٦ - كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ
أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالة على مواقيت الصلاة.
والمواقيت جمع مِيقَات، وأصله: مِوْقات، بالواو، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ولهذا ظهرت في الجمع، فقيل: مواقيت، ولم يُقَلْ: مياقيت. اهـ. المستعذب في تفسير ألفاظ المهذب جـ ١ ص ٥٢.
وفي المصباح: المِيقَاتُ: الوَقْت، وهو مِقْدَارٌ من الزمان مفروض لأمْرٍ مَا، وكل شيء قَدرت له حِينًا فقد وَقَّتَّهُ تَوْقِيتًا، وكذلك ما قَدَّرْتَ له غاية، والجمع: مَوَاقِيت. اهـ. بتصرف.
٤٩٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَدْ نَزَلَ، فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ».
رجال الإسناد: ست
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، تقدم في السند السابق، أخرج له الجماعة.
٢ - (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفَهْمي المصري، ثقة ثبت فقيه، إمام مشهور، توفي في شعبان سنة ١٧٥، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام الفقيه المدني ثقة مشهور، توفي سنة ٩٤، من [٢]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (بشير بن أبي مسعود) عقبة بن عَمْرو الأنصاري المدنى، له رؤية، وقال العِجْلي: تابعي ثقة.
وفي «تت»: روى عن أبيه، وعنه ابنه عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وهِلَالُ بنُ جَبْرٍ، ويونس بن ميسرة بن حَلْبَس، وذكره ابن حبان في «الثقات» في التابعين، وكذا البخاري، ومسلم، وأبو حاتم الرازي. وَرَوى ابنُ منده من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ابن حلبس، قال:
قال بشير بن أبي مسعود، وكان من الصحابة، قال ابن منده: وروى أبو معاوية، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، قال: رأيت بشير بن أبي
مسعود، وكانت له صحبة.
قال الحافظ ﵀: وقرأت بخط مغلطاي أن ابن خلفون ذكر في الثقات أن بشيرًا وُلِدَ بعد وفاة النبي - ﷺ - بقليل كذا قال، ولفظه ولد في حياة النبي - ﷺ -، أَو بعده بيسير. اهـ. روى له الجماعة إلا الترمذي.
٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثَعْلَبَةَ بن أسيرة بن عَميرَة بن عَطِيَّةَ بن جدَارَة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، البدري صاحب النبي - ﷺ -، شَهِدَ العَقَبَة.
قال شعبة: كان أبو مسعود بدريًا، وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: لم يشهد بدرًا، وهو قول ابن إسحاق. وقال ابن سعد: شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، ليس بين أصحابنا في ذلك اختلاف. وقيل: إنه نزل ماء ببدر، فنسب إليه. وفي «صحيح البخاري» من حديث عروة بن الزبير، قال: أخر المغيرة بن شعبة العصر، فدخل عليه أبو مسعود عقبة بن عمرو، جد زيد بن حسن، وكان شهد بدرًا، فقال: يا مغيرة، فذكر الحديث، سمعه عروة من بشير بن أبي مسعود،
عن أبيه، وبذلك عده البخاري في البدريين، وقال مسلم بن الحجاج في «الكنى»: شهد بدرًا. وقال أبو أحمد الحاكم: يقال: إنه شهد بدرًا. وقال أبو القاسم البغوي: حدثني أبو عمرو يعني علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، يعني القاسم بن سلام قال: أبو مسعود عقبة بن عمرو
شهد بدرًا. وقال ابن البرقي: لم يذكره ابن إسحاق في أهل بدر، وفي غير حديث أنه فيمن شهد بدرًا. وقال أبو القاسم الطبراني: أهل الكوفة يقولون: إنه شهد بدرًا، ولم يذكره أهل المدينة فيمن شَهِدهَا، وذكره عروة بن الزبير فيمن شهد العَقَبَةَ. قال الحافظ: فإذا شهد العقبة فما المانعُ من شهوده بدرًا، وما تقدم عن ابن سعد لم يقله من عند نفسه، وإنما نقله عن شيخه الواقدي، ولو قبلنا قوله في المغازي مع ضعفه، فلا ترد به الأحاديث الصحيحة. والله الموفق.
