HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٤٣٢

أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سَيَّارٌ ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَ الرَّجُلَ مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ يُصَلِّي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَلَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلِي، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص143
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٢٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن الدارمي, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٥ ص٥٩٤
٢٦ - بَابُ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ ٤٣٢ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سَيَّارٌ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَ الرَّجُلَ مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ يُصَلِّي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَلَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلِي، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (الحسن بن إسماعيل بن سليمان) بن المُجالد الكلبي المُجَالدي، أبو سعيد المصيصيّ، ثقة -١٠ - . روى عن إبراهيم بن سعد، وفضيل بن عياض، ووكيع، وهشيم، وغيرهم. وعنه النسائي، وابن أبي عاصم، وإبراهيم بن هاشم، وأبو حامد الحَضْرمي، وأبو يعلى، وغيرهم. قال النسائي: ثقة، وقال مسلمة: لا بأس به، وقال ابن حبان في الثقات: مستقيم الحديث. مات بعد ٢٤٠. أخرج له المصنف. ٣ - (هُشَيم) بن بَشير بن دينار السلمي، أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس، والإرسال الخفي [٧] تقدم في ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (سَيَّار) أبو الحكم العَنْبَري الواسطي، ويقال: البصري، وهو سيار بن أبي سيار، واسمه وَرْدان، وقيل: وَزد، وقيل: دينار، ثقة -٦ - روى عن ثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وأبي حازم الأشجعي، وأبي وائل، ويزيد الفقير، وغيرهم. وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وسليمان التيمي، وشعبة، والثوري، وهشيم، وغيرهم. قال أحمد: صدوق ثقة ثبت في كل المشايخ، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة، وقال أسلم بن سهل الواسطي، عن الليث بن بكار، عن أبيه: مات سنة ١٢٢، وكان لنا جارا. وروى أبو داود، والترمذي من حديث بشير بن إسماعيل: ثنا سيار أبو الحكم عن طارق بن شهاب، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فافته ..» الحديث، قال أبو داود عقبه: هو سيار أبو حمزة، ولكن بشير كان يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ، قال أحمد: هو سيار أبو حمزة، وليس قولهم: سيار أبو الحكم بشيء. وقال الدارقطني: قول البخاري: سيار أبو الحكم سمع طارق بن شهاب وَهَمٌ منه، وممن تابعه. والذي يروي عن طارق هو سيار أبو حمزة، قال ذلك أحمد، ويحيى، وغيرهما. وروى البخاري في الأدب بهذا الإسناد حديث: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة». وروى له ابن ماجه حديث: «بين يدي الساعة مسخ وقذف» قال الحافظ: وقد تَبعَ ابن حبانُ البخاريَّ فقال في الثقات: سيار بن أبي سيار أبو الحكم الواسطي العَنَزي، أخو مُسَاور الوَرَّاق لأمه، واسم سيار وَرْدان، روى عن طارق بن شهاب، والشعبي، وعنه بشير بن سليمان، وهشيم، والعراقيون، وتبع البخاريَّ أيضا في أنه يروي عن طارق، مسلمٌ في الكنى، والنسائيُّ، والدُّولابيّ، وغيرُ واحد، وهو وَهَم كما قال الدارقطني. أخرج له الجماعة. ٤ - (يزيد الفقير) بن صُهيب، أبو عثمان الكوفي، ثقة -٤ - . روى عن جابر، وأبي سعيد، وابن عمر. وعنه سيار أبو الحكم، والحكم بن عُتيبة، وقيس بن مسلم، وبسام الصيرفي وغيرهم. قال ابن سعد: تَحَوَّلَ من الكوفة، فنزل مكة، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم، وابن خراش: صدوق، زاد ابن خراش: جليل عزيز الحديث، وقال أبو زرعة أيضا: يكتب حديثه، وقال غيره: كان يَشْكُو فَقَارَ ظهره، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة إلا الترمذي. ٥ - (جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي ابن الصحابي ﵄ تقدم ٣١/ ٣٥. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته. ومنها: أن رواته كلهم ثقات. ومنها: أنهم ما بين مصيصيّ، وواسطيين، وكوفي، ومدني. ومنها: أن شيخه من أفراده، ومَنْ عَدَاه اتفق الستة عليهم. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. ومنها: أن الفقير لقب يزيد، لُقِّب به لا لفقره من المال، وإنما لوجع في فَقَار ظهره، قال في المحكم: رجل فقير: مكسور فَقَار الظهر، ويقال له: فُقَيِّر بالتشديد أيضا. ومنها: أن الحسن، وسيارا، ويزيد هذا أولُ محلِّ ذكرهم. ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة روى ١٥٤٠ حديثًا. فائدة: قال الحافظ ﵀: سيار هو أبو الحكم العَنَزي الواسطي البصري، واسم أبيه وَرْدَان على الأشهر، ويكنى أبا سيار، اتفقوا على توثيق سيار، وأخرج له الأئمة الستة وغيرهم، وقد أدرك بعضَ الصحابة، لكن لم يلق أحدا منهم، فهو من كبار أتباع التابعين، ولهم شيخ آخر يقال له: سيار لكنه تابعي شامي أخرج له الترمذي، وذكره ابن حبان في الثقات، وإنما ذكرته لأنه روى معنى حديث الباب عن أبي أمامة، ولمْ يُنسَب في الرواية، كما لم ينسب سيار في حديث الباب، فربما ظنهما مَن لا تمييز له واحدا، فيظن أن في الإسناد اختلافا، وليس كذلك. انتهى كلام الحافظ . فائدة أخرى: قال الحافظ أيضا: مَدَارُ حديث جابر هذا على هشيم بهذا الإسناد، وله شواهد من حديث ابن عباس، وأبي موسى، وأبي ذر، ومن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده رواها كلها أحمد بأسانيد حسان . شرح الحديث (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄، أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: أُعطيت) بالبناء للمفعول، والتاء نائب فاعله (خمسا) قال الحافظ ﵀: بُيِّنَ في رواية عمرو بن شعيب أن ذلك كان في غزوة تبوك، وهي آخر غزوات رسول الله - ﷺ - (لم يُعطهن) بالبناء للمفعول أيضا، ونائب فاعله قوله (أحد قبلي) زاد في رواية للبخاري في الصلاة عن محمَّد بن سنان «من الأنبياء» يعني أن الله تعالى أعطاه هذه الخصال وخصه بهن، ولم يشاركه فيهن أحد من الأنبياء الذين قبله، وفي حديث ابن عباس ﵄: «لا أقولهن فخرًا» يعني أنه إنما ذكر هذا اعترافا بالنعمة، وأداء لشكرها، وامتثالا لأمره تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: آية ١١] لا افتخارًا وتطاولا على غيره من الخلق، ثم إن مفهوم الحديث أنه لم يختص بغير الخمس المذكورة، لكن روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا: «فُضِّلتُ على الأنبياء بست» فذكر أربعا من هذه الخمس، وزاد ثنتين «وأعطيت جوامع الكلم، وختم في النبيون». قال في الفتح: وطريق الجمع أن يُقال: لعله اطلع أولا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجةً، يدفع هذا الإشكال من أصله. وظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله، وهو كذلك، ولا يعترض بأن نوحا ﵇ كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان، لأنه لم يَبْقَ إلا من كان مؤمنا معه، وقد كان مرسلا إليهم، لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا - ﷺ - فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك، وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة: «أنت أول رسول إلى أهل الأرض» فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتنصيصه ﷾ في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم، واستدل بعضهم لعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض، فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: آية ١٥] وقد أثبت أنه أول الرسل، وأجيب بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح، وعَلم نوح بأنهم لم يؤمنوا، فدعا على من لم يؤمن من قومه ومن غيرهم، فأُجيبَ أي استجيب دعاؤه. وهذا جواب حسن، لكن لم ينقل أنه نُبِّئَ في زمن نوح غيره. ويحتمل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا - ﷺ - في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوح وغيره بصدد أن يبعث نبي في زمانه، أو بعده، فينسخ بعض شريعته، ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس، فتمادوا على الشرك، فاستحقوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير سورة هود، قال: وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته. وَوَجَّههُ ابن دقيق العيد بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عاما في حق بعض الأنبياء، وإن كان التزام فروع الشريعة ليس عاما، لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلهم. ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح، فبعثته خاصة، لكونها إلى قومه فقط، وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثا إليهم. قال الجامع: هذا الاحتمال الأخير هو الأظهر، لموافقته لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: آية ١٥] من غير تكلف، وما عداه فالتكلف فيه واضح ظاهر. والله أعلم. قال الحافظ: وغَفَلَ الداودي الشارح غَفْلَةً عظيمةً، فقال: قوله: «لم يُعْطهُنَّ أحد» يعني لم تجتمع لأحد قبله، لأن نوحا بعث إلى كافة الناس، وأما الأربع فلم يعط أحد واحدةً منهن، وكأنه نظر في أول الحديث، وغفل عن آخره، لأنه نص - ﷺ - على خصوصيته بهذه أيضا، لقوله: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ..» وفي رواية مسلم: «وكان كل نبي .. الخ» . ثم فَصَّل ما أجمله من الخصال الخمس، فذكر الخصلة الأولى بقوله: (نُصرتُ بالرُّعْب) بالبناء للمفعول، يعني أن الله تعالى نصره بقذف الرعب في قلوب أعدائه، ففي رواية أحمد من حديث أبي أمامة «يقْذَفُ في قلوب أعدائي». والرعب: بضم الراء وسكون العين المهملتين: الخوف، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم العين، والباقون بسكونها، يقال: رَعَبْتُ الرجلَ أرْعَبُهُ رُعْبًا: أي ملأته خوفًا، ولا يقال: أرْعَبْتُهُ، كذا ذكره أبو المعالي، وحكي عن ابن طلحة: أرْعَبْتُهُ، وَرَعَبْتُهُ، فهو مُرْعَبٌ، وفي المُحْكَم: فهو رَعيبٌ، وَرَعَّبْتُهُ تَرْعيبًا، وتَرْعابًا فَرُعبَ، وفي الجامع للقَزَّاز: رَعَبْتهُ، فأنا رَاعبٌ، ويقال: رُعِبَ، فهو مرْعوب، والاسم الرُّعْبُ -بالضم-، وفي الموعب لابن التياني: رجل رَعْب ومُرْتَعب، وقد رَعَبَ، ورُعبَ . وقال السندي ﵀: «نُصرتُ بالرعب»: أي بقذفه من الله تعالى في قلوب الأعداء بلا أسباب ظاهرة، وآلات عادية له، بل بضدها، فإنه - ﷺ - كثيرا ما يربط الحجر ببطنه من الجوع، ولا يوقَدُ النار في بيوته، ومع هذا الحال كان الكفرة مع ما عندهم من المتاع، والآلات، والأسباب في خوف شديد من بأسه - ﷺ -، فلا يشكل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر، وأكثر، فكانت بلقيس تخاف من سليمان عله الصلاة والسلام مسيرة شهر، وهذا ظاهر، وقد بقي آثار هذه الخاصية في خلفاء أمته ما داموا على حاله، والله أعلم . (مسيرة شهر) منصوب على الظرفية، متعلق بنُصرت، قال في الفتح: ومفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: «ونُصرتُ على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر» فالظاهر اختصاصه به مطلقا، وإنما جعل الغاية شهرا، لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال . ثم ذكر الثانية بقوله: (وجعلت لي الأرض مسجدا) أي موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها، كانت كالمسجد في ذلك، قال ابن التين: قيل: المراد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وجعلت لغيري مسجدا ولم تجعل له طهورا، لأن عيسى كان يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، كذا قال. وسبقه إلى ذلك الداودي، وقيل: إنما أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة، فأبيح لها في جميع الأرض إلا فيما تيقنوا نجاسته. قال الحافظ: والأظهر ما قاله الخطابي، وهو أن مَنْ قَبْلَه إنما أُبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيَع، والصَّوَامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: «وكان مَنْ قَبْلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم» وهذا نص في موضع النزاع فثبتت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث هذا الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يَبْلُغَ محْرَابَهُ» . (وطهورًا) بفتح الطاء: أي مُطهِّرة، والمراد أن الأرض ما دامت على حالها الأصلية فهي كذلك، وإلا فقد تخرج بالنجاسة عن ذلك، والحديث لا ينفي ذلك، وهو يؤيد القول بأن التيمم يجوز على وجه الأرض كلها، ولا يختص بالتراب، ويؤيد أن هذا العموم غير مخصوص، قوله: «فأينما أدرك الرجل الصلاةُ» فإنه ظاهر سيما في بلاد الحجاز، فإن غالبها الجبال والحجارة، فكيف يصح أو يناسب هذا العموم إذا قلنا: إن بلاد الحجاز لا يجوز التيمم منها إلا في مواضع مخصوصة، فليتأمل. قاله السندي. وقال الحافظ: استدل به على أن الطَّهُور هو المطهر لغيره، لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، وقد روى ابن المنذر، وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس مرفوعًا: «جُعلت لي كُلُّ أرض طيبة مسجدا وطَهُورا» ومعنى طيبة طاهرة، فلو كان معنى «طهورا» طاهرا للزم تحصيل الحاصل. واستدل به على أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في هذا الوصف، وفيه نظر. قال الجامع: ليس فيه نظرٌ يُعْتَبَرُ، بل الصواب كونه رافعا، كما تقدم لنا تحقيقه برقم ٢٠٣/ ٣٢٢ فتنبه. قال: واستدل به على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أكد في رواية أبي أمامة بقوله: «وجعلت لي الأرض كلها، ولأمتي مسجدا وطهورا» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم تحقيق الخلاف في المسألة، وترجيح قول من قال بجواز التيمم بجميع جنس الأرض برقم ٢٠٢/ ٣٢١ فراجعه تستفد. (فأينما أدرك الرجلَ من أمتي الصلاةُ يصلي) «أين» ظرف مكان مُضَمَّن مَعْنى الشرط يجزم الفعلين و«ما» زائدة لتوكيد العموم و«أدرك» فعل الشرط في محل جزم، وهو العامل في الظرف، و«الرجلَ» بالنصب مفعول مقدم، و«من أمتي» متعلق بحال محذوف، أي حال كونه من أمتي، و«الصلاة» بالرفع فاعل مؤخر، و«يصلي» جواب الشرط، ورفع لكون فعل الشرط ماضيا، كما قال ابن مالك: وَبَعْدَ مَاض رَفْعُكَ الجَزَا حَسَنْ … وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَاِرع وَهَنْ والمعنى: إذا أدركت الرجلَ الصلاةُ فليصل في أي مكان كان، والمراد بعد أن يتيمم، لأن الحديث سيق لبيان كون الأرض مسجدا وطهورا. ورواية البخاري وغيره: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» قال الحافظ: وهذه صيغة عموم يدخل تحتها من لم يجد ماء ولا ترابا ووجد شيئا من أجزاء الأرض فإنه يتيمم به، ولا يقال: هو خاص بالصلاة؛ لأنا نقول: لفظ حديث جابر مختصر، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي: «فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طَهُورا ومسجدًا»، وعند أحمد: «فعنده طهوره ومسجده»، وفي رواية عمرو بن شعيب «فأينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت». واحتج من خص التيمم بالتراب بحديث حذيفة عند مسلم بلفظ: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها طهورا، إذا لم نجد الماء»، وهذا خاص فينبغي أن يحمل العامُّ عليه، فتختص الطهورية بالتراب، ودل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدا، دون الآخر على افتراق الحكم، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقا، كما في حديث الباب. ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ «التربة» على خصوصية التيمم بالتراب، بأن قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب وغيره. وأجيب بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ «التراب» أخرجه ابن خزيمة، وغيره، وفي حديث علي: «وجعل التراب لي طهورا» أخرجه أحمد، والبيهقي بإسناد حسن، ويقوي القول بأنه خاص بالتراب أن الحديث سيق لإظهار التشريف والتخصيم، فلو كان جائزا بغير التراب لما اقتصر عليه. انتهى كلام الحافظ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم لنا ترجيح قول من قال بجواز التيمم بجميع ما كان من جنس الأرض ترابا كان أو غيره، عملا بظاهر النصوص المطلقة، وأما رواية «تربتها» أو «ترابها» فليس مما يخص به العام، بل هو من باب ذكر بعض الأفراد تشريفا، قال القرطبي ﵀: ولا يظن أن ذلك مخصص له فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم عن الحكم، ولم يخرج هذا الخبر شيئا، وإنما عَيَّن واحدا مما تناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم وصار بمثابة قوله تعالى ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: آية ٦٨] وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: آية ٩٨] فعين بعض ما تناوله اللفظ الأول مع الوافقة في المعنى على جهة التشريف. انتهى . والحاصل: أن الراجح جواز التيمم بالتراب وغيره من جنس الأرض مما يصدق عليه اسم الصعيد، فتبصر، والله أعلم. ثم ذكر الثالثة بقوله: (وأعطيتُ الشفاعة) أي أعطاني الله الشفاعة العظمى في هول الموقف. والشفاعة: هي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة، وذكر الأزهري في تهذيبه عن المبرد، وثعلب: أن الشفاعة: الدعاء، والشفاعة كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها لغيره، وعن أبي الهيثم أنه قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: آية ٨٥] أي من يزد عملا إلى عمل، وفي الجامع: الشفاعة الطلب من فعل الشفيع، وشفعت لفلان إذا كان متوسلا بك، فشفعت له، وأنت شافع له، وشفيع . وقال ابن دقيق العيد ﵀: الأقرب أن اللام فيها للعهد، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وكذا جزم النووي، وغيره، وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يُرَدّ فيما يَسْألُ، وقيل: الشفاعة لخروج مَنْ في قلبه مثقال ذرة من إيمان، لأن شفاعة غيره تقع فيمنْ في قلبه أكثر من ذلك، قاله عياض. قال الحافظ ﵀: والذي يظهر لي أن هذه مرادة مع الأولى، لأنه يُتْبعُها بها، وقال البيهقي في البعث: يحتمل أن الشفاعة التي يختص بها أنه يشفع لأهل الصغائر والكبائر، وغيرُهُ إنما يشفع لأهل الصغائر دون الكبائر، ونقل عياض أن الشفاعة المختصة به شفاعة لا تُرَدُّ. وقد وقع في حديث ابن عباس: «وأعطيت الشفاعة، فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئا»، وفي حديث عمرو بن شعيب: «فهي لكم، ولمن شهد أن لا إله إلا الله، فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة في هذا الحديث إخراج من ليس له عمل صالح إلا التوحيد، وهو مختص أيضا بالشفاعة الأولى، لكن جاء التنويه بذكر هذه لأنها غاية المطلوب من تلك، لاقتضائها