١٣٣ - بَابُ الفَصْلِ بَيْنَ مَاءِ الرَّجُلِ وَمَاءِ المَرْأةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الفرق بين ماء الرجل والمرأة. وفي الهندية «باب ماء الرجل وماء المرأة».
الفصل بفتح فسكون: مصدر فَصَل من باب ضرب، ففي المصباح: ما معناه: وَفَصَلَ الحدُّ بين الأرضين فَصْلًا: فرق بينهما، فهو فاصل. اهـ
٢٠٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَاءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ كَانَ الشَّبَهُ».
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه ثقة حافظ حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عبدة بن سليمان) الكلابي البصري ثقة ثبت من صغار -٨ - تقدم في ١٣١/ ١٩٥.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة البصري ثقة حافظ مدلس -٦ - تقدم في ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري أبو الخطاب ثقة ثبت مدلس -٤ - تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وكلهم بصريون إلا إسحاق، فمروزي، ثم نيسابوري، وفيه أنس بن مالك أحد المكثرين السبعة روى-٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: ماء الرجل) أي منيه (غليظ أبيض، وماء المرأة) أي منيها (رقيق أصفر) قال القرطبي ﵀: ما ذكره في صفة الماءين هو في غالب الأمر، واعتدال الحال، وإلا فقد تختلف أحوالهما للعوارض. اهـ. زهر، ج ١ ص ١١٦.
(فأيهما سبق) «أيُّ» هنا موصولة صلتها جملة «سبق»، أي الذي تقدم في الإنزال، أو غلب وكثر في المقدار، والضمير للماءين، وعلى الأول لو جعل للرجل والمرأة لكان له وجه قاله السندي. وقال
السيوطي: المراد سبق الإنزال، ففي رواية ابن عبد البر: أي النطفتين سبقت إلى الرحم غلبت على الشبه، وجوز القرطبي أن يكون سبق بمعنى غلب من قولهم: سابقني فسبقته، أي غلبته، ومنه قوله تعالى: «وما نحن بمسبوقين»، أي مغلوبين، ويكون معناه كثر. اهـ زهر ج ١ ص ١١٦.
(كان الشبه) بفتحتين، أو بكسر فسكون، أي حصل شبه الولد بالأب، أو الأم في المزاج، والذكورة، والأنوثة، فـ «كان» تامة، ويحتمل أن تكون ناقصة، والخبر محذوف، أي له، وقال السندي: أو
الاسمُ الضميرُ، والشبه خبر بتقدير سبب الشبه، أو صاحب الشبه.
قال الجامع: هذا الوجه مع كونه تكلفا يحتاج إلى صحة الرواية بالنصب. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٠٠ - وفي الكبرى -٢٠٦ - عن إسحاق، عن عبدة، عن سعيد، عن قتادة عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م ق) فأخرجه (م) في الطهارة ٤١/ ٢.
عن عباس بن الوليد النّرسي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁. وأخرجه (ق) في الطهارة ١٠٧/ ٢ عن محمَّد بن المثنى، عن ابن أبي عدي -وعبد الأعلى- كلاهما عن سعيد به. وأخرجه أحمد، والحاكم.
(تنبيه) قال الشنقيطي ﵀ في شرحه: هذه الرواية مختصرة من حديث سؤال يهودي للنبي - ﷺ - «كيف ينزع الولد إلى أخواله أو أعما مه … الحديث.
قال الجامع: في قوله هذا نظر، فإن الحديث هذا مختصر من حديث أنس ﵁ أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله - ﷺ - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟
فقال رسول الله - ﷺ -»إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل، فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟، فقال نبي الله - ﷺ -: نعم، فمن أين يكون الشبه؟، إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا، أو سبق يكون الشبه«. رواه مسلم
وأما حديث سؤال اليهودي فليس من رواية أنس بل هو من رواية ثوبان ﵁، أخرجه مسلم بطوله ج ١ ص ٢٥٢ رقم ٣١٥ تحقيق محمَّد فؤاد، فتنبه.
المسألة الرابعة: قد ذكر النووي ﵀ في شرح المهذب الفرق بين صفات المني، والمذي، والودي، وهاك نصه:
قال: وأما صفاتها فمما يتأكد الاعتناء به لكثرة الحاجة إليه، فمني الرجل في حال صحته أبيض ثخين، يتدفق في خروجه، دفعة، بعد دفعة، ويخرج بشهوة، ويتلذذ بخروجه، ثم إذا خرج يعقبه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض، هذه صفاته، وقد يفقد بعضها مع أنه مني موجب للغسل بأن يرق ويصفر لمرض أو يخرج بغير شهوة ولا لذة لاسترخاء وعائه أو يحمر لكثرة الجماع، ويصير كماء اللحم، وربما خرج دما عبيطا، ويكون طاهرا موجبا للغسل. وفي تعليق أبي محمَّد الأصفهاني أنه في الشتاء أبيض ثخين، وفي الصيف رقيق. ثم إن من صفاته ما يشاركه فيها غيره كالثخانة والبياض يشاركه فيهما الودي، ومنها ما لا يشاركه فيها غيره وهي خواصه التي عليها الاعتماد في معرفته، وهي ثلاث.
(إحداها) الخروج بشهوة مع الفتور عقبه.
(الثانية) الرائحة التي تشبه الطلع والعجين، كما سبق.
(الثالثة) الخروج بتزريق ودفق في دفعات، فكل واحدة من هذه الثلاثة كافية في كونه منيا، ولا يشترط اجتماعها، فإن لم يوجد منها شيء لم يحكم بكونه منيا. وأما مني المرأة فأصفر رقيق، قال المتولي وقد يبيض لفَضْل قوتها، قال إمام الحرمين والغزالي: ولا خاصية له
إلا التلذذ وفتور شهوتها عقب خروجه ولا يعرف إلا بذلك، وقال الروياني: رائحته كرائحة مني الرجل فعلى هذا له خاصيتان يعرف بإحداهما.
وقال البغوي خروج منيها بشهوة أو بغيرها يوجب الغسل كمني الرجل، وذكر الرافعي أن الأ كثرين قالوا تصريحا وتعريضا: يطرد في منيها الخواص الثلاث، وأنكر عليه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، وقال: هذا الذي ادعاه ليس كما قاله. والله أعلم.
وأما المذي فهو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند شهوة، لا بشهوة، ولا دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ويشترك فيه الرجل والمرأة قال إمام الحرمين: وإذا هاجت المرأة خرج منها المذي، قال:
وهو أغلب فيهن منه في الرجال.
وأما الودي فماء أبيض كدر ثخين يشبه المني في الثخانة ويخالفه في الكدورة، ولا رائحة له، ويخرج عقيب البول إذا كانت الطبيعة مستمسكة، وعند حمل شيء ثقيل، ويخرج قطرة أو قطرتين ونحوهما. وأجمع العلماء أنه لا يجب الغسل بخروج المذي والودي. اهـ كلام النووي. مجموع ج ٢ ص ١٤١ - ١٤٢.
قال الجامع: أما المني فقد تقدم البحث عنه واختلاف العلماء وأدلتهم في وجوب الغسل مطلقًا، في ١٣٠/ ١٩٣، فارجع إليه تزدد علمًا.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».