قال خليفة: مات قبل الأربعين -يعني بالكوفة- وقال المدائني: مات سنة ٤٠، وقيل: غير ذلك في تاريخ وفاته، وقيل: مات بالمدينة، أخرج له الجماعة. اهـ. تت بتصرف. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات اتفق الجماعة عليهم، إلا بشيرًا، فلم يخرج له الترمذي، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فبغلاني، والليث فمصري.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ ابن شهاب وعروة وبشير.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة، والسماع. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن شهاب) الزهري (أن عمر بن عبد العزيز) بن مَرْوَان بن الحَكَم بن أبي العاص الأمويَّ، أميرَ المؤمنين، أمُّهُ أمُّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فَعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، توفي في رجب سنة ١٠١، وله ٤٠ سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، من [٤]، تقدم في ١٢٢/ ١٧١.
(أخر الصلاة شيئًا) أي أخر صلاة العصر تأخيرًا يسيرًا، أو وقتًا يسيرًا، فشيئًا مفعول مطلق، أو منصوب على الظرفية، والتنوينُ للتقليل.
يعني أنه أخرها قليلًا بحيث خرج الوقت المستحب، لا أنه أخرها حتى خرج وقتها بالكلية.
وقد وقع تعيين الصلاة المؤخرة عند البخاري في «بدء الخلق»، ولفظه: «أخر العصر شيئًا»، قال ابن عبد البر ﵀: ظاهر سياقه أنه فَعَلَ ذلك يَوْمًا مَّا، لا أنَّ ذلك كان عادةً له، وإن كان أهل بيته معروفين بذلك. اهـ.
وفي رواية عبد الرزاق عن معمر، عن ابن شهاب «أخر الصلاة» يعني العصر. وللطبراني من طريق أبي بكر بن حزم أن عروة حدث عمر بن عبد العزيز -وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك- وكان ذلك زَمَانَ يُؤخِّرُونَ فيه الصلاة، يعني بني أمية.
قال ابن عبد البر: المراد أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنه أخرها حتى غربت الشمس. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: يؤيد ما قاله الحافظ ابن عبد البر ﵀ رواية المصنف، حيث قال «شيئًا» بالتنكير، وكذا رواية أبي داود «وكان قاعدًا على المنبر، فأخر العصر شيئًا»، وفيها أيضًا بيان سبب تأخيره، وهو أنه كان مشتغلًا بمصالح المسلمين، لا للتهاون بأمر الصلاة.
قال الحافظ ﵀: وأما ما رواه الطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: «دعا المؤذنُ لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصليها» فمحمول على أنه قارب المساء، لا أنه دخل فيه.
وقد رجع عمر بن عبد العزيز عن ذلك، فَروى الأوزاعيُّ عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه: أن عمر بن عبد العزيز -يعني في خلافته- كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة والعصر في الساعة العاشرة
حين تدخل. اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ٦.
(فقال له عروة) بن الزبير (أما) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح، كألا، وتكثر قبل القسم، كقوله:
أمَا وَالَّذِي أبْكَي، وَأضْحَكَ، وَالَّذِي … أمَاتَ، وأحْيَا، وَالَّذِي أمْرُهُ الأمْرُ
وقد تبدل همزتها هاءً، أو عينًا قبل القسم، وكلاهما مع ثبوت الألف، وحذفها، أو تُحذَفُ الألف مع ترك الإبدال، وإذا وقعت «إن» بعدها كُسِرَت، كما تُكسَرُ بعد «ألا» الاستفتاحية. أفاده في مغني اللبيب جـ ١ ص ٥٢ بحاشية الأمير.
(إِن جبريل ﵇) بكسر «إن» كما مر آنفًا.
وقد كتب النووي ﵀ في تهذيب الأسماء واللغات ترجمة جبريل ﵇، أحببت إيرادها هنا لحسنها، فقال:
وجبريل: هو الملك الكريم رسول رب العالمين - ﷺ -، وفيه تسع لغات، حكاها ابن الأنباري، وابن الجوالقي: جِبريل، وجَبريل -بكسر الجيم وفتحها-، وجَبرئِلّ -بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام-، وجبْرائيل -بهمزة ثم ياء مع الألف-، وجبْرَاييل -بياءين بعد الألف-، وجِبْرَئيَل -بهمزة بعد الراء وياء-، وجَبْرَئِل -بكَسر الهمزة وتخفيف اللام مع فتح الجيم والراء-، وجَبْرِين، وجِبْرِين -بفتح الجيم وكسرها-.
قال جماعات من المفسرين، وصاحبُ المحكم، والجوهريُّ،
وغيرُهما من أهل اللغة في جبريل ومكائيل: إن جَبْر، ومِيك اسمان أضيفا إلى إيل، وأل، وقال: وإيل، وأل: اسمان لله تعالىَ، وجبر، وميك: معناه بالسريانية عبد، فتقديره عبد الله.
قال أبو علي الفارسي: هذا الذي قالوه خطأ من وجهين:
أحدهما: أن «إيل» و«أل» لا يعرفان في أسماء الله تعالى. والثاني: أنه لو كان كذلك لم يتصرف آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان آخره مجرورًا أبدًا، كعبد الله.
قال النووي ﵀: وهذا الذي قاله أبو علي، هو الصواب، فإن ما زعموا باطل، لا أصل له.
(واعلم) أن جبريل يقال له الناموس بالنون كما ثبت في الصحيحين في حديث المبعث. قال أهل اللغة: الناموس صاحب سر الرجل الذي يُطلِعُهُ على باطن أمره، وقيل: الناموس صاحب خبر
الخير، والجاسوس صاحب خبر الشر.
وقد تظاهرت الدلائل على عظَمِ مَرْتَبَة جبريل ﵇، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧، ٩٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ …﴾ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣، ١٩٤] الآية.
وقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] الآيات، المراد بشديد القوى جبريل ﵇، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣، ١٤] الآية، المراد رأى جبريل، هذا قول الجمهور، فرآه النبي - ﷺ - على صورته له ستمائة جناح مرتين، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ [التكوير: ١٩، ٢٤].
وثبت في صحيح البخاري ومسلم في حديث المبعث عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - جاءه جبريل، وهو يتعبد في غار حراء، فأخذه، فغطه، ثم أرسله، فقال: اقرأ، ثم غطه ثانية، وثالثة، يقول له: مثل ذلك، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. وعن مسروق، قال: قلت لعائشة ﵁: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسولَ الله - ﷺ -؟ فقال: «إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سَادًا عِظَمُ خلقته ما بين السماء والأرض».
وفي «صحيح مسلم» عن مسروق أيضًا، قال: قلت لعائشة ﵂: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]؟ فقالت: إنما ذلك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه هذه المرة في صورته فسَدَّ أفُقَ السماء.
وفي «صحيحي البخاري ومسلم» عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَة الْجَرَسَ، وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وَعَيْتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني، فأعي ما يقول»، قالت عائشة: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فَيُفْصَمُ عنه، وإن جبينه ليَتَفَصَّد عَرَقًا».
قال أهل اللغة: الفَصْم: القطع بغير إبانة، ومعناه: يفارقني على أن يعود. وفي صحيحيهما عن ابن عباس ﵄، قال: «كان رسول الله - ﷺ - أجودَ الناس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله - ﷺ - أجود بالخير من الريح المرسلة».
وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ - لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤].
وفيه أيضًا عن البراء ﵁، قال: قال النبي - ﷺ - لحسان
﵁:«اهجهم»أو«هاجهم، وجبريلُ معك».
وفي«الصحيحين»في حديث الإسراء صعود رسول الله - ﷺ - وجبريل إلى السموات السبع، وأن جبريل يستفتح في باب كل سماء، فيقال: مَنْ هذا؟ فيقول: جبريلُ، فيقال: مَن معك؟، فيقول: محمد، فيفتح.
وفي الصحيح«إن الله تعالى إذا أحب عبدًا نادى: يا جبريلُ إني أحب فلانًا، فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم يُنادي جبريل في السماء إن الله يحب فلانًا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». والأحاديث الصحيحة المتعلقة بِعظَمِ فضل جبريل كثيرة مشهورة.
وكان يأتي النبي - ﷺ - في صورة دِحْيَةَ الكلبي، ورأته الصحابة حين جاء في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثَرُ السفر، ولا يعرفه أحد، فسأل النبي - ﷺ -، وهم يرونه، ويسمعونه عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، وأمَارَتِهَا، ثم خرج، فطلبوه في الحال، فلم يجدوه، فقال النبي - ﷺ -:«هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». كما في«الصحيحين».
وفي«صحيح البخاري»عن ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر:«هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب». وفيه أيضًا عن عائشة ﵂، قالت:«لما رجع
النبي - ﷺ - من الخَنْدق، ووضع السلاح، واغتسل أتاه جبريل، فقال: قد وضعتَ السلاحَ، والله ما وضعناه، فاخْرُجْ إليهم، قال: فإلى أين؟ قال: ها هنا، وأشار بيده إلى بني قُرَيَظةَ، فخرج النبي - ﷺ - إِليهم».