الراحة المستمرة، والله أعلم. وقد ثبتت هذه الشفاعة في رواية الحسن، عن أنس كما في صحيح البخاري في كتاب التوحيد«ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأقول: يا رب ائذن فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي لأُخْرجَنَّ منها من قال: لا إله إلا الله»ولا يعكر على ذلك ما وقع عند مسلم قبل قوله:«وعزتي»فيقول:«ليس ذلك لك، وعزتي».. الخ، لأن المراد أنه لا يباشر الإخراج، كما في المرات الماضية، بل كانت شفاعته سببا في ذلك في الجملة، والله أعلم . (ولم يُعط) بالبناء للمفعول، (نبي) بالرفع نائب فاعل«يُعْطَ»(قبلي) ظرف لـ«يعط»، أو متعلق بواجب الحذف صفة لنبي، أي لم يعط الله سبحانه هذه الشفاعة لأحد من الأنبياء قبلي، وإنما كرر هذه الجملة مع الشفاعة، وإن كانت داخلة في قوله:«لم يعطهن أحد قبلي» تنويها بعظم شأن الشفاعة وشرفها لكونها عامة في جميع الخلق سواء كان من أمته، أو من غيرهم، بخلاف الخصال الأخرى، فإنها خاصة بأمته، والله أعلم. ثم ذكر الرابعة بقوله: (وبعثت إلى الناس) بالبناء للمفعول أيضا، يقال: بَعَثتُ رسولًا بَعْثًا -من باب نَفَعَ- أوْ صَلْتُهُ، وابتعثته، كذلك، وفي المُطَاوع: فانبعث، مثل كَسَرْتُهُ، فانكَسَرَ، وكل شيء يَنْبَعثُ بنفسه فإن الفعل يتعدى إليه بنفسه، فيقال: بَعَثْتُهُ، وكل شيء لا ينبعث بنفسه كالكتاب، والهدية، فإن الفعل يتعدى إليه بالباء، فيقال: بعثت به، وأوْجَزَ الفارابي، فقال: بَعَثَهُ، أي أهَبَّهُ، وبَعَثَ به وجَّهَهُ، أفاده في المصباح . أي أرسلني الله تعالى إلى جميع الناس: العرب، والعجم، والأحمر، والأسود، ولذا أكده بقوله (كافة) أي جميعا. قال ابن منظور ﵀: والكافة: الجماعة، وقيل: الجماعة من الناس، يقال: لقيتهم كافَّةَ، أي كلهم، ومعنى «كافة» في اشتقاق اللغة: ما يكُفُّ الشيءَ في آخره، من ذلك كُفَّةُ القميص، وهي حاشيته وكل مستطيل فَحَرفُهُ كُفَّةٌ -بالضم- وكل مستدير كِفَّة -بالكسر- نحو كِفَّة الميزان . وقال الفيومي ﵀: وجاء الناس كافة، قيل: منصوب على الحال نصبا لازما، لا يستعمل إلا كذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: آية ٢٨] أي إلا للناس جميعا، وقال الفَرَّاء في كتاب معاني القرآن: نُصبَتْ لأنها في مذهب المصدر، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام، لأنها آخرٌ لكلام مع معنى المصدر، وهي في مذهب قولك: قاموا معًا، وقاموا جميعا، فلا يدخلون الألف واللام على «معا»، «وجميعا» إذا كانت بمعناها أيضا، وقال الأزهري أيضا: كافة منصوب على الحال، وهو مصدر على فاعلة، كالعافية، والعاقبة ولا يجمع كما لو قلت: قاتلوا المشركين عامة، أو خاصة، لا يُثَنَّى ذلك، ولا يجمع انتهى كلام الفيومي . (وكان النبي) من الأنبياء السابقين (يبعث إلى قومه خاصة) وهذا يشمل نوحا ﵊ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: آية ١] وآدم، نعم قد اتفق في وقت آدم أنه ما كان على وجه الأرض غير أولاده، فعمت نبوته لأهل الأرض اتفاقا، وكذا اتفق مثله في نوح بعد الطوفان حيث لم يبق إلا من كان معه في السفينة، وهذا لا يؤدي إلى العموم، وأما دعاء نوح على أهل الأرض كلها، وإهلاكهم فلا يتوقف على عموم الدعوة، بل يكفي فيه عموم بلوغ الدعوة، وقد بلغت دعوته الكلَّ لطول مدته، كيف والإيمان بالنبي بعد بلوغ الدعوة، وثبوت النبوة واجب، سواء كان مبعوثا إليهم، أم لا، كإيماننا بالأنبياء السابقين، مع عدم بعثتهم إلينا، وفرق بين المقامين، والله أعلم، قاله السندي ﵀ . تنبيه: قد سقطت من هذه الرواية الخصلة الخامسة، وهي ثابتة في الصحيحين، وهي «وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي» ولعلها سقطت سهوا من المصنف، أو أحد الرواة عنه، أو من شيخه الحسن لأن هشيمًا، ومن فوقه ذكروها، كما في رواية الصحيحين. وليس قوله: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» خصلتين بل هما خصلة واحدة لتعلقهما بالأرض فتنبه. وقوله: (وأحلت لي الغنائم)، وفي رواية «المغانم» قال الخطابي ﵀: كان من تقدم على ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غَنمُوا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته. وقيل: المراد أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف يشاء، والأول أصوب، وهو أن مَن مَضى لم تحل لهم الغنائم أصلا، قاله في الفتح . وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره من الكتاب: أخرجه المصنف هنا ٢٦/ ٤٣٢ وفي الصلاة أيضا ببعضه برقم ٤٢/ ٧٣٦ «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدرك رجل الصلاة صلى». المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م) فأخرجه (خ) في الطهارة، وفي الصلاة، وفي الخمس عن محمَّد بن سنان، وفي الطهارة عن سعيد