وقتيبة، أربعتهم عن أبي عوانة به. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٧ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الشُّعَيْثِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ لاِبْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا قَالَ اللهُ ﷿: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ»؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَانَا، وَنَحْنُ ضُلاَّلٌ، فَعَلَّمَنَا، فَكَانَ فِيمَا عَلَّمَنَا أَنَّ اللهَ ﷿ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ. قَالَ الشُّعَيْثِيُّ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم المِصِّيصِيُّ، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٧١، وقيل: قبل ذلك، من [١١].
وفي «تت» أبو يعقوب الأنْطَاكِيُّ، قال النسائي: ثقة حافظ، وقال ابن أبي حاتم: كَتَبَ إلَيَّ بِبَعْضِ حديثه، وهو صدوق، وقال مَسْلَمَةُ بن
قاسم: ثقة حافظ، وأبوه ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات بعد سنة ٢٦٥، وقال ابن قانع، وابن منده: مات سنة ٢٧١، وفيها أرَّخَهُ القراب. انفرد به المصنف.
٢ - (حجاج بن محمد) المِصِّيصِيُّ الأعور، أبو محمد الترمذي الأصل، نَزِيلُ بغداد، ثم المصيصَة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لمّا قَدِمَ بغداد، توفي سنة ٢٠٦، من [٩]، وتقدم في ٢٨/ ٣٢.
٣ - (محمد بن عبد الله) بن المُهَاجِر (الشُّعيْثِيُّ) بمعجمة، ثم مهملة، ثم مثلثة مصغرًا، نسبة إلى بطن من بَلْعَنْبَرِ بن عَمْرو بن تمَيم، صدوق، توفي سنة بضع و١٥٠، من [٧].
وفي «تت»: محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعيثي النَّصْرِي، ويقال: العُقَيلي الدمشقي، قال أبو حاتم عن دُحَيْمٍ: كان ثقة، وكان قديمًا يَرْوِي عن مكحول، وقال المفضل بن غَسَّان الغلابي: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم
الرازي: ضعيف الحديث ليس بالقوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به.
وقال أبو زرعة الدمشقي: سألت أبا سفيان عبيد الله بن سِنَان النصري، عن تاريخ موت محمد بن عبد الله الشعيثي؟ قال: قد رأيته وجالسته، مات بعد سنة ١٥٤ بيسير. أخرج له الأربعة.
٤ - (عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام) هكذا في جميع
النسخ نُسِبَ أبوه إلى جده، وهو عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، صدوق، من [٦].
وفي «صة»: له عندهما فرد حديث. وفي «تت»: روى عن أبيه، وعن أمية بن عبد الله بن خالد. وعنه ابن عمه مهاجر بن عكرمة ابن عبد الرحمن، والزهري، ومحمد بن عبد الله الشُّعَيْثيُّ، ومُكَمَّل ابن أبي سَهْل. وَسمَّاهُ ابنُ سَعْد لَمَّا عَدَّ أولادَ أبي بكر بن عَبَد الرَّحمنِ:
عَبدَ الرحمن، وقال ابن خلفون: وَثَّقَهُ ابن عبد الرحيم، وَذكره ابن عدي، ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه. أخرج له المصنف، وابن ماجه. اهـ.
٥ - (أمية بن عبد الله بن خالد بن أسِيد) -بفتح الهمزة وكسر السين المهملة- بن أبي العِيص بن أمية الأموي المكي، ثقة، توفي سنة ٨٧، من [٣].
وفي «تت»: قال ابن سَعْد: كان قليلَ الحديث، وقال العجلي: ثقة، ولكن سَمَّى أباه عبدَ الرحمن. وقال الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّار: استعمله عبد الملك ابن مروان على خُرَاسان، وقال ابن الجارود: ليس له صحبة. قيل: مات سنة ٨٧، وقيل: ٨٦. أخرج له المصنف، وابن ماجه.
٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأنّ رواته موثقون، وأن شيخه من أفراده، وأنهم ما بين مِصِّيصِيَّيْنِ وهما: شيخه وحجَّاج، ودمشقي وهو: الشُّعَيْثِيُّ، ومدنيين وهما: عبد الله بن أبي بكر وابن عمر، ومكي وهو: أمَيَّةُ، وفيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسِيد) بفتح فكسر، الأموي المكي (أنه قال لـ) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب ﵄: (كيف تُقْصَرُ الصلاةُ) ببناء الفعل للمفعول، والصلاة نائب فاعله، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل مسندًا إلى ابن عمر.