وفيه عن أنس بن مالك ﵁، قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زُقَاق بني غنم، موكب جبريل حين سار النبي - ﷺ - إلى بني قريظة. اهـ. تهذيب الأسماء واللغات بتصرف يسير جـ ١ ص ١٤٣ - ١٤٦. والله تعالى أعلم.
تنبيهان:
الأول: أنه قال الحافظ السيوطي ﵀: لا خلاف أن جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت رؤوس الملائكة، وأشرافهم، وأفضل الأربعة: جبريل وإسرافيل، وفي التفضيل بينهما توقف، سببه اختلاف الآثار في ذلك، وفي معجم الطبراني الكبير حديث «أفضل الملائكة جبريل»، لكن سنده ضعيف، وله معارض، فالأوْلَى الوقفُ عن ذلك. اهـ، نقله الزرقاني في «شرح الموطأ» جـ ١ ص ١٢.
الثاني: أنه اختلف في نزول جبريل في صفة رجل، فقال إمام الحرمين ﵀: نزوله في صفة رجل، معناه: أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بعد، وجزم ابن عبد السلام ﵀ بالإزالة دون الفناء، إذ لا يلزم أن يكون انتقالها موجبًا لموته، بل يجوز
أن يبقى الجسد حَيًا، لأن موته بمفارقة الروح لا يجب عقلًا، بل بعادة أجراها الله في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خُضْر، تَسْرحُ في الجنة.
وقال البلقيني ﵀: يجوز أن الآتي هو جبريل بشكله الأصلي، إلا أنه انضم، فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك العادة عاد إلى هيئته، ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان مُنتَفِشًا، فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب.
قال الحافظ ﵀: والحق أن تمثيل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أن القدر الزائد لا يزول، ولا يفنى، بل يَخْفَى على الرائي فقط.
وقال القونوي: يمكن أن جسمه الأول بحاله، لم يتغير، وقد أقام الله له شَبَحًا آخر، وروحه متصرفة فيهما جميعًا في وقتٍ واحد، اهـ. «شرح الزرقاني على الموطأ» جـ ١ ص ١٢، ١٣.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن مثل هذه المسألة مما لا ينبغي الخوض فيها لعدم وجود نص يدل عليها، وليست مما يُدرَكُ بمجرد العقل، لأنها من الأمور الغيبية، ولم يكلفنا الله بمعرفة تفاصيلها، فالخوض فيها يكون من الخوض فيما لا يعني، فالأولى
تركه، وتفويض علمه إلى عالم غيب السموات والأرض. وبالله التوفيق.
(قد نزل) صبيحة ليلة الإسراء، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لم يختلف أن جبريل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال، فَعَلَّمَ النبيَّ - ﷺ - الصلاة، ومواقيتها، وهيئتها. اهـ. «تمهيد» جـ ٨ ص ٣٤.
تنبيه:
رواية المصنف فيها اختصار، ففي رواية البخاري عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا، وهو بالعراق، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس أن جبريل نزل، فصلى، فصلى رسول الله - ﷺ - … الحديث. والصلاة التي أخرها المغيرة هي العصر؛ كما بينه عبد الرزاق في روايته، وهي التي أخرها عمر بن عبد العزيز كما تقدم.
(فصلى إِمام رسول الله - ﷺ -) قال السندي رحمه الله تعالى: بكسر الهمزة، وهو حال، لكون إضافته لفظية نظرًا إلى المعنى، أو بفتح الهمزة، وهو ظرف، والمعنى يميل إلى الأول. اهـ.
وقال السيوطي ﵀: لا إشكال في فتح همزة «إمام»، بل في كسرها، لأن إضافة إمام مُعَرِّفَة، والموضع موضع الحال، فيوجب جعله
نكرة بالتأويل، كغيره من المعارف الواقعة أحوالًا، كأرسلها العِرَاكَ، يعني في قول الشاعر:
فَأرْسَلَها الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذُدْهَا … وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدِّخَالِ
أي أرسلها معتركة، أي مزدحمة.
قال السندي ﵀: ومقصود عروة بذلك أن أمر الأوقات عظيم، قد نزل لتحديدها جبريل فعلمها النبي - ﷺ - بالفعل، فلا ينبغي التقصير في مثله. اهـ.
