HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٠٥

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ «أَنَّ أُنَاسًا أَوْ رِجَالًا مِنْ عُكْلٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا أَهْلُ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَمَّا صَحُّوا، وَكَانُوا بِنَاحِيَةِ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ، وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ تُرِكُوا فِي الْحَرَّةِ عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى مَاتُوا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص99
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ١٥٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٥ ص١١٦
١٩١ - بَابُ بَوْل مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ٣٠٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ أُنَاسًا أَوْ رِجَالًا مِنْ عُكْلٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلَامِ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَهْلُ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِذَوْدٍ وَرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَمَّا صَحُّوا -وَكَانُوا بِنَاحِيَةِ الْحَرَّةِ- كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهْمِ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ، وَقَطَّعُوا أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ تُرِكُوا فِي الْحَرَّةِ عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى مَاتُوا. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) القَيْسي أبو عبد الله الصَّنعاني ثم البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري ثقة ثبت [٨] تقدم في ٥/ ٥. ٣ - (سعيد) بن أبي عروبة -مهْران- أبو النضر البصري ثقة حافظ من [٦] تقدم في ٣٤/ ٣٨. ٤ - (قتادة) بن دعَامة أبو الخطاب البصري ثقة جليل من رؤوس [٤] تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس بن مالك) أبو حمزة الأنصاري خادم رسول الله - ﷺ - ﵁، تقدم في ٦/ ٦. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته. ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثا. شرح الحديث (أن أنس بن مالك) ﵁ (حدثهم) أي حدث قتادةَ ومن معه (أن أناسا) بضم الهمزة، ويخفف، فيقال: ناس، قال ابن منظور: النَّاسُ قد يكون من الإنس، ومن الجنّ، وأصله أناس، فخفف، ولم يجعلوا الألف واللام فيه عوضا من الهمزة المحذوفة، لأنه لو كان كذلك لما اجتمع مع العوض منه في قول الشاعر: ْإنَّ المَنَايَا يَطَّلِعْـ … ـنَ عَلَى الأُنَاس الامنينَا وقال الفيومي: الناس اسم وضع للجمع كالقوم والرهط، واحده إنسان من غير لفظه، مشتق من نَاس يَنُوس: إذا تدلى وتحرك، فيطلق على الجن والإنس، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس -الآية ٥] ثم فسر الناس بالجن والإنس فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس الآية -٦] وسُمِّيَ الجنُّ ناسًا، كما سُمُّوا رجالا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن الآية ٦] وكانت العرب تقول: رأيت ناسا من الجن، ويُصَّغر الناس على نُوَيس، لكن غلب استعماله في الإنس . (أو رجالا) «أو» للشك من الراوي، والرجال جمع رَجُل، وهو الذكر من الأناسي، وقد جمع قليلا على رَجْلَة، وزَان تَمْرَة، حتى قالوا: لا يوجد جمع على فَعْلَة -بفتح الفاء- إلا رَجْلَةٌ، وكَمْأة، جمع كَمْء، وقيل: كمأة للواحدة، مثل نظيره من أسماء الأجناس، قال ابن السراج: جمع رَجُل على رَجْلَة في القلة استغناء عن أرجال . (من عكل) -بضم العين المهملة، وسكون الكاف، واللام في آخره- وعكل خمس قبائل، وذلك أن عوف بن عبد مناة ولد قيسا، فولد قيس وائلا وعوانة، فولد وائل عوفا وثعلبة، فولد عوف بن وائل الحارث وجُشَما وسعدا وعَليّا وقيسا، وأمهم بنت ذي اللحية، لأنه كان مطائلا لحيته، فحضنتهم أمة سوداء يقال لها: عكل، كذا قاله الكلبي وغيره. ويقال: عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن اُدّ بن طابخة، وزعم السمعاني أنهم بطن من غنم، ورَدَّ ذلك عليه أبو الحسن الجَزَري بأن عكل امرأة من حمير يقال لها: بنت ذي اللحية تزوجها عوف بن قيس بن وائل بن عوف بن عبد مناة بن أدّ، فولدت له سعدا وجشما وعليا، ثم هلكت الحميرية، فحضنت عكل ولدها، وهم من جملة الرَّباب تحالفوا علي بني تميم . ثم إن رواية المصنف هنا بالجزم بأنهم من عكل، وفي الرواية الآتية: «أعراب من عرينة»، وفي رواية للبخاري: «من عكل»، أو«عرينة»، على الشك، وفي رواية: «من عُرَينة» وفي أخرى «من عكل وعرينة» بالعطف. قال الحافظ ﵀: قوله: «من عكل، أو عرينة» الشك من حماد، وللمصنف -يعني البخاري- في المحاربين عن قتيبة، وحماد: «أن رهطا من عكل» أو قال: «من عرينة» ولا أعلمه إلا قال: «من عكل» وله في الجهاد عن وهيب، عن أيوب: «أن رهطا من عكل» ولم يشك، وكذا في المحاربين عن يحيى بن أبي كثير وفي الديات عن أبي رَجَاء، كلاهما عن أبي قلابة، وله في الزكاة عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: «أن ناسا من عرينة» ولم يشك أيضا، وكذا لمسلم من رواية معاوية بن قُرّة، عن أنس، في المغازي عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: «أن ناسا من عكل وعرينة» بالواو العاطفة، وهو الصواب، ويؤيده ما رواه أبو عوانة والطبراني من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة عن أنس، قال: «كانوا أربعة من عُرَينة، وثلاثة من عُكْل» ولا يخالف هذا ما عند المصنف -يعني البخاري- من طريق وُهيب، عن أبي أيوب، وفي الديات من طريق حجاج الصواف عن أبي رجاء، كلاهما عن أبي قلابَةَ، عن أنس: «أن رهطا من عكل ثمانية»، لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين وكان من أتباعهم فلم يُنسَب، وغَفَلَ من نَسَبَ عدتهم ثمانية لرواية أبي يعلى، وهي عند البخاري، وكذا عند مسلم، وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل، وهو غَلَط، بل هما قبيلتان متغايرتان، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان. وعكل بضم المهملة وإسكان الكاف -: قبيلة من تَيْم الرباب، وعرينة- بالعين والراء المهملتين والنون- مصغرا: حي من قُضاعة، وحي من بَجيلَة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وكذا رواه الطبراني من وجه آخر عن أنس. ووقع عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة بإسناد ساقط أنهم من بني فَزَارَة، وهو غلط، لأن بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل، ولا مع عرينة أصلا. وذكر ابن إسحاق في المغازي: أن قد ومهم كان بعد غزوة ذي قَرَد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست، وذكرها البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي: أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد، وابن حبان، وغيرهما. وللبخاري في المحاربين من طريق وهيب، عن أيوب أنهم كانوا في الصُفَّة قبل أن يَطْلُبُوا الخروجَ إلى الإبل . (قَدِمُوا على رسول الله - ﷺ -) من باب تَعبَ، أي أقبلوا عليه، وأتَوْهُ بالمدينة، والجملة في محل رفع خبر «إن» (فتكلموا بالإسلام) أي نطقوا به، وأظهروا أنهم مسلمون (فقالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع) أي أهل مواش ذات ضروع، يقال: ماله زَرعْ ولا ضَرعْ، يعني بالضَّرع الشاة والناقة والضرع لكل ذات ظلْف، أو خُفٍّ، وضرع الناقة والشاة: مَدَرُّ لبنها، والجمع ضروع . وقال الفيومي: الضرع لذات الظلف كالثدي للمرأة، والجمع ضروع مثل فَلْس وفُلُوس . والمراد بالضرع جنسه، وهو كناية عن كونهم معتادين للبن فقط، فلذا قالوا (ولم نكن أهل ريف) بكسر الراء وسكون الياء: الخصب، والسعة في المآكل، جمعه أرْيَاف، ويحتمل أن يكون المعنى إنا أهل بادية، لا أهل مدن، والمعنى متقارب. وقال العلامة ابن منظور في لسانه: الرِّيفُ: الخصب والسعة في المآكل، والجمع أرياف فقط، والرّيف: ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها، والجمع أرياف، ورُيُوف، قال أبو منصور: الرّيفُ: حيث يكون الحَضَر والمياه، والرّيف: أرض فيها زرع وخصْب، ورافت الماشية، أي رَعَت الريفَ، وفي الحديث: «تُفْتَحُ الأريافُ فيخرج إليها الناس» هي جمع ريف، وهو كل أرض فيها زرع ونخل، وقيل: هو ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها، ومنه حديث العُرَنيِّينَ: «كُنَّا أهلَ ضرع، ولم نكن أهل ريف» أي إنَّا من أهل البادية، لا من أهل المدن . (واستوخموا المدينة) أي وجدوها وَخِيمَة، والوَخيمة الأرض الوَبيئَة، وقال السندي: أي استثقلوها، وكرهوا الإقامة بها. انتهى. وقال ابن منظور: واستوخمه: لم يَسْتَمْرئهُ، ولا حَمدَ مَغَبَّتَه، واستوخمت الطعام، وتوخمته: إذا اسْتَوْبَلتَهُ، قال زهير: (من الطويل). قَضَوْا ما قَضَوْا منْ أمْرهمْ ثُمَ أوْرَدُوا … إلى كَلأٍ مُسْتَوبَل مُتَوَخِّمِ ومنه اشتُقَّت التُّخَمَة، وفي حديث العرنيين: «واستوخموا المدينة» أي استثقلوها، ولم يُوافق هواؤها أبدانَهم . ورواية البخاري: «فاجتووا المدينة» قال ابن فارس: اجتويت البدد: إذا كرهت المُقَام فيه، وإن كنت في نعمة، وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة، وقال القَزَّاز: اجتووا، أي لم يوافقْهُمْ طعامها، وقال ابن العربي: الجوَىَ: داء يأخذ من الوَبَاء. وللبخاري في الطب من رواية ثابت عن أنس: «أن ناسًا كان بهم سقم، قالوا: يا رسول الله آوِنَا وأطْعمنَا، فلما صَحُّوا قالوا: إنَّ المدينة وَخْمَةٌ» والظاهر أنهم قَدموا سِقَامًا، فلما صَحُّوا من السقم كرهوا الإقامة بالمدينة لوَخْمهَا، فأما السقم الذي كان بهم فهو الهُزَال الشديد والجهد من الجوع، فعند أبي عوانة من رواية غَيْلان، عن أنس: «كان بهم هُزَال شديد» وعنده من رواية أبي سعيد عنه «مُصْفَرَّة ألْوَانُهُم». والوخم الذي شَكَوا منه بعد أن صحت أجسامهم فهو من حمى المدينة، كما عند أحمد من رواية حميد، عن أنس، ووقع عند مسلم من رواية معاوية بن قُرَّة، عن أنس: «وقع بالمدينة الْمُوم -أي بضم الميم وسكون الواو- قال: وهو البِرْسَام، أي بكسر الموحدة سُرياني مُعرَّب أطلق على اختلال العقل، وعلى وَرَم الرأس، وعلى وَرَم الصدر، والمراد هنا الأخير، فعند أبي عوانة من رواية همام، عن قتادة، عن أنس هذه القصة:»فَعَظُمَت بُطُونُهم«، أفاده الحافظ . (فأمر لهم رسول الله - ﷺ -) يحتمل أن تكون اللام زائدة، أو للتعليل، أو لشبه الملك، أو للاختصاص، وليست للتمليك، قاله في الفتح والعمدة . قال الجامع: الظاهر أنها للتعليل، أي أمر لأجلهم بذَود وراع حتى يخرج ذلك الراعي بتلك الذود إلى الصحراء، فيتبعوه ويُوَضِّحُ هذا المعنى قولُهُ:«وأمرهم أن يخرجوا فيها» أي