٣ - بَابُ كيفَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على جواب سؤال السائل عن كيفية فرض الصلاة.
هل فرضها الله تعالى أن تصلى على هيئة صلاة الحضر، أم على هيئة صلاة السفر؟
٤٥٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إِبراهيم) بن مَخْلد بن إبراهيم، أبو محمد، أو أبو يعقوب المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة حافظ مجتهد، قرين الإمام أحمد، من [١٠]، وتقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الهِلالِي مولاهم الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ حجة فقيه إمام، من كبار [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الفقيه الحُجَّة
الحُجَّة رأس الطبقة [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام أبو عبد الله الأسدي المدني، ثقة فقيه مشهور، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين الصدّيقة بنت الصدّيق ﵄، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم، وكلهم مدنيون إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري.
ومنها: أن فيه روايةَ تابعي عن تابعي، الزهري عن عروة.
ومنها: أن عروة هو أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها قالت: (أوَّل ما فرضت الصلاة ركعتين) هكذا في بعض النسخ؛ بنصب «ركعتين» على الحال لعامل محذوف، تقديره: فُرِضَت حال كونها ركعتين، وأولَ منصوب على الظرفية متعلق بالفعل المقدر، و«ما» مصدرية، والتقدير: في أول فرض الصلاة فرضت حال كونها ركعتين، أو «ما» موصولة عبارة عن
وقت، وجملة «فر ضت الصلاة» صلتها، والعائد محذوف، والتقدير: في أول الوقت الذي فرضت فيه الصلاة، فرضت حال كونها ركعتين.
وفي بعض النسخ: «ركعتان» بالرفع، وعلى هذا يكون مرفوعًا على الابتداء، والظرف قبله خبره، والتقدير: ركعتان كائنتان في أول فرض الصلاة. والله أعلم.
ثم إنَّ المرادَ به الصلاة التي تختلف حَضرًا وَسَفرًا، فلا يستشكل بالمغرب والفجر.
وقد وردت زيادة توضح المراد في مسند أحمد -﵀- «إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا».
(فأقرت صلاة السفر) فعل ونائب فاعله، أي رَجَعَت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر بحيث كأنها مقررة على الحالة الأصلية، وما ظهرت الزيادة فيها أصلًا، فلا يشكل بأن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ …﴾ الآية [النساء: ١٠١]، يفيد أن صلاة السفر قصرت بعد أن كانت تامة، فكيف يصح القول بأنها أقرت؟ وأيضًا اندفع أن يقال مُقْتَضَى هذا الحديث أن الزيادة على الركعتين لا يصح، ولا يجوز كما في صلاة الفجر، فكيف كانت عائشة تتمها في السفر؟ فليتأمل. قاله السندي ﵀.
(وأتمت صلاة الحضر)، وفي الكبرى للمصنف «وَزِيَد في الحَضَر» أي بعد الهجرة إلى المدينة، لمَا عند البخاري في كتاب الهجرة من طريق
قالت: «فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ -، فَفُرِضَتْ أربعًا».
وقد أخذ بهذا الحديث الحنفية، وقالوا: إن القصر عزيمة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل قريبًا إن شاء الله تعالى، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثاني: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا (٤٥٣) وفي «الكبرى» (٣١٧) بسند الباب. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول:
أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن عبد الله بن محمد، عن سفيان، عن الزهري بسند المصنف، وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن علي بن خشْرَم، عن سفيان به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: أنه استدل الحنفية بحديث عائشة ﵂ على أن القصر في السفر عزيمة، لا رخصة.
واحتج مخالفوهم بقوله ﷾: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ لأن نفي الجُنَاح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.
ويدل على أنه رخصة أيضا قوله - ﷺ -: «صدقة تصدق الله بها عليكم». وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره.
قال الحافظ ﵀: وفي هذا الجواب نظر، أمَّا أوَّلًا فهو مما لا مَجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وأما ثانيًا فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي، وهو حجة، لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي - ﷺ -، أو عن صحابي آخر أدرك ذلك.
وأما قول إمام الحرمين: «لو كان ثابتًا لَنُقِلَ متواترًا» ففيه نظر أيضًا، لأن التواتر في مثل هذا غير لازم.
وقالوا أيضًا: يعارض حديثَ عائشة هذا حديثُ ابن عباس «فُرضَت الصلاُة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين» أخرجه مسلم. ويأتي للمصنف بعد حديثين.
والجواب أنه يمكن الجمع بين حديثي عائشة وابن عباس بحمل حديث عائشة على ما آل إليه الأمر من التخفيف، فيتفق مع حديث ابن عباس ﵃.
وألْزَمُوا الحنفيةَ على قاعدتهم -فيما إذا عارض رأيُ الصحابي رِوايتَه- بأنهم يقولون: العبرةُ بما رأى، لا بما رَوَى، وخالفوا ذلك هنا، فقد ثبت أنها كانت تُتِمُّ في السفر، فدل على أن المروي عنها غير ثابت.
والجواب عنهم أنَّ عروة الراوي عنها قد قال لما سُئِلَ عن إتمامها في السفر: إنها تأولت كما تأوَّلَ عثمان، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها، وبين رأيها، فروايتها صحيحة، ورأيها مبني علي ما تأولت.
قال الحافظ ﵀. والذي يظهر لي -وبه تجتمع الأدلة السابقة- أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين، إلا المغرب، ثم زِيدَت بعد الهجرة عَقِبَ الهجرة، إلا الصبح، كماَ رَوى ابنُ خزيمة وابنُ حبان والبيهقيُّ من طَريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: «فُرِضَت صلاةُ الحَضَر ركعتان ركعتان، وتُرِكَت صلاةُ الفجر لطول القراءة، وصلاةُ المغرب، لأنها وتر النهار».
ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خُفّفَ محها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله تعال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء، آية: ١٠١].
ويؤيد ذلك ما ذكره ابنُ الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره؛ أن نزول آية الخوف كان فيها، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدُّولابِيُّ، وأورده السُّهَيلِيُّ بلفظ «بَعْدَ الهجرةِ بعام، أو نحوه»، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا.
فعلى هذا المرادُ بقول عائشة «فأقرَّت صلاةُ السفر» أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استَمَرَّت منذ فَرِضَت، فلا يلزم من ذلك أنَّ القصر عزيمة. اهـ. «فتح الباري» جـ ١ ص ٥٥٣، ٥٥٤.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ في وجه الجمع حسن جدًّا. ويؤيد عدمَ كون القصر عزيمًة ما يأتي للمصنف من طريق العلاء بن زُهَير الأزدي عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة ﵂: «أنها اعتَمَرَتْ مع رسول الله - ﷺ - من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قَصَرْتَ، وأتْمَمْتُ، وأفطَرْتَ، وصُمْتُ؟ قال: أحسنتِ يا عائشة، وما عاب عليَّ».
والحديث ضعفه ابن حزم بجهالة العلاء، وردَّ عليه ذلك عبدُ الحق، وقال: بل هو ثقة مشهور، والحديث الذي رواه في القصر صحيح، وتناقض فيه ابن حبان؛ فقد ذكره في الثقات، وقال في الضعفاء: يَروِي عن الثقات ما لا يُشْبِهُ حديثَ الأثبات، فَبَطَل الاحتجاجُ به فيما لم يوافق الثقات، ورده الذهبي بأن العبرة بتوثيق يحيى، يعني ابن معين، فقد وثَّقَهُ. انظر «تت» جـ ٨ ص ١٨١.
وسيأتي تحقيق الكلام في المسألة في «كتاب تقصير الصلاة» إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.