(فقال له) أي لعروة (عمر) بن عبد العزيز (اعلم ما تقول يا عروة) قال السندي: بصيغة الأمر من العلم، أي كن حافظًا ضابطًا له، ولا تقله عن غفلة، أو من الإعلام، أي بَيِّن لي حاله، وإسنادك له فيه. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: الأول أظهر، فـ «ما» موصولة في محل نصب مفعول «اعلم»، وهي بمعنى اعرف، فتتعدى لمفعول واحد، كما قال ابن مالك:
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ … تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ
وعند البخاري: «فقال عمر لعروة: اعلم ما تحدث»، وفي رواية للشافعي، عن سفيان، عن الزهري، فقال: «اتق الله يا عروة، وانظر ما تقول». قال الرافعي في شرح المسند: لا يحمل مثله على الاتهام،
ولكن المقصود الاحتياط والاستثبات، ليتذكر الراوي، ويجتنب ما عساه يعرض من نسيان وغلط. قاله الزرقاني في «شرح الموطأ» جـ ١ ص ١٤.
وقال البدر العيني ﵀: قوله «اعلم ما تحدث به» بصيغة الأمر، تنبيه من عمر بن عبد العزيز لعروة على إنكاره إياه، وقال القرطبي: ظاهره الإنكار، لأنه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل ﵊، إمَّا لأنه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه. اهـ. «عمدة» جـ ٥ ص ٥.
وفي رواية البخاري وغيره زيادة «أو أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله - ﷺ - وقت الصلاة».
(فقال) عروة (سمعت بشير بن أبي مسعود) الأنصاري المتقدم ذكره (يقول: سمعت أبا مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري المتقدم أيضًا، يعني أباه (يقول: سمعت رسول الله - ﷺ -) رواية المصنف ﵀ توضح بطلان دعوى من ادعى الانقطاع في هذا الحديث.
قال في الفتح: قال ابن عبد البر: هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء، لأن ابن شهاب لم يقل: حضرت مراجعة عروة لعمر، وعروة لم يقل: حدثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة، لا بالصيغ. اهـ.
وقال الكرماني: اعلم أن هذا الحديث بهذا الطريق ليس متصل الإسناد، إذ لم يقل أبو مسعود: شاهدت رسول الله - ﷺ -، ولا قال: قال رسول الله - ﷺ -. اهـ.
قال الحافظ ﵀: قلت: هذا لا يسمى منقطعًا اصطلاحًا، وإنما هو مرسل صحابي، لأنه لم يدرك القصة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النبي - ﷺ -، أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه، كصحابي آخر. على أن رواية الليث عند المصنف -يعني البخاري- تزيل الإشكال كله، ولفظه «فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود، يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول» فذكر الحديث.
وكذا سياق ابن شهاب، وليس فيه التصريح بسماعه له من عروة، وابنُ شهاب قد جُرِّبَ عليه التدليس، لكن وقع في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب، قال: «كنا مع عمر بن عبد العزيز …» فذكره. وفي رواية شعيب، عن الزهري «سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز …» الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه: في رد الحافظ لكلام الكرماني بأنه مرسل صحابي، يحتمل أن يكون سمعه من النبي - ﷺ - أو بلغه، أو سمعه من صحابي آخر مع كون أبي مسعود صرح بسماعه من النبي - ﷺ - نظر لا يخفى، بل الأولى في الرد عليه أن يقال: إن الإسناد متصل
لتصريح أبي مسعود بسماعه من النبي - ﷺ -، فلا حاجة إلى ترديد الاحتمال، ومثله يقال في الرد على من ادعى الانقطاع بين ابن شهاب وبين عروة، وبين عروة وبشير بن أبي مسعود، حيث صرح كل منهما بالسماع. والله أعلم.
(يقول: نزل جبريل) ﵇، وقد بيَّن ابنُ إسحاق في المغازي أن ذلك كان صَبيحَةَ الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، قال ابنُ إسحاقَ: حدثني عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير، وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال نافع بن جبير، وغيره: لما أصبح النبي - ﷺ - من الليلة التي أسري به لم يَرُعْهُ إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت الأولى، أي صلاة الظهر، فأمَرَ، فَصِيحَ بأصحابه «الصلاة جامعة» فاجتمعوا، فصلى به جبريل، وصلى النبي - ﷺ - بالناس. فذكر الحديث.
وإنما دعاهم إلى الصلاة بقوله: «الصلاة جامعة» لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ.
قال الحافظ ﵀: وفيه ردٌّ على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبي - ﷺ -. اهـ «فتح» جـ ٢ ص٧.
