٢٤ - بَابُ اسْتِبَانَةِ الْخَطأ بَعْدَ الاجْتِهَادِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم اتضاح الخطأ في القبلة بعد الصلاة بالاجتهاد.
والاستبانة معناها الوضوح، قال الفيومي: رحمه الله تعالى في المصباح المنير: بَانَ الأمرُ، يَبِينُ، فهو بَيِّن، وجاء بَائِنٌ على الأصل، وأبَانَ إبَانَةً، وَبَيَّنَ، وَتَبَيَّنَ، وَاسْتَبَانَ، كُلُّهَا بمعنى الوضوح، والانكشاف، والاسمُ البَيَانُ، وجميعُها يُستَعمَلُ لازمًا ومتعديًا إلا الثلاثي، فلا يكون إلا لازمًا. اهـ. المقصود من كلامه. وفي «ق» بَانَ بَيَانًا: اتضح. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا المعنى اللازم. والله أعلم.
٤٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
هذا الإسناد هو الإسناد الذي مضى في الحديث السابق، فلا حاجة إلى إعادة الكلام عليه، وهو السابع عشر من رباعيات الكتاب.
شرح الحديث
(عن) عبد الله (بن عمر) ﵄ أنه (قال: بينما الناسُ) «بينما» هي «بين» الظرفية اتصلت بها «ما» الكافة، كقوله: (من الخفيف)
بَيْنَمَا نَحْنُ بِالأرَاكِ مَعًا … إِذ أتَى رَاكِبٌ عَلَى جَمَلِهْ
وقيل: «ما» زائدة، و«بين» مضافة إلى الجملة بعدها، وقيل: زائدة، و«بين» مضافة إلى زمن محذوف مضاف إلى الجملة، أي بين أوقات الناس بقباء، والأقوال الثلاثة تجري في «بين» مع الألف في نحو قوله:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأمْرُ أمْرُنَا … إذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ لَيْسَ نَنْتَصِفْ
وقوله «الناسُ» مبتدأ، وقوله (بقباء) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر للمبتدإ.
وقباء: موضع بقرب مدينة النبي - ﷺ - من جهة الجَنُوب نحو ميلين،
وهو بضم القاف، يقصر، ويمد، ويصرف، ولا يصرف. قاله في المصباح.
وقال في الفتح: قباء بالمد والصرف، وهو الأشهر، ويجوز القصر،
وعدمُ الصرف، وهو يذكر، ويؤنث، موضع بظاهر المدينة، والمراد هنا مسجدُ أهلِ قباءَ، ففيه مجازُ الحذف، واللام في الناس للعهد الذهني، والمراد أهل قباء، ومن حَضَرَ معهم. اهـ. جـ ١ ص ٦٠٣.
(في صلاة الصبح) ولمسلم «في صلاة الغداة»، وهو أحد أسمائها، وقد نَقَلَ بعضهم كراهية تسميتها بذلك.
وهذا فيه مغايرة لحديث البراء المتقدم، فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر، والجواب أنه لا منافاة بين الخبرين، لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخلَ المدينة، وهم بنو حارثة، وذلك في حديث البراء، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارجَ المدينة، وهم بنو عمرو بن عوف، أهلُ قباء، وذلك في حديث ابن عمر هذا. أفاده في الفتح.
(جاءهم آتٍ) قال في «الفتح»: ولم يُسَمَّ الآتي بذلك إليهم، وإن كان ابن طاهر وغيرُه نقلوا أنه عباد بن بشر ففيه نظر، لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوا محفوظًا، فيحتمل أن يكون عبادٌ أتى بني حارثة أوَّلًا في وقت العصر، ثم تَوَجَّهَ
إلى أهل قباء، فأعلمهم بذلك في وقت الصبح، ومما يدل على تعددهما أن مسلمًا رَوَى من حديث أنس «أن رجلًا من بني سَلِمَةَ مَرَّ، وهم راكعون في صلاة الفجر» فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سَلِمَةَ غيرُ بني حارثة.
(فقال) ذلك الآتي (إِن رسول الله - ﷺ - قد أُنْزِلَ عليه) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى المعلوم من السياق، وقد بَيَّنَ ذلك في رواية أخرى، فعند البخاري «قد أنْزِلَ عليه الليلةَ قرآن» قال في الفتح: فيه إطلاق الليلةِ على بعض اليوم الماضي والليلة التي تليه مجازًا، والتنكيرُ في قوله «قرآن» لإرادة البعضية، والمراد قوله
تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ …﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات اهـ. جـ ١ ص ٦٠٣.
(وقد أمر) بالبناء للمفعول أيضًا، أي أمره الله في تلك الآيات المُنْزَلَة عليه (أن يستقبل) «أن» مصدرية، والفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف جر محذوف قياسًا، أي بالاستقبال (الكعبةَ) منصوب على المفعولية. سُمِّيَ البيت الحرام كعبة لارتفاعه، وقيل: لتربيعه، قال في المصباح في مادة «كَعَبَ» وكَعَبَت المرأة تَكْعُبُ، من باب قَتَلَ، كِعَابَةً: نَتَأ ثَدْيُها، فهي كاعب، وسميت الكعبة بذلك لنُتُوْئِها، وقيل: لتربيعها وارتفاعها. اهـ.
