١٢٨ - الغَسْلُ مِنْ مُواَراَةِ المُشْركِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الإغتسال من أجل دفن المشرك إذا مات.
والمواراة مصدر وَارَاه: إذا ستره. أفاده في المصباح.
١٩٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ نَاجِيَةَ بْنَ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ». قَالَ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا، قَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ». فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: «اغْتَسِلْ».
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد) بن جعفر غندر البصري ثقة -٥ - تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري ثقة -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي ثقة -٣ - تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (ناجية بن كعب) الأسدي، ويقال: ابن خُفَاف -بضم المعجمة، وبفائين- العَنَزى أبو خفاف الكوفي، ويقال: إنهما اثنان. روى عن ابن مسعود، وعلي، وعمار. وعنه أبو إسحاق السبيعي، وأبو حسان الأعرج، ووائل بن داود، وأبو السفر الهمداني، ويونس بن أبي إسحاق. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ناجية بن كعب صالح، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال يعقوب بن شيبة في حديث أبي إسحاق عن ناجية، عن عمار في التيمم رواه جماعة عن أبي إسحاق، فقال زائدة عنه، عن ناجية، ولم ينسبه، وقال أبو الأحوص: عن ناجية أبي خفاف، وقال أبو بكر بن عياش: عن ناجية العنزي، وقال ابن عيينة وإسرائيل: عن ناجية بن كعب، فقال علي بن المديني: قول ابن عيينة عن ناجية بن كعب غلط، وإنما هو ناجية بن خفاف العنزي، قال علي: وأما ناجية بن كعب فهو أسدي، قال علي: وناجية بن خفاف أبو خفاف العنزي لم يسمع هذا الحديث عندي من عمار، لأن ناجية هذا لقيه يونس ابن أبي إسحاق، وليس بالقديم. وقال الخطيب أبو بكر: قال ابن عيينة وإسرائيل ومعلى بن هلال، عن أبي اسحاق، عن ناجية بن كعب، وهو وهم. قال: وأحسب أبا إسحاق رواه لهم عن ناجية غير منسوب، فظنوه ناجية بن كعب. انتهى.
وقد رواه أبو نعيم، وخلف بن هشام، ومحمد بن عبيد المحاربي، عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي، في قصة وفاة أبي طالب، وروى الترمذي بهذا الإسناد قول أبي جهل للنبي - ﷺ - «إنَّا لا نكذبك» الحديث، وهذا جميع ماله عندهم.
قال الحافظ ﵀: فيلخص من أقوال هؤلاء الأئمة أن الراوي عن عمار حديث التيمم هو ناجية بن خفاف أبو خفاف العنزي، وهو الذي روى عن ابن مسعود، وعنه أبو إسحاق، وابنه يونس بن أبي
إسحاق وغيرهما، وأما ناجية بن كعب الأسدي فهو الراوي عن علي بن أبي طالب، فقد قال ابن المديني أيضا: لا أعلم أحدًا روى عنه غير أبي إسحاق، وهو مجهول، وقال العجلي: ناجية بن كعب كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الجوزجاني: مذموم، وفرق البخاري، وابن أبي حاتم عن أبيه، ومسلم في الطبقات، وغير واحد بين ناجية بن كعب الأسدي، وبين ناجية بن خفاف العنزي، وذكر ابن منده ناجية بن خفاف في الصحابة، وقال: لاتصح له صحبة. اهـ تت ج ١٠ ص ٤٠١.
٦ - (علي) بن أبي طالب ﵁ تقدم في ٧٤/ ٩١.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات غير ناجية بن كعب، فمختلف فيه كما تقدم، ففي التقريب: ناجية بن كعب الأسدي عن علي ثقة من الثالثة. وتقدم عن ابن المديني أنه قال: لا أعلم روى عنه غير أبي إسحاق، وهو مجهول، ووثقه العجلي، وابن حبان.
ومنها أنهم ما بين بصريين، وهم من قبل أبي إسحاق، وكوفيين، وهم الباقون. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن علي) بن أبي طالب (﵁ أنه أتى النبي - ﷺ -) أي جاء إليه، يقال: أتى الرجل ياتي أتْيًا -أي من باب رمى-: جاء، والإتيان اسم منه، وأتيته يستعمل لازما ومتعديا، قال الشاعر (من الكامل):
فَاحْتَلْ لنَفْسكَ قَبْلَ أتْيِ العَسْكَرِ
وأتا يأتو أتْوًا لغة فيه. قاله في المصباح. ج ١ ص ٣.
(فقال: إن أبا طالب) ابن عبد المطلب، واسمه عبد مناف، والد علي ﵁، وعم النبي - ﷺ - شقيق أبيه، وهو الذي قام بكفالته بعد موت جده عبد المطلب بوصية منه (مات) وفي رواية المصنف الآتية في الجنائز ٨٤/ ٢٠٠٦، وأبي داود: قال: قلت للنبي - ﷺ - إن عمك الشيخ الضال مات فمن يواريه؟ (فقال: اذهب فواره) وفي الرواية الآتية «فوار أباك» أي ادفنه، وغيِّبه عن أعين الناس، لثلا يتأذى أحد بجيفته (فلما واريته) أي دفنته (رجعت اليه) - ﷺ - (فقال لي: اغتسل) وفي الرواية الآتية «ولا تحدثن حدثا حتى تأتيني، فواريته، ثم جئت، فأمرني، فاغتسلت، ودعا لي». وقوله: ولا تحدثنَّ حدثًا أي لا تفعل شيئًا قبل مجيئك إلي.
