HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣١٢

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، قَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا، فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، فَصَلَّيْتُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَسَلَمَةُ شَكَّ لَا يَدْرِي فِيهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، أَوْ إِلَى الْكَفَّيْنِ». فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص102
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ١٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٥ ص٢٠٧
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة: أن المذهب الراجح هو مذهب من قال بجواز التيمم لمن كان في الحضر إذا فقد الماء، وخاف فوت الوقت، أو تعذر عليه الاستعمال لمرض أو غيره، وأنه لا قضاء عليه لتلك الصلاة التي صلاها بذلك التيمم والله أعلم. ٣١٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ؟ قَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا، فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، فَصَلَّيْتُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ» فَضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَسَلَمَةُ شَكَّ، لَا يَدْرِي فِيهِ الْمِرْفَقَيْنِ، أَوْ إِلَى الْكَفَّيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ. رجال هذا الإسناد: ثمانية ١ - (محمَّد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بُندار أحد مشايخ الستة، ثقة من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمَّد) بن جعفر الهُذلي البصري المعروف بغُندر ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غَفْلَةً من [٩] مات سنة ٣ أو ١٩٤ تقدم في ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن عابد من [٧] مات سنة ١٦٠ وتقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (سلمة) بن كُهيل بن حُصين الحضرمي التِّنْعيّ أبو يحيى الكوفي، دخل على ابن عمر، وزيد بن أرقم، وروى عن أبي جُحيفة، وجُندب بن عبد الله، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وغيرهم. وعنه سعيد بن مسروق الثوري، وابنه سفيان، والأعمش، وشعبة وغيرهم. قال أحمد: سلمة بن كهيل متقن للحديث، وقيس بن مسلم متقن للحديث، ما نُبالي إذا أخذت عنهما حديثهما، ووثقه ابن معين، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة ثبت في الحديث، وكان فيه تشيع قليل، وهو من ثقات الكوفيين، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون ذكي، وقال أبو حاتم: ثقة متقن، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثَبْتٌ على تشيعه، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن المبارك عن سفيان: ثنا سلمة بن كهيل، وكان ركنا من الأركان، وشد قبضته، وقال ابن مهدي: لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة: منصور، وسلمة، وعمرو بن مرة، وأبى حَصين، وقال أيضا: أربعة في الكوفة لا يُختَلَف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، فذكره منهم. وقال جرير: لمَاَ قدمَ شعبةُ البصرةَ، قالوا له: حدثنا عن ثقات أصحابك، فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشِّيعة: الحكم، وسَلَمَة بن كُهَيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور، وقال يحيى بن سلمة بن كهيل: وُلد أبي سنة ٤٧، ومات يوم عاشوراء سنة ١٢١، وكذا قال غير واحد، وقيل: ١٢٢، وقيل: ١٢٣، قال ابن المديني في العلل : لم يلق سلمةُ أحدا من الصحابة إلا جُندبًا، وأبا جُحَيفة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو داود: هو أحب إليَّ من حبيب بن أبي ثابت، وقال: كان يتشيع، وقال النسائي: هو أثبت من الشيباني والأجلح أخرج له الجماعة . ٥ - (ذَرّ) -بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء- بن عبد الله بن زُرارة المُرْهبي الهمداني أبو عمر الكوفي. روى عن عبد الله بن شداد بن الهاد، وسعيد بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، والمسيب بن نَجَبَة، ووائل بن مَهَانَةَ، ويُسَيع الحضرمي، وغيرهم. وعنه ابنه