بن النضر. وأخرجه (م) في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، كلهم عن هشيم، عن سَيَّار أبي الحَكَم، عن يزيد الفَقير، عن جابر ﵁ . المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم به المصنف، وهو مشروعية التيمم بالصعيد، وقد تقدم المعنى المختار للصعيد وذكرُ مذاهب العلماء فيه في ٢٠٢/ ٣٢١. ومنها: مشروعية تعديد النعم تَحَدُّثًا بها، وإظهارا لها، لا فخرا وخُيَلاء، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: آية ١١]. ومنها: إلقاء العلم قبل السؤال. ومنها: أن الأصل في الأرض الطهارة. ومنها: أن صحة الصلاة لا تختص بالمسجد المبني لذلك، وأما حديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» فضعيف أخرجه الدارقطني من حديث جابر. ومنها: ما استدل به صاحب المبسوط من الحنفية على إظهار كرامة الآدمي، وقال: لأن الآدمي خُلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كُلًا منهما طهور ففي ذلك بيان كرامته . ومنها: ما قاله ابن بطال: فيه دليل أن الحجة تلزم بالخبر، كما تلزم بالمشاهدة، وذلك أن المعجزة باقية مساعدةٌ للخبر، مبينةٌ له، دافعة لما يخشى من آفات الأخبار، وهي القرآن الباقي، وخص الله ﷾ نبيه - ﷺ - ببقاء معجزته لبقاء دعوته، ووجوب قبولها على من بلغته إلى آخر الزمان. ومنها: ما خصه به الله سبحانه من الشفاعة، وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا شُفِّع فيه «قُلْ تسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفعْ». ومنها: إباحة الغنائم له، لأمته - ﷺ - . المسألة الخامسة: قد تقدم أن ذكر الخَمْس ليس للحصر، بل أخبر به على حسب ما أطْلَعَهُ الله تعالى عليه، وإلا فقد ثبت في حديث أبي هريرة مرفوعا عند مسلم: «فُضِّلتُ على الأنبياء بست ..» فذكر الخمس المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين، وهما: «وأُعْطيتُ جوامعَ الكلم، وختم في النبيون» قال الحافظ ﵀: فتحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال، ولمسلم أيضا من حديث حذيفة: «فضلنا على الناس بثلاث خصال: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» وذكر خصلة الأرض كما تقدم، وذكر خصلة أخرى، وهذه الخصلة المبهمة بَيَّنَها ابن خزيمة، والنسائي، وهي: «وأعْطيتُ هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش» يشير إلى ما حَطَّه الله تعالى عن أمته من الإصر، وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعا. ولأحمد من حديث علي: «أُعْطيتُ أربعا لم يعطهن أحد من الأنبياء: أُعْطيتُ مفاتيح الأرض، وسُمِّيتُ أحمدَ، وجُعلت أمتي خيرَ الأمم» وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال اثنتى عشرة خصلة، وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: «فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: غُفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأم، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لَصَاحبُ لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه» وذكر ثنتين مما تقدم. وله من حديث ابن عباس رفعه: «فُضِّلتُ على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرا فأعانني الله عليه، فأسْلَمَ، قال: ونسيت الأخرى». قال الحافظ ﵀: فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، وقد تقدم طريق الجمع بين هذه الروايات، وأنه لا تعارض فيها. وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى أن عدد الذي اختص به نبينا - ﷺ - عن الأنبياء ستون خصلة. انتهى كلام الحافظ . قال الحافظ جلال الدين السيوطي ﵀: بعد نقل كلام الحافظ ما نصه: وقد دعاني ذلك لمَّا ألفت التعليق الذي على البخاري في سنة بضع وسبعين وثمانمائة إلى تتبعها، فوجدت في ذلك شيئا كثيرًا في الأحاديث والآثار، وكتب التفسير، وشروح الحديث، والفقه والأصول، والتصوف، فأفردتها في مُؤَلَّف سميته «أنموذج اللبيب، في خصائص الحبيب» وقسمتها قسمين: ما خص به عن الأنبياء، وما خص به عن الأمة، وزادت عدة القسمين على ألف خصيصة، وسار المُؤَلَّفُ المذكور إلى أقصى المغارب والمشارق، واستفاد كل عالم وفاضل، وسَرَقَ منه كل مُدَّع وسارق. اهـ . قال الجامع عفا الله عنه: وقد عقد الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في ألفية السيرة المسماة «نظم الدرر البهية، في سيرة خير البرية» بابًا في ذكر القسمين فقال: «باب في ذكر خصائصه - ﷺ -» خُصَّ النَّبيُّ بوُجُوب عدَّةِ … الوتْرِ والسِّوَاكِ وَالأضْحيَّةِ كَذَا الضُّحَى لَوْ صَحَّ وَالمُصَابَرَهْ … عَلَى العَدُوِّ وَكَذَا المُشَاوَرَهْ وَالشَّافعيْ عَن الوُجُوب صَرَفَهْ … حَكَاهُ عَنْهُ البَيْهَقيْ في المَعْرفَهْ كَذَا التَّهَجُّدُ وَلَكنْ خُفِّفَا … نَسْخًا وَقيلَ الوتْرُ ذَا وَضُعِّفَا كَذَا قَضَاءُ دَيْن مَنْ مَاتَ وَلَمْ … يَتْركْ وَفَا وَقيلَ: بَلْ هَذَا كَرَمْ كَذَاكَ تَخْييرُ النِّسَاء اللاتِي … مَعْهُ وأمَّا في المُحَرَّمَاتِ ممَّا أبيحَ لسوَاهُ حُرِّمَا … عَلَيْه فَهْوَ مَدُّ عَيْنَيْه لِمَاَ قَدْ مُتِّعَ النَّاسُ به منْ زَهْرَةِ … دُنْيَاهُمُ كَذَاكَ مِنْ خَائنَةِ الْأَعيُنِ اْعْدُدْهُ وَنَزْعُهُ لِماَ … لَبِسَ منْ لَأْمَةِ حَرْبٍ حُرِّمَا حَتَّى يُلاقيَ العدَا فَيَنْزِعَا … صَدَقَةٌ فَأمْنَعْ وَلَوْ تَطَوُّعَا والشِّعْرَ وَالخَطّ وَقيلَ: يُمْنَعُ … ثُوْمٌ وَنَحْوُهُ وأكْلٌ يَقَعُ مَعَ اتِّكَاءٍ والنِّكَاحُ للأمَهْ … مَعَ الكتَابيَّة غَيْر المُسْلمَهْ كَذَاكَ إمْسَاكُ التي قَدْ كَرهَتْ … نكَاحَهُ وَالخُلْفُ في هَذَا ثَبَتْ وَقَدْ أبَاحَ رَبُّهُ الوصَالَا … لهُ وَفي سَاعَة القتَالَا بِمَكَّة كَذَا بلا إحْرَامِ … دُخُولُهَا ولَيْسَ بالمَنَامِ مُضْطجعًا نَقْضُ وُضُوئه حَصَلْ … كَذَا اصْطفَاءُ مَالَهُ اللهُ أحَلّ منْ قَبْل قسْمَة كَذَاكَ يَقْضِي … لنَفْسه وَوُلْده فَيَمْضِي كَذَا الشَّهَادَةُ كَذَاكَ يَقْبَلُ … مَنْ شَهِدُوا لهُ كَذَاكَ يَفْصِلُ في حُكْمهِ بعلمهِ للْعصْمَةِ … وَاخْتَلَفُوا في غَيْره للرِّيبَةِ كَذَا لهُ أنْ يَحْميَ المَوَاتَا … لنَفْسهِ وَيَأخُذَ الأقْوَاتَا وَغَيْرَهَا منَ الطَّعَام مَهْمَا … احْتَاجَ وَالبَذْلَ فَأوْجبْ حَتْمَا مِنْ مَالك وَإنْ يَكُنْ مُحْتَاجَا … لكنَّهُ لَفعْلِ هَذَا مَا جَا وَالخُلفُ في النَّقْض بلَمْس المَرْأةِ … وَالمُكْثُ في المَسْجد مَعْ جَنَابَةِ وَجَائزٌ نكَاحُهُ لتسْعَةِ … وَفَوْقَهَا وَعَقْدُهُ بالهبَةِ فَإنْ فَلَا بالعَقْد حَتْمُ مَهْرهِ … وَلا الدُّخُولِ بخلافِ غَيْرهِ كَذَا بلا وَليٍّ أوْ شُهُودٍ أوْ … في حَال إحْرَام بخُلْف قَدْ حَكَوْا وَمَنْ يَرُمْ نكَاحَهَا لَزِمَهَا … إجَابَةٌ وَحَرُمَتْ خَطبَتُهَا وَمَنْ لهْا زَوْج فحَقًا وَجَبَا … طَلاقُهَا كَمَا جَرَى لزَيْنَبَا وَفي وُجوب قَسْمهِ بَينَ الإمَا … وَبَيْنَ زَوْجَات لَهُ خُلفٌ نَمَا زَوْجَاتُهُ كُلٌّ مُحَرَّمَاتُ … هُنَّ لِذِي الإيمَانِ أُمَّهَاتُ نكَاحُهُنَّ مَعْ عُقُوقِهِنَّهْ … مَعَ الوُجُوب لاِحْترامَهِنَّهْ لا نَظرٌ وَخَلوَةٌ بِهِنَّهْ … وَلا بتَحْريمِ بَنَاتِهِنَّهْ مَنْ دَخَلَتْ عَلَيْه أوْ قَدْ فُورقَتْ … أوْ مَاتَ عَنْهَا أوْ تَكُونُ سَبَقَتْ وَهُنَّ أفْضَلُ نسَاءِ الأمَّةِ … ضُعِّفْنَ في الأجْرِ وَفي العُقُوبَةِ أفْضَلُهُنَّ مُطْلَقًا خَديجَةُ … وَبَعْدَهَا عَائشَةُ الصِّدِّيقَةُ وأنَّهُ خَاتَمُ الأنْبيَاءِ … خَيْرُ الخَلائقِ بلا امْترَاءِ أمَّتُهُ في النَّاس أفْضَلُ الأمَمْ … مَعْصُومَةٌ منَ الضَّلالِ بِعِصَمْ أصْحَابُهُ خَيْرُ القُرُونِ في المَلَا … كتَابُهُ المحْفُوظُ أنْ يُبَدَّلَا شِرْعَتُهُ قَدْ أبِّدَتْ وَنَسَخَتْ … كُلَّ الشَّرَائع التي قَبْلُ خَلَتْ وَالأرْضُ مَسْجدٌ لهُ طَهُورُ … وَالرُّعْبُ شَهْرًا نَصْرَهُ يَسِيرُ سَيِّدُ أوْلاد أبينَا آدَمَا … قَدْ حَلَّلَ اللهُ لهُ الغَنَائِمَا أرْسلَ للنَّاس جَميعًا أُعْطيَا … مَقَامَهُ المَحْمُودَ حَتَّى رَضِيَا وَخصَّ بالشَّفَاعَة العُظمَى الَّتِي … يُحْجمُ عَنْهَا كُلُّ مَنْ لَهَا أُتِي أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ … وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ بَلْ غَمْضُ أوَّلُ مَنْ يَقُومُ للشَّفَاعَةِ … أوَّلُ مَنْ يَقْرعُ بَابَ الجَنَّةِ أكثَرُ الأنْبيَاءِ حَقًا تَبَعَا … يَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَقُدَّام مَعَا آتَاهُ رَبُّهُ جَوَامعَ الكَلِمْ … قَرينُهُ أسْلَمَ فَهُوَ قَدْ سَلِمْ صَفُوفُهُ وَالأمَّة المُبَارَكَهْ … كَصَفِّ عنْدَ رَبِّهَا المَلائكَهْ وَلا يَحلُّ الرَّفْعُ فَوْقَ صَوْتِهِ … ولا يُنَادَى باسْمِهِ بَلْ نَعْتِهِ خُوطِبَ في الصَّلاةِ بالسَّلامِ … عَلَيكَ دُونَ لسَائر الأنَامِ وَمَنْ دَعَاهُ في الصَّلاة وَجَبَتْ … إجَابَةٌ لَهُ وَفَرْضُهُ ثَبَتْ وَبَوْلُهُ وَدَمُهُ إِذْ أُتِيَا … تَبَرُّكَا منْ شَارب مَا نُهِيَا يَقْبَلُ مَا يُهْدَى لَهُ فَحِلُّ … دُونَ الوُلاةِ فَهْوَ لا يَحلُّ فَاتَتْهُ رَكْعَتَان بَعْدَ الظُّهْرِ … صَلاهُمَا وَدَامَ بَعْدَ العَصْرِ وَمَا لَنَا دَوَامُ ذَا بَل يَمْتَنِعْ … وَمَا سوَى سَببِهِ فَمُنْقَطِعْ وَنَسَبٌ يَوْمَ القيَامَةِ وَمَنْ … رَآهُ نَوْمًا فَهْوَ قَدْ رَآهُ لَنْ يَكُونُ لِلشَّيْطَانِ مِنْ تَمَثُّلِ … بصُورَة النَّبيِّ أوْ تَخَيُّلِ وكَذِبٌ عَلَيْه لَيْسَ كَكَذِبْ … عَلَى سِوَاهُ فَهْوَ أكْبَرُ الكَذِبْ
مصادر المؤلف (٢٥)

