١ - بَابُ بَدْءِ الحَيْضِ، وَهَلْ يُسَمَّى الحَيْضُ نِفَاسًا
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ابتداء الحيض والمبيّن جواب السؤال بهل يُسمَّى الحيض نفاسًا؟.
وعبارته أولى من عبارة البخاري، حيث قال: (باب من سمى النفاس حيضًا)، فإن عبارته كما قيل مقلوبة، إذ حقها أن يقول: «مَنْ سمَّى الحيض نفاسًا، وقيل: يُحمَلُ على التقديم والتأخير، والتقديرُ: من سمى حيضا النفاسَ، إلى آخر ما ذكره الحافظ من التأويلات .
٣٤٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا لَكِ أَنَفِسْتِ» فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ ﷿ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه، أبو محمَّد، أوأبو يعقوب ثقة حجة فقيه من [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم أبو محمَّد الكوفي، ثم المكي، ثقة حجة ثبت من كبار [٨] تقدم في ١/ ١.
٣ - (عبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵁) أبو محمَّد المدني ثقة جليل من [٦] تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٤ - (القاسم) بن محمَّد، أبو عبد الرحمن المدني من كبار [٣] تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
قال الجامع عفا الله عنه: لطائف الإسناد وشرح الحديث، وما يتعلق به من المسائل، تقدم في ١٨٣/ ٢٩٠، ويأتي بعضه في كتاب الحج إن شاء الله تعالى، ولكن لابد من إيضاح بعض الألفاظ تذكيرًا لما سبق فأقول:
قولها: (لا نُرى إلا الحج) ضبط بوجهين: بالبناء للمفعول، ومعناه: لا نَظُنُّ، وبالبناء للفاعل، ومعناه لا نعلم.
وقولها: (بسَرفَ) بفتح السين وكسر الراء: موضع قريب من مكة ممنوع من الصرف، وقد يصرف، وفي المصباح: سرف، مثال تَعب، وجَهْل: موضع قريب من التنعيم، وبه تزوج رسول الله - ﷺ - ميمونة الهلالية ﵂، وبه تُوُفِّيَت، ودُفنَت.
قوله: (أنفست) بفتح النون وكسر الفاء، أو بضم النون وكسر الفاء أي أحضت، والهمزة للاستفهام.
وأخذ المصنف ﵀: من هذا أن الحيض يسمى نفاسا، وهو ظاهر.
قوله: (هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم) أي الحيض أمر أثبته الله ﷿ على النساء، من أولاد آدم، أراد - ﷺ - بهذا تسلية عائشة حيث إنها بكت، كالمقصّرة في ذلك فكأنه يقول لها: لا تقصير منك، لأنه مما كتبه الله على النساء كلهن، فلا لوم عليك.
فإن قيل: هذا الحديث يعارضه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح، عن ابن مسعود ﵁، قال: «كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعا، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله
عليهن الحيض، ومنعهن المساجد» فإنه يدل على أن ابتداء الحيض من بني إسرائيل، وحديث الباب يدل على أنه علي بنات آدم عموما.
أجيب بأنه لا تعارض بينهما، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم فيكون قوله «علي بنات آدم» عاما أريد به الخصوص، قاله الداودي.
وقال الحافظ: ويمكن الجمع مع القول بالتعميم بأن الذي أُلقيَ على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن، لا ابتداء وجوده، وقد روى ابن جرير وغيره، عن ابن عباس في قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: آية ٧١] أي حاضت، والقصة متقدمة علي بني إسرائيل بلا ريب. وروى ابن المنذر والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ﵄: أن ابتداء الحيض كان على
حواء بعد أن أهبطت من الجنة. أفاده في الفتح .
* * *
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».