عمر، والأعمش، ومنصور، والحكم بن عتيبة، وزُبيد اليامي، وسلمة بن كُهيل، وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم. قلت: قوله: «بإسناد صحيح» فيه نظر، لأن في سنده محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيء الحفظ. قال أحمد: ما بحديثه بأس، ووثقه ابن معين، والنسائي، وابن خراش، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: كان مرجئا وهَجَرَهُ إبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير للإرجاء، وقال ابن حبان: كان من عباد أهل الكوفة، وكان يقص، وقال البخاري: صدوق في الحديث، وكذا قال الساجي، وزاد: كان يرى الإرجاء، وثقه ابن نمير، وقال أحمد: لم يسمع من عبد الرحمن بن أبزى أخرج له الجماعة. ٦ - (ابن عبد الرحمن) هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الكوفي. روى عن أبيه، وابن عباس، وواثلة. وعنه جعفر بن أبي المغيرة، وطلحة بن مصرف، وغيرهم. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث أخرج له الجماعة. ٧ - (عبد الرحمن بن أبْزَى) -بفتح الهمزة وسكون الباء- الخُزاعي مولى نافع بن عبد الحارث مختلف في صحبته، استخلفهُ نافع بن عبد الحارث على أهل مكة أيام عمر، وقال لعمر: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، ثم سكن الكوفة. روى عن النبي - ﷺ -، وعن أبي بكر، وعلي، وعمر، وعمار، وأبي بن كعب، وغيرهم. وعنه ابنه سعيد، وعبد الله بن أبي المُجالد، والشعبي، وغيرهم. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال ابن أبي داود: لم يُحَدّث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من التابعين إلا ابن أبزى. وقال البخاري: له صحبة، وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي - ﷺ -، وصلى خلفه، وقال ابن عبد البر: استعمله عليّ علَى خراسان. وذكره ابن سعد فيمن مات رسول الله - ﷺ - وهم أحداث الأسنان، وممن جزم بأن له صحبة خليفة بن خياط، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، وأبو عروبة، والدارقطني، والبرقي، وبَقيّ بن مَخْلَد، وغيرهم، وفي صحيح البخاري من حديث ابن أبي المجالد أنه سأل عبد الرحمن بن أبزى وابن أبي أوفى عن السلف، فقالا: كنا نصب المغانم مع النبي - ﷺ - .. الحديث. وقال ابن سعد: أنا أبو عاصم، أنا شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: أنه صلى مع النبي ﵌، فكان إذا خفض لا يكبر« أخرج له الجماعة. ٨ - (عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين ابن الوَديم بن ثَعلَبَة بن عوف بن حارثة بن عامر بن ثامر بن عنس، كذا قال ابن سعد، العنسي أبو اليَقْظان مولى بني مخزوم، وأمه سُمَيَّة من لَخْم، وكان ياسر قدم من اليمن إلى مكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، فزوجه مولاته سُمَيَّة، فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة، وأسلم عمار وأبوه قديما، وكانوا ممن يعذب في الله، وقَتَلَ أبو جهل سمية، فهي أول شهيدة في الإسلام، وعن مسدد قال: لم يكن في المهاجرين مَن أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر. قال الجامع عفا الله عنه: في كلام مسدد هذا نظر، وكذا في قول أبي بكر السيوطي في ألفية المصطلح: وَمَا سِوىَ الصِّدِّيق مِمَّنْ هَاجَرَا … مَنْ وَالدَاهُ أسْلَمَا قَدْ أُثِرَا لأن كلا من القولين يعارض الآخر، وقد ثبت أن كثيرا من المهاجرين أسلم آباؤهم وأمهاتهم، مثل أولاد العباس، وأولاد أبي بكر، وأولاد أم سلمة، وغيرهم ممن حوتهم كتب السير، فتفطن. روى عمار ﵁ عن النبي - ﷺ -، وعن حذيفة بن اليمان. وعنه ابنه محمَّد، وابن ابنه سلمة بن محمَّد على خلاف فيه، وابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وغيرهم. شهد بدرا والمشاهد كلها، وآخى النبي - ﷺ - بينه وبين حذيفة، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أول من أظهر إسلامه سبعة، فذكر فيهم عمارا، وأمه سُمَيَّة. وهو أول من بَنَى مسجدا يصلى فيه، ولما استأذن على النبي - ﷺ - قال: «ائذنوا له مرحبا بالطيّب المُطَيَّب» وفي رواية استأذن على علي فقال: ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن عمارا مُلىء إيمانا إلى مشاشه» ، وعن ربعي بن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار» وقال