١٣ - تَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب التعجيل بصلاة المغرب في أول وقتها.
٥٢٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَسَّانَ بْنَ بِلَالٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهَالِيهِمْ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ، يَرْمُونَ وَيُبْصِرُونَ مَوَاقِعَ سِهَامِهِمْ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن بشار) بن عثمان العَبْدي البصري، أبو بكر بُنْدَار، ثقة، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمد) بن جعفر الهُذَليّ المعروف بغُنْدَر، ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غَفْلَةً، توفي سنة ١٩٣، أو ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري، حجة ثبت، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو بشر) بن أبي وَحْشيَّةَ -بفتح الواو، وسكون الحاء المهملة، وكسر المعجمة، وتثقيل التحتانية- جعفر بن إياس اليشكري الواسطي بصري الأصل، ثقة، من [٥].
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان شعبة يضعف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم. وقال أحمد: أبو بشر أحب إلي من المنْهَال، قلت: من المنهال؟ قال: نعم شديدًا، أبو بشر أوثق. قال أحمَد: كان شعبة يقول: لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم، وقال أيضًا: كان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد، قال: لم يسمع منه شيئًا.
وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال ابن معين: طَعَنَ عليه شعبة في حديثه عن مجاهد، قال: من صحيفة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
وقال البرديجي: كان ثقة، وهو من أوثق الناس في سعيد بن جبير. وقال مُطَيَّن: مات سنة ١٢٣، وقال نوح بن حبيب: سنة ١٢٤، وكان ساجدًا خلف المقام حين مات، قال خليفة وابن سعد وغيرهما: سنة ١٢٥، وقال ابن البراء عن ابن المديني: سنة ١٢٦، وقال ابن حبان في الثقات: مات في الطاعون سنة ١٣١، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
أبو بشر هو جعفر كما ذكرنا، وأما ما قاله البهكلي في شرحه
للنسائي من أنه بيان بن بشر الأحمسي فغير صحيح، لأنه صرح في تهذيب الكمال بما قلناه، ولأنهم لم يعدوا ممن يروي عن حسان بن بلال بيان بن بشر، انظر «تهذيب الكمال» جـ ٤ ص ١٤.
٥ - (حسان بن بلال) المُزَني البصري، صدوق، من [٣]، روى عن عمار بن ياسر، وحكيم بن حزام، ويزيد بن قتادة العَنَزِي، ورجل من أسلم له صحبة.
وعنه قتادة، وأبو بشر، وأبو قلابة، وأبو أمية عبد الكريم بن أبي المُخَارق، ويحيى بن أبي كثير، ومَطَر الوَرَّاق. وأخرج له الترمذي وابن ماجه حديثًا في تخليل اللحية في الوضوء، والمصنف هذا الحديث فقط، وأنكر البخاري، وابن عيينة سماع عبد الكريم. وقال ابن المديني: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي عن عمار إن كان سمع منه، وقال ابن حزم: مجهول، لا يعرف له لقاء عمار. قال الحافظ: وقوله: مجهول، قول مردود، فقد رَوَى عنه جماعة، كما ترى، ووثقه ابن المديني، وكفى به. اهـ أخرج له الترمذي، والمصنف، وابن ماجه.
٦ - (رجل من أسلم) من أصحاب النبي - ﷺ -، لم يُسَمَّ. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله ثقات، اتفقوا عليهم إلا حسانًا، فانفرد به هو،
والترمذي، وابن ماجه، وإلا الصحابي، فانفرد هو به.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن صحابيه مجهول، لكن جهالة الصحابى لا تضر، إذا صح السند إليهم، لكونهم عدولًا.
فروى البخاري عن الحميدي قال: إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة، وإن لم يُسَمَّ ذلك الرجل، وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من الصحابة، ولم يسمه، فالحديث صحيح؟ قال: نعم.
وسَمَّى هذا النوع البيهقي مرسلًا، قال العلائي: وليس بجيد، اللهم إلا إن كان يسميه مرسلًا، ويجعله حجة كمراسيل الصحابة، فهو قريب. وقيد الصيرفي هذا النوع بما إذا صرح التابعي بالسماع من الصحابي المبهم، وأبى أن يحتج بالمعنعن، واختاره الحافظ السيوطي في «ألفية الأثر»؛ حيث قال:
وَرَجَلٌ منَ الصَّحَابِي وَأبَى … الصَّيْر في مُعَنْعَنا وَلْيُجْتَبى
قال العلامة أحمد شاكر في تعليقته على الألفية: هذا القيد غير جيد عندي، لأنه يرجع إلى حكم المعنعن، فإن كان الراوي معروفًا بالتدليس، أو لم يعاصر من رَوَى عنه كانت روايته منقطعة، فكذا ما هنا؟ وإن كان الراوي غير مدلس، وقد عاصر من رَوَى عنه كانت روايته بالعنعنة محكومًا باتصالها، ومحتجًا بها. انتهى كلام أحمد شاكر ص ٢٨. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن رجل من أسلم، من أصحاب النبي - ﷺ -، أنهم) أي الصحابة (كانوا يصلون مع نبي الله - ﷺ - المغرب ثم يرجعون إِلى أهاليهم) جمع أهل، قال المجد: أهلُ الرجل: عَشيرته، وذوو قُرْبَاهُ، جمعه أهْلُون، وأهَالٍ، وآهَالٌ، وأهْلَاتٌ، ويحركَ. اهـ «ق»، والمراد أنهم يرجعون إلى عشائرهم (إِلى أقصى المدينة) بدل من الجار والمجرور قبله، أو «إلى» بمعنى «في»، فيكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف صفة لـ«أهاليهم».
