مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ أخرجه البخاري ﵀.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، أخرجه هنا -١٩٣/ ٣٠٨ - والكبرى -١٧٣/ ٢٩٧ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: في ذكر من أخرجه معه: أخرجه (خ) في الصلاة عن قتيبة، عن إسماعيل بسند المصنف، وسيأتي ذكر الفوائد في الحديث التالي إن شاء الله تعالى.
٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مِهْرَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَإِلاَّ». فَبَزَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - هَكَذَا فِي ثَوْبِهِ وَدَلَكَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن بشار) أبو بكر بُندار بصري ثقة ثبت من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمَّد) بن جعفر غُندر البصري ثقة من [٩] تقدم في ٢١/ ٢٢
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الإمام العلم الحجة الثبت من [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (القاسم بن مهران) القيسي، مولى بني قيس بن ثعلبة، خال هشيم صدوق -٦ - .
روى عن أبي رافع الصائغ، وعنه شعبة، وعبد الوارث، وهشيم، وعبد الله بن دكين، وإسماعيل بن علية، قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، له في (م س ق) حديث أبي هريرة في النهي عن التنخم في المسجد .
٥ - (أبو رافع) الصائغ نُفيع المدني نزيل البصرة ثقة ثبت مشهور بكنيته من [٢] تقدم في ١٢٩/ ١٩١.
٦ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى ٥٣٧٤ حديثا، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي - ﷺ -) أنه قال (إذا صلى أحدكم) أي دخل في الصلاة (فلا يبزقن بين يديه) زاد في رواية البخاري «فإن الله قبل وجهه» وفي رواية «فإنما يناجي الله، ما دام في مصلاه» فبين سبب النهي (ولا) يبزقن أيضا (عن يمينه) وبَيَّنَ سبب النهي أيضا في رواية البخاري، فزاد: «فإن عن يمينه ملكا».
قال الحافظ ﵀: ظاهره اختصاصه بحالة الصلاة، فإن قلنا: المراد بالملك الكاتب، فقد يُسْتَشكَلُ اختصاصه بالمنع، مع أن عن يساره ملكا آخر، وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفا له وتكريما، هكذا قال جماعة من القدماء، ولا يخفى ما فيه.
وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أمُّ الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة من حديث حذيفة ﵁ موقوفا في هذا الحديث، قال: «ولا عن يمينه فإن عن يمينه كاتبَ الحسنات»، وفي الطبراني من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: «فإنه يقوم بين يدي الله، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره» اهـ، فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو يتحول في الصلاة إلى اليمين .
(ولكن) يبزق (عن يساره أو تحت قدمه) أي اليسرى، كما جاء التصريح به عند البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه: أن رسول الله - ﷺ - رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحكها، فقال: «إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، ولْيَبْصُق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى».
وعنده أيضا من طريق همام عن أبي هريرة زيادة: «فَيَدْفنُها».
(وإلا) أي وإن لم يفعل ذلك، وجواب إن محذوف لدلالة ما بعده عليه، تقديره: فليفعل كما فعل النبي - ﷺ - (فـ) ـقد (بزق النبي - ﷺ - هكذا في ثوبه ودلكه) جملة «فبزق» بيان للجواب المقدر، أي بصق - ﷺ - في ثوبه،
ثم ردَّ بعضه إلى بعض، ودلكه، ليزول أثره، وذلك للتعليم، لأن التعليم بالفعل أبلغ منه بالقول، وأوقع في النفس.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا - ١٩٣/ ٣٠٩ - والكبرى -١٧٣/ ٢٩٨ - وبالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الصلاة عن أبي بكر ابن أبي شيبة، وزُهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل بن عُلَيَّة، وعن شيبان بن فروخ، عن عبد الوارث، وعن يحيى بن يحيى، عن هشيم، وعن محمَّد بن المثنى، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة، أربعتهم عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه (ق) في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة بالسند المذكور.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم البزاق:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن البزاق طاهر لأحاديث الباب، وخالف في ذلك سلمان الفارسي ﵁، وإبراهيم النخعي، ولا ندري مستندهم في ذلك، فالراجح هو مذهب الجمهور، لوضوح
دليله، والله أعلم.
المسألة الخامسة: في فوائده:
منها: طهارة البزاق، وهو غرض المصنف بإيراده هنا.
ومنها: النهي عن البزاق في القبلة، والتعليلُ بكون الله قبَلَ وجهه يقتضي التحريم. قال في الفتح: وهذ التعليل يدل على أن البزاق في
القبلة حرام سواء كان في المسجد، أم لا، ولا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه، أو للتحريم، وفي صحيح ابن خزيمة، وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعا: «من تَفَلَ تجاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُه بين عينيه»، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعا: «يُبعثُ صاحبُ النخامة في القبلة، وهي في وجهه»، ولأبي داود، وابن حبان من حديث السائب بن خلاد: «أن رجلا أمَّ قوما فبصق في القبلة، فلما فرغ، قال رسول الله - ﷺ -:»لا يصلي لكم«الحديث، وفيه أنه قال له:»إنك آذيت الله ورسوله«. فتح جـ ١ ص ٦٠٦.
ومنها: أن فيه جواز التفل للمصلي، وأنه لا ينافي الصلاة.
ومنها: استعمال الأدب في الصلاة والمسجد؛ لأن البزاق وإن كان طاهرا، غير أنه من المستقذرات عادة، فلا ينبغي أن يُبزقَ في مثل هذه الحالة، ومثله أمام الناس لئلا يتأذوا به.
ومنها: أنه يستدل به على جواز استعمال المنديل للبزاق ونحوه. والله أعلم.»إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب«.
١٩٤ - بَابُ بَدْءِ التَّيَمُّمِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ابتداء مشروعية التيمم.
التيمم: مصدر تَيَمَّمَ تَيَمُّما، من باب التفعُّل، وأصله من الأَمِّ، وهو القصد، يقال: أمَّهُ يؤُمُّه أَمّا: إذا قصده، وذكر أبو محمَّد في الكتاب الواعي، يقال: أمَّ، وتأمّمَ، ويمَّمَ وتيمم بمعنى واحد، والتيمم أصله من ذلك، لأنه يقصد التراب، فيتمسح به، وفي الجامع عن الخليل: التيمم يجرى مجرى التَّوَخِّي، تقول: تَيَمَّمْ أطيب ما عندك، فأطعمنا منه، أي تَوَخّه، وأجاز أن يكون التيمم العمدَ والقصدَ، وهذا الاسم كثُر حتى صار اسما للتمسح بالتراب، قال الفراء: ولم أسمع يَمَمْت -بالتخفيف-، وفي التهذيب لأبي منصور: التيمم: التعمد، وهو ما ذكره البخاري في التفسير في سورة المائدة، ورواه ابن أبي حاتم،
وابن المنذر، عن سفيان .
والتيمم في اللغة: القصد مطلقا، قال امرؤ القيس (من الطويل):
تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أذْرعَات وَأهْلُهَا … بيَثْربَ أدْنَا دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي
أي قصدتها، وقال آخر (من الوافر):
وَلَا أدْري إذَا يَمَّمْتُ أرَضا … أُرِيدُ الْخيْرَ أيُّهُمَا يَلينِي
أألْخَيْرُ الَّذي أنَا أبتْغَيهِ … أم الشَّرُّ الَّذي هُوَ يَبتَغينِي
وفي الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب، لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة، ونحوها، وقال ابن السكيت: قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾، [النساء الآية ٤٣]، أي اقصدوا الصعيد، ثم كثُر استعمالهم