الحسن: قال عمرو بن العاص، وفي رواية عثمان ابن أبي العاص قال: رجلان مات رسول الله - ﷺ - وهو يحبهما: ابن مسعود، وعمار. وتواترت الروايات عن النبي - ﷺ - أنه قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»، روي ذلك عن عمار، وعثمان، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، في آخرين. وقال الواقدي: والذي أُجمعَ عليه في قتل عمار أنه قتل مع علي بصفّين سنة ٣٧، وه وابن ٩٣، ودفن هناك بصفين، وروى العَوَّام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسيّ، عن أبي وائل، قال: رأى أبو ميسرة عمرُو بنُ شرحبيل، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله في المنام أنه أدخل الجنة، فهذا هو بقباب مضروبة، قال: فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذي الكلاع، وحوشب، وكان قتل مع معاوية، قال: فأين عمار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قال: وقد قتل بعضهم بعضا؟ قالوا: نعم، إنهم لقوا الله، فوجدوه واسع المغفرة، قال: فما فعل أهل النَّهْروان؟ قال: لقوا مرحا. ومناقبه كثيرة جدّا أخرج له الجماعة. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من ثمانياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وكوفيين وهم الباقون، وفيه رواية صحابي، عن صحابي، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، وهم سلمة، وذَرّ، وابن عبد الرحمن بن أبزى، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. شرح الحديث (عن) سعيد (ابن عبد الرحمن بن أبزى) الخُزاعي الكوفي (عن أبيه) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الصحابي ﵁، وهو صحابي صغير، وكان في زمان عمر رجلا، وولي على خراسان لعلي ﵁ (أن رجلا) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسميته، وفي رواية الطبراني: أنه من أهل البادية، وعند البخاري من رواية سليمان بن حرب، عن شعبة: «أن عبد الرحمن بن أبزى شهد ذلك». (أتى عمر) بن الخطاب ﵁ في خلافته (فقال: إني أجْنَبْتُ) بفتح الهمزة أي: صرت ذا جنابة، من أجنب الرباعي، ويقال: جَنُب -بضم النون والكسر كما في اللسان- ثلاثيا أيضا (فلم أجد الماء) إما مطلقا، أو يريد الكافي للغسل (فقال عمر) ﵁ مجيبا لسؤاله (لا تُصَلِّ) زاد في رواية «حتى تَجدَ الماءَ» وهذا مذهب مشهور عن عمر ﵁: أنه لا يتيمم الجنب، ووافقه على ذلك ابن مسعود ﵁، وقيل: إن ابن مسعود رجع عنه، وسنحقق الخلاف بين العلماء في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى (فقال له عمار ابن ياسر) ﵁ مُذكِّرًا له، حيث خالف فتواه السنةَ (يا أمير المومنين أما تَذْكُرُ) الهمزة للاستفهام، و«ما» للنفي (إذ أنا وأنت) «إذ» ظرف متعلق بتذكر، وهو مضاف إلى الجملة الاسمية، أي: ألَا تذكر وقت كوننا (في سرية) فَعيلة بمعنى فاعلة، وهي القطعة من الجيش، سميمت بذلك لأنها تَسْري في خُفية، والجمع سرايا، وسَريَّاتٌ مثل عَطيَّة وعطيَّات . وقال ابن منظور: والسَّريَّة: ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، وقيل: هي من الخيل نحو أربعمائة. وفي التهذيب: وأما السرية: من سَرَايَا الجيوش، فإنها فعيلة بمعنى فاعلة، سميت سرية لأنها تَسري ليلا في خُفية، لئلَا ينذَرَ بهم العدو، فيَحذَرُوا أو يمتنعوا، يقال: سَرَّى قائدُ الجيش سرية إلى العدو، إذا جَرّدَها وبعثها إليهم، وهو التَّسْريَة، وفي الحديث: «يَرُدُّ مُتَسَرِّيهم على قاعدهم». المُتَسَرِّي: الذي يخرج في السَّريّة، وهي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، وجمعها السرايا، سُمُّوا بذلك لأنهم يكونون خلاصةَ العسكر، وخيارَهم، من الشيء السَّريّ: النفيس، وقيل: سُمّوا بذلك لأنهم يُنَفَّذُون سرّا، وخُفْية، وليس بالوجه لأن لام السِّرِّرَاءٌ، وهذه ياء . (فأجنبنا) أي أصابتنا جنابة (فلم نجد الماء) للغسل (فأما أنت فلم تُصَلِّ) لعدم وجدانك الماء، مع اعتقاد عدم صحة التيمم للجنب (وأما أنا فتمعكت في التراب) أي تَحكَّكْتُ في التراب، من قولهم: معَك الأديمَ: إذا حكّه، وفي المصباح: مَعكْتُهُ في التراب مَعْكًا، من باب نفع: دلكته به، ومعَّكته تمعيكًا، فتمعك: أي مرَّغته، فتمرغ . وفي الرواية الآتية: «فتمرغت» أي تقلبت. وهذا من عمار ﵁ استعمال للقياس، واجتهاد منه، حيث قاس