة لعدم ورود دليل صحيح صريح ينتهض لذلك. والحديث المذكور ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل، عن ابن جريج وإسماعيل إذا روى عن غير أهل بلده يضعف. والله أعلم. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». الحديث رواه ابن ماجه والدارقطني وفيه إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، وهو ضعيف.
مصادر المؤلف (٢)

١. موضع مطمئن -أي بصيغة اسم الفاعل-: منخفض. اهـ المصباح.

٢. وهو حديث «من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ».