HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٤٤٨

أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إِذْ أَقْبَلَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَلْآنَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ، فَغَسَلَ الْقَلْبَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ ﵇، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يَحْيَى وَعِيسَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَا: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى هَارُونَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ. ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى قِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ وَأَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهَرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهَرَانِ ظَاهِرَانِ. فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ إِنِّي عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَنْ يُطِيقُوا ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنِّي، فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي ﷿ فَجَعَلَهَا ثَلَاثِينَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَجَعَلَهَا عِشْرِينَ، ثُمَّ عَشَرَةً، ثُمَّ خَمْسَةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، فَقُلْتُ: إِنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي ﷿ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَنُودِيَ أَنْ قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَأَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص149
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٢١٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٦ ص١٥
٤٤٨ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ أَقْبَلَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَلآنَ حِكْمَةً، وَإِيمَانًا، فَشَقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ، فَغَسَلَ الْقَلْبَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ ﵇، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يَحْيَى وَعِيسَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَا: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى هَارُونَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، قِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ وَأَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ؟ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ، آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرٍ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ، نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ، إِنِّي عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَنْ يُطِيقُوا ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنِّي، فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، فَقَالَ لِي: مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي -﷿- فَجَعَلَهَا ثَلَاثِينَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَجَعَلَهَا عِشْرِينَ، ثُمَّ عَشْرَةً، ثُمَّ خَمْسَةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَقُلْتُ: إِنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي ﷿ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَنُودِىَ أَنْ قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَأَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا». رجال الإسناد: ستة ١ - (يعقوب بن إِبراهيم) بن كَثير بن أفْلَحَ العبدي مولاهم أبو يوسف الدَّوْرَقي ثقة، توفي سنة ٢٥٢، وله ٩٦ سنة، من [١٠]، تقدم في ٢٢/ ٢١. ٢ - (يحيى بن سعيد) بن فَرُّوخ القَطَّان البصري ثقة متقن حافظ إمام قُدْوَةٌ توفي سنة ٢٩٨، وله ٧٨ سنة، من كبار [٩]، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (هشام الدَّسْتُوَائي) ابن أبي عبد الله -سَنْبَر- أبو بكر البصري ثقة ثبت وقد رمي بالقدر، توفي سنة ١٥٤، وله ٧٨ سنة، من كبار [٧]، تقدم في ٤٢/ ٤٧. والدَسْتُوائي: بفتح الدال، وسكون السين، وضم التاء، وفتحها- نسبة إلى بيع الثياب الدستوائية، وهي الثياب المجلوبة من دَسْتُوَا: بلد بالأهْواز. ٤ - (قتادة) بن دعامة بن قَتَادة السَّدُوسِيُّ أبو الخطاب البصري ثقة ثبت، يقال: وُلِدَ أكْمَهَ، توفي سنة بضع عشرة ومائة، رأس الطبقة [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس بن مالك) بن النَّضْر الأنصاري الخَزْرَجِيِّ خادم رسول الله - ﷺ - خدمه ١٠ سنين، صحابي مشهور، توفي سنة ٩٢، وقيل: سنة ٩٣، وقد جاوز ١٠٠ سنة، تقدم في ٦/ ٦. ٦ - (مالك بن صَعْصَعْة) بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النَّجَّار، الأنصاري المازني. روى عن النبي - ﷺ - حديث المعراج بطوله. تت جـ ١ ص ١٧. أخرج له الشيخان والترمذي والمصنف. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، ومنها: أن رواته كلهم ثقات، ومنها: أنهم ممن اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا مالك بن صَعْصَعَةَ، فأخرج له الشيخان، والترمذي والمصنف فقط، ومنها: أن مالكًا، هذا أول محل ذكره، ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلا شيخه فبغدادي، ومالكًا فمدني، ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁ وقد صرح قتادة بالتحديث في رواية للبخاري في بدء الخلق. قال الحافظ ﵀: قد رَوَى هذا الحديث عن النبي - ﷺ - جماعة من الصحابة، لكن طرقه في الصحيحين تدور على أنس، مع اختلاف أصحابه عنه، فرواه الزهري عنه، عن أبي ذر، ورواه قتاده عنه، عن مالك بن صعصعة، ورواه شريك بن أبي نَمِر، وثابت البناني عنه، عن النبي - ﷺ - بلا واسطة، وفي سياق كل منهم ما ليس عند الآخر. اهـ «فتح» جـ ١ ص ٥٤٨. (عن مالك بن صعصعة) الأنصاري المازني من بني النجار، ليس له في كتب الحديث غير هذا الحديث، ولا يعرف له راو إلا أنس بن مالك (أن النبي - ﷺ - قال: بينا) هي «بَيْنَ» أشْبعَت فتحتها فتولدت منها الألف، ويقال: «بينما»، وقد تقدم البحثَ عنها في ١٧٣/ ٢٧٠ (أنا) مبتدأ (عند البيت) متعلق بخبر محذوفٍ، أيْ كائن، أو هو حالٌ، والخبر الظرف الثاني، والبيت هو الكعبة -زادها الله شرفًا- لأنها المرادة عند الإطلاق، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»: وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بالغَلَبَه … مضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ ألَ كَالْعَقَبَهْ وعند البخاري في المعراج من رواية هَمَّام بن يحيى عن قتادة «بينما أنا في الحَطِيم -وربما قال في الحجْر- مضطجعًا» … وفي رواية الزهري عن أنس، عن أبي ذر «فُرِجَ سَقْفُ بيتي وأنا بمكة» وفي رواية الواقدي بأسانيده أنه أسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانىء عند الطبراني أنه بات في بيتها، قال: «ففقدته من الليل، فقال: إن جبريل أتاني». والقصة متحدة لاتحاد مَخْرَجِهَا. قال الحافظ ﵀: والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانىء، وبيتها عند شِعْب أبي طالب، فَفُرِجَ سقفُ بيته -وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنَه- فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعًا، وبه أثر النُّعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد، فأركبه البراق. وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع. وقيل: الحكمة في نزوله عليه من السقف الإشارة إلى المبالغة في مفاجأته بذلك، والتنبيه على أنه المراد منه أن يُعرَج به إلى جهة العلو. اهـ «فتح» جـ ٧ ص ٢٤٣ - ٢٤٤. (بين النائم واليقظان) الظرف إما خبر أو حال من «أنا». و«اليَقْظان»: بفتح فسكون: صفة مشبهة من «يَقظَ يَقَظًا» من باب تَعِبَ، ويَقَظَةً، بفتح القاف، ويَقَاظَةً: خلافُ نامَ، وكذلكَ إذا انتبه للأمور. ورجل يَقْظَانُ، وامرأة يَقْظَى. أفاده في «المصباح» جـ ٢ ص ٦٨٠ - ٦٨١. قال في الفتح: وهو محمول على ابتداء الحالَ، ثم لَمَّا خَرَجَ به إلى باب المسجد، فأركبه البراق استمر في يقظته، وأما ما وقع في رواية شريك، في رواية البخاري في التوحيد في آخر الحديث «… فلما استيقظت» فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حُمِلَ على أن المراد باستيقظت: أفَقْتُ، أي أنه أفَاقَ مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت، ورجع إلى العالم الدنيوي، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جَمْرة: لو قال - ﷺ - أنه كان يقظان لأخبر بالحق، لأن قلبه في النوم واليقظة سواء، وعينه أيضا لم يكن النوم تمكن منها، لكنه تَحَرَّى - ﷺ - الصدقَ في الإخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنه لا يُعدَل عن حقيقة اللفظ إلى المجاز إلا لضرورة. انتهى (إِذ أقبل أحد الثلاثة) جواب بينا … قال السندي ﵀: ظاهر النسخة أن «إذ» بلا ألف، وأن الألف التالية متعلقة بما بعده -يعني أنها جزء مما بعده- وهو من الإقبال، والمعنى أنه جاءه ثلاثة، فأقبل منهم واحد إليه (بين رجلين) حال من مقدر، أي أقبل إليَّ واحد، والحال أني كنت بين رجلين، قالوا: هما حمزة وجعفر. قال الجامع: الأولى عندي على هذا الوجه: أن يكون «بين رجلين» حالًا من أحد الثلاثة؛ أي حال كونه كائنًا بين رجلين، أي أن الملك الذي أقبل إليه كان بين ملكين. والله أعلم. قال السندي ﵀: ويحتمل أن يقرأ «إذَا قِيلَ» على أن الألف جزء من «إذا»، «وقيل» من القول، أي سمعت قائلا يقول في شأني: هو أحد الثلاثة بين الرجلين، أي أوسطهم. قمال الجامع: هذا الاحتمال يحتاج إلى ثبوت الرواية فتبصر. «قال السندي»: وقد جاء في رواية أنهم جاءوا، وهم ثلاثة، وفي رواية: سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين. ولا منافاة بين الروايتين، فالوجهان في كلام المصنف صحيحان لفظًا ومعنى. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: رواية المصنف هنا وفي الكبرى «إذ أقبل أحد الثلاثة بين الرجلين» ورواية البخاري في «المعراج» «إذ أتاني آت» وهو جبريل، كما في رواية له في الصلاة …، وله في «بدء الخلق»: وذكر بين رجلين. ورواية مسلم «إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين». فرواية المصنف تفيد أن الذين أقبلوا إليه، وهم الملائكة كانوا ثلاثة، ورواية مسلم تدل على أنه - ﷺ - كان مع رجلين، قيل: هما حمزة وجعفر، وكان نائما بينهما …، وهو معنى ما في البخاري «وذكر بين رجلين»، وأما رواية «إذ أتاني آت» فلا تنافي هذا، لأن المراد: الملك الذي أقبل إليه من بين الثلاثة. قال الحافظ ﵀: ويستفاد منه ما كان عليه - ﷺ - من التواضع وحسن الخلق، وفيه جواز نوم جماعة في موضع واحد، وثبت من أدلة أخرَى أنه يشترط أن لا يجتمعوا في لِحَافٍ واحد. انتهى. «فتح» جـ ٧ ص ٢٤٤. (فَأتِيتُ) بالبناء للمفعول؛ والآتي، والذي شَقَّ النَّحر، وغَسَلَ القلبَ، وَمَلأهُ حكمةً وإيمانًا هو: جبريلُ، ففي رواية البخاري في الصلاة «فَنَزَلَ جبريل، فَفَرَجَ صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبَقَه، ثم أخذ بيدي، فعَرَجَ بي إلى السماء الدنيا …» الحديث. (بطَست) -بفتح الطاء، وبكسره، وبمثناة، وقد تحذف؛ وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيء، وأخطأ من أنكرها. قاله في الفتح. وهو إناء معروف مؤنث، وقد سبق التحقيق في ضبطه ومعناه برقم (٧٥/ ٩٢)، فارجع إليه تزدد علمًا. (من ذَهَبٍ) قال في الفتح: خَصَّ الطست لكونه أشهر آلات الغسل عرفًا، والذهب لكونه أغلى أنواع الأواني الحسية، وأصْفاها، ولأن فيه خَواصَّ ليست لغيره، ويظهر لها هنا مناسبات: منها: أنه من أواني الجنة، ومنها: أنه لا تأكله النار، ولا التراب، ولا يَلْحَقُهُ الصَدأ. ومنها: أنه أثقلُ الجواهر، فناسبَ ثِقَلَ الوحيِ. وقال السهيلي وغيره: إنْ نُظِرَ إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهاب الرِّجْس عنه. ولكونه وقع عند الذَّهاب إلى ربه. وإنْ نُظِرَ إلى معناه فَلِوَضَاءته ونَقَائه، وصَفَائه، ولثقله ورُسُوبَته، والوحيُ ثقيل، قال الله تعالىَ: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾ [المؤمنون: ١٠٢]؛ ولأنه أعزُّ الأشياء في الدنيا، والقول هو: الكتاب العزيز. ولعل ذلك كان قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة، ولا يكفي أن يُقالَ. أن المُسْتَعْمِلَ له كان ممن لم يُحَرَّمُ عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه لو كان قد حرم عليه استعماله لنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم. ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحكام الآخرة. «فتح» جـ ٧ ص ٢٤. قال الجامع عفا الله عنه: وأحسن من هذا كله ما أشار إليه في الفتح في كتاب الصلاة، وهو أن هذا الاستعمال كان قبل التحريم؛ لأن هذا كان في ليلة الإسراء قبل الهجرة، وتحريم الذهب إنما وقع بالمدينة. والله أعلم. (ملآن) صفة لطست، والتذكير لتأويله بالإناء، وفي نسخة «ملأى» بالتأنيث لأن الطست مؤنث، كما تقدم، وفي نسخة «ملىء» وعند البخاري «ممتلىء» (حكمةً وإيمانًا) منصوبان على التمييز. والحكمة: بالكسر اسم؛ من حَكُم بضم الكاف، أي صار حكيمًا، وصاحب الحِكْمةِ: المتقنُ للأمور، وأما حَكَمَ -بفتح الكاف- فمعناه قَضَى، ومصَدرَه الحُكْم بالضم؛ والحُكْم أيضا الحِكْمَةُ بمعنى العلم، والحاكم: العالم. وقال النووي ﵀: إن الحكمة فيها أقوال متضاربة صَفَى لنا منها أن الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيقِ الحقِ، والعمل به، والصَّدِ عن اتباع الهوى والباطل، فالحكيم من حاز ذلك كله. وقال ابن دُرَيد: كل كلمة وَعَظتْكَ، أو زَجَرَتْكَ، أو دَعَتْكَ، إلى مَكْرُمَةِ، أو نهتك عَن قَبيحٍ فهي حكمة. وقيل: الحكمة: المانعة من الجهل، وقيل: النبوة، وقيل: الفهم عن الله تعالى. وقال ابن سيدَهْ: القرآن كفى به حكمة، لأن الأمة صارت علماء بعد الجهل. اهـ. «عمدة القاري» جـ ٤ ص ٤٢، ٤٣. وقال النووي: معناه: أن الطست كان فيها شيء يحصل به زيادة في كمال الإيمان، وكمال الحكمة، وهذا المِلْءُ يحتمل أن يكون على حقيقته، وتجسيد المعاني جائز كما جاء أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة، والموت في صورة كبش، وكذلك وزن الأعمال، وغير ذلك من أحوال الغيب. وقال البيضاوي: لعل ذلك من باب التمثيل؛ إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا، كما مثلت له الجنة والنار في عُرْضِ الحائط، وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس. وقال ابن أبي جَمْرةَ: فيه أن الحكمة، ليس بعد الإيمان أجلّ منها، ولذلك قُرنت معه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وأصح ما قيل في الحكمة: أنها وَضعُ الشيء في محله، أو الفهم في كتاب الله، فعلى التفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان، وقد لا توجد، وعلى الأول فقد يتلازمان، لأن الإيمان يدل على الحكمة. انتهى «فتح» جـ ٧ ص ٢٤٥. (فشق) على البناء للفاعل، أي شق الملك الآتي، أو على البناء للمفعول، وكذا بالوجهين: قوله: «فغسل»، وقوله: «ملىء» قاله: السندي. (من النحر) بفتح فسكون- موضع القلادة من الصدر، والجمع نُحُور، مثل فَلْس وفُلُوس، وتُطلَقُ النحور على الصدر. قاله في المصباح. (إِلى مَرَاقِّ البطن) -بفتح الميم وتشديد القاف- قال في النهاية: هي ما سَفَلَ من البطن فما تحته من المواضع التي تَرِقُّ جلودها، وَاحِدُهَا مَرَقّ، قاله الهروي، وقال الجوهري: لا واحد لها. اهـ. «زهر». قال في «الفتح»: وقد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وقال: إنما كان ذلك، وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك ، فقد تواردت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل منهما حكمة؛ فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس «فأخرج عَلَقَة، فقال: هذا حظ الشيطان منك» وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقَّى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء، ليتأهب للمناجاة. وذَكَرَ في كتاب الصلاة نحو ذلك وقال: ومحصله: أن الشق الأول كان لاستعداده لنزع العَلَقَة التي قيل له عندها: «هذا حظ الشيطان منك» والشق الثاني كان لاستعداده للتلقي الحاصل له في تلك الليلة. وقد رَوَى الطيالسي والحارث في مسنديهما من حديث عائشة: «أن الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء. والله أعلم. ومناسبته ظاهرة، ورُويَ الشقُ أيضا وهو ابن عشر أو نحوها في قصة له مع عبد المطلب، أخرجها أبو نعيم في الدلائل، وروي مرة أخرى خامسة، ولا تثبت. اهـ»فتح الباري«جـ ٧ ص ٢٤٤، جـ ١ ص ٥٤٩. (فغسل القلب بماء زمزم) وعند مسلم«فاستُخْرِجَ قلبي فَغُسِل بماء زمزم»، وزَمْزَم اسم للبئر التي في المسجد الحرام، غير منصرف للتأنيث والعلمية، ويقال: ماءٌ زَمْزَمٌ، وزَمْزَامٌ، وزُوازِمُ، وزُوَزِمُ: إذا كان بَينَ المِلْح والعَذْب، وقد ذكر بعض اللغوين لها أسماء كثيرة، منها: مَكْتُومة، مَضْنُونَةُ، شُبَاعَةُ، سُقْيَا، الرِّوَاءُ، رَكْضَةُ جبْريلُ، هَزْمَةُ جِبْريلَ، شِفَاءُ سُقْمٍ، طَعامُ طُعْمٍ، حَفِيرةُ عَبْدِ المُطَّلبِ . وذكر صاحب«تاج العروس» أنه جمع لها من كتب الحديث وكتب اللغة أسماءً تنيف على ستين اسمًا . وفيه فضيلة ماء زمزم على جميع المياه. قال ابن أبي جَمْرة: وإنما لم يُغْسَل بماء الجنة لما اجتمع في ماء زمزم من كون أصل مائها من الجنة، ثم استقَّر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبي - ﷺ - في الأرض. وقال السهيلي: لما كانت زمزمُ هزمةَ جبريلَ رُوحِ القدسِ لأم إسماعيل جَدِّ النبي - ﷺ -، نَاسَبَ أن يُغْسَلَ بمائها عند دخول حضرة القدس ومناجاته. ومن المناسبات المستَبْعَدَةِ قول بعضهم: إن الطست يناسب «طس تلك آيات القرآن» . فائدة: قال الحافظ ﵀: وجميع ما ورد من شَقِّ الصدر، واستخراجِ القلب، وغيرِ ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك . (ثم ملىءَ حكمةً وإِيمانًا) وعند البخاري: «ثم حُشِيَ، ثم أعِيدَ»، وعند مسلم: «ثم حُشِيَ إيمانًا وحكمةً»، وفي رواية شريك: «فحُشيَ صدره ولَغَادِيْدُهُ» ، بلام وغين -معجمة- أي عروق حلقه، والمرادَ به ما كان في الَطست من حكمة وإيمان، يدل عليه ما في البخاري وغيره «ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمًة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبَقَهُ». قال في «الفتح»: وقد اشتملت هذه القصة من خوارق العادة على ما يدهش سامعه فضلًا عمن شاهده، فقد جرت العادة بأن من شُقَّ بطنُهُ، وأخْرِجَ قلبُهُ يموت لا مَحَالَةَ، ومع ذلك فلم يُؤثِّرْ فيه ذلك ضرَرًا، ولا وَجَعًا فضلًا عن غير ذلك. وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في شق قلبه مع القدرة على أن يمتلىء قلبه إيمانًا وحكمةً بغير شق- الزيادةُ في قوة اليقين، لأنه أعطيَ برؤية شَقِّ بطنه وعدمِ تأثُّره بذلك ما أمنَ معه من جميع المخاَوف العادية، فلذَلَك كان أَشجعِ الناس، وَأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وُصفَ بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]. واختُلفَ هل كان شق صدره وغَسلُهُ مختصًا به، أو وقع لغيره من الأنبياء؟ وقد وقع عند الطبراني في قصة تابوت بني اسرائيل أنه كان فيه الطست التي يغسل فيها قلوب الأنبياء، وهذا مشعر بالمشاركة، وسيأتي نظير هذا البحث في ركوب البراق. اهـ. فتح جـ ٧ ص ٢٤٦. (ثم أتِيتُ بدابة) قيل: الحكمة في الإسراء به راكبًا مع القدرة على طي الأرض له إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة في مقام خرق العادة، لأن العادة جرت بأن المَلِكَ إذا استدعَى من يختص به يبعث إليه بما يركبه. (دون البغل وفوق الحمار) الظرف صفة لدابة، والحكمة في كون الدابة بهذه الصفة: الإشارة إلى الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة، أو باعتبار أن الركوب كان في سِلْمٍ وأمْنٍ، لا في حَرْب وخوف . وفي الرواية الآتية للمصنف «بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها». وعند البخاري «دون البغل وفوق الحمار أبيض»، فوصف الدابة بالبياض وذَكَّرَهُ باعتبار كونه مركوبًا، أو نظرًا للفظ البراق. والله تعالى أعلم. تنبيهان: الأول: وقع في «صحيح البخاري» سؤال الجارود -الراوي عن أنس- عن الدابة هل هي البراق؟ فقال: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم، يَضَعُ خَطْوَهُ عند أقصى طَرْفِهِ. أي يضع رجله عند منتهى ما يَرَى بَصَرُه. وفي حديث ابن مسعود عند أبي يعلى، والبزار «إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه»، وفي رواية لابن سعد عن الواقدي بأسانيده: «له جناحان» قال الحافظ: ولم أرها لغيره، وعند الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس في صفة البراق «لها خد كخد الإنسان، وعُرْف كالفرس، وقوائم كالإبل، وأظلاف، وذَنَب كالبقر، وكان صدره ياقوتة حمراء». قيل: ويؤخذ من ترك تسمية سير البراق طَيَرَانًا أن الله إذا أكرم عَبْدًا بتسهيل الطريق له حتى قطع المسافة الطويلة في الزمن اليسير أن لا يخرج بذلك عن اسم السفر، وتَجْري عليه أحكام السفر . الثاني: البراق -بضم الموحدة، وتخفيف الراء- مشتق من البَريق، فقد جاء في لونه أنه أبيض، أو من البرق لأنه وصفه بسرعة السير، أو من قولهم: شاة بَرْقاء إذا كان خِلال صوفها الأبيض طاقاتٌ سُودٌ، ولا ينافيه وصفه في الحديث بأن البراق أبيض لأن البرقاء من الغنم معدودة في البياض. ويحتمل أن لا يكون مشتقًا، قال ابن أبي جَمْرَةَ: خُصَّ البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به، لأنه لم ينقل أن أحدًا ملكه، بخلاف غير جنسه من الدواب، قال: والقدرة كانت صالحة لأن يَصْعد بنفسه من غير براق، ولكن ركوب البراق كان زيادةً له في تشريفه، لأنه لو صَعدَ بنفسه لكان في صورة ماش، والراكب أعز من الماشي. قاله في «الفتحَ». جـ ٧ ص ٢٤٦، ٢٤٧. (ثم انطلقت): أي ذهبت، وذلك بعد ركوبه على تلك الدابة، لما في رواية البخاري، «فحُملْتُ عليه»، وفي رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى «فكان الذي أمسكَ بركابه جبريل، وبزمامِ البراق ميكائيل». وفي رواية معمر عن قتادة عن أنس أن رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به أتيَ بالبراق مُسْرَجًا، مُلجمًا، فاستَصْعَب عليه، فقال له جبريل: ما حمَلك على هذا؟ فوالله ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه، قال: فارفض عرقًا«أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب، وصححه ابن حبان. وذكر ابن إسحاق عن قتادة«أنه لما شَمَس وَضَعَ جبريلُ يده على معْرَفَتِهِ ، فقال: أما تَستَحي»؟ فذكر نحوه مرسلًا، لم يذكر أنسًا. وفي رواية وَثيَمة عن ابن إسحاق«فارتعشَت حتى لصقَت بالأرض، فاستويتُ عليَها». وللنسائي، وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس نحوه موصولًا، وزاد:«وكانت مُسَخَرة للأنبياء قبله»، ونحوه في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق. وفيه دلالة على أن البراق كان معدَّا لركوب الأنبياء خلافًا لمن نَفَى ذلك، كابن دحية، وأول قول جبريل:«فَمَا رَكبَكَ أكرمُ على الله منه»أي ما ركبك أحد قط فكيف يركبك أكرم منه؟ وقد جزم السهيلي أن البراق إنما استصعب عليه لبعد عهده بركوب الأنبياء قبله. وقال النووي: قال الزبيدي في«مختصر العين»، وتبعه صاحب«التحرير»: كان الأنبياء يركبون البراق. قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. قال الحافظ: قلت: قد ذَكَرْتُ النقل بذلك ويؤيده ظاهر قوله«فربطته بالحَلْقة التي تَربِطُ بها الأنبياء»ووقع في المبتدأ لابْنِ إسحاق من رواية وثيمة في ذكر الإسراء«فاستَصْعَبَت البراقُ، وكانت الأنبياء تركبها قبلي، وكانت بعيدةَ العهد بركوبهم، لمَ تكن رُكِبت في الفَتْرَةِ». وفي مغازي ابن عائذ من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب قال:«البراق هي الدابة التي كان يزور إبراهيمُ عليها إسماعيلَ»، وفي الطبراني من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه«أنَ جبريل أتَى النبيَّ - ﷺ - بالبراق، فحمله بين يديه». وعند أبي يعلى والحاكم من حديث ابن مسعود رفعه«أتِيتُ بالبراق، فَرَكبتُ خلف جبريل»، وفي حديث حذيفة عند الترمذي والنسائي«فماَ زايلَا ظَهْرَ البراق»وفي كتاب مكة للفاكهي، والأزرقي«أن إبراهيم كان يحج على البراق»، وفي أوائل الروض للسهيلي«أن إبراهيم حمل هاجر على البراق لما سار إلى مكة بها وبولدها». قال الحافظ: فهذه آثار يشد بعضها بعضًا. وجاءت آثار أخرى تشهد لذلك لم أر الإطالة بإيرادها. ومن الإخبار الواهية في صفة البراق: ما ذكره الماوردي عن مقاتل، وأورده القرطبي في التذكرة، ومن قبله الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: الموت والحياة جسمان، فالموت كبش لا يجد ريحه شيء إلا مات، والحياة فرس بَلْقاءُ أنثَى، وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها، لا تَمُرُّ بشيء، ولا يجد ريحها شيء إلا حَيِيَ. ومنها: أن البراق لما عاتبه جبريل قال له معتذرًا: إنه مَسَّ الصَّفْراء اليوم، وإن الصفراء صنم من ذهب كان عند الكعبة، وإن النبي - ﷺ - مَرَّ به فقال. تَبَّا لمن يعبدك من دون الله، وأنه - ﷺ - نهى زيد بن حارثة أن يَمَسَّهُ بعد ذلك، وكسره يوم فتح مكة. قال ابن المُنَيِّر: إنما استصعب البراق تَيْهًا (أي فخرًا أو تكبرًا)، وزهْوًا (عطف تفسير لـ«تيهًا») بركوب النبي - ﷺ -، وأراد جبريل استنطاقه، فلذلك خَجلَ، وارفضَّ عَرَقًا من ذلك، وقريب من ذلك رَجْفَةُ الجبل به حتى قالَ له: «اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيد»، فإنها هزَّةُ الطَّرَب، لا هزَّةُ الغَضَب. ووقع في حديث حذيفة عند أحمد، قال: «أتي رسولُ الله - ﷺ - بالبراق، فلم يزايل ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس»، فهذا لم يُسندْه حذيفة عن النبي - ﷺ - فيحتمل أنه قال عن اجتهاد، ويحتَمل أن يكون قوله: هو وجبريل يتعلق بمرافقته في السير، لا في الركوب. قال ابن دحية وغيره: معناه: وجبريل قائد، أو سائق، أو دليل، قال: وإنما جزمنا بذلك لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبي - ﷺ - فلا مدخل لغيره فيها. قال الحافظ: ويرد التأويل المذكور: أن في صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود أن جبريل حمله على البراق رَديفًا، وفي رواية الحارث في مسنده، «أتِيَ بالبراق، فركب خلف جبريَل، فسار بهما» فهذا صريح في ركوبه، فالله أعلم. وأيضًا فإن ظاهره أن المعراج وقع للنبي - ﷺ - على ظهر البراق إلى أن صعد السموات كلها، ووصل إلى ما وصل، ورجع، وهو على حاله، وفيه نظر لما سأذكره، ولعل حذيفة إنما أشار إلى ما وقع في ليلة الإسراء المجردة التي لم يقع فيها معراج على ما تقدم من تقرير الإسراء مرتين. اهـ. «فتح الباري» جـ ٧ ص ٢٤٨. قال الجامع: عندي أن الإشكال لا يزول إلا بحمل الواقعة على التعدد. كما يظهر ذلك من تتبع الروايات فتأمل بإنصاف، والله أعلم. (فأتينا السماء الدنيا): وعند البخاري «حتى أتينا السماء الدنيا» قال الحافظ: ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء، وهو مقتضى كلام ابن أبي جمرة المذكور قريبًا وتمسك به أيضًا من زعم أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس. فأما العروج، ففي غير هذه الرواية من الإخبار أنه لم يكن على البراق بل رقي المعراج، وهو السُّلَّمُ، كما وقع مصرحًا به في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل ولفظه «فإذا أنا بدابة، كالبغل مُضْطَربِ الأذنين، يقال له البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، فركبته»، فذكر الحديث، قال: «ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصليت، ثم أتِيتُ بالمعراج». وفي رواية ابن إسحاق: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتِيَ بالمعراج، فلم أر قط شيئًا كان أحسن منه، وهو الذي يمد إليه الميت عَينيه إذا حُضرَ، فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء» … الحديث. وفي رواية كعب «فوُضِعَت له مرقاة من فضة، ومرقاة من ذهب حتى عَرَج هو وجبريل»، وفي رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى: أنه «أتي بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه مُنَضَّدٌ باللؤلؤ، وعن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة. وأما المحتج بالتعدد فلا حجة له، لاحتمال أن يكون التقصير في ذلك الإسراء من الراوي، وقد حفظه ثابت عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال:«أتيت بالبراق- فوصفه، قال- فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل بإناءين -فذكر القصة، قال- ثم عرج بي إلى السماء». وحديث أبي سعيد دال على الاتحاد. انتهى فتح الباري جـ ٧ ص ٢٤٨. قال الجامع: تقدم قريبًا أن ما في حديث حذيفة وغيره من ركوب جبريل معه، لا يزول إلا بالحمل على التعدد، فتأمل. والله تعالى أعلم. تنبيهان: الأول: ذكر الحافظ ﵀ في«الفتح»في«كتاب الصلاة»اختلاف العلماء في أن المعراج هل كان في ليلة الإسراء أم لا؟ فقال عند قول البخاري«باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء» ما نصه: وهذا مصير من الصنف -يعني البخاري- إلى أن المعراج كان في ليلة الإسراء، وقد وقع في ذلك اختلاف؛ فقيل: كانا في ليلة واحدة في يقظته - ﷺ -، وهذا هو المشهور عند الجمهور، وقيل: كانا جميعًا في ليلة واحدة في منامه، وقيل: وقعا جميعًا مرتين في ليلتين مختلفتين: إحداهما يقظة، والأخرى منامًا، وقيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس خاصة في اليقظة، وكان المعراج منامًا: إمَّا في تلك اليلة أو في غيرها. والذي ينبغي أن لا يجري فيه الخلاف: أن الإسراء إلى بيت المقدس كان في اليقظة لظاهر القرآن، ولكون قريش كذبته في ذلك، ولو كان منامًا لم تكذبه فيه، ولا في أبعد منه . الثاني: أنه تقدم في رواية ثابت عن أنس: قوله «فربطته -يعني البراق- بالحلقة» وقد أنكر ذلك حذيفة ﵁، فَرَوى أحمد والترمذي من حديث حذيفة، قال: «تَحَدَّثُون أنه رَبَطه، أخَافَ أن يَفرَّ منه، وقد سخر له عالم الغيب والشهادة؟!». قال البيهقي ﵀: المثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت ربط البراق والصلاة في بيت المقدس، معه زيادة علم على من نفى ذلك، فهو أولى بالقبول. ووقع في رواية بُرَيْدَة عند البزار «لما كان ليلة أسري به فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها، فخرقها، فشد بها البراق، ونحوه للترمذي. وأنكر حذيفة أيضًا في هذا الحديث أنه - ﷺ - صلى في بيت المقدس، واحتج بأنه«لو صلى فيه لكُتِب عليكم الصلاةُ فيه، كما كتب عليكم الصلاة في البيت العتيق». قال الحافظ: والجواب عنه منع التلازم في الصلاة إن كان أراد بقوله:«كتب عليكم»الفرض، وإن أراد التشريع فنلتزمه، وقد شَرَعَ النبي - ﷺ - الصلاة في بيت القدس، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجدِهِ في شد الرحال، وذَكَرَ فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي:«حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربط بها»وفيه«فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين»، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه نحوه، وزاد«ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين من بين قائم، وراكع، وساجد، ثم أقيمت الصلاة، فأممتهم». وفي رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند ابن أبي حاتم:«فلم ألبث إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن، فأقيمت الصلاة فقمنا صفوفًا، ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل، فقدمني، فصليت بهم». وفي حديث ابن مسعود عند مسلم«وحانت الصلاة، فأمَمْتُهُم». ويأتي للمصنف برقم (٤٥٠) نحوه. وفي حديث ابن عباس عند أحمد«فلما أتَى النبيُّ - ﷺ - المسجد الأقصى قام يصلي، فإذا النبيون أجمعون يصلون معه». وفي حديث عمر عند أحمد أيضًا أنه«لما دخل بيت المقدس، قال: أصَلّيِ حيث صَلَّى رسولُ الله - ﷺ -، فتقدم إلى القبلة، فصلى». قال عياض ﵀: يحتمل أن يكون صلى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس، ثم صعد منهم إلى السموات مَن ذَكَر أنه - ﷺ - رآه، ويحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هَبَطَ من السماء، فهبطوا أيضًا. وقال غيره: رؤيته إياهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم إلا عيسى لما ثبت أنه رفع بجسده، وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك، وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح خاصة، ويحتمل الأجساد بأرواحها، والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج. والله أعلم. اهـ «فتح» جـ ٧ ص ٢٤٨، ٢٤٩. قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي إلى هذه الاحتمالات التي تؤدي إلى إخراج هذه النصوص عن ظواهرها، بل إنه - ﷺ - صلى بالأنبياء بأجسادهم وأرواحهم، ثم لما صَعدَ في الملأ الأعلى وجد مَن ذَكَرَهم من الأنبياء كذلك روحًا وجسدًا، فإنَ هذه الأمور أمور غيبية يجب الإيمان بها والتسليم لها، فإن الله سبحانه يكرم من يشاء من عباده، ولا سيما الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام بما يشاء من الكرامة، وهو على ما يشاء قدير، فالواجب علينا أن نصدق بما صح عن رسول الله - ﷺ - ولا نكلف أنفسنا بما لا تحيط به علمًا، فنقول: إن النبي - ﷺ - رأى موسى ﵊ يصلي في قبره، ثم صلى معه ببيت المقدس، ثم وجده في السماء السادسة، بل نقول: إن ما أخبر به - ﷺ - حق وصدق، والله على كل شيء قدير. (السماء الدنيا) فُعْلَى: من الدُّنُوِّ، وهو القرب، أي القريبة إلى الأرض. وفي حديث أبي سعيد في ذكر الأنبياء عند البيهقي: «إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، وعليه ملك، يقال له: إسماعيل، وتحت يده اثنا عشر ألف ملك». قاله في «الفتح» جـ ٧ ص ٢٤٩. (فقيل: من هذا؟) أي قال خازن السماء الدنيا لجبريل بعد أن استفتح الباب؛ لما عند مسلم «فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟». وفيه أن الباب كان مغلقًا، والحكمة -كما قال ابن المنير- التَّحقُّقُ أن السماء لم تفتح إلا من أجله، بخلاف ما لو وجده مفتوحًا. (قال: جبريل) خبر لمحذوف، أي أنا جبريل. فيه من أدب الاستئذان أن المستأذن يسمي نفسه، ولا يقول: أنا، لعدم الفائدة. (قيل: ومن معك) فيه إشعار بأنهم أحسوا معه برفيق، وإلا لكان السؤال بلفظ «أمعك أحد؟»، وذلك الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، وإما بأمر معنوي، كزيادة أنوار، أو نحوها، يشعر بتجدد أمر يحس معه السائل بهذه الصيغة. قاله في الفتح. (قال) جبريل: (محمد) مبتدأ محذوف الخبر جوازًا، كما قال ابن مالك: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كمَا … تَقُولُ: زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكمَا؟ أي محمد معي، وعكسه قوله الماضي: «جبريل» فهو من حذف المبتدإ جوازًا، كما تقدم تقديره، فهو على ما قاله ابن مالك: وفي جَوَابِ كيْفَ زَيْدٌ قُلْ: دَنِفْ … فَزَيْدٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ إِذْ عُرِفْ وفيه دليل على أن الاسم أولى في التعريف من الكنية، قاله في الفتح. قال الجامع: هذا إذا لم تكن الكنية أشهر من الاسم، كأبي بكر، وإلا فالعكس أولى، ومثله اللقب، لأن المقصود التعريف المميز عن المشاركين، فما كان أعرف عند الناس فهو أولى لهذا الغرض. والله أعلم. (قيل: وقد أرسل إِليه؟) أي قال خازن السماء لما استفتحه جبريل: وقد أرسل إليه؟ أي للعروج إلى السماء، بدليل قوله: «إليه»، لأنه لو كان المرادُ الإرسالَ، بمعنى النبوة، لقال: وقد أرسِلَ إلى الناس؟، ويَحتَمِلُ أن يكون المرادُ أرسِلَ إليه بالنبوة، وإنما سأل عنه لاشتغاله بالعبادة عن علم ذلك، لكن هذا بعيد. قيل: الحكمة في سؤال الملائكة الإرسال إليه: أن الله تعالى أراد اطِّلاعَ نبيه - ﷺ - على أنه معروف عند الملأ الأعلى، لأنهم قالوا: أأرسل إليه؟ «فَدَلَّ على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد؟ مثلًا. اهـ.»فتح«جـ ٦ ص ٢٤٩. ولم يُذْكَرْ هنا جوابُ جبريل لهذا السؤال، وقد ذُكِرَ عند البخاري وغيره.«قال: نعم». فقال الخازن: (مرحبًا به) أي أصاب رُحْبًا وسَعَةً، وكَنَّى بذلك عن الانشراح. وفي«اللسان»: وقال الليث: معنى قول العرب: مَرْحَبًا: انْزِلْ فِي الرُّحبِ والسَّعَةِ، وَأقِمْ، فَلكَ عندَنَا ذلك، وسُئلَ الخليلُ عن نَصْب مَرْحَبًا؟ فقال: فيه كَمِينُ الفعلِ. أراد بَه انْزِلْ، أَوْ أقِمْ، فَنُصبَ بفعل مضمر، فلما عُرِفَ معناَه المرادُ به، أمِيتَ الْفِعْلُ. اهـ جـ ٣ ص ١٦٠٦. واستنبَطَ منه ابنُ المُنَيِّرِ جوازَ ردّ السلام بغير لفظ السلام، وتُعُقِّبَ بأن قول الملك:«مرحبًا به»ليس ردًا للسلام، فإنه كان قبل أن يَفْتَحَ البابَ، والسياق يرشد إليه، وقد نَبَّهَ على ذلك ابنُ أبي جَمْرَةَ، ووقع هنا أن جبريل قال له عند كل واحد منهم:«سَلِّمْ عليه»قال:«فسَلَّمْتُ عليه، فَرَدَّ عَلَيَّ السلامَ»، وفيه أنه رآهم قبل ذلك. اهـ.«فتح»جـ ٦ ص ٢٤٩. (وَلنِعمَ المجيءُ جاء) قيل: المخصوص بالمدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير«جَاءَ فنعم المجيءُ مجيئه». وقال ابن مالك: في هذا الكلام شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو الصفة عن الموصوف في باب نِعْمَ، لأنها تَحْتَاجُ إلى فاعل، هو المجيءُ، وإلى مخصوص بمعناها وهو مبتدأ أو مُخْبَرٌ عنه بِنِعْمَ، وَفَاعلهَا، فهو في هذا الكلام وشبهه موصول، أو موصوف بجاء، والَتَقدير:«نِعْمَ المجيءُ الذي جاء»، أو«نعم المجيء مجيء جاءه»، وكونه موصولًا أجود، لأنه مُخْبَر عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرة. اهـ.«فتح»جـ ٧ ص ٢٥٠. (قال) - ﷺ - (فأتيت) بالبناء للفاعل (على آدم -﵇-) أي مررت عليه. وعند البخاري:«فلما فتح علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعِدٌ على يمينه أسْوِدَةٌ ، وعلى يساره أسودة، إذا نَظَر قبَلَ يمينه ضَحِكَ، وإذا نَظَر قِبَلَ يساره بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قلت لجبريل: مَنْ هَذَا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودةُ عن يمينه وشماله نَسَم بَنِيه، فأهلُ اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى». وفيه أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل؛ قال القاضي عياض: قد جاء أن أرواح الكفار في سِجِّين، وأن أرواح المؤمنين مُنَعَّمَة في الجنة -يعني فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟. وأجاب بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا فصادف وَقْتُ عرضها مُرُورَ النبي - ﷺ -، وَيَدُلُّ على أن كونهم في الجنة والنار إنما هو في أوقات دون أوقات قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. واعتُرِضَ بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء كما هو نص القرآن. والجواب عنه ما أبداه هو احتمالًا؛ أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكان يكشف له عنهما. قال الحافظ: ويحتمل أن يقال: إن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بَعْدُ، وهي مخلوقة قبل الأجساد ومُسْتَقَرُّها عن يمين آدم، وشماله، وقد أعْلِمَ بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من عن يمينه، ويَحزَنُ إذا نظر إلى مَن عن يساره، بخلاف التي في الأجساد فليست مُرَادَةً قَطْعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مستقرها من جنة، أو نار، فليست مُرادة أيضًا، فيما يظهر. وبهذا يندفع الإيراد، ويعرف أن قوله: «نسم بنيه» عام مخصوص، أو أريد به الخصوص. وأما ما أخرجه ابن إسحاق والبيهقي من طريقه في حديث الإسراء: «فإذا آدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: رُوح طَيِّبَة اجعلوها في عِلِّيِّين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفُجَّار، فيقول: رُوحٌ خَبِيثة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سِجِّين»، وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني والبزار: «فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر، وإذا نظر عن شماله حَزِنَ». فهذا لو صح لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، ولكن سنده ضعيف. اهـ. «فتح» جـ ١ ص ٥٥٠. (فسلمت عليه) أي بأمر جبريل ﵇؛ ففي البخاري في المعراج: «فقال: هذا أبوك فسلم عليه» وفيه أن السلام على القادم لا على صاحب البيت، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، (قال) آدم ﵇، بعد ردّ السلامٍ، لما في البخاري: «فسلمت عليه فرد عليَّ السلام»، ثم قال: (مرحبًا بك) منصوب بفعل مقدر، أي أصَبْتَ مرحبًا، أي سعة، لا ضِيقًا. (من ابن ونبي) وفي البخاري: «بالابن الصالح، والنبي الصالح»، كذا في كلام إبراهيم ﵇ وسائر الأنبياء؛ يقولون: «مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح». قيل: اقتصر الأنبياء على وصفه بهذه الصفة، وتواردوا عليها؛ لأن الصلاح صفة تَشْمَل خلالَ الخير، ولذلك كررها كل منهم عند كل صفة، والصالح هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق الله، وحقوق العِبَاد، فَمِنْ ثَمَّ كانت كلمةً جامعة لمعاني الخير. وفي قول آدم: «بالابن الصالح» إشارة إلى افتخاره بأبوة النبي - ﷺ -. اهـ. فتح. قال: (ثم أتينا السماء الثانية، قيل: مَنْ هَذَا؟) وعند البخاري: «فاستفتح، قيل: من هذا؟» أي مَن هذا المستفتحُ (قال: جبريل) أي أنا جبريل (قيل: من معك؟ قال: محمد) أي معي محمد - ﷺ - (فمثل ذلك) بالرفع، فاعل لفعل محذوف، أي فجرى مثلُ ما جَرَى مع خازن السماء الدنيا؛ من قوله: وقد أرسل إليه، قال: نعم، قال: مرحبًا به فلنعم المجيء جاء ويحتمل النصب أي قال مثل ذلك. (فأتيت على يحيى) بن زكريا (وعيسى) بن مريم -عليهما الصلاة والسلام، وعند البخاري: «فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة». قال النووي ﵀: قال ابن السِّكِّيت: يقال: ابنا خالة، ولا يقال: ابنا عمة، ويقال: ابنا عم، ولا يقال: ابنا خال. اهـ. قال الحافظ: ولم يبين سبب ذلك؛ والسبب فيه أن ابني الخالة، أم كل منهما خالة الآخر لزومًا، بخلاف ابني العمة. وقد توافقت هذه الرواية مع رواية ثابت عن أنس عند مسلم أن في الأولى آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم. وخالف في ذلك الزهري في روايته عن أنس عن أبي ذر أنه لم يُثْبتْ أسماءهم، وقال فيه: «وإبراهيم في السماء السادسة»، ووقع في روَاية شَرِيك عن أنس أن إدريس في الثالثة، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة، وَسِيَاقُهُ يدل على أنه لم يَضْبِطْ منازلهم أيضًا، كما صَرَّحَ به الزهريُّ، وروَاية مَن ضَبَطَ أولى، ولا سَيما مع اتفاق قتادة وثابت، وقد وافقهما يَزِيدُ بنُ أبي مالك، عن أنس، إلا أنه خَالَفَ في إدريس، وهارون، فقال: «هارون في الرابعة، وإدريسُ في الخامسة»، ووافقهم أبو سعيد إلا أن في روايته «يوسف في الثانية، وعيسى ويحيى في الثالثة»، والأول أثبتُ. وقد استُشْكلَ رُؤية الأنبياء في السموات مع أن أجسادهم مُسْتَقِرَّةٌ في قبورهم بالأرَض. وأجِيبَ بأن أرواحهم تَشكَّلَت بصُورِ أجسادهم، أو أحْضِرَت أجسادهم لملاقاة النبي - ﷺ - تلكَ الليلةَ تشريفًا له وتكريمًا، ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم، عن أنس، ففيه: «وَبُعِثَ له آدم فَمَن دونه من الأنبياء». فافهم. اهـ. «فتح» جـ ٧ ص٢٥٠. قال الجامع: الظاهر هو أنهم أحضروا بأجسادهم، لظواهر هذه الأحاديث الصحيحة، ولا يُعْدَلُ عن ذلك، والاستشكالُ في مثل هذا غير صحيح، لأن الأمور الغيبية لا تقاسُ على الشاهد، بل يجب تسليم ما صح منه، والله على كل شيء قدير. (فسلمت عليهما) أي بأمر جبريل، كما مَرَّ (فقالا) بعد رد السلام عليه، وللبخاري: «قال: هذا يحيى وعيسى فَسَلِّم عليهما، فسَلَّمْتُ، فَرَدَّا، ثم قالا: (مرحبًا بك من أخ ونبي)»، وله: «مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح». (ثم أتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟) المستفتح (قال:) أنا (جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد) أي معي محمد (فمثل ذلك) بالرفع، أو بالنصب، كما سبق توجيهه (فأتيت يوسف) بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليه) وعليهم الصلاة و(السلام). وعند مسلم في رواية ثابت عن أنس زيادةُ: «فإذا هو قد أعطيَ شَطْرَ الحسن»، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي وأبي هريرة عند ابنَ عائذ، والطبراني: «فإذا أنا برجل أحْسَن ما خَلَقَ اللهُ، قَدْ فَضَلَ الناسَ بالحسن، كالقمر ليلةَ البدر على سائر الكواكب». قال الحافظ ﵀: وهذا ظاهره أن يوسف ﵇ كان أحسن من جميع الناس، لكن رَوَى الترمذيُّ من حديث أنس: «ما بَعَثَ اللهُ نبيًا إلا حَسَنَ الوجه، حَسَنَ الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا»، فعلى هذا فيحمل حديث المعراج على أن المراد غيرُ النبي - ﷺ -، ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه. وحمل ابن المُنَيِّر هذا الحديث على أن المراد أن يوسُفَ أعطِيَ شطر الحسن الذي أوتيه نبينا - ﷺ - والله أعلم. اهـ «فتح» جـ ٧ ص ٢٥١. (فسلمت عليه) وللبخاري: «قال: هذا يوسف، فَسَلِّم عليه، فسلمت عليه، فَرَدَّ، ثم (قال: مرحبًا بك من أخ ونبي) وله:«مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح». (ثم أتينا السماء الرابعة، فمثل ذلك) من الاستفتاح والسؤال والجواب (فأتيت على إِدريس ﵇، فسلمت عليه) بعد أمر جبريل له (فقال) بعد رد السلام: (مرحبًا بك من أخ) صالح (ونبي) صالح. (ثم أتينا السماء الخامسة، فمثل ذلك، فأتيت على هارون ﵇) أخي موسى ﵇ (فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك من أخ) صالح (ونبي) صالح. (ثم أتينا السماء السادسة، فمثلُ ذلك، ثم أتَيْتُ على موسى - ﵇ - فسلمت عليه) أي بأمر جبريل (فقال) بعد الرَّدّ (مرحبًا بك من أخ) صالح (ونبي) صالح (فَلَمَّا جاوزته بَكَى قيل: ما يبكيك؟) أيْ أيُّ شيء حَمَلَك على البكاء؟؛ فما: استفهامية، (قال: يارب) هذا يدل على أن السائل له عن البكاء، هو الله تعالى (هذا الغلام الذي بعثته بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر) عددًا (وأفضل) درجة (مما يدخلـ) ـها (من أمتي) جار ومجرور بيان لما. وفيه إطلاق «ما» على العقلاء، وهو جائز، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] الآية، والغالب استعمالها لغير العقلاء، عَكْس «مَنْ» وعند البخاري: «أكثر ممن يدخلها». وفي رواية شريك عن أنس: «لم أظُنَّ أحدًا يُرفَعُ عَليَّ»، وفي حديث أبي سعيد «قال موسى: يَزْعُمُ بنو إسرائيل أني أكْرَمُ على الله، وهذا أكرم عَلَى اللهِ منِّي» زاد الأموي في روايته: «ولو كان هذا وَحْدَهُ لَهَانَ عَلَيَّ، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله». وفي رواية أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن إبيه: «أنه مَرَّ بموسى -﵇- وهو يَرْفَعُ صوته: فيقول: أكْرَمْتَهُ وفَضَّلْتَهُ، فقال جبريل: هذا موسى، قلت: وَمَن يُعَاتبُ؟ قال: يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قال: إن الله قد عَرَفَ له حدَّتَهُ»، وفي حديث ابن مسعود عند الحارث، وأبي يَعْلَى والبَزَّارِ: «وسمَعت صوتًا، وتَذْميرًا، فسألت جبريلَ، فقال: هذا موسى، قلت: عَلَى من تَذَمُّروُهُ ؟ قال: على ربه، قلت: على ربه؟ قال: إنه يَعْرفُ ذلك منه». والله تعالى أعلم. تنبيه: قال العلماء: لم يكن بكاءُ موسى حَسَدًا، -معاذ الله- فإنَّ الحَسَد في ذلك العالَم مَنزُوع عن آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى؟ بل كان أسفًا على ما فاته من الأجر الذي يَترتبُ عليه رفعُ الدرجات بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخَالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره، لأن لكل نبي مِثْلَ أجْر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمته في العدد دون منَ اتبع نبينا - ﷺ - مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة. والله أعلم. تنبيه آخر: قول موسى ﵇: «هذا الغلام» ليس على سبيل التنقيص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله، وعظيم كرمه إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يُعطِهِ أحدًا قبله ممن هو أسن منه. وقد وقع من موسى من العناية بهذه الأمة من أمر الصلاة ما لم يقع لغيره، ووقعت الإشارة إلى ذلك في حديث أبي هريرة عند الطبري والبزار، قال - ﷺ -: «كان موسى أشدهم عَلَيَّ حين مررت به، وخَيرَهم لي حين رَجعتُ إليه»، وفي حديث أبي سعيد: «فأقبلت راجعًا، فمررت بموسى، ونعم الصاحب كان لكم، فسألني: كم فرض عليك ربك؟» الحديث. وقال ابن أبي جمرة: إن الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما في قلوب غيرهم، لذلك بَكَى رحمةً لأمته. وأما قوله: «هذا الغلام» فأشار إلى صغر سنه بالنسبة إليه. وقال الخطابي: العرب تسمي الرجل المُسْتَجْمِعَ السن غلامًا ما دامت فيه بَقِيَّةٌ من الْقُوَّةِ. اهـ. وقال الحافظ: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا عليهما الصلاة والسلام من استمرار القوة في الكهولة، وإلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هَرَم، ولا اعتَرَى قوته نقص، حتى إن الناس في قدومه المدينة -كما في حديث أنس عند البخاري- لمّا رأوه مردفًا أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشاب، وعلى أبي بكر اسم الشيخ مع كونه في العمر أسن من أبي بكر. والله أعلم. اهـ. «فتح» جـ ٧ ص ٢٥٢. (ثم أتينا السماء السابعة، فمثل ذلك) من الاستفتاح والسؤال الجواب (فأتيت على إِبراهيم) الخليل، وفي حديث أبي سعيد: «فإذا بإبراهيم خليل الرحمن مُسندًا ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، وفي حديث أبي هريرة عند الطبري:»فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي … «(﵇، فسلمت عليه) وعند البخاري:»قال: هذا أبوك، فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام«(فقال: مرحبًا بك من ابن) صالح (ونبي) صالح. تنبيهات: الأول: استشكل قوله -لما أتى السماء السادسة-:«فأتيت على موسى ﵇»، وقد ثبت في حديث آخر أنه قال:«رأيت موسى ليلة الإسراء يصلي في قبره»، وأجيب بأنه لا إشكال فيه، أما على قول من يقول بتعدد الإسراء فظاهر، وأما على قول من قال بعدم التعدد، فيقال: إن موسى ﵇- صَعدَ إلى السلماء السادسة بعد أن رآه النبي - ﷺ - في قبره حتى اجتمع به هَناك، وكذا يقال في الأنبياء الذين صلى بهم في بيت المقدس ثم وجدهم في السماء، وما ذلك على الله بعزيز. الثاني: استشكل أيضًا في قوله -في السماء السابعة-:«فأتيت على إبراهيم ﵇»، كما هو رواية البخاري في المعراج، وفي رواية مسلم في السماء السادسة، وهي رواية البخاري في أول كتاب الصلاة، وأجيب عن هذا باحتمال أن يكون في السادسة، وصَعِدَ قبل رسول الله - ﷺ - إلى السابعة، ليستقبله، أو يكون في السابعة، ولكنه نزل إلى السادسة ليستقبله - وأما على تعدد الإسراء فلا إشكال. أفاده العيني في«العمدة»، ونقلته بتصرف جـ ١٧ ص ٢٧. الثالث: اختلف في الحكمة في اختصاص كل منهم بالسماء التي التقاه بها، فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أمرُوا بملاقاته؛ فمنهم من أدركه في أول وَهْلَة، ومنهم من تأخَّر فَلَحِقَ، ومنهم من فاته. قال الحافظ. وهذا زَيَّفَهُ السُّهَيلي فأصاب. وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين: الإشارة إلى ما سيقع له - ﷺ - مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم؛ فأما آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض بما سيقع للنبي - ﷺ - من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألِفَه من الوطن، ثم كان مآل كل منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أخرج منه، وبعيسى ويحيى على ما وقع له من أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه، وبيوسف على ما وقع له من إخوته من قريش في نصبهم الحرب له، وإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح: أقول كما قال يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢]، وبإدريس على رفيع منزلته عند الله، وبهارون على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه، وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر»، وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له - ﷺ - في آخر عمره من إقامة مناسك الحج، وتعظيم البيت. قال الحافظ: وهذه مناسبات لطيفة أبداها السهيلي، فأوردتها مُنَقَّحَةً مُلَخَّصَة. وقد زاد ابن المنَيِّرِ في ذلك أشياء أضربت عنها، إذ أكثرها في المفاضلة بين الأنبياء، والإشارة في هذا المقام عندي أولى من تطويل العبارة. وذكر في مناسبة لقاء إبراهيم في السماء السابعة معنى لطيفًا زائدًا، وهو ما اتفق له - ﷺ - من دخول مكة في السنة السابعة وطوافه بالبيت، ولم يتفق له الوصول إليها بعد الهجرة قبل هذه، بل قصدها في السنة السادسة، فَصَدُّوه عن ذلك. اهـ. «فتح» جـ ٧ ص ٢٥١. الرابع: قال ابن أبي جمرة: الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا، لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء، وهو أصل، فكان أوَّلًا في الأولى، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة، وعيسى في الثانية لأنه أقرب الأنبياء عهدًا من محمد، ويليه يوسف، لأن أمة محمد تدخل الجنة على صورته، وإدريس في الرابعة، لقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون لقربه من أخيه موسى، وموسى أرفع لفضل كلام الله، وإبراهيم لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبي - ﷺ - بلقيه أنس؛ لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وأيضًا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته، فلذلك ارتفع النبي - ﷺ - عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى. اهـ. «فتح» جـ ٧ ص ٢٥١. (ثم رفع) بالبناء للمفعول، أي قُرِّبَ (لي البيت المعمور) فقد يطلق الرفع على تقريب الشيء، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أي مُقَرَّبَة لهم، وكأنه أراد أن البيت المعمور استُبِينَ له كُلَّ الاستبانة، حتى اطلع عليه كُلَّ الاطلاع. (فسألت جبريل) عن ذلك البيت الذي رُفع، (فقال) جبريل: (هذا البيت العمور) الذي تَعْمُرُهُ الملائكة، فإنه (يصلي فيه كلَّ يوم) منصوب على الظرفية (سبعون ألف ملك، فإِذا خرجوا منه) بعد أداء الصلاة (لم يعودوا فيه، آخر ما عليهم) برفع آخر على أنه خبر لمحذوف؛ أي ذلك الدخولُ آخرُ دخولٍ يدوم عليهم، ويَبقَى لهم، أو بالنصب على الظرفية، متعلق «بيعودوا»، ورجح صاحب المطالع الرفع، كما نقله عنه السيوطي في الزهر، و«ما» موصولة، وصلتها الجار والمجرور. واستدل به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يعرف من جميع العوالم، من يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألف، غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر. اهـ. فتح جـ ٧ ص ٢٥٥. وكلهم من أهل الرحمة والرضا، فمنه يعلم معنى. «إن رحمتي سبقت غضبي» كما قاله السندي. والله أعلم. تنبيه: ثم إن الظاهر أن قوله: «يصلي فيه كل يوم … إلخ» مرفوع من تمام الحديث في رواية قتادة، عن أنس، لكن ذكر الحافظ ﵀ في الفتح أن قصة البيت مدرجة في حديث أنس، وقد أشار البخاري في الصحيح إلى ذلك، حيثما قال بعد سَوْق الحديث من طريق قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعةَ، وفيه: «فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور …» إلخ ما نصه: وقال همام عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - «في البيت المعمور». قال الحافظ: يريد أن هَمَّامًا فصل في سياقه قصةَ البيت المعمور من قصة الإسراء، فَرَوى أصلَ الحديث عن قتادة، عن أنس، وقصة البيت عن قتادة، عن الحسن، وأما سعيد -وهو ابن أبي عروبة- وهشام -وهو الدستوائي- فأدرجا قصة البيت المعمور في حديث أنس، والصواب رواية همام، وهي موصولة عن هُدْبَة، عنه، وَوَهِمَ من زَعَمَ أنها مُعَلَّقَة، فقد روى الحسن بن سفيان في مسنده الحديث بطوله عن هدبة، فاقتص الحديث إلى قوله: «فرفع لي البيت المعمور»، قال قتادة: «فحدثنا الحسن عن أبي هريرة، أنه رَأى البيت المعمور يدخله كُلَّ يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون فيه»، وأخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان، وأبي يعلى، والبغوي، وغير واحد كلهم عن هُدْبَة به مُفَصَّلًا، وعُرِفَ بذلك مرادُ البخاري بقوله: «في البيت المعمور». وأخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: ذُكِرَ لنا أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «البيتُ المعمورُ مسجدٌ في السماء بحَذاءِ الكعبةِ، لو خَرَّ لخَرَّ عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم، إذا خرجوا منه لم يعودوا». هذا وما قبله يشعر بأن قتادة كان تارة يُدرِجُ قصَّةَ البيت المعمور في حديث أنس، وتارة يفصلها، وحين يفصلها تارةَ يذكر سندها، وتارة يُبْهِمهُ. وقدَ رَوَى إسحاق في مسنده، والطَّبَريُّ وغير واحد من طريق خالد بن عَرْعَرْة، عن علي «أنه سئل عن السقف المرفوع؟ قال: السماء، وعن البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء بحِيالِ البيت؛ حرمته في السماء كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه». وفي رواية الطبري: أن السائل عن ذلك عبد الله بن الكَوَّاء ، ولابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وزاد: «وهو على مثل البَيت الحرام، لَوْ سَقَطَ لَسَقَطَ عليه». ومن حديث عائشة نحوه بإسناد صالح، ومن حديث عبد الله بن عمرو نحوه بإسناد ضعيف، وهو عند الفاكهي في كتاب مكة بإسناد صحيح عنه، لكن موقوفًا عليه. وَرَوَى ابن مردويه أيضًا، وبن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعًا نحو حديث عليّ، وزاد: «وفي السماء نهر، يقال له: نهر الحَيَوان يدخله جبريل كل يوم، فيغمس، ثم يخرج فينتفض، فيخرج عنه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكًا، فهم الذين يصلون فيه، ثم لا يعودون إليه»، وإسناده ضعيف. وقد رَوَى ابنُ المنذر نَحْوَهُ بدون ذكر النهر من طريق صحيحة عن أبي هريرة، لكن موقوفًا. وجاء عن الحسن، ومحمد بن عَبَّادِ بنِ جعفر: أن البيت المعمور هو الكعبة، والأول أكثر، وأشهر. وأكثر الروايات أنه في السماء السابعة، وجاء من وجه آخر عن أنس مرفوعًا أنه في السماء الرابعة، وبه جزم المجد الشيرازي في القاموس، وقيل: هو في السماء السادسة، وقيل: هو تحت العرش، وقيل: إنه بناء آدم لما أهبط إلى الأرض، ثم رفع زَمَنَ الطُّوفَان. قال الحافظ: وكأن هذا شبهةُ من قال: إنه الكعبة. ويسمى البيت المعمور الضراح ، والضَّريح. اهـ فتح جـ ٦ ص ٣٥٥، ٣٥٦. وقال الحافظ أيضًا: وفي حديث أبي هريرة عند البَزَّار: «أنه رأى هناك أقوامًا بِيضَ الوُجُوه، وأقوامًا في ألوانِهِم شيء، فَدَخَلُوا نهرًا، فاغتسلوا، فخَرجوا، وقد خَصَلَت ألوانُهم ، فقال له جبريل: هؤلاء من أمَّتِكَ خَلَطُوا عَمَلًا صالحًا، وآخر سيئًا». وفي رواية أبي سعيد عند الأموي والبيهقي أنهم «دخلوا معه البيت المعمور، وصَلُّوا فيه جميعًا». اهـ فتح جـ ٧ ص ٢٥٥. (ثم رُفِعَت لي) وفي الهندية «إليّ» (سدرةُ المُنْتَهى) ظاهره أن إليّ جار ومجرور، وسدرةُ نائب فاعل رُفِعَت. وقال في الفتح: قوله: «رُفعْتُ إلىَ سِدْرَة المنْتَهَى» كذا للأكثر، بضم الراء، وسكون العين، وضَم التاء من «رُفعْتُ» بضمير المتكلم، وبعده حرف جر، وللكشميهني «رُفِعَتْ» بفتحَ العين، وسكون التاء- أي السدرة- لي، باللام، أي من أجلِي. ويُجمَعُ بين الروايتين بأن المراد أنه رُفِعَ إليها، أي ارتُقِي به، وظَهَرت له، والرَّفْعُ إلىِ الشيء يُطَلَقُ على التقريب منه، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤]. وسبب تسميتها بسدرة المنتهى سيأتي في حديث ابن مسعود ﵁، وسَنُحَقِّقُ الاختلاف في كونها في السادسة أو في السابعة هناك إن شاء الله تعالى. (فإِذا نبقها) «إذا» للمفاجأة، والنَّبِقُ: -بفتح النون، وكسر الباء الموحدة، وسكونها أيضًا- جمع نَبِقةٍ، وهي ثَمرُ السِّدْرِ. (مثل قِلَالِ هَجَر) قال الخطابي ﵀: القلالُ -بالكسر- جمع قُلَّةٍ -بالضم- هي الجِرَارُ، يُريد أنّ ثَمَرها في الكبَر مثل القِلال، وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذَلك وَقَع التمثيل بها، وهي التي وقع تحديد الماء الكثير بها في قوله «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَينِ». وقوله: «هَجَر» -بفتح الهاء، والجيم-: بلدة بقرب المدينة، مذكر منصرف، وهو غير هَجَرِ البَحْرَين، وقيل. غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث باعتبار البلدة. أفاده العيني في «العمدة» جـ ١٧ ص ٢٨. (وإِذا وَرَقُهَا مثل آذان الفِيَلَةِ) بكسر الفاء وفتح الياء التحتانية، بعدها لام، جمع فِيلٍ. ووقع عند البخاري في بدء الخلق «مثل آذان الفُيُول»، وهو جَمْعُ فيل أيضًا. قال ابن دِحْيَة: اخْتِيرَت السِّدْرة دون غيرها؛ لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظِلٌّ مَمْدُود، وطَعَام لَذيذٌ، ورائحة زَكيَّة، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يَجمع القول والعمل والنية، والظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النِّيَّة، والرائحة بمنزلة القول. (وإِذا في أصلها أربعة أنهار) أي يخرج من أصل سدرة المنتهى أربعة من الأنهار، فـ«في» بمعنى «من» كما هو عند مسلم: «يخرج من أصلها»، ووقع عنده من رواية أبي هريرة: «أربعة أنهار من الجنة: النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان»، فيحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من تحتها، فيصح أنها من الجنة. اهـ «فتح» جـ ٧ ص ٢٥٤. (نهران باطنان) أي عن أبصار الناظرين، (ونهران ظاهران) أي لأبصار الناظرين، قال - ﷺ -: (فسألت جبريل) عن الأنهار، (فقال: أما) النهران (الباطنان ففي الجنة) أي فنهران يصبان في الجنة. قال ابن أبي جمرة: فيه أن الباطن أجل من الظاهر، لأن الباطن جعل في دار البقاء، والظاهر جُعل في دار الفناء، ومن ثم كان الاعتماد على ما في الباطن، كما قال - ﷺ -: «إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم». قاله في الفتح. (وأما الظاهر فالفرات) هو نهر عظيم مشهور يخرج من حُدُود الرُّوم، ثم يمر بأطْراف الشام، ثم بالكوفة، ثم بالحْلَّة، ثم يلتقي مع دِجْلَة في البَطَائح، ويَصيران نهرًا واحدًا، ثم يَصُبُّ عَندَ عبَّادان في بَحرِ فارِس. قاله الفيومي في «المصباح». وقال العيني: والفُرَات اسم نهر بالكوفة، قاله الجوهري، واختلفوا في مخرجه على قولين: أحدهما: أنه من جبل ببلد الروم، يقال له: افردخش، بينه وبين قاليقلا مسيرة يوم. والثاني: أنه من أطراف أرمينية اهـ «عمدة» جـ ١٧ ص ٢٨. وفي «الفتح»: الفُرَات بالمثناة في الخط في حالتي الوصل والوقف في القراءة المشهورة، وجاء في قراءة شاذة أنها هاء تأنيث، وشبهها أبو المظفر بن الليث بالتابوت والتابوه. اهـ جـ٧ ص ٢٥٥. (والنيل) بالكسر، نهر مصر، وقال العيني: اتفقوا على أن مبدأ النيل من جبال القَمْرِ- بالإضافة، وبضم القاف، وسكون الميم، ويقال: بفتح القاف والميم تَشبيهًا للقمر في بياضه ينبع من اثني عشر عينًا، ثم يَنْبَعث منها عشرة أنهار: أحدها نيل مصر، وهو أول العيون يجري على بلاد الحبشة في قِفَار ومَفَاوِزَ. وقال ابن الأثير: ليس في الدنيا نهرا أطول منه، لأنه مسيرة شهرين في الإسلام، وشهرين في النوبة، وأربعة أشهر في الخراب. اهـ عمدة جـ ٧ ص ٢٨. وقال الحافظ: وقع في رواية شريك «أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يَطَّرِدان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما»، والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعنصر عنصر امتيازهما بسماء الدنيا. كذا قال ابن دحية. ووقع في حديث شريك أيضًا: «ومَضَى به يَرقَى السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده، فإذا هو مسك أذفر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك». ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس، عند ابن أبي حاتم أنه بعد أن رأى إبراهيم قال: «ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعَمُ طير رأيتُ، قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رَضْرَاض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشد بياضًا من اللبن. قال: فأخذت من آنيته، فاغترفت من ذلك الماء، فشربت، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك». وفي حديث أبي سعيد: «فإذا فيها عين تجري، يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما: الكوثر، والآخر نهر الرحمة». قال الحافظ ﵀: فيمكن أن يفسر بهما النهران الباطنان المذكوران في حديث الباب. وكذا رُوِي عن مقاتل، قال: الباطنان: السلسبيل، والكوثر. وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ: «سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة» فلا يغاير هذا، لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة، وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك. وأما الباطنان المذكوران في حديث الباب فهما غير سيحون وجيحون. والله أعلم. وقال النووي: في هذا الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شهد به ظاهر الخبر، فَلْيُعْتَمَد. وأما قول عياض: إن الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لكونه قال: إن النيل والفرات يخرجان من أصلها، وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض، فهو مُتَعَقَّب، فإن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنَّبع من الأرض. والحاصل أن أصلها في الجنة، وهما يخرجان أولًا من أصلها، ثم يسيران إلى أن يستقرا في الأرض، ثم ينبعان. واستدل به على فضيلة ماء النيل والفرات، لكون منبعهما من الجنة، وكذا سيحان وجيحان. قال القرطبي: لَعلَّ تَرْكَ ذكرهما في حديث الإسراء لكونهما ليسا أصلًا برأسهما، وإنما يحتمل أن يتفرعا عن النيل والفرات، قال: وقيل: إنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهًا لها بأنهار الجنة، لما فيها من شدة العُذُوبَةِ والحُسْن والبَرَكَةِ، والأول أولى. والله أعلم. (ثم فُرِضت عليّ خمسون صلاة) وفي الرواية الآتية: «فرض الله ﷿ على أمتي خمسين صلاة». قال الحافظ ﵀: يحتمل أن يكون في كل من الروايتين اختصار، أو يقال: ذكر الفرض عليه، يستلزم الفرض على الأمة، وبالعكس، إلا ما يستثى من خصائصه. والحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه - ﷺ - لما عُرِجَ به، رَأى في تلك الليلة تَعَبُّدَ الملائكة، وأنَّ منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها في كل ركعة يصليها العبد، بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة، وقال: وفي اختصاص فرضيتها بليلة الإسراء إشارة إلى عظيم بيانها، ولذا اختص فرضها بكونه بغير واسطة، بل بمراجعات تعددت على ما سبق بيانه، اهـ. «فتح» جـ ٧ ص ٢٥٦. (فأتيت على موسى، فقال: ما صنعتَ؟) «ما»: استفهامية، أيْ أيَّ شيء صنعته في هذا الإسراء (قلت: فرضت علي خمسون صلاة، قال) موسى ﵊: (إني أعلم الناس منك) في معالجة الناس (إِني عالجت بني إِسرائيل أشد المعالجة) والجملة تعليل لكونه أعلم مه (وإن أمتك لن يطيقوا ذلك، فارجع إِلى ربك، فاسأله أن يخفف عنك)، وهذا من كمال شفقة موسى ﵊. قال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي - ﷺ - في أمر الصلاة، لعلها لكون أمة موسى كُلِّفت من الصلوات بما لم تُكَلَّف به غيرها من الأم فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد - ﷺ - من مثل ذلك، ويُشِير إلى ذلك قوله: «إني جَرَّبت الناس قبلك». انتهى. وقال غيره: لعلها من جهة أنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى، ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من هذه الجهة مضاهيًا للنبي - ﷺ -، فناسب أن يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه من غير أن يُرِيد زواله عنه، وناسب أن يُطْلِعَهَ على ما وَقَعَ له، وينصحه فيما يتعلق به، ويحتمل أن يكون موسى لَمَّا غَلَبَ عليه في الابتداء الأسف على نقص حظ أمته بالنسبة لأمة محمد، حتى تمنى ما تمنى، أن يكون استَدْرَكَ ذلك ببذل النصيحة لهم والشفقة عليهم، ليُزِيل ما عساه أن يُتَوَهَّمَ عليه فيما وقع منه في الابتداء. وذكر السهيلي أن الحكمة في ذلك أنه كان رَأى في مناجاته صفة أمة محمد - ﷺ -، فدعا الله أن يجعله منهم، فكان إشفاقه عليهم كعناية مَن هُوَ منهم. اهـ. «فتح» جـ ٧ ص ٢٥٢. قال النبي - ﷺ - (فرجعتُ إِلى ربي، فسألته أَن يُخَفِّفَ عني، فجعلها أربعين) أي حط منها عشرة، فصارت أربعين صلاة (ثم رجعت إلى موسى ﵇، فقال:) (ما) استفهامية (صنعت) في المراجعة، (قلت: جعلها أربعين) صلاة (فقال لي) موسى (مثل مقالته الأولى) وقد بينها في الرواية الآية: «فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك». قال: (فرجعت إِلى ربي -﷿- فجعلها ثلاثين) صلاة (فأتيت على موسى﵇ - فأخبرته) أي بعد سؤاله (فقال مثل مقالته الأولى، فرجعت إِلى ربي، فجعلها عشرين) صلاة (ثم) جعلها بعد مراجعة موسى - ﵇ - أيضًا (عشرةً، ثم) جعلها كذلك (خمسة، فأتيت على موسى﵇ - فقال لي) موسى ﵇ (مثل مقالته الأولى) أي من أمره له بالمراجعة لربه (فقلت: إني استحييت من ربي -﷿- أنْ أرجع إِليه) طالبًا التخفيفَ، فـ«أنْ» وصلتُها في تأويل المصدر بَدَل من قوله: «ربي». (فنودي) وفي رواية البخاري فلما جاوزت ناداني منادٍ (أن) تفسيرية، وجملةُ (أمضيت فريضتي) تفسير للنداء، لما فيه من معنى القول، ويحتمل كون «أن» مصدرية، ويقدرُ الجارُّ قبلها؛ أي نودي بأن أمضيت فريضتي، أي جعلت فريضتي ثابتة لا تُبَدَّلُ من كونها خمسًا بأجر خمسين (وخففتُ عن عبادي) بتقليل عددها، حيث كانت خمسين، فَرُدَّت إلى خمس». (وأَجْزِي) مضارع جَزَى من باب رَمَى، من الجزاء (بـ) عمل (الحسنة) الواحدة (عشرة أمثالها) أي الحسنة، وإنما ذَكَّر لفظ«عشر»مع أن التمييز مذكر، لإضافته لضمير المؤنث، فاكتسب التأنيث. وفي هذا الحديث دلالة على أن الله سبحانه كَلَّمَ نبيه محمدًا - ﷺ - ليلة الإسراء بغير واسطة. قاله في«الفتح» جـ ٧ ص ٢٥٧. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث مالك بن صعصعة ﵁ هذا المسألة الأولى: في درجته: حديث مالك بن صعصعة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثمانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى بن سعيد، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عنه. وفي الكُبْرَى عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة … إلخ. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي؛ فأخرجه البخاري في أربعة مواضع، بعضها في «بدء الخلق»، وبعضها في «أحاديث الأنبياء»، وفي «المناقب» أيضًا عن هدبة بن خالد، عن هَمَّام بن يحيى -وفي «بدء الخلق»: وقال لي خليفة، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة- وهشام الدستوائي- ثلاثتهم عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك ابن صعصعة، وفي بعض النسخ: وقال عباد بن أبي علي، عن أنس به. وأخرجه مسلم في «الإيمان» عن أبي موسى، عن ابن أبي عَدِيّ، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة - بطوله، وعن أبي موسى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه به. وأخرجه الترمذي في «التفسير» عن محمد بن بشار، عن غندر، وابن أبي عدي، كلاهما، عن سعيد بن أبي عروبة- ببعضه، قال: وفي الحديث قصة، وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائد الحديث ، وإن كان بَعْضُها تقدم: منها: أن فيه إثباتَ الأبواب للسماء حقيقة، وحفظةً موكلين بها. وفيه إثبات الاستئذان، وأنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول: أنا فلان، ولا يقتصر على أنا؛ لأنه ينافي مطلوب الاستفهام، وأنَّ المارَّ يسلم على القاعد، وإن كان المار أفضل من القاعد. وفيه استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء، وجواز مدح الإنسان -المأمون عليه الافتتان- في وجهه. وفيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره، أخْذًا من استناد إبراهيم ﵇ إلى البيت المعمور، وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة. وفيه جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل. وفيه فضل السير بالليل على السير بالنهار؛ لما وَقَع من الإسراء بالليل، ولذلك كانت أكثر عبادته - ﷺ - بالليل، وكان أكثر سفره - ﷺ - بالليل، وقال - ﷺ -: «عليكم بالدُّلجَة، فإن الأرض تُطوَى بالليل». وفيه أن التَّجْربَة أقْوَى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يُسَتَفادُ ذلك من قوَل موسى - ﵇ - للنبي - ﷺ -: إنه عالَجَ النَّاسَ قَبْلَهُ وجَرَّبَهُم، ويستفاد تحكيمُ العادة، والتنبيُه بالأعلى على الأدنى؛ لأن من سلف من الأم كانوا أقوى أبدانا من هذه الأمة، وقد قال موسى في كلامه: إنه عالجهم على أقل من ذلك فما وافقوه. أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة؛ قال: ويستفاد منه أن مقام الخُلَّة الرِّضا والتسليمُ ومقامَ التكليم مقامُ الإدلال والانبساط، ومن ثَمَّ استبدَّ موسى بأمر النبي - ﷺ - بطلب التخفيف دونَ إبراهيم - ﵇ - مع أن للنبي - ﷺ - من الاختصاص بإبراهيم أزيدَ مما له من موسى؛ لمقام الأبُوَّةِ ورفعةِ المنزلةِ والاتباع في الملة. وقال غيره: الحكمةُ في ذلك ما أشار موسى - ﵇ - في نفس الحديث مِن سَبْقِهِ إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها، وأنهم خالفوه وعصوه. وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان، لقوله في بعض طرق الحديث: «عرضت عليّ الجنة والنار». وفيه استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى، وتكثيرِ الشفاعة
مصادر المؤلف (٢٠)

١. وقال القرطبي في«المفهم»: لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء لأن رواته ثقات مشاهير. اهـ فتح جـ ٧ ص ٢٤٥.

٢. انظر «لسان العرب» جـ ٣ ص ١٨٦٦.

٣. «تاج» جـ ٨ ص ٣٢٨.

٤. «فتح» جـ ٧ ص ٢٤٥.

٥. فتح جـ ٧ ص ٢٤٥.

٦. قال في «ق» اللَّغْدُ، واللُّغْدُودُ، بضمها، واللِّغْديدُ: لَحْمَة في الحَلْق، أو كالزوائد من اللحم في باطن الأذن، أو ما أطاف بأقصى الفَم إلى الحلق من اللحَم جمعه ألْغَاد، ولَغَادِيدُ، أو اللُّغْدُ: منتهى شحمة الأذن من أسفلها. اهـ ص ٤٠٥.

٧. عمدة القاري جـ ١٧ ص ٢٤.

٨. فتح جـ ٧ ص ٢٤٦.

٩. من بابي قتل وضرب، شُموسًا وشماسًا: استعصى على راكبه قاله في المصباح، والمعْرَفَة بفتح فسكون ففتح- موضَع العُرْف من الطير والخيل، جمعه مَعَارف، والعُرْف-بضم فسكون-: الشعر النابت في مُحَدَّب رَقَبَةِ الدابَّة. اهـ. المصباح، والمعجم الوسيط.

١٠. فتح جـ ١ ص ٥٤٨.

١١. الأسودة: كأزمنة هي الأشخاص من كل شيء. اهـ. فتح الباري جـ ١ ص ٥٥٠.

١٢. جمع نَسَمَة وهي الروح. اهـ. فتح الباري.

١٣. بالذال المعجمة: المَلَامَةَ والعتاب.

١٤. تابعي روى عن علي ﵁. قاله في تاج العروس في مادة كوى.

١٥. أي كغراب. اهـ. ق.

١٦. أي صَفت ألوانهم، يقال: خَلَصَ الماءُ من الكَدَرِ، من باب قَعَدَ: أي صَفَا. قاله في المصباح.

١٧. هكذا في نسخ الفتح «امتيازهما» ولعل الصواب «اجتيازهما» بالجيم، بدل الميم. اهـ الجامع.

١٨. الرَّضْرَاضُ بالفتح: الحَصَى، أو صغارها. اهـ «ق» ص ٨٢٩.

١٩. ليس المراد ما يستفاد مما ساقه المصنف فقط، بل ما يستفاد من حديث مالك بن صعصعة مما ساقه المصنف، أو أشرت إليه في الشرح، أو غير ذلك.

٢٠. وفيه نظر لأن الظاهر أن إبراهيم ﵇ لم يعرف ما فُرِضَ عليه، كما سيأتي التصريح بأنه لم يسأله عن شيء. فكيف يأمره بالمراجعة. فتأمل.