الطهارة الترابية على المائية في التفرقة فيها بين الحدث الأكبر الذي يعمم فيه البدن بالماء، والحدث الأصغر الذي يجزئ فيه بعض الأعضاء، ولهذا قال ابن دقيق العيد ﵀: إن الحديث فيه دليل على القياس، لأنه لم ينكر عليه قياسه، وإنما بَيَّنَ له أن الرخصة خصصت هذه الأعضاء في الحدث الأكبر، كما هو الحال في الحدث الأصغر. وفي الفتح: ويستفاد من هذا الحديث وقوع اجتهاد الصحابة في زمن النبي - ﷺ -، وأن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه، وإن لم يصب الحق، وأنه إذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة، وفي تركه أمر عمر أيضا بقضائها مُتَمَسّك لمن قال: إن فاقد الطهورين لا يصلي، ولا قضاء عليه اهـ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الأخير خلاف الصواب، بل الصواب أنه يصلي، ولا قضاء عليه، كما يأتي تحقيقه في ٢٠٤/ ٣٢٣ إن شاء الله تعالى. (فصليت فأتينا النبي - ﷺ -) أي بعد الرجوع (فذكرنا ذلك له) أي بَيَّنَّا عَمَل كُلّ منّا للنبي - ﷺ - (فقال) - ﷺ - (إنما كان يكفيك) أي لاستباحة الصلاة بالتيمم، وفي الرواية الآتية: «إنما كان يكفيك هكذا». قال الحافظ ﵀: فيه دليل على أن الواجب في التيمم هي الصفة المشروحة في هذا الحديث، والزيادة على ذلك لو ثبت بالأمر دلت على النسخ، ولزم قبولها، لكن إنما وردت بالفعل فتحملُ على الأكمل، وهذا هو الأظهر من حيث الدليل . (فضرب النبي - ﷺ - يديه إلى الأرض) المراد من اليدين: الكفان بدليل الرواية الآتية «وضرب بكفيه الأرض» (ثم نفخ فيهما) وفي رواية «ثم أدناهما من فيه» وهو كناية عن النفخ، وفيهما إشارة إلى أنه كان نفخا خفيفا، وفي رواية «تفل فيهما»، والتَّفْلُ: قال أهل اللغة: هو دون الْبَزْق، والنَّفْثُ دونه. قال الحافظ ﵀: وسياق هؤلاء يدل على أن التعليم وقع بالفعل، ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد، وللإسماعيلي من طريق يزيد بن هارون وغيره، كلهم عن شعبة أن التعليم وقع بالقول، ولفظهم: «إنما كان يكفيك أن تضرب الأرض بيدك» زاد يحيى «ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك». واستُدلَّ بالنفخ على استحباب التخفيف للتراب، وعلى سقوط استحباب التكرار في التيمم؛ لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف. قاله في الفتح (ثم مسح بهما وجهه وكفيه) فيه أن الذي يجزئ في التيمم مسح الوجه والكفين فقط، وهذا هو المذهب الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى. (وسلمة) بن كهيل مبتدأ خبره قوله (شك لا يدري فيه) أي في الحديث (إلى المرفقين، أو إلى الكفين) يعني أن سلمة شك في روايته عن ذَرّ، هل قال: ثم مسح بهما وجهه، ويديه إلى المرفقين، أو قال: وجهه ويديه إلى الكفين. ومعنى «إلى الكفين»: إلى نهاية الكفين. وسيأتي ٢٠٠/ ٣١٩ أن شعبة قال: كان يقول -يعني سلمة- الكفين والوجه والذراعين، فقال له منصور: ما تقول؟ فإنه لا يذكر الذراعين غيرك، فشك سلمة، فقال: لا أدري ذكر الذراعين أم لا؟. نال الجامع: فدل هذا على أن ذكر الذراعين غير صحيح لعدم تيقنه، ومخالفة غيره من الثقات في ذلك. وأما ما قاله في المنهل العذب: من أنها زيادة ثقة مقبولة فغير صحيح. فتفطن. (فقال عمر: نُوَلِّيك ما تَوَلَّيتَ) هذا مختصر من الرواية الآتية، «فقال: اتق الله يا عمار، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره، قال: لا، ولكن نوليك من ذلك ما توليت» ومعنى «نوليك» .. الخ: من التولية أي نجعلك واليًا على ما تصديت له من تبليغ هذا الحكم، ورضيته لنفسك، وذلك لأنه لم يجزم بخطئه ولم يتذكر القصة، فجوّز النسيان على نفسه، كما جوّز الوَهَمَ على عمار، فليس له أن يفتي به بخلاف عمار حيث جزم به، فله التبليغ، والفتوى به. والله أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عمار ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند الصنف: أخرجه هنا -١٩٥/ ٣١٢ - عن محمَّد بن بشار، عن محمَّد بن جعفر غندر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن ذَرّ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، عن عمار ﵁، وفي ١٩٨/ ٣١٦ والكبرى - ١٧٧/ ٣٠٢ - عن محمَّد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى كلاهما عن عبد الرحمن، وفي ١٩٩/ ٣١٧ والكبرى ١٧٨/ ٣٠٤ - عن عمرو بن يزيد، عن بهز، عن شعبة، عن الحَكَم قال: سمعت ذرا يحدث عن ابن أبزى، عن أبيه، وقد سمعه -يعني الحكم- من ابن أبزى، عن أبيه، عنه. وفي ٢٠٠/ ٣١٩ والكبرى -١٧٩/ ٣٠٥ - عن عبد الله بن محمَّد بن تميم، عن حجاج بن محمَّد، عن شعبة، عن الحكم، وسلمة كلاهما عن ذر، به، وفي الكبرى: عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عَزْرَةَ، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، به. وهو في رواية ابن الأحمر. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه مع المصنف: أخرجه (خ م ت ق) فأخرجه (خ) في الطهارة عن آدم، وحجاج بن منهال، ومحمد بن كثير، وسليمان بن حرب، ومسلم بن إبراهيم -فَرَّقَهم- وعن بندار، عن غندر، ستتهم عن شعبة، عن الحكَم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، وقال تعليقا: وقال النضر -يعني ابن شُمَيل- عن شعبة، عن الحكم، عن ذرّ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، قال الحكم: وقد سمعته من ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه. وأخرجه (م) في الطهارة عن إسحاق بن منصور، عن النضر بن شميل كما تقدم، وعن عبد الله بن هاشم، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن الحكم، عن ذَرّ بهذا، قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال شعبة: وحدثني سلمة، عن ذر بهذا. وأخرجه (د) فيه عن محمَّد بن كثير، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى به، وعن محمَّد بن العلاء، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن سلمة، عن ابن أبزى عن عمار، ولم يذكر أبا مالك، وعن محمَّد بن بشار، عن محمَّد بن جعفر، وعن علي بن سهل الرَّمْلي، عن حجاج بن محمَّد كلاهما عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، وعن مُسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن الحكم كلاهما عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، وعن محمَّد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن عَزْرَةَ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه مختصرا، وعن موسى بن إسماعيل، عن أبان، قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: حدثني مُحَدِّث، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن ياسر،: أن رسول الله - ﷺ -: «إلى المرفقين» قال أبو داود: ورواه وكيع، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه. ورواه جرير، عن الأعمش، عن سلمة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه. ورواه شعبة، عن حُصين، عن أبي مالك، قال: سمعت عمارا يخطب. وأخرجه (ت) فيه عن أبي حفص عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع بإسناده: «أن النبي - ﷺ - أمر بالتيمم للوجه والكفين» وقال: حسن صحيح. وأخرجه (ق) فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه به، وبعضهم يزيد على بعض في الحديث . المسألة الرابعة: حق هذا الحديث كما قال السندي: أن يذكر تحت ترجمة «باب التيمم للجنابة» وهي ستأتي، ولعل المصنف أخذ جواز التيمم في الحضر من تيمم النبي - ﷺ - للتعليم في الحضر، وذلك أنه عَلَّمَه تعليما مطلقا، بحيث لم يخص به سفرا من حضر، فلو كان التيمم لا يجوز إلا في السفر لبَيَّنه له، وقال: إن هذا التيمم بهذه الكيفية خاص بمن كان في السفر، والله أعلم. المسألة الخامسة: في بيان فوائده: منها: أنه يدل على جواز الاجتهاد في زمن النبي - ﷺ -. قال العلامة المحقق ابن دقيق العيد ﵀ عند قوله «فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة» ما نصه: كأنه استعمال لقياس لابد فيه من تقدم العلم بمشروعية التيمم، وكأنه لما رأى أن الوضوء خاص ببعض الأعضاء، وكان بدله -وهو التيمم- خاصا وجب أن يكون بدل الغسل الذي يعم جميع البدن عاما لجميع البدن. قال أبو محمَّد بن حزم الظاهري: في هذا الحديث إبطال القياس، لأن عمارا قَدَّر أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة حكمه حكم الغسل للجنابة، إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله - ﷺ - ذلك، وأعلمه أن لكل شيء حكمه المنصوص عليه فقط. قال ابن دقيق العيد: والجواب عما قال: أن الحديث دل على بطلان هذا القياس الخاص، ولا يلزم من