في الركعتين الأوليين من) صلاة (العصر على قدر) قراءته في (الأخريين من) صلاة (الظهر) إذ من المعلوم أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر غير الفاتحة (وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين من) صلاة (العصر على) قدر (النصف من ذلك) أي من قيامه في الأوليين، فيكون بقدر سبع آيات، أو نحوها؛ لأنه تقدم في رواية مسلم، أنه كان يقرأ في العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، فيكون نصف ذلك المقدار المذكور.
وفيه دليل أنه - ﷺ - كان لا يزيد في الأخريين من العصر على الفاتحة
بخلافه في الظهر، كما سبق آنفا. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُومُ فِي الظُّهْرِ، فَيَقْرَأُ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً.
رجال الإسناد: سبعة
١ - (سُوَيد بن نصر) المروزي، أبو الفضل، يُلَقَّبُ شَاهْ، راوية ابن المبارك، ثقة، توفي سنة ٢٤٠، وله ٩٠ سنة، من [١٠]، أخرج له الترمذي والنسائي، وتقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) بن واضح الحَنْظلِيّ، أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة ثبت حجة إمام، توفي سنة ١٨١ عن ٦٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (أبو عوانة) وَضَّاحُ بن عبد الله الْيَشْكُرِي الواسطي البَزَّازُ، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، توفي سنة ١٧٥ أو ١٧٦، من [٧]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٤١/ ٤٦.
٤ - (منصور بن زاذان) الثَّقَفِيُّ الواسطي، تقدم في السند الماضي.
٥ - (الوليد أبو بشر) بن مسلم المتقدم فيه أيضا.
٦ - (أبو المتوكل) علي بن داود، ويقال: دُؤَاد -بضم الدال بعدها واو بهمزة- البصري مشهور بكنيته، ثقة، توفي سنة ١٠٨ وقيل: قبل ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢.
٧ - (أبو سعيد الخدري) ﵁ تقدم في السند الذي قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزيين، وهما سويد، وابن المبارك، وواسطيين، وهما أبو عوانة، ومنصور بن زاذان، وبصريين، وهما الوليد، وأبو المتوكل، ومدني، وهو أبو سعيد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي المتوكل الناجي) علي بن دَاوُد، أو دُؤاد. كذا وقع في هذه الرواية أبو المتوكل بدل أبي الصديق في الرواية السابقة، وقد اختلف الرواة عن أبي عوانة في هذا، فرواه ابن المبارك عنه هكذا، وخالفه فيه شَيْبَانُ بن فَرُّوخَ، كما عند مسلم، ويونس بن محمد، كما
عند أحمد في مسنده، ويحى بن حماد، كما عند الدارمي في سننه، وحَبَّانُ بن هلال، كما عند الطحاوي، كلهم عن أبي عوانة، عن أبي الصديق الناجي، وانفرد ابن المبارك عنه بقوله: عن أبي المتوكل.
قال الحافط في «النُّكتِ الظِّرَاف» جـ ٣ ص ٤٣١: وهذا من أبي عوانة لعله حدثه من حفظه، وحدث أولئك من كتابه، وكان إذا حدث من كتابه أتْقَنَ مما إذا حدث من حفظه. اهـ.
وفي ترجمته من «تهذيب التهذيب»: قال: أحمد إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من خير كتابه رُبَّما وَهِمَ،
وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدث من كتابه. وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غَلِطَ كَثيرًا. وقال ابنُ عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما إذا حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه ربما غلط. اهـ. جـ ١١ ص ١٢٠.
قال الجامع: فظهر بهذا أن قوله: عن أبي المتوكل مما وهم فيه لكونه حدث به ابن المبارك من حفظه، والصواب ما رواه عنه الجماعة، وقالوا: عن أبي الصديق، لموافقة هشيم له على ذلك كما تقدم في الرواية السابقة -٤٧٥ - والله أعلم.
(عن أبي سعيد الخدري) ﵁، أنه (قال: كان رسول الله - ﷺ - يقوم في الظهر) أي لأداء صلاة الظهر (فيقرأ قدر ثلاثين آية في كل ركعة، ثم يقوم في العصر في الركعتين الأوليين) أي أداء كل من الركعتين الأوليين (قدر خمس عشرة آية) على النصف من الظهر. والله تعالى أعلم؛ وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية. في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤٧٥) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن
منصور بن زاذان، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق الناجي، عنه. وفي «الكبرى» (٣٥١) بهذا السند، ثم قال: قال: أبو عبد الرحمن: خالفه أبو عوانة، ثم أخرج بالطريق الثاني للمصنف هنا (٤٧٦) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن أبي عوانة، عن منصور، عن الوليد، عن أبي المتوكل، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وأبو داود، فأخرجه مسلم في «الصلاة» عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن هشيم -وعن شيبان بن فَرُّوخ، عن أبي عوانَةَ،- كلاهما عن منصور بن زاذان، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق الناجي، عنه.
وأخرجه أبو داود في «الصلاة» أيضا عن عبد الله بن محمد النُّفَيْلِيّ، عن هشيم، عن منصور به.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان عدد ركعات صلاة العصر في الحضر، وهو أربع ركعات، وهو مجمع عليه. ومحل الاستدلال قوله: في الركعتين الأوليين، والركعتين الأخريين، فإنه يدل على أن الفرض في العصر أربع.
ومنها: وجوب القراءة في الصلاة.
ومنها: عدم مشروعية الجهر في الظهر والعصر، لقوله «كنا نحزر»، لأنهم إنما قدّروا لعدم سماعهم لقراءته.
ومنها: استحباب تطويل الركعتين الأوليين في كل من الظهر والعصر.
ومنها: أن العصر تكون على النصف من الظهر.
ومنها: مشروعية غير الفاتحة في الظهر في الركعتين الأخريين، لأن الفاتحة سبع آيات، وهو كان يقوم قدر خمس عشرة آية، وهذا هو المذهب الجديد للشافعي، وهو الراجح لهذا الحديث.
ومنها: كونه لا يقرأ في العصر في الأخريين أكثر من الفاتحة.
قيل: الحكمة في كون العصر على النصف من الظهر كون صلاة الظهر تفعل في وقت الغفلة بنوم القائلة، فطولت ليدركها المتأخر، بخلاف العصر، فإنها تفعل في وقت تَعَبِ أهل الأعمال فخففت لذلك. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا
بالله عليه توكلت وإليه أنيب.