(فأمني) أي صار إمامي، يقال: أمَّهُ، وأمَّ بِهِ: صلى به إمَامًا، قاله في «المصباح».
(فصليت معه) فيه أن صلاة النبي - ﷺ - كان مع صلاة جبريل ﵇ وفي رواية البخاري «نزل، فصلى، فصلى رسول الله - ﷺ - …» الحديث.
قال في الفتح: قال عياض: ظاهره أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره أن جبريل أمَّ النبي - ﷺ -، فيحمل قوله: «صلى، فصلى» على أن جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصلاة تابعه النبي - ﷺ - بفعله اهـ. وبهذا جزم النووي. وقال غيره: الفاء بمعني الواو، واعترض بأنه يلزم أن يكون النبي - ﷺ - كان يتقدم في بعض الأركان على جبريل على ما يقتضيه مطلق الجمع. وأجيب بمراعاة
الحيثية، وهي التبيين، فكان لأجل ذلك يتراخى عنه. وقيل: الفاء للسببية، كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥].
وفي رواية الليث عند المصنف وغيره «نزل جبريل، فأمني، فصليت معه»، وفي رواية عبد الرزاق عن معمر «نزل، فصلى، فصلى رسول الله - ﷺ -، فصلى الناس معه»، وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير المتقدمة. اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ٧.
(فصليت معه) أي الظهر (ثم صليت معه) أي العصر (ثم صليت معه) أي المغرب (ثم صليت معه) أي العشاء (ثم صليت معه) أي الصبح (يَحْسُبُ) أي يَعُدُّ وهو بضم السين، يقال: حسبت
المال حَسْبًا من باب قتل، وحِسْبَةً بالكسر وحُسْبَانًا بالضم إذا أحصيته.
أفاده في المصباح.
والظاهر أن الفاعل ضمير النبي - ﷺ - (بأصابعه، خمس صلوات) بالنصب مفعولًا ليحسب، أو لصليت مقدرًا، ويأتي قريبًا ما يدل على أنه صلى الخمس كل واحدة منها مرتين.
تنبيه:
قال القرطبي ﵀: قول عروة: إن جبريل نزل ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز، إذ لم يعين له الأوقات، قال: وغاية ما يتوهم عليه أنه نبهه، وذَكَّره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد؛ لإنكار عمر على عروة حيث قال له: «اعلم ما تحدث يا عروة»
قال: وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل.
قال الحافظ ﵀: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المُسْتَمِرّ، لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنه يَرَى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يُحمَلُ عمل
المغيرة وغيره من الصحابة.
قال الحافظ ﵀: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب المغيرة لأبي مسعود، والظاهر أنه رجع إليه. والله أعلم.
وأما ما زاده عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري في هذه القصة، قال: فلم يزل عمر يعلم الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا.
ورواه أبو الشيخ في كتاب المواقيت له من طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: «مازال عمر بن عبد العزيز يتعلم مواقيت الصلاة حتى مات». ومن طريق إسماعيل بن أبي حكيم «أن
عمر بن عبد العزيز جعل ساعات يَنقَضينَ مع غروب الشمس»، زاد من طريق ابن إسحاق، عن الزهري «فما أخرها حتى مات»، فكله يدل على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط إلا بعد أن حدثه عروة بالحديث المذكور.
تنبيه آخر:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ورد في هذه القصة من وجه آخر عن الزهري بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال، ويُوضِّحَ توجيهَ احتجاجِ عروة به، فَرَوَى أبو داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وغيره من طريق ابن وهب، والطبرانيُّ من طريق يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد، عن الزهري هذا الحديث بإسناده، وزاد في آخره «قال أبو مسعود: فرأيت رسول الله - ﷺ - يصلي الظهر حين تزول الشمس» فذكر الحديث. وذكر أبو داود أن أسامة بن زيد تفرد بتفسير الأوقات فيه، وأن أصحاب الزهري لم يذكروا ذلك، قال:
وكذا رواه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق عن عروة لم يذكرا
تفسيرًا اهـ. ورواية هشام أخرجها سعيد بن منصور في سننه، ورواية حبيب أخرجها الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال الحافظ: وقد وجدت ما يَعْضِدُ رواية أسامة ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل، وذلك فيما رواه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز، والبيهقي في السنن الكبرى من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي بكر بن حزم أنه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر، عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة، وَوَضَحَ أن له أصلًا، وأن في رواية مالك ومَنْ تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البر، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة فلا توصف -والحالة هذه- بالشذوذ. اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ٨ - ٩. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي مسعود ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له:
لم يذكره إلا في هذا الموضع.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه
البخاري في «الصلاة» عن القعنبي، عن مالك -وفي «بدء الخلق» عن قتيبة، عن ليث- وفي المغازي عن أبي اليمان، عن شعيب- ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة، عن بشير بن أبي مسعود، عن أبيه ﵁.