بطلان الخاص بطلان العام، والقائسون لا يعتقدون صحة كل قياس، ثم في هذا القياس شيء آخر، وهو أن الأصل -الذي هو الوضوء- قد أُلغي فيه مساواة البدل له، فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء،. فصار مساواة البدل للأصل مُلْغى في محل النص، وذلك لا يقتضي المساواة في الفرع. بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلا على صحة أصل القياس، فإن قوله - ﷺ -: «إنما كان يكفيك كذا وكذا» يدل على أنه لو فعله لكفاه، وذلك دليل على صحة قولنا: لو كان فعله لكان مصيبا، ولو كان فعله لكان قائسا للتيمم للجنابة على التيمم للوضوء على تقدير أن يكون اللمس المذكور في الآية ليس هو الجماع، لأنه لو كان عند عمار هو الجماعَ لكان حكم التيمم مُبَيَّنا في الآية، فلم يكن يحتاج إلى أن يتمرغ، فإذن فعله ذلك يتضمن اعتقادَ كونه ليس عاملا بالنص، بل بالقياس، وحكمَ النبي - ﷺ - بأنه كان يكفيه التيمم على الصورة المذكورة، مع ما بينا من كونه لو فعل ذلك لفعله بالقياس عنده لا بالنص. اهـ وكتب العلامة الصنعاني ﵀ على قوله: «فإذن فعله ذلك الخ» ما نصه: أقول: تمرغه قد يتضمن أنه فعله اعتمادا على القياس، إذ لو عمل بالنص لما جاوز أعضاء التيمم، لأن النص قد بين كمية الأعضاء التي تطهير بالتراب في جنابة ووضوء، فلما تمرغ دل على أنه قاس الجنابة على الحدث الأصغر في أنه يرفعها التراب كما يرفعه، وإلحاق التراب بالماء في عموم البدل، فأقر - ﷺ - القياس الأول ونفى الثاني. ويحتمل أنه قد علم الحكم، وهو أن التراب يرفع الجنابة من الآية، وحمل الملامسة على الجماع، وحمل قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة الآية ٦] على أنه بيان لكمية الأعضاء في تيمم الوضوء وكيفيته، وأنه أحيل بيان كيفيته وكميته عن الجنابة على القياس على الماء، فعم بالتمرغ البدن قياسا للتراب على الماء بجامع أنه يطهر مثله، فأبطل - ﷺ - هذا القياس، وأبان له أن الحكم في ذلك في الوضوء والغسل واحد، وأن النص قد شمل الأمرين، وأنه أخطأ في القياس مع وجود النص، وعلى كل تقدير لم تتم لأبي محمَّد الحجة بالحديث على بطلان القياس من حيث هو، وإبطاله - ﷺ - له ليس إلا لاختلاله، والمفهوم اعتباره كما سبقت الإشارة إليه . ومنها: أن المجتهد إذا أخطأ لا يلام على خطأه. ومنها: أن من عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة. ومنها: أن الضربة الواحدة تكفي لمسح الوجه واليدين. ومنها: أن التكرار لا يشرع في مسح التيمم. ومنها: أن المشروع في مسح اليدين هما الكفان فقط، فلا يشرع مجاوزتهما. ومنها: أن المجتهد إذا خالفه مجتهد، ولكن لم يقتنع بحجته لا ينبغي له أن يمنع ذلك المجتهدَ عن الفتوى بما ثبت لديه من الدلائل، وإن كان إماما، لأن عمر قَرَّر عمارا على ما ادَّعاه من النص، وفوضه إليه، مع كونه لم يَقْنع به، حيث إنه ذكر له قصة تتعلق به، ولم يَتذكَّرها، فجوز النسيان عليه، كما جوز الخطأ على عمار. والله أعلم. المسألة السادسة: في بيان مذاهب العلماء في كيفية التيمم: قال الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في كيفية التيمم، فقالت طائفة: يبلغ به الوجه واليدين إلى الآباط، هكذا قال الزهري، واحتج بحديث عمار الآتي ١٩٦/ ٣١٤. وقالت طائفة: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وبه قال ابن عمر، والحسن، والشعبي، وسالم، وروي عن جابر، وقال النخعي: أعْجَبُ إليَّ أن يبلغ به إلى المرفقين، وهو قول مالك، والليث، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وسفيان، والشافعي، وأصحاب الرأي وقال أبو ثور: ضربتان أحب إليّ. قال ابن المنذر ﵀: من حجة بعض القائلين بهذا القول: أحاديث ثلاث: أحدها: حديث ابن عمر، ثم ساق بسنده إلى نافع، قال: انطلق مع ابن عمر إلى ابن عباس في حاجة، فكان من حديثه يومئذ أن النبي - ﷺ - بال، قال: فمرَّ عليه رجل، فسلم عليه، فلم يرد ﵇، حتى ضرب بيديه على الحائط، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فسمح بهما ذراعيه، ثم رد السلام«. والثاني: ما رواه الشافعي، عن إبراهيم بن محمَّد، عن أبيه، عن أبي الحُويرث عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن أبي الصِّمة:»أن النبي - ﷺ - تيمم فمسح وجهه وذراعيه«. والثالث: ما رواه الرَّبيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن أسلع، قال:»كنت مع النبي - ﷺ -، فأصابتني جنابة، فقال: يا أسلع قم فارحل لي فقلت: أصابتني جنابة، فسكت، فنزلت آية التيمم، فأراني التيمم، فضرب بيديه على الأرض ثم نفضهما، فمسح وجهه، ثم ضرب بيديه الأرض ثانية، فمسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما« . وقالت طائفة: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، وروي هذا القول عن علي. وقالت طائفة: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول عطاء، ومكحول، والشعبي، وروي عن ابن المسيب، والنخعي، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بحديث عمار المذكور الذي اتفق عليه الشيخان. قال ابن المنذر: وأما الأخبار التي رويت عن عمار التي فيها ذكر اختلاف أفعالهم حين نزلت آية التيمم، قبل أن يأتوا النبي - ﷺ - فيعلمهم صفة التيمم، فإنما فعلوه عند نزول الآية احتياطا، فلما جاؤوه علمهم فقال لعمار: «إنما كان يكفيك هكذا» وفي قوله: «إنما كان يكفيك هكذا» دليل على أن الفعل الذي كان منهم كان قبل أن يُعلمهم، والدليل على صحة هذا القول أن عمارًا علَّمَهُم بعد النبي - ﷺ - في ولايته أيام عمر على الكوفة التيممَ ضربةً للوجه والكفين. قال: وأما الأخبار الثلاثة التي احتج بها من رأى التيمم ضربتان: فمعلولة كلها، لا يجوز أن يحتج بشيء منها. فحديث ابن عمر في سنده محمَّد بن ثابت، لم يرفعه غيره، وقد دفع غير واحد من أهل العلم حديثه، قال يحيى بن معين: محمَّد بن ثابت ليس بشيء، وهو الذي روى حديث نافع، عن ابن عمر في الضربتين يضعف، وقال البخاري: محمَّد بن ثابت أبو عبد الله البصري، في حديثه عن نافع، عن ابن عمر في التيمم خالفه أيوب، وعبيد الله، وابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: فعله. وأما ما ورواه الشافعي: ففيه إبراهيم بن محمَّد، كَذَّبهُ ابن معين، وابن أبي مريم، ونهى عنه مالك، واتهمه يحيى بن سعيد، وتركه ابن المبارك، وتكلم فيه أحمد، قال: كان يأخذ حديث الناس فيجعله في كتبه. وأما حديث الرَّبيع بن بدر: فإسناده مجهول، لأن الرَّبيع وأباه وجده لا يعرفون برواية الحديث، والأسلع غير معروف، فالاحتجاج بهذا الحديث يسقط هن كل وجه، انتهى كلام ابن المنذر باختصار وتصرف. وقال الحافظ ﵀: عند قوله: «يكفيك الوجه والكفان» ما نصه: ويستفاد من هذا اللفظ أن ما زاد على الكفين ليس بفرض، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن خزيمة، ونقله ابن الجهم، وغيره عن مالك، ونقله الخطابى عن أصحاب الحديث، وقال النووي: رواه أبو ثور، وغيره عن الشافعي في القديم، وأنكر ذلك الماوردي، وغيره، قال: وهو إنكار مردود، لأن أبا ثور إمام ثقة، قال: وهذا القول وإن كان مرجوحا -يعني مذهبا- فهو القوي في الدليل، هكذا قال في شرح المهذب، وأحْسَنَ في المقال، ولكنه قال في شرح مسلم في الجواب عن هذا الحديث: إن المراد به بيان صورة الضرب للتعليم وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم. قال الحافظ: وتعقب بأن سياق القصة يدل على أن المراد به بيان جميع ذلك، لأن ذلك هو الظاهر من قوله: «إنما يكفيك» وأما ما استدل به من اشتراط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك مشترط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه من لم يشترط ذلك بقياس آخر، وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة لذلك مع وجود هذا النص. قال الجامع: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ عين التحقيق والإنصاف، وما عداه جمود واعتساف. وقال قبل ذلك، عند قول البخاري: «باب التيمم للوجه والكفين» ما نصه: أي هو الواجب، وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وعَمّار، وما عداهما فضعيف، أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه. فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط. فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأما رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي - ﷺ - فكل تيمم صح للنبي - ﷺ - بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي - ﷺ - بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد. اهـ كلام الحافظ وهو كلام نفيس جدّا.
مصادر المؤلف (٢٢)

١. نسبة إلى بني تنع بطن من هَمْدان، وهو بكسر التاء، وسكون النون اهـ لباب.

٢. قال بعضهم: قول ابن المديني هذا غلط، فقد أخرج ابن ماجه في سننه في باب التيمم بإسناد صحيح عن الحكم، وسلمة بن كهيل، أنهما سألا عبد الله بن أبي أوفى ﵁ عن التيمم .. الحديث. اهـ.

٣. تت جـ ٤ ص ١٥٧.

٤. تت جـ ص ٢١٨.

٥. تت جـ ٤ ص ٥٤.

٦. تت جـ ٦ ص ١٣٢ - ١٣٣.

٧. المشاش: رؤوس العظام كالمرفقين، والكتفين، والركبتين، وقيل: رؤوس عظام لينة يمكن مضغها. اهـ مجمع البحار.

٨. هكذا في «تت» ولعل الصواب: وعن ربعي، عن حذيفة.

٩. تت جـ ٧ ص ٤٠٨ - ٤١٠.

١٠. المصباح جـ ١ ص ٢٧٥.

١١. لسان جـ ٢ ص ٢٠٠٤.

١٢. المصباح جـ ٢ ص ٥٧٦.

١٣. جـ ١ ص ٥٢٩.

١٤. فتح جـ ١ ص ٥٢٩.

١٥. أفاده المزي في تحفة الأشراف جـ ٧ ص ٤٧٩ - ٤٨١.

١٦. إحكام الأحكام جـ ١ ص ٤٣١ - ٤٣٢.

١٧. العدة جـ ١ ص ٤٣٢ - ٤٣٣.

١٨. أخرجه أبو داود والبيهقي والدارقطني.

١٩. أخرجه الشافعي في الأم، والمسند.

٢٠. أخرجه البيهقي، والدارقطني، والطبراني.

٢١. الأوسط جـ ٢ ص ٤٧ - ٥٤.

٢٢. فتح جـ ١ ص ٥٣٠.