وفيه أنه لم يأمره بغسله، ولا بتكفينه.
ثم الظاهر أن هذا الاغتسال من دفنه، لا من غسله فيكون مخصوصا بالكافر لنجاسته على قول أن بدن الكافر نجس لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، أو لأنه لا يخلو عن نجاسة لعدم عنايته بالنظافة.
وقال السندي: الاغتسال مبني على أنه غسله، وأن من يغسل الميت ينبغي له أن يغتسل، ويحتمل أن يختص ذلك بالكافر لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، لكن الأحاديث تقتضي العموم، نعم لو قيل: إن اغتساله من جهة المواراة، ومواراة الكافر توجب الغسل لنجاسته لكان له وجه. اهـ كلام السندي ج ٤ ص ٨٠.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السندي ﵀ أخيرًا هو المتجه عندي. والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى في درجته: هذا الحديث صححه الشيخ الألباني، وقد عرفت ما في ناجية من الكلام، فقال ابن المديني: مجهول، وقال الجوزجاني: مذموم، ووثقه ابن حبان، والعجلي، والحافظ في التقريب، وضعف الحديث البيهقي.
قال الجامع: الحق أنه لا ينزل عن درجة الحسن. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٢٨/ ١٩٠ - بالسند المذكور، وفي الجنائز ٨٤ - عن أبي قدامة عن يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق به. وفي الكبرى في الطهارة ١٢٠/ ١ - عن محمد بن بشار، عن يحيى به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه: أخرجه (د) في الجنائز -٧٥ - عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي ﵁. وأخرجه الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأبو
يعلى، والبزار، والبيهقي.
قال الحافظ ﵀: ومدار كلام البيهقي على أنه ضعيف، ولا يتبين وجه ضعفه، وقد قال الرافعي: أنه حديث ثابت مشهور، قال ذلك في أماليه. اهـ تلخيص ج ٢ ص ١١٤.
المسألة الرابعة: قال الحافظ في التلخيص: ليس في شيء من طرق هذا الحديث التصريح بأنه غسله إلا أن يؤخذ ذلك من قوله: فأمرني فاغتسلت، فإن الاغتسال من غسل الميت.
قال الجامع: هذا غير واضح، بل الظاهر أنه من دفنه، لا من غسله كما تقدم.
قال الحافظ: وقد وقع عند أبي يعلى من وجه آخر في آخره: وكان علي إذا غسل ميتًا اغتسل، ووقع عند ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ: فقلت: إن عمك الشيخ الكافر قد مات، فما ترى فيه؟ قال: أرى أن تغسله وتجنه، وقد ورد من وجه آخر أنه غسله. رواه ابن سعد عن الواقدي: حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: لما أخبرت رسول الله - ﷺ - بموت أبي طالب بكى، ثم قال لي: اذهب فاغسله، وكفنه، قال: ففعلت، ثم أتيته، فقال لي: اذهب فاغسله وكفنه، قال: ففعلت، ثم أتيته، فقال لي: اذهب فاغتسل، وكذلك رويناه في الغيلانيات.
واستدل بعضهم على ترك غسل المسلم للكافر بما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: جاء ثابت بن قيس بن شماس، فقال: يا رسول الله أن أمي توفيت وهي نصرانية، وإني أحب أن أحضرها، فقال له اركب دابتك وسرْ أمامها، فإنك إذا كنت أمامها لم تكن معها، قال الدارقطني: لا يثبت.
قال الحافظ: قلت: وهو مع ضعفه لا دلالة فيه على الأمر بترك الغسل ولا بفعله. اهـ تلخيص ج ٢ ص ١١٤ - ١١٥.
المسألة الخامسة: في فوائده: من فوائد الحديث الإحسان إلى القريب ولو كافرا، ودفنه ومشروعية الغسل من دفنه، وهو الذي ترجم عليه المصنف، وكمال أدب الصحابة ﵃ مع النبي - ﷺ -، فلا يُقدمُون على شيء إلا عن أمر منه - ﷺ - ولو كان ذلك الأمر مما يتعين عليهم، حيث إن عليا سأل عن شأن أبيه بعد موته ولم يتولّ أمره بانفراده، وهذا من وفور إيمانه فلا تغلبه حنانة الأبوة، ولا عظيم قربه منه، بل آثر الله ورسوله - ﷺ -، فصدق عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢].
المسألة السادسة: في مذاهب العلماء في غسل الكافر ودفنه:
قال النووي ﵀ في المجموع ما حاصله: مذهب الشافعي أن للمسلم غسله ودفنه واتباع جنازته، قال: ونقله ابن المنذر عن أصحاب الرأي وأبي ثور، وقال مالك وأحمد: ليس للمسلم غسله ولا دفنه،
لكن قال مالك: له موارته. اهـ مجموع ج ٥ ص ١٥٣.
قال الجامع عفا الله عنه:
الراجح عندي أنه يواريه، لحديث الباب، ولا يغسله، ولا يتبع جنازته، لعدم صحة دليل على ذلك، وما تقدم فهو من طريق الواقدي، وهو ضعيف. والله أعلم.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب».