HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٦٥

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَلِيًّا أَنَا وَرَجُلَانِ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:ضعيف
  • الألباني:ضعيفضعيف سنن النسائي ج1 ص15
  • زبير علي زئي:حسن
ج ١ ص ١٤٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٤ ص٥٥٨
١٧١ - بَابُ حَجْبِ الجُنُبِ مِنْ قِراَءةِ القُرْآنِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على منع الجنب من قراءة القرآن، وهو متلبس يحدث الجنابة. والحَجْب بفتح فسكون مصدر حَجَبَه، يحجُبُه من باب قتل: إذا منعه، ومنه قيل للستر حجاب؛ لأنه يمنع المشاهدة، وقيل للبوّاب حاجب، لأنه يمنع من الدخول، والأصل في الحجاب جسم حائل بين جسدين، وقد استعمل في المعاني، فقيل: العجز حجاب بين الإنسان وبين مراده، والمعصية حجاب بين العبد وبين ربه، وجمع الحجاب حُجُب، مثل كتاب، وكُتُب، وجمع الحاجب حُجَّاب، مثل كافر، وكفار. قاله في المصباح. والإضافة هنا من إضافة المصدر إلى مفعوله. وموضع الاستدلال واضح من قوله: «ليس الجنابة»، ولكن سيأتي ما فيه إن شاء الله. ٢٦٥ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلِمَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَلِيًّا أَنَا وَرَجُلَانِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة، حافظ من صغار -٩ - تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل بن إبراهيم) هو ابن علية، أبو بشر البصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ١٨/ ١٩. ٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري ثقة حجة ثبت -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سلمة بن كعب بن وائل بن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الجملي المرادي أبو عبد الله الكوفي الأعمى. روى عن عبد الله بن أبي أوفي، وأبي وائل، ومرة الطيب، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن سلمة، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الله، وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه، والأعمش، ومنصور، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال البخاري عن علي: له نحو مائتي حديث. وقال سعيد الأراطي: زَكَّاه أحمد بن حنبل. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة كان يرى الإرجاء. وقال حفص بن غياث: ما سمعت الأعمش يثني على أحد إلا على عمرو بن مرة، فإنه كان يقول: كان مأمونا على ما عنده. وقال بقية، عن شعبة: كان أكثرهم علمًا. وقال معاذ بن معاذ، عن شعبة: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا يدلس إلا ابن عون، وعمرو بن مرة، وقال قراد، عن شعبة: ما رأيت ابن مرة في صلاة قط إلا ظننت أنه لا ينفتل حتى يستجاب له. وقال عبد الملك بن ميسرة في جنازته: إني لأحسبه خير أهل الأرض. وقال مسعر: لم يكن بالكوفة أحب إلي ولا أفضل منه. وقال ابن عيينة عن مسعر: كان عمرو من معادن الصدق. وقال عبد الرحمن بن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ منهم عمرو بن مرة. وقال جرير عن مغيرة: لم يزل في الناس بنية حتى دخل عمرو في الإرجاء فتهافت الناس فيه، ووثقه ابن نمير ويعقوب بن سفيان، مات سنة -١١٨ - وقيل سنة ١١٦، وجزم به ابن حبان في الثقات، وقال: يكنى أبا عبد الرحمن، وكان مرجئا. أخرج له الجماعة. اهـ «تت» ج ٨ ص ٥ - (عبد الله بن سلمة) -بكسر اللام- المرادي الكوفي. روى عن عمر، ومعاذ، وعلي، وابن مسعود، وسعد، وسلمان الفارسي، وصفوان بن عسَّال، وعمار بن ياسر، وعبيدَة بن عمرو السلماني. وعنه أبو إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة. قال أحمد بن حنبل: لا أعلم روى عنه غيرهما. وقال غيره: روى عنه أبو الزبير أيضًا. وقال النسائي في الكنى: أبو العالية عبد الله بن سلمة كوفي مرادي. وقال الخطيب: قد روى أبو إسحاق السبيعي عن أبي العالية عبد الله بن سلمة الهمداني، فزعم أحمد بن حنبل أنه الذي روى عنه عمرو بن مرة، وقال ابن نمير: ليس هو به، بل هو آخر، وكان ابن معين يقول كقول أحمد، ثم رجع عنه. وقال ابن حبان في الثقات: عبد الله بن سلمة بن الحارث الهمداني أخو عمرو. وقال شعبة، عن عمرو بن مرة: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا فيعرف وينكر، كان قد كبر. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة يعد في الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال أبو حاتم: يعرف وينكر. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، له عند (د) حديث «لا يقرأ الجنب» قال الحافظ: قال البخاري في تاريخه الصغير: الذي قال ابن نمير أصح، والذي روى عنه أبو إسحاق هو الهمداني، والذي روى عنه عمرو بن مرة هو من رهط عمرو بن مرة جَمَلي مُرَادي. وكذا قال ابن معين، والدارقطني، وابن ماكولا. وقال النسائي في المرادي: لا أعلم أحدًا روى عنه غير عمرو بن مرة، وقال في الكنى: أنا عبد الله بن أحمد، سألت أبي عن ابن سلمة روى عنه غير عمرو بن مرة؟ فقال: أبو إسحاق، وقال ابن نمير: هذا ليس هو ذاك، صاحب عمرو لم يرو عنه إلا عمرو. والذي قاله ابن نمير أصح، وفرق بينهما أيضا ابن حبان، فقال في الهمداني: ما حكاه عنه المزي، وقال في المرادي: عبد الله بن سلمة يروي عن علي، وعنه عمرو بن مرة يخطئ، وقد بينه الحاكم أبو أحمد بيانا شافيا في كتاب الكنى، وقال: عبد الله بن سلمة مرادي يروي عن سعد، وعلي، وابن مسعود، وصفوان بن عسال. وعنه عمرو بن مرة، وأبو الزبير، حديثه ليس بالقائم، وعبد الله بن سلمة الهمداني إنما يعرف له قوله فقط، ولا يعرف له راويًا غير أبي إسحاق السبيعي، ثم قال ما معناه: إن الغلط إنما وقع عند من جعلهما واحدًا بكنية من كنى المرادي أبا العالية -يعني من المتأخرين- وإنما هي كنية الهمداني، قال: ولا أعلم أحدًا كنى المرادي، قال: وقد وقع الخطأ فيه لمسلم، وغيره. والله أعلم. أخرج له الأربعة. اهـ «تت»ج ٥ ص ٢٤١ - ٢٤٣. ٦ - (علي) بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي أحد الخلفاء الراشدين ﵁ تقدم في ٧٤/ ٩١. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا عبد الله بن سلمة فصدوق تغير حفظه، وهم ما بين مروزي وهو شيخه، وبصريين وهما إسماعيل، وشعبة، وكوفيين، وهم الباقون، وقد اتفق الأئمة بالتخريج لهم إلا شيخه فلم يرو عنه (د ق) وعبد الله بن سلمة فلم يرو عنه (خ م)، وفيه سلمة بكسر اللام، قال السيوطي في ألفية الحديث: عَمْرٌو وَعَبْدُ الله نَجْلا سَلِمَهْ … بالكَسْر مَعْ قَبيلَة مُكَرَّمَهْ وَالخُلْفُ في وَالد عَبْد الخَالقِ … والسَّلَمى للقَبيل وَافِقِ يعني أن سَلَمة بفتح اللام إلا عمرو بن سلمَة، وعبد الله بن سلمة، وبني سلمة القبيلة المعروفة من الأنصار، واختُلف في عبد الخالق بن سلمة فقيل بالفتح، وقيل بالكسر. والله أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن سلمة) بكسر اللام المرادي الكوفي، أنه (قال: أتيت عليا) أي ابن أبي طالب ﵁ (أنا) ضمير منفصل أكد به الضمير المتصل للقاعدة المقررة التي ذكرها ابن مالك بقوله: وإَنْ عَلَى ضَمير رَفْع مُتَّصلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير المُنْفَصلْ (ورجلان) معطوف على الضمير الفاعل، وقد طول الحديث أبو داود في سننه، فقال بسنده: عن عبد الله بن سلمة قال دخلت على علي ﵁ أنا ورجلان، رجل منا، ورجل من بني أسد، أحسب بعثهما علي ﵁ وجها ، وقال: إنكما علْجَان فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج، فدعا بماء فأخذ منه حفنة، فتمسح بها يديه، ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال: إن رسول - ﷺ - كان يخرج من الخلاء .. الحديث. (كان رسول الله - ﷺ - يخرج من الخلاء) بالفتح والمد كالفضاء وزنا ومعنى، وهو أيضًا المُتَوَضَّأ، قاله في المصباح، والمراد هنا محل قضاء الحاجة من البول والغائط، سمي بذلك لأنهم يقضون حاجتهم غالبا في الفضاء بُعْدًا عن أعين الناس، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في أوائل هذا الشرح ١٦/ ١٦ (فيقرأ القرآن) إنما ذكر علي هذا حين أنكروا عليه قراءة القرآن بعد الخلاء كما بينته رواية أبي داود المذكورة آنفا، وعند أبي داود: «فيقرئنا القرآن» من الإقراء، وهو مستلزم للقراءة، والمراد أنه لا يتوضأ لأجل القرآن (ويأكل معنا اللحم) أي قبل الوضوء، وعند ابن ماجه: «فيأكل معنا الخبز واللحم»، قال الطيبي: لعل انضمام أكل اللحم مع قراء القرآن للإشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء. أو مضمضة كما في الصلاة. اهـ والمراد أنه كان لا يمنعه الحدث من القراءة والأكل ونحوهما. كما أشار إليه بقوله (ولم يكن يحجبه) أي يمنعه، وقد تقدم أول الباب أنه من باب قتل، وعند أبي داود: أو قال: «يحجزه» (عن القرآن) متعلق بـ «يحجب»، أي عن قراءته وإقرائه، جملة «يحجبه» خبر «يكن» مقدما على اسمها، وهو قوله (شيء) من أنواع الحدث. قال السندي: والمراد بعموم شيء ما يجوز العقل فيه القراءة من الأحوال، وإلا فحالة البول والغائط مثل الجنابة، لكن خروجهما عقلا أغنى عن الاستثناء. اهـ وقوله (ليس الجنابة) ليس هنا من أداوت الاستثناء، وهي فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر، اختلف النحاة في مرجعه، فقيل: يعود على البعض المفهوم من الكل السابق، والتقدير: ليس بعضُ الحدث، وقيل على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، والتقدير: ليس الحَاجب، وقيل: على المصدر المفهوم من الفعل السابق، والتقدير: ليس الحجب، والأول أصح، وقوله (الجنابة) بالنصب خبرها، وهو المُسْتَثْنَى، ونقل السيوطي ﵀ في شرحه عن الزركشي أن «ليس» هنا بمعنى«غير»، اهـ. فإن أراد أنها هنا للاستثناء فلا يخالف ما ذكرناه، وإن أراد أنها اسم بمعناها فهذا مما لم أر أحدًا من النحاة أثبته فيحتاج إلى إثباته. قال: وقال البزار: إنها بمعنى «إلا»، ويؤيده رواية ابن حبان «إلا الجنابة»، وفي رواية له «ما خلا الجنابة». اهـ. وحاصل المعنى أنه - ﷺ - كان لا يمنعه شيء من أنواع الحدث عن قراءة القرآن إلا الجنابة. وفيه منع الجنب عن القرآن، وسيأتي تحقيق الكلام فيه قريبًا إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث: ضعيف ، لأن في سنده عبد الله بن سلمة كان قد تغير، وروى هذا بعد ما كبر، كما قال شعبة، وصححه الترمذي، وابن السكن، وعبد الحق، والبغوي في شرح السنة، وروى ابن خزيمة بإسناده، عن شعبة قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال الدارقطني: قال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه، وقال البزار: لا يُروى من حديث علي إلا عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة عنه، وحكى الدارقطني في العلل أن بعضهم رواه عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي، وخَطَّأ هذه الرواية، وقال الشافعي في سنن حرملة: إن كان هذا الحديث ثابتا ففيه دلالة على تحريم القرآن على الجنب . وقال في جماع كتاب الطهور: أهل الحديث لا يثبتونه، قال البيهقي: إنما قال ذلك؛ لأن عبد الله بن سلمة راويه كان قد تغير، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة. وقال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا الحديث. وقال النووي في الخلاصة: خالف الترمذيَّ الأكثرون، فضعفوا هذا الحديث، قال الحافظ: وتخصيصه الترمذي بذلك دليل على أنه لم ير تصحيحه لغيره، وقد قدمنا ذكر من صححه غير الترمذي، وروى الدراقطني عن علي موقوفا: «اقرؤا القرآن ما لم تصب أحدكم جنابة، فإن أصابته فلا ولا حرفا»، قال الحافظ: وهذا يعضد حديث عبد الله بن سلمة . لكن قال ابن خزيمة: لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة، لأنه ليس فيه نهي، وإنما هي حكايته فعل، ولم يبين النبي - ﷺ - أنه إنما امتنع من ذلك لأجل الجنابة، أفاده في التلخيص. ج ١ ص ١٢٩. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي أن حديث الباب ضعيف لأن مداره على عبد الله بن سلمة، وقد حدث به بعد ما تغير، وكبر كما قاله شعبة، وأما المصححون فلم يذكروا مستندا لقولهم وتساهل بعضهم معروف كالترمذي، والحاكم، فإنه صححه، وقال: عبد الله بن سلمة لا مطعن فيه، وهذا هو التساهل، ومن الغريب أن الذهبي وافقه على هذا. وأما ما قاله العلامة أحمد شاكر في تعليقه للترمذي من أن عبد الله بن سلمة توبع على معنى حديثه هذا عن علي، فارتفعت شبهة الخطأ عن روايته إذا كان سيء الحفظ في كبره كما قالوا، ثم ذكر ما رواه أحمد في مسنده ج ١ ص ١١٠: حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط، عن أبي الغَريف، قال: أتيَ علي ﵁ بوَضُوء، فمضمض، واستنشنق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه وذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية. فهذا الحديث وإن قال ابن شاكر صحيح جيد إلا أن فيه علة، وقد أشار الدارقطني إليها فذكره في سننه ج ١ ص ١١٨ عن أبي بكر النيسابوري، وإسماعيل بن محمَّد الصفار، عن محمَّد بن عبد الملك الدقيقي، عن يزيد بن هارون، عن عامر بن السِّمْط، عن أبي الغريف، الهمداني، قال: كنا مع علي في الرحبة، فخرج إلى أقصى الرحبة، فو الله أبَوْلًا أحْدَثَ أمْ غائطًا، ثم جاء، فدعا بكوز من ماء، فغسل كفيه، ثم قبضهما إليه، ثم قرأ صدرًا من القرآن، ثم قال: اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة فلا ولا حرفا واحدا». قال الدارقطني: هو صحيح عن علي. وهذا من الدارقطني إشارة إلى تضعيف رفعه، حيث أن من وقفه أرجح ممن رفعه، فإن رافعه هو عائذ بن حبيب، قال عنه في التقريب: صدوق ورمي بالتشيع، والكلام فيه كثير في الميزان وغيره، وقد خالفه فيه يزيد بن هارون المجمع على توثيقه فوقفه على علي وهو الصحيح. كما قاله الدراقطني، ولم ينتبه لهذا ابن شاكر. والحاصل أن حديث الباب غير صحيح. وعلى تقدير صحته لا يكون حجة في المسألة لأنه حكايته فعل، فإنه - ﷺ - ترك القراءة حال الجنابة، وما بَيَّن أنه إنما ترك لأجلها، ومثله لا يصلح متمسكا للكراهة، فكيف يستدل به على التحريم. وحديث علي المرفوع قد عرفت ما فيه من العلة، وأما الموقوف فلا يكون حجة. لأن قول الصحابة لا يكون حجة إلا إذا كان إجماعا، وقد خالفه ابن عباس من الصحابة كما يأتي قريبا، إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر الصنف له: أخرجه هنا ١٧١/ ٢٦٥، ٢٦٦، والكبرى ١٥٠/ ٢٦١، ٢٦٢. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة عن حفص ابن عمر الحوضي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁. وأخرجه (ت) فيه عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، وعقبة بن خالد، كلاهما عن الأعمش، وابن أبي ليلى، كلاهما عن عمرو بن مرة به. وأخرجه (ق) فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة به، ورواه أبو جعفر الرازي، ومحمد بن فضيل، ورواه عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، كما قال ابن فضيل. قاله الحافظ المزي في «تحفته». ج ٧ ص ٤٠٨. وأخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والبزار، والدارقطني، والبيهقي، وابن السكن، وعبد الحق، والبغوي. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث جواز قراءة القرآن للمحدث حدثا أصغر من غير أن يتوضأ، وكذا أكله اللحم ونحوه، وشربه الشراب، وعدم جواز التلاوة للجنب حتى يغتسل. وهو موضع الترجمة للمصنف من الحديث. ولكن قد عرفت ضعفه، ولئن سلمنا صحته فلا يدل على المنع لما عرفت من كونه حكايته فعل لا تصلح متمسكا للتحريم. فتنبه. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في قراءة الجنب للقرآن: قال الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في قراءة الجنب والحائض القرآن، فكرهت طائفة أن يقرأ الجنب شيئا من القرآن، وممن رُوي عنه ذلك عمر، وعلي، والحسن، وإبراهيم، والزهري، وقتادة، وجابر. وقال أبو عبيدة: الجنب مثل الحائض، وقال عطاء: الحائض لا تقرأ شيئا والجنب الآية ينفذها. وقال أبو العالية، وإبراهيم، والزهري، وابن جبير: الحائض لا تقرأ من القرآن، وقال جابر بن زيد: الحائض لا تتم الآية. واختلف في قراءة الحائض عن الشافعي، فحكى أبو ثور عنه أنه قال: لا بأس أن تقرأ، وحكى الربيع عنه أنه قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض ولا يحملان المصحف، قال النووي: مذهبنا أنه يحرم على الجنب والحائض القراءة قليلها وكثيرها حتى بعض الآية اهـ. المجموع ج ٢ ص ١٦٢. وكان أحمد يكره أن تقرأ الحائض، وأما الجنب فاختلف النقل عنه، وقال أبو ثور: لا تقرأ الحائض، ولا الجنب القرآن. ورخصت طائفة للجنب في القرآن، منهم ابن عباس، وكان يقرأ ورده وهو جنب، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك، ومنهم عكرمة. ومنهم: ابن المسيب، فقد قيل له: أيقرأ الجنب؟ قال نعم، أليس في جوفه. وقال مالك: لا يقرأ الجنب القرآن إلا أن يتعوذ بالآية والآيتين عند منامه، ولا يدخل المسجد إلا عابر سبيل، وكذلك الحائض. وقال الأوزاعي: لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن إلا آية الركوب إذا ركب، قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ﴾ [المؤمنون: ٢٩]. وفيه قول ثالث: قاله محمَّد بن مسلمة، كره للجنب أن يقرأ القرآن حتى يغتسل. قال: وقد أرخص في الشيء الخفيف مثل الآية والآيتين يتعوذ بهما، وأما الحائض ومن سواها فلا يكره لها أن تقرأ القرآن؛ لأن أمرها يطول فلا تدع القرآن، والجنب ليس كحالها. قال ابن المنذر ﵀: احتج الذين كرهوا للجنب قراءة القرآن بحديث علي، ثم ذكر بسنده حديث الباب. قال: واحتج من سهل للجنب أن يقرأ القرآن بحديث عائشة ﵂، ثم ساق بسنده حديثها: «كان النبي - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه». وهو حديث صحيح علقه البخاري، وأخرجه مسلم. قال ابن المنذر: فقال بعضهم: الذكر قد يكون بقراءة القرآن، وغيره، فكل ما وقع عليه اسم ذكر الله، فغير جائز أن يمنع منه أحد، إذ كان النبي - ﷺ - لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه، وحديث علي لا يثبت إسناده، لأن عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلم فيه عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة، وإنا لنعرف، وننكر، فإذا كان هو الناقل لخبره، فجرحه بطل الاحتجاج به، ولو ثبت خبر علي لم يجب الامتناع من القراءة من أجله؛ لأنه لم ينهه عن القراءة، فيكون الجنب ممنوعًا منه. اهـ كلام ابن المنذر في الأوسط ج ٢ ص ٩٦ - ١٠٠. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه لم يثبت في منع الجنب عن القرآن شيء يعتد به، كما أوضحه العلماء، ومنهم البيهقي، والنووي، فإنه ضعف الأحاديث التي احتج بها المانعون، ومن غريب ما اتفق له في المجموع ج ٢ ص ١٥٩ في هذا الباب أنه بعد ما ضعف حديث الباب وحديثًا آخر احتج به المانعون، أنه قال: واحتج أصحابنا أيضا قصة عبد الله بن رواحة ﵁ المشهورة: أن امرأته رأته يواقع جارية له فذهبت، فأخذت سكينًا، وجاءت تريد قتله، فأنكر أنه واقع الجارية، وقال: أليس قد نهى رسول الله - ﷺ - الجنب أن يقرأ القرآن؟ قالت بلى، فأنشدها الأبيات المشهورة، فتوهمتها قرآنا فكفت عنه، فأخبر رسول الله - ﷺ - بذلك فضحك، ولم ينكر عليه. ثم ذكر بعده وجه الاستدلال منه، ثم قال: ولكن إسناد هذه القصة ضعيف، ومنقطع، ثم أخذ في الجواب عما استدل به المجيزون من حديث عائشة المذكور، ومحل العجب من هذا أنه بعد ما اعترف أن حديثهم الذي استندوا إليه ضعيف لا يصلح للاستدلال به أخذ يدفع دليل الآخرين الصحيح، فهذا أعجب، وأغريب. وخلاصة القول أن الراجح قول من قال بجواز القراءة للجنب، وهو كما في الفتح مذهب البخاري، والطبري، وابن المنذر، واحتجوا بعموم حديث عائشة المذكور. لكن يكره له كما قال الشيخ الألباني لحديث «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» قاله في رد السلام، فالقرآن أولى من السلام، لكنه لا ينافي الجواز. ومثل الجنب الحائض لعموم الدليل، ويتأيد أيضا بالبراءة الأصلية فما لم يصح دليل يخصص هذا العموم، وينقل عن هذه البراءة لا يصح العدول إلى غيره. انظر نيل الأوطار ج ١ ص ٣٤١. وأما حديث ابن عمر مرفوعا: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن» رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، وهو حجازي، وروايته عن الحجازيين ضعيفة. وكذا حديث جابر مرفوعًا: «لا يقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئا» رواه الدارقطني، ففيه محمَّد بن الفضل، وهو متروك، أو منسوب إلى الوضع، وقد رُوي موقوفًا، وفيه يحيى بن أبي أنيسة، كذاب. فلا يصلح شيء من هذه الأحاديث للاحتجاج بها، فبقي الجنب والحائض والنفساء على أصل الجواز. والله أعلم. (تنبيه) اختلف العلماء في مس الجنب، والحائض، والمحدث المصحف، والدنانير، والدراهيم، التي فيها قرآن: قال الحافظ ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في مس الحائض، والجنب المصحف، فكره كثير منهم ذلك، منهم ابن عمر، وكره الحسن للجنب مس المصحف، إلا أن يكون له عِلاقة، وروي ذلك عن الشعبي، وطاوس والقاسم، وعطاء، وقال عطاء: لا بأس أن تأتيك الحائض بالمصحف بعلاقته، وقال الحكم، وحماد في الرجل يمس المصحف: إذا كان في علاقته فلا بأس. وكره عطاء، والزهري، والقاسم، والنخعي، مس الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى على غير وضوء، وكره مالك أن يحمل المصحف بعلاقته أو على وسادة أحد إلا هو طاهر، قال: ولا بأس أن يحمله في الخُرْج والتابوت، والغرارة، ونحو ذلك مَنْ عَلَى غير وضوء، ويحمل النصراني، واليهودي، المصحف في الغرارة، والتابوت في مذهبه، وقال الأوزاعي، والشافعي: لا يحمل المصحف الجنب والحائض، وقال أحمد وإسحاق: لا يقرأ في المصحف إلا متوضأ، قال إسحاق: لما صحّ قول النبي - ﷺ - «لا يمس القرآن إلا طاهر»، وكذلك كان فعل أصحاب النبي - ﷺ - وكره أحمد أن يمس المصحف أحد على غير طهارة، إلا أن يتصفحه بعود أو بشيء وقال أبو ثور: لا يمس المصحف جنب ولا حائض ولا غير متوضئ، قال: وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، قال: وهذا قول مالك، وأبي عبد الله. وحكى يعقوب، عن النعمان أنه قال في الرجل الجنب يأخذ الصُّرَّة فيها دارهم فيها السورة من القرآن، أو المصحف بعلاقته، قال: لا بأس، وقال: لا يأخذ الدراهم إذا كان جنبا وفيها السورة من القرآن في غير صرة، وكذلك المصحف في غير علاقته. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يأخذ ذلك وهو على غير وضوء، إلا في صرة أو في علاقة. قال ابن المنذز: أعلى ما احتج به من كره أن يمس المصحف غير طاهر قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وحديث عمرو بن حزم، ثم ذكر بسنده، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، قال: في كتاب النبي - ﷺ - لعمرو: «لا تمس القرآن إلا على طهور». قال: ورخص بعض من كان في عصرنا للجنب والحائض في مس المصحف، ولبس التعويذ، ومس الدراهم والدنانير التي فيها ذكر الله تعالى على غير طهارة، وقال معنى قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة، كذلك قال أنس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية، وقال: وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ خبر بضم السين، ولو كان نهيا لقال: لا يمسنه، واحتج بحديث أبي هريرة، وحذيفة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «المؤمن لا ينجس». والأكثر من أهل العلم على القول الأول، وعن ابن جبير أنه بال، ثم توضأ وضوءه إلا رجليه، ثم أخذ المصحف. وروي عن الحسن، وقتادة أنهما كانا لا يريان بأسا أن يمس الدراهم على غير وضوء، ويقولان: جبلوا على ذلك. واحتجت هذه الفرقة بنول النبي - ﷺ - لعائشة: «أعطني الخمرة»، قالت: إني حائض، قال: «إن حيضتك ليست بيدك»، وبقول عائشة: «كنت أغسل رأس النبي - ﷺ - وأنا حائض»، قال: وفي هذا دليل على أن الحائض لا تنجس ما تمس، إذ ليس جميع بدنها نجسا، وإذا ثبت أن بدنها غير نجس إلا الفرج ثبت أن النجس في الفرج لكون الدم فيه، وسائر البدن طاهر. اهـ كلام ابن المنذر في الأوسط ج ٢ ص ١٠١ - ١٠٤. قال الجامع عفا الله عنه: واحتجت الطائفة المجيزة أيضا بكتابه - ﷺ - إلى هرقل كتابًا فيه آية، وقد علم أنه يمسه هرقل وأصحابه. فإن قيل: إنها آية واحدة: أجيب بأن الآية وغيرها سواء في تسميته قرآنا فإذا جاز في الآية جاز في غيرها. وأما احتجاجه بآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. فلا يتم إلا إذا كان المعنى مسُّه بالجارحة، وكان المراد بالخبر الأمر، والمراد بقوله: «المطهرون» هم المحدثون أو نحوهم وفي كل هذا خلاف: قال القرطبي في تفسيره: اختلف في معنى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف في «المطهرون» من هم؟ فقال أنس، وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة، وكذا قال أبو العالية، وابن زيد: إنهم الذي طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة، والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مطهر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون. وقال الكلبي: هم السفرة الكرام البررة، وهذا كله قول واحد، وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لايَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنها بمنزلة الآية التي في «عبس وتولى»: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢ - ١٦]. يريد أن المطهرين هم الملائكة وصفوا بالطهارة في سورة عبس، وقيل معنى ﴿لايَمَسُّهُ﴾ لا ينزل به ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء وقيل: لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون، وقيل: إن إسرافيل هو الموكل بذلك، حكاه القشيري قال ابن العربي: وهذا باطل، لأن الملائكة لا تناله في وفت، ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه مجال، وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا، واستظهره القرطبي. قال: وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ من الأحداث والأنجاس. وقال الكلبي: من الشرك. وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. وقيل: معنى لا يمسه: لا يقرؤه ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ إلا الموحدون، قاله محمَّد بن فضيل، وعبدة، وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون، أي المؤمنون بالقرآن. قال ابن العربي: وهو اختيار البخاري، إلى غير ذلك من الأقوال. ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع، أي لا يمسه إلا المطهرون شرعا، فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر. وقال المهدوي: يجوز أن يكون أمرا، وتكون ضمة السين ضمة إعراب، ويجوز أن يكون نهيا، وتكون ضمة السين ضمة بناء، والفعل مجزوم. اهـ كلام القرطبي ببعض اختصار ج ١٧ ص ٢٢٥ - ٢٢٦. وقد ذكر إمام المفسرين أبو جعفر محمَّد بن جرير الطبري في تفسيره المشهور اختلاف العلماء في الذي عُنُوا بقوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم حملة التوراة والإنجيل، وقيل: هم المطهرون من الذنوب كالملائكة والرسل، وقيل: عني بذلك أنه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، ثم ذكر من قال كل ذلك بأسانيده. ثم قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون، فعم بخبره المطهرين، ولم يخص بعضًا دون بعض، فالملائكة من المطهرين والرسل والأنبياء من المطهرين، وكل من كان مطهرا من الذنوب فهو ممن استثنى وعُني بقوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. اهـ ج ٢٧ ص ٢٠٥ - ٢٠٦. قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا أن أكثر أقوال السلف بعيد عن المسألة، فلا يظهر الاستدلال بالآية عندهم. وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره نحو ما تقدم، ثم قال: وقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر، ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ها هنا المصحف كما روى مسلم عن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو»، واحتجوا في ذلك بما رواه مالك في موطاه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهرٌ». وروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري، قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله - ﷺ - قال: «ولا يمس القرآن إلا طاهر»، وهذه وجادة جيدة، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمرو، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر. اهـ كلام ابن كثير في تفسيره ج ٤ ص ٣١٩ - ٣٢٠. قال الجامع عفا الله عنه: الاستدلال بحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر» هو الأولى، وقد تكلم فيه العلماء، ونلخص كلامهم الآن ليتم الاحتجاج بعد ثبوت صحته: قال الحافظ الزيلعي ﵀ في نصب الراية: رُوي -يعني الحديث المذكور- من حديث عمرو بن حزم، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث حكيم بن حزام، ومن حديث عثمان بن أبي العاص، ومن حديث ثوبان. أما حديث عمرو بن حزم: فرواه النسائي في سننه في كتاب الديات، وأبو داود في المراسيل من حديث محمَّد بن بكار بن بلال، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات: أن لا يمس القرآن إلا طاهر. انتهى. ورويناه أيضا من حديث الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، ثنا سليمان بن داود الخولاني، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمر بن حزم، عن أبيه، عن جده، بنحوه، قال أبو داود: وهم فيه الحكم بن موسى -يعني في قوله: سليمان بن داود-، وإنما هو سليمان بن أرقم، وقال النسائي: الأول أشبه بالصواب، وسليمان بن أرقم متروك. انتهى. وبالسند الثاني رواه ابن حبان في «صحيحه» وقال: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون. وكذلك الحاكم في المستدرك بطوله، وقال: هو من قواعد الإسلام، وإسناده من شرط هذا الكتاب، ورواه الطبراني في معجمه، والدراقطني، ثم البيهقي في سننهما، وأحمد في مسنده، وابن راهويه. قاله الزيلعي. وأخرجه الدارقطني من طريق أبي ثور، عن مبشر بن إسماعيل، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، قال: كان فيما أخذ عليه رسول الله - ﷺ - «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» تفرد به أبو ثور، وقال: الصواب ليس فيه عن جده، ثم أخرجه من طريق إسحاق بن الصباغ عن مالك كذلك. وأخرجه عبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي من طريقه عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، ليس فيه عن جده. وقد أخرجه الطيالسي من طريق أبي بكر بن محمَّد، عن أبيه، عن جده نحوه. قاله الحافظ في إتمام الدارية ج ١ ص ٨٧. وأما حديث ابن عمر: فرواه الطبراني في معجمه، والدراقطني، ثم البيهقي من جهته في سننهما من حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري، قال: سمعت سالما يحدث عن أبيه، قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يمس القرآن إلا طاهر» وسليمان بن موسى الأشدق مختلف فيه فوثقه بعضهم، وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الحافظ: إسناده لا بأس به. وذكر الأثرم أن أحمدا احتج به. لكن فيه كما قال الشيخ الألباني: عنعنة ابن جريج وهو مدلس. وأما حديث عثمان بن أبي العاص، فرواه الطبراني في معجمه، وفيه إسماعيل بن رافع، ضعفه النسائي، وابن معين، وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث. وأما حديث حكيم بن حزام ﵁ فرواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وأخرجه الطبراني، والدارقطني، ثم البيهقي، وفيه مطر الوراق ضعفوه، وقال عنه في التقريب: صدوق كثير الخطأ. والراوي عنه سويد أبو حاتم ضعفوه، وقال عنه في التقريب: صدوق سيء الحفظ له أغلاط. وأما حديث ثوبان ﵁: «لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة الحج الأصغر» فأخرجه علي بن عبد العزيز في منتخب المسند، قاله في إتمام الدارية. لكن قال ابن القطان: إسناده في غاية الضعف. وقال الشيخ الألباني: هالك، فلا يستشهد به. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل عندي أن الحديث صحيح، كما قال جماعة من المحققين، قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول. وقال يعقوب بن سفيان ﵀: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، والزهري لهذا الكتاب بالصحة. هذا، ولا سيما وقد روي عن هؤلاء الصحابة ﵃ بالأسانيد المختلفة، فهي كما قال العلامة الألباني في الإرواء ج ١ ص ١٦٠: وإن كانت كلها لا تخلو من ضعف، لكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال، أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضًا إذا لم يكن فيها متهم. فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث، لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل، وصححه صاحبه إسحاق بن راهويه، فقال: لما سئل عن قراءة الرجل على غير وضوء قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المصحف، لما صح قول النبي - ﷺ -: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، وكذلك فعل أصحاب النبي - ﷺ - والتابعون. اهـ. كلام الشيخ الألباني بتصرف. ومما صح عن الصحابة ما رواه عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان ﵁: أنه قضى حاجته، فخرج، ثم جاء، فقلت: لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات؟ قال: إني لست أمسه، ولا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا. أخرجه الدراقطني وصححه. قاله في إتمام الدراية. وما رواه مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال سعد: لعلك مسست
مصادر المؤلف (٩)

١. أي جهَةً.

٢. أي قويان.

٣. أي غسل بتلك الحفنة كما صرح به الدارقطني.

٤. وممن ضعفه العلامة الألباني في ضعيف السنن، وممن صححه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه للترمذي، ج ١ ص ٢٧٥، وذكر أن حديث علي الآتي يكون شاهدا له فيصح وسيأتي الكلام على حديث علي بأنه اختلف فيه بالوقف والرفع وصحح الدارقطني فيه الوقف وهو الحق. لما يأتي فلا يكون الموقوف شاهدًا لهذا. فتدبر.

٥. في الاستدلال بهذا الحديث على تقدير صحته نظر لأنه حكايته فعل، وهي ليست نهيا، كما يأتي في كلام ابن خزيمة. فتبصر.

٦. في هذا الكلام نظر لأن الموقوف معناه أنه رأي ومذهب له فكيف يكون مذهب الصحابي حجة على إثبات التحريم، وهذا غير مقبول فإن التشريع بالتحليل والتحريم لا يكون إلا بالنص أو الإجماع. فتأمل.

٧. الخرج بالضم من الأوعية معروف والجمع أخراج، والغرارة بالكسر الجوالق، قاله في اللسان.

٨. لكن في رواية النسائي في هذا الموضع ليس فيها «وأن لا يمس القرآن إلا طاهر» ولعله أراد أصل الحديث. اهـ.

٩. وفي نصب الراية: إسحاق الطباع، فليحرر.