مع تلك الذود (بذود) -بفتح الذال المعجمة، وإسكان الواو آخره دال- اسم للقطيع من الإبل من الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة، وقيل: إلى عشرين، وفُوَيقَ ذلك، وقيل: ما بين الثلاث إلى الثلاثين، وقيل: ما بين الثنتين والتسع، ولا يكون إلا من الإناث دون الذكور. قال ابن سيده: الذود مؤنث، وتصغيره بغير هاء على غير قياس، تَوَهَّمُوا به المصدر، قال اللغويون: الذَّوَدُ جمع لا واحد له من لفظه كالنّعَم، وقال بعضهم: الذود واحد، وجمع . (وراع) اسم فاعل من رَعَيْتُ الماشيةَ، يقال: رَعَت الماشية تَرْعى رَعْيًا، فهي راعية: إذا سَرَحَتْ بنفسها، وَرَعَيْتُهَا أرعاها، يستعمل لازمًا ومتعديا، والفاعل رَاع، والجمع رُعاة -بالضم- مثل قاض وقضاة، وقيل أيضا: رعاء بالكسر والمد، ورُعْيان بالضم مثل رُغْفان . وفي الرواية الآتية: «فبعث بهم رسول الله - ﷺ - إلى لقاح ..» وعند البخاري: «فأمرهم بلقاح» وله في رواية: «فأمرهم أن يلحقوا براعيه وفي رواية:»فأمر لهم بلقاح«وعند أبي عوانة من رواية أخرج مسلم إسنادها»أنهم بدأوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: يا رسول الله قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل«وفي رواية للبخاري»أنهم قالوا: يا رسول الله أبْغنا رسْلا«أي اطلب لنا لَبَنًا»قال: ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود«وفي رواية:»هذه نَعَمٌ لنا تخرج فأخرجوا فيها«. قال الحافظ ﵀: وظاهر ما مضى أن اللقاح كانت للنبي - ﷺ -، وصرح -أي البخاري- بذلك في المحاربين عن موسى، عن وهيب بسنده فقال:«إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله - ﷺ -»وله فيه من رواية الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، بسنده:«فأمرهم أن يأتوا إبلَ الصدقة»وكذا في الزكاة من طريق شعبة، عن قتادة، قال الحافظ: والجمع بينها أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبي - ﷺ - بلقاحه إلى المرعى طلبَ هؤلاء النفر الخروجَ إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصْدَاق قوله - ﷺ -:«إن المدينة تنفي خبثها». وذكر ابن سعد أن عدد لقاحه - ﷺ - كانت خمس عشرة، وأنهم نَحَرُوا منها واحدة يقال لها الحِنَّاء، وهو في ذلك متابع للواقدي، وقد ذكره الواقدي في المغازي بإسناد ضعيف مرسل . (وأمرهم أن يخرجوا فيها) أي مع تلك الذود (فيشربوا من ألبانها وأبوالها) عطف على يخرجوا، أي أمرهم بالخروج والشرب من ألبانها وأبوالها، وفي رواية للبخاري:«فأخرجوا فاشربوا من ألبانها وأبوالها»بصيغة الأمر، وفي رواية:«فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا» فأما شربهم ألبان الصدقة، فلأنهم من أبناء السبيل، وأما شربهم من لبن لقاح النبي - ﷺ -، فلإنه أذنَ لهم، وأما شربهم من أبوالها، فقد احتج به من قال بطهارة بول مأكول اللحم، أما من الإبل فلهذا الحديث، وأما سائر المأكول فبالقياس عليه، وهو الذي ذهب إليه المصنف، وهو مذهب مالك، وأحمد، وطائفة من السلف، وبه يقول ابن خزيمة، وابن النذر، وابن حبان، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل آخر الباب إن شاء الله تعالى. (فلما صحوا) الفاء عاطفة على محذوف، أي فخرجوا، فشربوا حتى صحوا، فلما صحوا الخ، وفي رواية أبي رجاء عند البخاري: «فانطلقوا فشربوا من ألبانها، وأبوالها، فلما صَحُّوا» وفي رواية وهيب «وسَمِنُوا»، وفي رواية الإسماعيلي من رواية ثابت «ورجعت إليهم ألوانهم». قال الفيومي: الصحة في البدن: حالة طبيعية تجَري أفعالُه معها على المَجْرَى الطبيعي، وقد استُعيرت الصحة للمعاني، فقيل: صحت الصلاةُ: إذا أسقَطَت القضاءَ، وصحَّ العقدُ: إذا ترتب عليه أثره، وصح القول: إذا طابق الواقعَ، وصح الشيءُ يصح من باب ضرب، فهو صحيح، والجمع صِحاح، مثل كَريم وكرام، والصَّحاح بالفتح في اللغة الصحيح. اهـ . (وكانوا بناحية الحَرَّة) أي كان هؤلاء الناس بجهة الحرة، والجملة إما اعتراضية، وإما استئنافية، سيقت لبيان مكانهم الذي أوقعوا فيه هذا الحَدَثَ، ويحتمل كونها حالية، والناحية: الجانب، فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنك نَحَوْتها، أي قصدتها، قاله الفيومي. والحرة -بفتح الحاء- أرض ذات حجارة سود، والجمع حِرَار، مثل كَلْبَة وكلَاب. وقال ابن منظور: والحَرَّة أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كبيرة، كانت بها وقعة. وفي حديث جابر: «فكانت زيادة رسول الله - ﷺ - معي، لا تفارقني حتى ذهبت مني يوم الحرة» .. قال ابن الأثير: قد تكرر ذكر الحرة ويومها في الحديث، وهو مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية، لما انتهبَ المدينةَ عسكرُه من أهل الشام الذين نَدَبَهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين، وأمَّرَ عليهم مُسلم بن عُقبة المُرِّيّ في ذي الحجة سنة [٦٣] وعَقِبَهَا هَلَكَ يزيد. انتهى . ثم إن المدينة بين حرتين: إحداهما: حرة وَاقم، وهي الشرقية، سُميت باسم رجل من العَمَاليق نَزَلها في الدهر الأول، وقيل: باسم أُطُم من آطام المدينة، وهذه الحرة هي موضع الوقعة المتقدمة. والثانية: حرة الوَبَرَة -بفتحات وقيل: يسكن باؤها- وهي تقع غربي المدينة، وهي كما قال ياقوت في معجم البلدان: على ثلاثة أميال من المدينة . والأكثرون على أن هاتين الحرتين هما الَّلَابَتان المذكورتان في تحديد حرم المدينة، ثم إنه لم يبين أيَّ الحرتين