وأخرجه مسلم في «الصلاة» أيضًا عن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن ليث به. وعن يحيى بن يحيى عن مالك به.
وأخرجه أبو داود في «الصلاة» أيضًا عن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن الزهري به. وقال: رواه عن الزهري معمر، ومالك، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والليث، وغيرهم- لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه، ولم يفسروه، وكذلك رَوَى هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق، عن عروة إلا أن حبيبًا لم يذكر بشيرًا.
وأخرجه ابن ماجه في «الصلاة» أيضًا عن محمد بن رمح، عن ليث به.
وأخرجه مالك في «الموطأ»، وهو أول حديث وقع فيه. وأحمد، والبيهقي، والطحاوي، والدارقطني؛ مع اختلاف في بعض الألفاظ. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن الصلوات الخمس لها أوقات محددة.
ومنها: أن تحديد تلك الأوقات كان ببيان جبريل ﵇.
ومنها: أنه يدل على أن أوقات الصلاة من فرائضها، وأنها لا تجزىء قبل وقتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إلا شيء رُوِي عن أبي موسى الأشعري، وعن بعض التابعين، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: وقد انعقد الإجماع على خلافه، فلم نَرَ لذكره وجهًا، لأنه لا يصح عندي عنهم، وقد صح عن أبي موسى خلافه بما يوافق الجماعة، فصار اتفاقًا صحيحًا. اهـ. «الاستذكار» جـ ١ ص ٣٦.
ومنها: المبادرة بالصلاة في أول وقتها، ولا ينافي ذلك ما ورد من الإبراد بالظهر في شدة الحر، لأن المبادرة تكون بما يناسب ذلك الإبراد، فيبادر أول ما يحصل الإبراد المطلوب.
ومنها: أن فيه دخولَ العلماء على الأمراء، وإنكارَهم عليهم إذا خالفوا السنة.
ومنها: جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع إلى السنة.
ومنها: أنه استدل به من يرى جواز الائتمام بمن يأتم بغيره، قال في الفتح: ويجاب عنه بما يجاب به عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي - ﷺ -، وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط، كما سيأتي تقريره في أبواب الإمامة اهـ. جـ ٢ ص ٧.
ومنها: أنه استدل به بعضهم على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس، قاله ابن العربي، وغيره، وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة كانت واجبة على النبي - ﷺ - حينئذ. وتعقبه بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة، وأجاب باحتمال أن الوجوب عليه كان معلقًا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة، قال: وأيضًا لا نسلم أن جبريل كان متنفلًا، بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه، لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض خلف مفترض اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ٧.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن اقتداء المفترض بالمتنفل يجوز لحديث إمامة معاذ ﵁ لقومه بعد الصلاة معه - ﷺ -، كما يأتي تحقيقه في محله إن شاء الله، وأما الاستدلال بهذا الحديث فغير واضح، والله أعلم.
ومنها: ما قاله ابن المُنَيِّر ﵀: قد يتعلق به من يجوز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر، كذا قال. قال الحافظ ﵀: وهو مسلم له في صورة المؤداة مَثَلًا خلف المقضية، لا في الظهر خلف العصر مثلًا. اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ٧.
ومنها: أن فيه فضيلة عمر بن عبد العزيز ﵀.
ومنها: قبول خبر الواحد الثبت.
ومنها: أنه استدل به ابن بطال وغيره على أن الحجة بالمتصل دون المنقطع، لأن عروة أجاب عن استفهام عمر له، لمَّا أن أرسل الحديث بذكر من حدثه به، فرجع إليه، فكأنَّ عمر قال له: تأمل ما تقول، فلعله بلغك عن غير ثبت، فكأن عروة قال له: بل قد سمعته ممن قد سمع صاحب رسول الله - ﷺ -، والصاحب قد سمعه من النبي - ﷺ -. اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ٩.
