١٣٦ - ذِكْرُ اغْتِساَلِ المُسْتَحَاضَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أي صفة تغتسل المستحاضة.
والمُستحاضَةُ: اسم مفعول من استُحيضت المرأة: إذا استمر بها الدم، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في ١٣٤/ ٢٠١.
٢١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ امْرَأَةً مُسْتَحَاضَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ عِرْقٌ عَانِدٌ، فَأُمِرَتْ أَنْ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ، وَتُعَجِّلَ الْعَصْرَ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا، وَتُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلًا وَاحِدًا.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن بشار) بندار أبو بكر البصري ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمَّد) هو محمَّد بن جعفر، غندر البصري ثقة -٩ - تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) أبو محمَّد المدني ثقة جليل فاضل -٦ - تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (القاسم بن محمَّد) بن أبي بكر الصديق التيمي أحد الفقهاء السبعة ثقة ثبت -٣ - تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأن هذا السند أحد الأسانيد التي قيل فيها: إنها من أصح أسانيد عائشة ﵂، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن امرأة) هى سهلة بنت سهيل القرشية ﵂، كما بينها أبو داود من طريق ابن إسحاق، وهذا هو الذي مشى عليه أبو الحجاج المزي في التحفة ج ١٢/ ٢٧١، أو هي زينب بنت جحش، كما عند الطحاوي من طريق الثوري انظر شرح معاني الآثار ج ١ ص ١٠٠. وكذا عند البيهقي في السنن الكبرى ج ١ ص ٣٥٣ (مستحاضة) اسم مفعول من استحيضت المرأة بالبناء للمفعول: إذا استمر بها الدم في غير وقته المعتاد (على عهد رسول الله - ﷺ -) أي في وقته (قيل لها: إنه عرق) بكسر فسكون، قال ابن الأثير رحمه: العرْق من الحيوان: الأجوف الذي يكون فيه الدم، والعصب -أي بفتحتين-: غير الأجوف. اهـ نهاية ج ٣ ص ٢١٩ (عاند) صفة لعرق، اسم فاعل من عَنَدَ العرقُ كقتل، وعَندَ كفَرح، وعَنُدَ ككَرُمَ، ويقال أيضًا: أعند
بالهمزة، قال ابن منظور ﵀: وعَنَدَ العرقُ وعَنُد وعند وأعند: سال فلم يكد يَرْقَأ، وهو عرق عاند، قال عمرو بن ملقط (من السريع):
بطَعْنَة يَجْري لَهَا عَاندٌ … كَالمَاء منْ غَائلَة الجَابيَه
وأعْنَدَ أنفُهُ: كثر سيلان الدم منه، وأعندَ القيءَ وأعْنَدَ فيه: تابعه، وقال أبو عبيد: العرْق العاند الذي عَنَد وبَغَى، كالإنسان يُعَاند، فهذا العرق في كثرة ما يخرج منه بمنزلته، شُبِّهَ به لكثرة ما يخرج منه على خلاف عادته، وقيل العاند الذي لا يرقأ قال الراعي (من الطويل):
وَنَحْنُ تَرَكْنَا بالفَعَاليِّ طَعْنَةَ … لهَا عَاندٌ فَوْقَ الذِّرَاعَيْن مُسْبلُ
اهـ لسان ببعض اختصار.
وهذا العرق هو المسمى بالعاذل بالذال المعجمة واللام، أو العاذر بالذال والراء بدل اللام، وقد تقدم الكلام عليه في ١٣٤/ ٢٠١ (فأمرت) بالبناء للمفعول والآمر هو النبي - ﷺ -، لما تقرر في أصول الحديث أن الصحابي إذا قال: أمرنا، أو نحو ذلك فهو مرفوع حكمًا، قال الحافظ
السيوطي ﵀:
وَليُعْطَ حُكْمَ الرَّفْع في الصَّوَاب … نَحْوُ منَ السُّنَّة منْ صَحَابي
كَذَا أمرْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى … في عَهْده أوْ عَنْ إضَافَة عَرَى
هذا مع أنه قد وقع التصريح بالرفع فيه في رواية شعبة عند البيهقي من طريق الحسن بن سهل، عن عاصم بن علي، ثنا شعبة، عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه، عن عائشة «أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله - ﷺ -، فأمرها النبي - ﷺ - أن تؤخر الظهر … الحديث، وقد ادعى البيهقي أن رواية الحسن بن سهل هذه غلط، لمخالفته غيره ممن لم يصرح
بالرفع.
قال الجامع: لكن يؤيده رواية ابن إسحاق مصرحًا بالرفع، وسيأتي تمام البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المسائل الآتية.
(أن تؤخر الظهر وتعجل العصر) في تأويل المصدر نائب فاعل أمرت، أي أمرت بتأخير الظهر، وتعجيل العصر (وتغتسل لهما غسلا واحدًا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلا واحدًا) أي أمرت بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد في وقت واحد، وإنما أمرها - ﷺ - بذلك لما رأى أن الأمر قد طال عليها، وقد أجهدها الاغتسال لكل صلاة فرخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد كالمسافر الذي رخص له في الجمع بين الصلاتين. أفاده في المنهل ج ٢ ص ١١٠ (وتغتسل لصلاة الصبح غسلا واحدا) لكونه لا يجمع مع غيره من الصلوات. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه في هذا الموضع، وفي ٥/ ٣٦ من كتاب الحيض بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في الطهارة عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، بسند المصنف. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ج ١ ص ٣٥٢.
المسألة الرابعة: قد تكلم البيهقي في هذا الحديث في السنن الكبرى، فأخرجه من طريق الحسن بن سهل، ثنا عاصم، ثنا شعبة، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله - ﷺ - فأمرها النبي - ﷺ - … الحديث، قال البيهقي: وهو غلط من جهة الحسن يعني رفعه صريحًا لمخالفته الجماعة، ثم أخرجه من طريق عمر بن
حفص، عن عاصم بهذا السند، استحيضت امرأة على عهد رسول الله - ﷺ - فأمرت أن تؤخر الظهر … الحديث، يعني بالبناء للمفعول، ثم قال البيهقي: وهكذا رواه جماعة عن شعبة، وذكر جماعة منهم امتناع عبد الرحمن بن القاسم من رفع الحديث، ثم أخرجه من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة، بسنده ومتنه، قال شعبة: قلت: من أمرها، النبي - ﷺ -؟، قال: لست أحدثك عن النبي - ﷺ - شيئا، ثم قال البيهقي: ورواه معاذ بن معاذ، عن شعبة، وفيه قال: فقلت لعبد الرحمن: عن النبي - ﷺ -؟ فقال: لا أحدثك عن النبي - ﷺ -، وكذلك قاله النضر بن شميل عن شعبة، ورواه محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الرحمن، فخالف شعبة في رفعه، وسمى المستحاضة. ثم ذكر البيهقي بسنده عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي - ﷺ - فأمرها … الحديث، ثم قال: قال أبو بكر بن إسحاق: فإن بعض مشايخنا لم يسند هذا الخبر غير ابن إسحاق، وشعبة لم يذكر النبي - ﷺ -، وأنكر أن يكون الخبر مرفوعًا. اهـ السنن باختصار ج ١ ص ٣٥٢ - ٣٥٣.
والحاصل أن البيهقي يرى كون هذا الحديث غير مرفوع، فلا تقوم به المحجة على الحكم المذكور.
وقد أجاب عن هذا العلامةُ ابن التركماني في الجوهر النقي، فقال: قلت: امتنع عبد الرحمن من إسناد الأمر إلى النبي - ﷺ - صريحًا، ولا شك أنه إذا سمع «فَأمرَت» ليس له أن يقول: فأمرها النبي - ﷺ - لأن اللفظ الأول مسند إلى النبي - ﷺ - بطريق اجتهادي، لا بالصريح، فليس له أن ينقله إلى ما هو صريح، ولا يلزم من امتناعه من صريح النسبة إلى النبي - ﷺ - أن لا يكون مرفوعا بلفظ «أمرت» على ما عرف من ترجيح أهل الحديث والأصول في هذه الصيغة أنها مرفوعة فتأمله فقد يتوهم من لا خبرة له من
كلام البيهقي وغيره أنه من الموقوف الذي لا تقوم به الحجة، وبهذا يعلم أن ابن إسحاق لم يخالف شعبة في رفعه بل رفعه ابن إسحاق صريحًا، ورفعه شعبة دلالة، ورفعه هو أيضًا صريحًا في رواية الحسن بن سهل عن عاصم عنه.
قال الجامع عفا الله عنه: قد وافق ابن إسحاق في رفعه سفيان بن عيينة إلا أنه أرسله، أخرج البيهقي بسنده عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه «أن امرأة من المسلمين استحيضت، فسألت رسول الله - ﷺ -؟ … الحديث، فهذا المرسل يؤيد رواية ابن إسحاق.
والحاصل أن الحديث مرفوع صحيح. والله أعلم.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه، توكلت، وإليه أنيب».
١٣٧ - بَابُ الاغْتساَلِ مِنَ النِّفَاسِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الاغتسال على المرأة التي حصل لها الولادة، من أجل الدم الذي خرج منها، فـ«من» تعليلية.
والنفاس: بالكسر الولادة، قال ابن منظور ﵀: والنفاس: ولادة المرأة إذا وضعت، فهي نُفَسَاء، والنَّفْسُ: الدم، ونُفسَت المرأة، ونَفسَت، بالكسر نَفَسًا ونَفَاسَة ونفَاسًا، وهي نُفَسَاء، ونَفْسَاء، ونَفَسَاء: وَلَدت، وقال ثعلب: النفساء الوالدة، والحامل، والحائض، والجمع من كل ذلك نُفَسَاوات ونفَاس ونُفَاس ونُفَّس، (عن اللحياني) ونُفُس ونُفَّاس.
قال الجوهري: وليس في الكلام فُعَلاءُ يُجمع على فعال غير نُفَساء وعُشَراء، ويجمع أيضا على نُفَسَاوات وعُشَروات، وامرأتان نُفَسَاوان، أبدلوا من همزة التأنيث واوا. وفي الحديث: «أن أسماء بنت عميس نُفست بمحمد بن أبي بكر» أي وضعت، ومنه الحديث «فلما تَعَلَّت من نفاسها»: أي خرجت من أيام ولادتها، وحكى ثعلب نُفسَت ولدًا، على فعل المفعول. وَوَرثَ فلان هذا الماء في بطن أمه قبل أن يُنفَسَ، أي يولد، قال الجوهري: وقولهم ورث فلان هذا المال قبل أن يُنفَسَ فلان، أي قبل أن يولد، قال أوس بن حجر يصف محاربة قومه لبني عامر بن صعصعة (من المتقارب):
وَإنَّا وَإِخْوَانَنَا عَامرًا … عَلَى مثْل مَا بَيننَا نَأتَمرْ
لَنَا صَرْخَة ثُمَّ إسْكَاتَةٌ … كَمَا طرَّقَتْ بنفَاس بكرْ
أي بولد، وقوله: لنا صرخة، أي اهتياجة يتبعها سكون كما يكون