أراد هنا في قوله: وكانوا بناحية الحرة، ومال بعضهم إلى أن الأولى هي المرادة هنا، ولكن ما ذكر دليلا على ذلك والله أعلم. (كفروا بعد إسلامهم) جواب «لماّ» أي ارتدوا عن الإسلام الذي أظهروه (وقتلوا راعي النبي - ﷺ -) اسمه يَسار، بياء تحتانية، ثم مهملة خفيفة، كذا ذكر ابن إسحاق في المغازي، ورواه الطبراني موصولا من حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صالح، قال: «كان للنبي - ﷺ - غلام، يقال له يسار» زاد ابن إسحاق «أصابه في غزوة بني ثَعلَبة» قال سلمة: «فرآه يُحسِنُ الصلاةَ، فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها» فذكر قصة العُرَنيين وأنهم قتلوه. وعند أبي عوانة في صحيحه من رواية معاوية بن قُرَّة، عن أنس، وقد أخرج مسلم إسنادها: «فقتلوا أحد الرَّاعيين، وجاء الآخر قد جزعَ، فقال: قد قَتَلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل». قال الحافظ: ولم أقف على تسمية الراعي الآخر بالخبر، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة، قال: ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي - ﷺ -، وفي ذكره بالإفراد، وكذا لمسلم، لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: «ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم» بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد، عن أنس، فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رُعاة، فقُتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرُّواة على راعي النبي - ﷺ -، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع، قال الحافظ: وهذا أرجح لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار . (واستاقوا الذَّود) استاقوا: من الاستياق، افتعال من السَّوْق، يقال: ساق الدابة وغيرها: إذا حثها من خلفها على السير. وقال المجد: وساق الماشية سَوْقا، وسياقة، ومَسَاقا، واستاقها، فهو سائق وسَوَّاق . وقال في الفتح: قوله: «واستاقوا النعم»: من السوق، وهو السير العَنيف. قال الجامع: هذا تفسير غير واضح، ولم يذكره أهل اللغة، فيما أظن فليتأمل. (فبلغ النبي - ﷺ -) أي خبرهم وفعلهم هذا، ففاعل «بلغ» ضمير يعود إلى ما ذكر من فعلهم، وعند البخاري: «فجاء الخبر في أول النهار» وفي رواية «فجاء الصَّريخُ» وهو فعيل بمعنى فاعل، أي الصَّارخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذَا الصارخ، كما مرَّ آنفا أحد الراعيين (فبعث) أي أرسل - ﷺ - (الطَّلبَ) بفتحتين جمع طالب، لأنه يجمع على طُلَّب وطُلاّب، وطَلَبَة، وطَلَب، يقال: طَلَبَهُ طَلَبًا مُحرَّكًةً، وتَطَلَّبَهُ، واطَّلَبَهُ كافتعله: حَاولَ وُجوده وأخْذَه، قاله المجد . أي جماعة يطلبونهم (في آثارهم) أي بعدهم، يقال: خرج في إثره -بكسر فسكون، وأثره، بفتحتين-: أي بَعْدَه، قاله المجد، وفي حديث سلمة بن الأكوع: «خيلا من المسلمين أميرهم كُرْزُ بن جابر الفهري» وكذا ذكره ابن إسحاق، والأكثرون، وهو بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي، وللنسائي من رواية الأوزاعي: «فبعث في طلبهم قَافَةً» أي جمع قائف، ولمسلم من رواية معاوية بن قرة، عن أنس: أنهم شباب من الأنصار، قريب من عشرين رجلا، وبعث معهم قائفا يقتص آثارهم، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا القائف، ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقدي: أن السرية كانت عشرين رجلا، ولم يقل: من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين منهم: بُريدة بن الحُصيب، وسلمةُ بن الأكوع الأسلميان، وجُندَبُ، ورافع ابنا مكَيث الجُهَنيَّان، وأبو ذر وأبو رُهم الغفاريان، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، وغيرهم. والواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف، لكن يحتمل أن يكون من لم يسمه الواقدي من الأنصار، فأطلق الأنصار تغليبا، أو قيل للجميع: أنصار بالمعنى الأعم. وفي مغازي موسى بن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء، والذي ذكره غيره أنه: سعد -بسكون العين- بن زيد الأشهلي، وهذا أيضا أنصاري، فيحتمل أنه كان رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة. وروى الطبراني وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي - ﷺ - بَعَثه في آثارهم، لكن إسناده ضعيف، والمعروف أن جريرا تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة . (فَأُتي بهم) بالبناء للمفعول، والفاء عاطفة على محذوف، أي طلبوهم فأدركوا، فأتيَ بهم، وعند البخاري: «فلمَّا ارتفع النهار جيء بهم». (فسمروا أعينهم) بتشديد الميم وتخفيفها- علي بناء الفعل للفاعل، والضمير للصحابة، أي كَحَلُوها بمسامير مُحمَاة، والفعل من باب قتل. قال الحافظ: ولم تختلف روايات البخاري في أنه بالراء، ووقع لمسلم من رواية عبد العزيز: «وسَمَلَ» بالتخفيف واللام، قال الخطابي: السَّمَلُ: فَقْءُ العين بأي شيء كان، قال أبو ذؤيب الهُذلي (من الكامل): والعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأنَّ حِدَاقَهَا … سُمِلَتْ بشَوك فَهْيَ عُوْرٌ تَدْمَعُ قال: والسَّمْر: لغة في السمْل، ومخارجهما متقاربان، قال: وقد يكون من المسمار، يريد أنهم كُحلُوا بأميال قد أُحْميَت، قال الحافظ: وقد وقع التصريح بالمراد عند البخاري من رواية وهيب، عن أيوب، ومن رواية الأوزاعي، عن يحيى، كلاهما عن أبي