والمراد قصر الصلاة في السفر بدون خوف مع أن الرخصة في القرآن مقَّيدة به، كما أوضحه بقوله (وإِنما قال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾) فَذَكَر القصرَ للخوف ولم يذكر للسفر وحده، وعند ابن ماجه: «أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر، وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر» (فقال) له (ابن عمر: يا بن أخي) أي في الدين (إِن رسول الله - ﷺ - أتانا) مرسلًا من عند الله تعالى (و) الحال (نحن ضُلال) جمع
ضَالّ، أي غير مهتدين لمعرفة شرع الله تعالى (فعلَّمَنَا) جميعَ الشرع، (فكان في) جملة (ما علَّمنا) من الشرع (أن الله ﷿ أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر) بفتح همزة «أن»؛ لأنَّ الجملة في تأويل المصدر اسم «كان» مؤخرًا. يعني أن قصر الصلاة في السفر من جملة ما أمر الله به.
وأراد ابن عمر ﵄ بهذا أن يُبَيِّنَ لأمَيَّةَ بن عبد الله أن النبي - ﷺ - أعْلَمُ بمعاني القرآن ومقاصده، وهو المبِّينُ الذي أوجب الله قبول بيانه على الناس جميعًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فما أجمل فيه بينه بقوله أو فعله، فكل ما قاله، أو فَعَلَه فهو بيان للقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] فلا يسع أحدًا إلا
اتباعه في ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقد حَذَّرَ النبيُّ - ﷺ - أن يقولَ من بَلَغَهُ حديثُهُ - ﷺ -: لم نجد هذا في كتاب الله تعالى.
فعن أبي رافع ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ألْفِيَنَّ أحدَكم مُتَّكِئًا على أرِيكَتِهِ، يأتيه الأمُر من أمري، مما أمرت به، أو نَهَيْتُ عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.
وعن المقدام بن معدي كرب ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا إني أوتيت القرآن ومثلَه معه، لا يُوشك رجلٌ
شَبْعَانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فَأحِلُّوهُ، وما وجدتم فيه من حرام فَحَرِّمُوه وإنَّ ما حرم رسولُ الله - ﷺ - كما حرَّم اللهُ …». الحديث رواه أبو داود وغيره بسند صحيح.
والحاصل أن ما ثبت عنه - ﷺ - قولًا أو فعلًا يجب قبوله، وإن لم يوجد نصًا في القرآن، لأنه وحي مثله، كلٌ من عند الله تعالى. والله أعلم.
(قال) محمد بن عبد الله (الشُّعَيْثِيُّ: وكان) محمد بن مسلم (الزهري يحدث بهذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر) ابن عبد الرحمن بن الحارث المذكور. ورواية الزهري أخرجها المصنف في كتاب تقصير الصلاة (١٤٣٤) عن قتيبة، عن الليث عنه، عن عبد الله ابن أبي بكر نحوه.
ولَعَلَّ مرَادَ الشعيثي بهذا أنه سمع هذا الحديث عن الزهري، عند عبد الله بن أبي بكر، ثم لَقِيَ عبد الله نفسه، فسمعه منه، فحدث به عنه، وبيّن سماعه بواسطة أيضًا. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا في «المجتبى» (٤٥٧) بهذا السند، وأخرجه في «كتاب تقصير الصلاة» (١٤٣٤) وفي «الكبرى» برقم (١٨٩٢) عن قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أمية بن عبد الله بن خالد، أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄ إلخ نحوه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن رمح، عن الليث، عن ابن شهاب نحوه. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: سؤال أهل العلم إذا خَفيَ على الشخص وجه تشريع بعض الأحكام؛ قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. [النحل: ٤٣]
ومنها: بيان العالم المسألة بدليلها عند الإجابة.
ومنها: أن بعض الأحكام ثبت بنص الكتاب، وبعضها ثبت بالسنة، وما ثبت بالسنة يجب العمل به كما يجب العمل بما ثبت في الكتاب. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.