قال في الفتح: وفيه أنَّ ما أمرَ به النبيُّ - ﷺ - يلزم أمَّتهُ، وأنَّ أفعاله يتأسى بها، كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص. اهـ.
(فاستقبَلُوهَا) بفتح الموحدة للأكثر، أي فتحولوا إلى جهة الكعبة، والواو في «استقبلوا» لأهل قباء، وقوله (وكانت وجوههم إِلى الشام) تفسير من الراوي للتحول المذكور، ويحتمل أن يكون
الواو ضَمِيرَ النبي - ﷺ -، ومن معه، وضمير «وجوههم» لهم، أو لأهل قباء على الاحتمالين. أفاده في «الفتح».
وقال النووي ﵀: «فاستقبلوها»- بكسر الباء، وفتحها، والكسر أصح، وأشهر، وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده. اهـ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي رواية الأصيلي «فاستقبلوها» -بكسر الموحدة- بصيغة الأمر، ويأتي في ضمير «وجوههم» الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قباء أظهر، ويرجح رواية الكسر أنه عند البخاري في التفسير من رواية سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار في هذا الحديث بلفظ «وقد أمِرَ أن يستقبلَ الكعبةَ، ألا فاستقبلُوها»، فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر، لا أنه بقية الخبر الذي قبله. والله أعلم. اهـ. «فتح» جـ ١ ص ٦٠٤.
(فاستداروا إِلى الكعبة) أي توجهوا إلى القبلة المأمور بها، وهي الكعبة، وقد تقدم الكلام في كيفية تحولهم في شرح حديث (٤٨٩) فارجع إليه تزدد علمًا. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:
أخرجه هنا (٤٩٣) وفي «التفسير» في «الكبرى» (١١٠٠٢) عن قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن عبد الله ابن يوسف -وفي «التفسير» عن يحيى بن قَزَعَةَ- وقتيبة -فَرَّقهما- وفي «خبر الواحد» عن إسماعيل بن أبي أويس- وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن قتيبة- أربعتهم عن مالك، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بعض فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن من استبان له خطؤه في استقبال القبلة مجتهدًا لا يعيد الصلاة، ووجه الدلالة من الحديث أنَّ أهل قباء لما صَلَّوا أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة جاهلين بوجوب التحول عنها، وأجزأ عنهم مع ذلك، حيث لم يُؤمَرُوا بالإعادة كان المخطئ بعد الاجتهاد مثلهم. وهذا القول الراجح في المسألة، كما يأتي تحقيقه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
وأما بقية الفوائد فقد تقدمت في الباب الماضي، فارجع إليها تزدد علمًا. والله ولي التوفيق.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء فيمن اجتهد في القبلة، فصلى إلى غيرها، فهل يعيد الصلاة، أم لا؟
ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وحماد إلى أنه لا يعيد، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإليه ذهب البخاري؛ حيث قال في الصحيح: «باب ما جاء في القبلة، ومَن لا يَرَى الإعادة على مَن سَهَا، مصلى إلى غير القبلة»، «وقد سَلَّم النبي - ﷺ - في ركعتي الظهر، وأقبل على الناس بوجهه، ثم إنه أتَمَّ ما بقي» اهـ.
وعن مالك كذلك، وعنه يعيد في الوقت استحبابًا، وقال ابن المنذر: وهو قول الحسن، والزهري.
وقال المغيرة: يعيد أبدًا، وعن حميد بن عبد الرحمن وطاوس والزهري: يعيد في الوقت.
وقال الشافعي: إن فرغ من صلاته، ثم بان له أنه صلى إلى المغرب استأنف الصلاة، وإن لم يَبِنْ له ذلك إلا باجتهاده، فلا إعادة عليه. وفي التوضيح: وقال الشافعي: إن لم يتيقن الخطأ فلا إعادة عليه، وإلا أعاد. أفاده البدر العيني ﵀ في «عمدته» جـ ٤ ص ١٤٣.
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي القول الأول وهو الذي رجحه البخاري ﵀ كما مر آنفًا، لحديث الباب، ووجه دلالته عليه من حيث إن الخطأ والجهل متشابهان، فيكون حكمهما واحدًا. ولِمَا استَدَلَّ به البخاري من أنه - ﷺ - سَلَّم في ركعتي الظهر … الخ، وهو طرف من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وهو
موصول في الصحيحين من طرق، لكن قوله: «وأقبل على الناس» ليس في الصحيحين بهذا اللفظ موصولًا، لكنه في الموطأ من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة ﵁.
ووجه الاستدلال به من جهة أنَّ بناءه على الصلاة دال على أنه في حال استدباره القبلة كان في حكم المصلي، ويؤخذ منه أن من ترك الاستقبال ساهيًا لا تبطل صلاته. أفاده في «الفتح» جـ ١ ص ٦٠٢.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.