قلابة، ولفظه: «ثم أمَرَ بمسَامير، فَأُحْميَتْ، فَكَحَلَهم بها»، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف ذلك رواية «السمل» لأنه فقء العين بأي شيء كان كما مضى. انتهى وقال ابن منظور: وسمر عينه كَسَمَلَها، وفي حديث الرهط العُرَنييّن الذين قَدمَوا المدينةَ، فأسلموا ثم ارتدوا، فسَمَرَ النبي - ﷺ - أعينهم«ويروى»سَمَلَ«فمن رواه باللام فمعناه: فقأها بشوك، أو غيره، وقوله:«سمر أعينهم»أي أحمى لها مسامير الحديد ثم كحلها بها« (وقطعوا أيديهم وأرجلهم) قال الداودي: يعني قَطَعَ يدي كل واحد ورجليه. قال الحافظ: تَرُدُّه رواية الترمذي: «من خلاف» وللبخاري من رواية الأوزاعي أيضا: «ولم يَحْسمْهُم» أي: لم يَكْو ما قطع منهم بالنار، لينقطع الدم، بل تركه يَنْزف (ثم تُركُوا في الحرة) بالبناء للمفعول، أي تركهم الناس، وإنما تُركُوا في الحرة، لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا (على حالهم) أي مقطعة أيديهم وأرجلهم (حتى ماتوا) على تلك الحال، وعند البخاري: «فألقوا في الحرة يَسْتَسْقُون فلا يُسقَون» وفي رواية: «ثم نَبَذَهم في الشمس حتى ماتوا» وفي رواية: «يَعَضُّون الحجارة»، وفي رواية، قال أنس: «فرأيت الرجل منهم يَكْدمُ الأرض بلسانه حتى يموت»، ولأبي عوانة: «يعضُّ الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة». وزعم الواقدي أنهم صُلبُوا، قال الحافظ: والروايات الصحيحة ترده لكن عند أبي عوانة من رواية أبي عقيل عن أنس: «فَصَلَب اثنين، وقَطَع اثنين، وسمل اثنين» كذا ذكر ستة فقط فإن كان محفوظا، فعقوبتهم كانت مُوَزَّعَةً. ومال جماعة منهم ابن الجوزي إلى أن ذلك وقع على سبيل القصاص لما عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: «إنما سَمَلَ النبي - ﷺ - أعينهم لأنهم سملوا أعين الرُّعُاة» قال الحافظ: وقصر من اقتصر في عزوه للترمذي والنسائي. وتَعَقَّبَ ابنُ دقيق العيد ما قاله ابن الجوزي وغيره بأن المثلة في حقهم وقعت من جهات وليس في الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت البقية. قال الحافظ: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي أنهم مثلوا بالراعي. وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، قال ابن شاهين عقيب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة، وتعقبه ابن الجوزي: بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ. قال الحافظ: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة، وقد حضر الإذن، ثم النهي. وروى قتادة عن ابن سيرين: أن قصتهم كانت قبل أن تُنزَلَ الحدود، ولموسى بن عقبة في المغازي: وذكروا أن النبي - ﷺ - نُهي بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي مال إليه البخاري، ونقل عن الشافعي هو الواضح الراجح، لوضوح دليله، كما قرره الحافظ ﵀ آنفًا. والله أعلم. تنبيه: قد استشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أنّ من وجب عليه القتل فاستسقى لا يُمنَعُ، وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي - ﷺ - ولا وقع منه نهي عن سقيهم. قال الحافظ: وهو ضعيف جدّا، لأن النبي - ﷺ - اطلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم. وأجاب النووي بأن المُحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء، ولا في غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم، بل يستعمله، ولو مات المرتد عطشا. وقال الخطابي: إنما فعل النبي - ﷺ - بهم ذلك، لأنه أراد بهم الموت بذلك، وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم، ولأن النبي - ﷺ - دعا بالعطش على من عَطَّشَ آل بيته، في قصة رواها النسائي، فيحتمل أن يكونوا في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يُرَاح به إلى النبي - ﷺ - من لقاحه في كل ليلة، كما ذكر ذلك ابن سعد. والله أعلم . قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر عندي رأي القاضي عياض ﵀، وما رد به الحافظ بأنه - ﷺ - اطلع عليه غير واضح لعدم ذكر دليل صريح فيه، بل هو مجرد احتمال، وكذا ما أجاب به النووي، والخطابي وغيره فليس عليها دليل صريح يُعْتَمدُ عليه، وأما الاستدلال بدعائه - ﷺ - على من عَطَّش آل بيته فليس دليلا لما نحن فيه، كما لا يخفى على من تأمله. فَتَبَصَّر. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا -١٩١/ ٣٠٥ - والكبرى -١٧١/ ٢٩٤ - بالسند المذكور. وفي ٣٠٦ - والكبرى ٢٩٥ - بالسند الآتى، وفي الكبرى في الحدود، وفي الطب أيضا عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁، وفي المحاربة عن أبي موسى، عن عبد الأعلى به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن أنس. وفي الطب، وفي المغازي عن عبد الأعلي بن حماد، عن يزيد بن زريع عنه. وفي الجهاد عن بُندار عن ابن أبي عدّي، وسهل بن يوسف. قال: وتابعه معاذ بن معاذ، وعبد الأعلى كلهم عنه به. وأخرجه (م) في الحدود عن أبي موسى، عن عبد الأعلي بن عبد الأعلى به. وأخرجه (خ م د) من حديث أبي قلابة عن أنس، وأخرجه (ت ق) وابن خزيمة، والدارقطني، وابن حبان، وأحمد. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: طهارة بول الإبل، وكذا كل ما يؤكل لحمه، وهو الذي أراده لمصنف بإيراده هنا، إذ إذنه - ﷺ - في شرب أبوال الإبل لقوم حديثي عهد بالإسلام، جاهلين بالأحكام، مع عدم أمرهم بغسل أفواههم، وما يصيبهم منها للصلاة مع اعتيادهم شربها دليل على طهارتها، ويقاس عليها غيرها من مأكول اللحم، وسيأتي تحقيق ما قاله أهل العلم في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز التَّطبُّب بكل ما يُلائم البدن إذا كان طاهرا. ومنها: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء، فإنه - ﷺ - بعث في طلبهم لمَّا بلغه فعلهم بالرعاة. قال البدر العيني ﵀: واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار فنفاه أبو حنيفة، وأثبته مالك، والشافعي. ومنها: شرعية المماثلة في القصاص. ومنها: جواز عقوبة المحاربين وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ..﴾ [المائدة: الآية ٣٣]، وهل كلمة «أو» فيها للتخيير، أو للتنويع، قولان. ومنها: قتل المرتد من غير استتابة، وفي كونها واجبة، أو مستحبة خلاف مشهور، وقيل: هؤلاء حاربوا، والمرتد إذا حارب لا يستتاب، لأنه يجب قتله، فلا معنى للاستتابة. ومنها: نظر الإمام في مصالح الوفد الذين يَقدَمون إليه، ومراعاة أحوالهم بما يصلح لهم من طعام أو شراب، أو غيره. وبالله التوفيق، وعليه التكلان . المسألة الخامسة: في مذاهب أهل العلم في بول ما يؤكل لحمه: ذهب بعضهم إلى القول بطهارته، وهو الراجح كما يأتي قريبا، قال الشوكاني: وهو مذهب العترة، والنخعي، والأوزاعي، والزهري، ومالك، وأحمد، ومحمد، وزفر، وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية: ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، والاصطخري، والروياني. أما في الإبل فبالنص، وأما في غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس. قال ابن المنذر: ومن زَعَمَ أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يُصب، إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد ذلك تقرير أهل العلم لمن يبيع أبعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم، ويويده أيضا: أن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة، واعترض الحافظ على ابن المنذر في استدلاله بترك من يبيع الأبعار، بأنه استدلال ضعيف، لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلا عن طهارته. وفي استدلاله باستعمال أبوال الإبل في أدويتهم بأنه حالة ضرورية، وما أبيح للضرورة لا يُسَمَّى حراما وقت تناوله، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام الآية -١١٩]. قال الجامع: في هذا القول نظر، لأن التداوي بالمحرم ممنوع، لما سيأتي قريبا. ومن أدلة القائلين بالطهارة: حديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم، رواه أحمد، والترمذي، وصححه. وأما الجواب عنه بأنه معلل بأنها لا تؤذي كالإبل، ولا دلالة فيه على جواز المباشرة، وإلا لزم نجاسة أبوال الإبل وبعرها للنهي عن الصلاة في مباركها. يُرَدُّ بأن الصلاة في مرابض الغنم تستلزم المباشرة لآثار الخارج منها، والتعليل بكونها لا تؤذي أمر وراء ذلك، والتعليل عن الصلاة في معاطن الإبل بأنها تؤذي المصلي يدل على أن ذلك هو المانع، لا ما كان في المعاطن من الأبوال والبعر. وأما استدلال على الطهارة بحديث: «لا بأس ببول ما أكل لحمه» رواه الدارقطني من حديث جابر، والبراء، مرفوعا فمردود بكونه غير ثابت؛ لأن في إسناده عمرو بن الحصين العقيلي، وهو وَاه جدّا، قال أبو حاتم: ذاهب الحديث ليس بشيء، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال الأزدي: ضعيف جدا، وقال ابن عدي: حَدَّث عن الثقات بغير حديث منكر، وهو متروك، وفي إسناده أيضا يحيى بن العلاء أبو عمر البجلي الرازي، قد ضعفوه جدّا، قاله الدارقطني، وكان وكيع شديد العمل عليه، وقال أحمد: كَذَّاب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال النسائي والأزدي: متروك. واحتجوا أيضا بما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، من حديث عمر في قصة عطشهم في بعض المغازي، قال: «حتى إن كان الرجل ليلتمس الماء، حتى إنه لينحر بعيره، فيَعْصرُ فَرْثَه، فيشربه ويجعل ما بقي على كبده». قال ابن خزيمة ﵀: فلو كان ماء الفرث إذا عُصر نجسا، لم يجز للمرء أن يجعل على كبده فينجس بعض بدنه، وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه، فأما شرب الماء النجس عند خوف التلف إن لم يشرب ذلك الماء، فجائز إحياءُ النفس بشرب ماء نجس، إذ الله ﷿ قد أباح عند الاضطرار إحياء النفس بأكل الميتة، والدم ولحم الخنزير، إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك، والميتةُ، والدم، ولحم الخنزير نجس محرم على المستغني عنه، مباح للمضطر إليه لإحياء النفس بأكله، فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيى نفسه بشرب ماء نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه. فأما أن يجعل ماء نجسا على بعض بدنه، والعلم محيط بأنه لم يجعل ذلك الماء النجس على بدنه لم يخف التلف على نفسه، ولا كان في إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه بذلك ولا عنده ماء طاهر يغسل ما نَجَّس من بدنه بذلك الماء، فهذا غير جائز ولا واسع لأحد فعله، انتهى كلام ابن خزيمة . واحتجوا أيضا بحديث: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» عند مسلم والترمذي، وأبي داود من حديث وائل بن حجر، وابن حبان، والبيهقي، من حديث أم سلمة، وعند الترمذي، وأبي داود من حديث أبي هريرة بلفظ: «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن كل