١. و(^٢) فتح جـ ١ ص ٥٢٠.

٢. فتح جـ ١ ص ٥٢١.

٣. عمدة القاري جـ ٤ ص ٩.

٤. شرح السندي جـ ١ ص ٢١٠ - ٢١١.

٥. فتح جـ ١ ص ٥٢١.

٦. فتح جـ ١ ص ٥٢١.

٧. فتح جـ ١ ص ٥٢٢.

٨. فتح جـ ١ ص ٥٢٢.

٩. عمدة القاري جـ ٤ ص ١٠ وراجع رقم ٢٠٢/ ٣٢١.

١٠. عمدة القاري جـ ٤ ص ١٠.

١١. فتح جـ ١ ص ٥٢٣.

١٢. المصباح ص ٢١.

١٣. لسان باختصار جـ ٥ ص ٣٩٠٤.

١٤. المصباح جـ ٢ ص ٥٣٦.

١٥. شرح السندي جـ ١ ص ٢١١ - ٢١٢.

١٦. فتح جـ ١ ص ٥٢٢.

١٧. تحفة الأشراف جـ ٢ ص ٣٨٩.

١٨. فتح جـ ٢ ص ٥٢٤.

١٩. عمدة القاري جـ ٤ ص ١٠.

٢٠. فتح جـ ١ ص ٥٢٣ - ٥٢٤.

٢١. زهر الربى في شرح المجتبى جـ ١ ص ٢١٠.

٢٢. أي لو صح الحديث، ولكن لم يصح، كما قال البلقيني.

٢٣. وقد أنكر السبكي ﵀، هذا وقال: هو من منكر القول، ولم يكن - ﷺ - تعجبه امرأة أحد من الناس، وقصة زينب إنما جعلها الله كما في سورة الأحزاب قطعا لقول الناس: إن زيدا ابن محمَّد، وإبطالا للتبني، قال: وبالجُملة فهذا من منكرات كلامهم في الخصائص، وقد بالغوا في هذا الباب في مواضع اقتحموا فيها عظائم، لقد كانوا في غنية عنها. اهـ من هامش شرح الألفية ص ١٣٩.

٢٤. والهاء في المواضع الأربعة للسكت.

٢٥. الألفية بنسخة الشرح ص ١٣٣ - ١٥٠.