ومنها: أنه استدل به عياض على جواز الاحتجاج بمرسل الثقة، كصنيع عروة حين احتج على عمر، قال: وإنما راجعه عمر، لتثبته فيه، لا لكونه لم يرض به مرسلًا، كذا قال. قال الحافظ: وظاهر السياق يشهد لما قال ابن بطال.
ومنها: أن ابن بطال قال: في هذا الحديث دليل على ضعف الحديث الوارد في أن جبريل أمَّ النبي - ﷺ - في يومين لوقتين مختلفين لكل صلاة، قال: لأنه لو كان صحيحًا لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر الوقت محتجًا بصلاة جبريل، مع أن جبريل قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: «الوقت ما بين هذين».
وأجيب باحتمال أن تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت الاختيار، وهو مصير ظل الشيء مثليه، لا عن وقت الجواز، وهو مغيب الشمس، فيتجه إنكار عروة، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو
يكون عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي - ﷺ -، وهو الصلاة في أول الوقت، ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضًا.
وقد رَوَى سعيدُ بنُ منصور من طريق طلق بن حبيب مرسلًا، قال: «إن الرجل ليصلي الصلاة، وما فاتته، ولما فاتته من وقتها خير له من أهله وماله». ورواه أيضًا عن ابن عمر من قوله.
ويؤيد ذلك احتجاج عروة بحديث عائشة ﵂، حيث قال: ولقد حدثتني عائشة «أن النبي - ﷺ - كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر».
وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها، وبذلك تظهر مناسبة ذكره لحديث عائشة بعد حديث أبي مسعود، لأن حديث عائشة يشعر بمواظبته - ﷺ - على صلاة العصر في أول الوقت، وحديث أبي مسعود يشعر بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل ﵇. قاله في «الفتح» جـ ٢ ص ٩. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
الحديث الذي أشار ابن بطال إلى تضعيفه سيأتي للمصنف برقم (٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو حديث حسن، وبرقم (٥٠٤) من حديث جابر ﵁، وهو حديث صحيح،
وهو مروي من حديث ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وأبي مسعود البدري ﵃، وسيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
وَلَمَّا ذكر المصنف رحمه الله تعالى الحديثَ الدالَّ على أن للصلاة أوقاتًا محددة، لا يجوز أن تُفْعَل إلا فيها، وتلك الأوقات بَيَّنهَا جبريلُ ﵇ للنبي - ﷺ - بالفعل: أراد أن يذكر الأحاديث الدالة على أن لهذه الأوقات الخمس أولًا وآخرًا، وأن الصلاة فيها أحيانًا يطلب تعجيلها، وأحيانًا يطلب تأخيرها، فذكر تلك الأحاديث بأبواب متتالية متناسقة، فقال:. . . .
٢ - أوَّلُ وَقْتِ الظُّهرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أول وقت صلاة الظهر.
وتقدم معنى الوقت في الباب السابق.
وأما الظُّهر -بضم فسكون- فهو الوقت بين الزوال والإبراد، مأخوذ من الظهور، وهو الارتفاع، وسمي الظهيرة أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨]. اهـ. النظم المستعذب جـ ١ ص ٥٤، وقال ابن منظور ﵀: والظُّهْرُ ساعةُ الزوال، ولذا قيل: صلاة الظهر، وقد يَحْذِفُون على السَّعَةِ، فيقولون: هذه الظُّهْرُ، يريدون صلاة الظهر، وقال الَجوهري: الظهر بالضم بَعْدَ الزوال، ومنه صلاة الظهر. والظَّهِيرةُ: الهاجرة، يقال: أتيته حَدَّ
الظَّهِيرة، وحين قام قائم الظهيرة، وفي الحديث ذِكْرُ صَلاة الظُّهر، قال ابن الأثير: هو اسم لنصف النهار، سمي به من ظَهِيرَة الشمس، وهو شدة حَرِّها، وقيل: أضيفت إليه لأنه أظهر أوقات الصلوات للأبصار، وقيل: أظهرها حَرًا، وقيل: لأنها أول صلاة أظهرت، وصليت، وقد
تكرر في الحديث ذكر الظهيرة، وهو شدة الحر نصف النهار، قال: ولا يقال في الشتاء ظهيرة. وقال ابن سيدَه: الظَّهِيرَة حَدُّ انتصاف النهار. وقال الأزهري: هما واحد. اهـ. «لسَان» ج ٤ ص٢٧٦٩.
قال الجامع عفا الله عنه: إنما قدم المصنف وقت الظهر لكونها أول