(يرمون) بسهامهم للتعلم، أو للعب، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير في «يرجعون» (ويبصرون) من الإبصار، أي ينظرون (مواقع سهامهم) أي مواضع وقوع سهامهم، و«السهام» بالكسر جمع سَهْم بفتح فسكون، وهو واحد النَّبْل، وقيل: نفس النَّصل، قاله في «المصباح». والنَّبْل- بفتح فسكون: السِّهام، وقيل: السهام العربية، وهي مؤنثة، لا واحد لها من لفظها، فلا يقال: نَبْلَة، وإنما يقال: لسَهْم، ونُشَّابَةٌ، وقال بعضهم: واحدتها: نَبْلَة، والصحيح أنه لا واحد لها، إلا السهم. قاله في «اللسان».
والجملة في محل نصب عطف على جملة الحال.
والمعنى أنه - ﷺ - كان يُبَكِّر بصلاة المغرب، فكان الصحابة الذين يصلون معه يرجعون إلى أقصى المدينة عند أهليهم، وهم يرمون
بسهامهم، وينظرون إلى أماكن وقوعها، لشدة الضوء. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث حسان بن بلال هذا عن رجل من أسلم له صحبة صحيح.
وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (٥٢٠) بالسند المذكور فقط.
المسألة الثانية: أنه جاءت أحاديث بمعنى حديث الباب؛ ففي الصحيحين من حديث رافع بن خَدِيج ﵁، قال: «كنا نصلي المغرب مع النبي - ﷺ -، فينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نَبْله»، ولأبي داود من حديث أنس ﵁ بسند صحيح، قال: «كنا نصلي المغرب، مع النبي - ﷺ -، ثم نرمي، فَيَرَى أحدُنا موضع نبله».
وروى أحمد في مسنده من طريق علي بن بلال، عن ناس من الأنصار، قالوا: «كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - المغرب، ثم نرجع، فنترامى حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا». قال الحافظ: إسناده حسن.
وللشيخين من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «كنا نصلي مع النبي - ﷺ - إذا توارت بالحجاب»، ولفظ مسلم «إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب». والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من تعجيل صلاة المغرب عقيب غروب الشمس، بحيث إنه إذا فرغ منها كان الضوء باقيًا.
قال ابن المنذر ﵀: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن التعجيل بصلاة الغرب أفضل، وكذلك نقول. اهـ الأوسط جـ ٢ ص ٣٦٩.
وقال النووى في «المجموع»: قد ذكرنا إجماعهم على أن أول وقتها غروب الشمس، وحكى الماوردي، وغيره عن الشيعة أنهم قالوا: لا يدخل وقتها حتى يشتبك النجوم، والشيعة لا يعتد بخلافهم. اهـ جـ ٣ ص ٣٤.
وقال في شرح مسلم عند شرح حديث سلمة ورافع ﵄ السابقين: وفي هذين الحديثين أن المغرب تعجل عقيب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وأما الأحاديث السابقة في تأخير المغرب إلى قرب سقوط الشفق، فكانت لبيان جواز التأخير، كما سبق إيضاحه، فإنها كانت جواب سائل عن الوقت، وهذان الحديثان إخبار
عن عادة رسول الله - ﷺ - المتكررة التي واظب عليها، إلا لعذر، فالاعتماد عليها. والله أعلم. اهـ جـ ٥ ص ١٣٦.
ومنها: شدة حرص الصحابة ﵃ في الصلاة مع رسول الله - ﷺ - وإن كانت ديارهم بعيدة عن مسجده.
ومنها: إباحة الرمي بالنبل والسهام لتعلم وسائل الحرب، فقد ورد الترغيب في تعلمه، أخرج مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول، وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي«، وأخرج أحمد، وأصحاب السنن من حديثه أيضًا، قال: قال رسول الله - ﷺ -:»وارموا، واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا«. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، إليه أنيب.