دواء خبيث». والتحريم يستلزم النجاسة، والتحليل يستلزم الطهارة، فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال الإبل وما يلحق بها طاهر. قال الجامع: في قوله: والتحريم يستلزم النجاسة .. الخ في محل وعزاه إلى الدولابي عن أبي الدرداء مرفرعا بلفظ «إن الله خلق الداء والدواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام» قال: وإسناده حسن. ومن حديث أم سلمة بلفظ «إن الله لم يجعل في حرام شفاء» وقال: أخرجه أحمد في الأشربة، وابن أبي الدنيا في ذم المسكر، وأبو يعلى وابن حبان، وقال: إسناد رجاله كلهم ثقات، غير حسان بن مخارق فهو مستور. اهـ الصحيحة جـ ٤ ص ١٧٤ - ١٧٥. منع، فإن السم محرم، ولا يقال إنه نجس. وأجاب القائلون بالنجاسة عن الاستدلال بهذا الحديث بأنه محمول على حالة الاختيار، وأما في الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والإذن بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة، وإن كان خبيثا حراما، ولو سلم فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل، فيكون خاصا بها، ولا يجوز إلحاق غيره به لما ثبت من حديث ابن عباس مرفوعا: «إن في أبوال الإبل شفاء للذَّرَبة بطونهم». والذَّرَب: فساد المَعدَة. فلا يقاس ما ثبت فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، على أن حديث تحريم التداوي بالحرام في جواب من سأل عن التداوي بالخمر، كما في صحيح مسلم وغيره، ولا يجوز إلحاق غير المسكر به من سائر النجاسات، لأن شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف ذلك، هكذا أجاب الحافظ في الفتح عن الاستدلال بهذا الحديث. ورد عليه بأنه قصر للعام على السبب بدون مُوجب، والمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب. ومن العجيب أنه استدل لمن قال بالنجاسة بحديث: «كان لا يستنزه من البول» فقال: إن هذا عام لا يخص منه أبوال الإبل، فلمَ لا يقول هنا: إن حديث: «لم يجعل الله شفاءكم ..» الخ عام لا يخص منه التداوي بأبوال الإبل، فتبصر. وذهب بعضهم إلى القول بنجاسة جميع الأبوال والأزبال، وبه يقول الشافعية والحنفية، ونسبه في الفتح إلى الجمهور، ورواه ابن حزم في المُحَلَّى عن جماعة من السلف. واحتج هؤلاء بحديث ابن عباس ﵄ المتفق عليه: «أنه - ﷺ - مَرَّ بقبرين، فقال: إنهم ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول ..» الحديث، قالوا: يعم جنس البول، ولم يخصه ببول الإنسان، ولا أخرج عنه بول المأكول، وهذا غاية ما تمسكوا به. وأجيب عنه بأن المراد بول الإنسان، لما في صحيح البخاري بلفظ: «كان لا يستنزه من بوله» قال البخاري: ولم يذكر سوى بول الناس، فالتعريف في البول للعهد. قال ابن بطال: أراد البخاري أن المراد بقوله: «كان لا يستنزه من البول» بول الإنسان، لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، قال في الفتح: ومحصل الرد أن العموم في رواية من «البول» أريد به الخصوص لقوله: «من بوله» أو الألف والسلام بدل من الضمير. انتهى. قال العلامة الشوكاني ﵀ بعد ذكر ما تقدم ما نصه: والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه، تمسكا بالأصل، واستصحابا للبراءة الأصلية، والنجاسةُ حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصلُ والبراءةُ، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنها، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا كذلك، وغاية ما جاءوا به حديث صاحبي القبرين، وهو مع كونه مرادًا به الخصوص كما سلف عموم ظني الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف فإن قلت: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبْله لما تقدم حتى يرد دليل، فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول وزبله على العموم؟ قلت: قد تمسكوا بحديث: «إنها ركس» قاله - ﷺ - في الروثة، أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وبما تقدم في بول الآدمي، وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل، وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل، وهو منتقض بالقول بنجاسة زبل الجلاّلة، والدفعُ بأن العلة في زبل الجلاّلة هو الاستقذار منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر كالطاهر إذا صار منتنا، إلا أن يقال: إن زبل الجلالة هو محكوم بنجاسته لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جَلَّتها الدابة لعدم الاستحالة التامة. وأما الاستدلال بمفهوم حديث: «لا بأس ببول ما يؤكل لحمه» المتقدم، فغير صالح لما تقدم من ضعفه الذي لا يصلح معه للاستدلال به حتى قال ابن حزم: إنه خبر باطل موضوع، قال: لأن في رجاله سَوَّار ابن مصعب، وهو متروك عند جميع أهل النقل، متفق على ترك الرواية عنه يروي الموضوعات. فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي وزبله، والروثة. وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير، ولكنه زاد ابن خزيمة: «إنها ركس، إنها روثة حمار». وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فإن وَجَدْتَ في بول بعضها أو زبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارة أو نجاسة ألحقته، وإن لم تجد فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة، كما عرفت. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: حاصل كلام الشوكاني ﵀ أنه لا
مصادر المؤلف (٢٨)

١. لسان جـ ٦ ص ٤٥٧٥.

٢. المصباح جـ ٢ ص ٦٣٠.

٣. المصباح جـ ١ ص ٢٢٠.

٤. عمدة القاري جـ ٣ ص ١٥٢.

٥. فتح جـ ١ ص ٤٠٢.

٦. لسان جـ ٤ ص ٢٥٨٠.

٧. المصباح جـ ٢ ص ٣٦١.

٨. لسان جـ ٣ ص ١٧٩٤.

٩. لسان جـ ٦ ص ٤٧٩١.

١٠. فتح جـ ١ ص ٤٠٣.

١١. فتح جـ ١ ص ٤٠٣، عمدة القاري جـ ٣ ص ١٥٣.

١٢. لسان.

١٣. المصباح.

١٤. فتح جـ ١ ص ٤٠٣.

١٥. المصباح.

١٦. لسان.

١٧. معجم البلدان جـ ٢ ص ٢٤٩ - ٢٥٠.

١٨. فتح جـ ١ ص ٤٠٥.

١٩. ق.

٢٠. ق.

٢١. فتح جـ ١ ص ٤٠٥.

٢٢. فتح جـ ١ ص ٤٠٦.

٢٣. لسان جـ ٣ ص ٢٠٩١.

٢٤. فتح جـ ١ ص ٤٠٦ - ٤٠٧.

٢٥. أفاد هذه الفوائد في عمدة القاري جـ ٣ ص ١٥٥.

٢٦. صحيح ابن خزيمة جـ ١ ص ٥٣ - ٥٤.

٢٧. هكذا عزاه الشوكانى إلى مسلم، والترمذي، وأبى داود،، ولا أراه صحيحا، وقد عز الشيخ الألباني موقوفا على ابن مسعود إلى أحمد، والطبراني في الكبير، قال: وإسناده صحيح، قال: وعلقه البخاري بصيغة الجزم، وصححه الحافظ ابن حجر.

٢٨. نيل الأوطار جـ ١ ص ٨٣ - ٨٦.