والحاصل أن التأخير لمن لا يشق عليه هو الأفضل. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٥٣١ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، وَيُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلِّيَ الْعَتَمَةَ، إِمَامًا، أَوْ خِلْوًا؟ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْعَتَمَةِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ، وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا، وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ: فَقَالَ: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ، قَالَ: وَأَشَارَ، فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً، كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ، كَمَا أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ بِشَيْءٍ مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَهَا، فَانْتَهَى أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ إِلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ثُمَّ ضَمَّهَا، يَمُرُّ بِهَا، كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامَاهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصَّدْغِ، وَنَاحِيَةِ الْجَبِينِ، لَا يَقْصُرُ، وَلَا يَبْطُشُ شَيْئًا،
إِلَّا كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ لَا يُصَلُّوهَا إِلَّا هَكَذَا».
رجال الإسناد: ستة
١ - (إِبراهيم بن الحسن) بن الهَيْثَم الخثعمي، أبو إسحاق المصِّيصِيُّ المقْسَمِيُّ، ثقة، من [١١]، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في ٥١/ ٦٤.
٢ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم أبو يعقوب المِسْمَعِيُّ المصيصي نزيل أنطاكية، ثقة، حافظ، توفي سنة ٢٧١، وقيل قبل ذلك، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٣١/ ١٩٨.
٣ - (حجاج) بن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد الترمذي الأصل، نزيل بغداد، ثم المصيصة، ثقة ثبت لكنه اختلط آخرًا بعد دخوله بغداد، توفي سنة ٢٠٦، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، المكي، ثقة فقيه، فاضل، لكنه يدلس، ويرسل، توفي سنة ١٥٠، أو بعدها، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، توفي سنة ١١٤ على المشهور، من [٣]،
أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات اتفقوا عليهم إلا شيخه يوسف فمن أفراده، وإبراهيم بن الحسن فانفرد له هو، وأبو داود، والترمذي.
ومنها: أنهم إلى الحجاج مصيصيون، ومن بعده مكيون.
ومنها: أن ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة روى ١٦٩٦ حديثًا، وآخر من مات من الصحابة بالطائف، مات سنة ٦٨. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) اشتهر بالنسبة إلى جده، وله كنيتان، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، أنه (قال: قلت لعطاء) بن أبي رباح (أيُّ حين) أي اسم استفهام مبتدأ، مضاف إلى حين، وخبره قوله: (أحب إِليك).
(أن أصلي العتمة) «أن» مصدرية، و«أصلي» صلتها، ومتعلقه
محذوف، تقديره «فيه»، و«العتمة» منصوب على المفعولية، و«أن» وصلتها في تأويل المصدر مجرور بحرف جر مقدر، أي لصلاتي، وتقدير الكلام: أيُّ وقت أحبُّ إليك لصلاتي العتمة فيه. والعتمة مُحرّكَةً: المراد هذا هنا العشاء، وتقدم الخلاف في معناها.
(إِمامًا) حال من فاعل «أصلي»، وهو المُقْتَدَى به في الصلاة.
قال الفيومي ﵀: والإمام: الخليفة، والعالمُ المقتدَى به، ومن يؤتم به في الصلاة، ويطلق على الذكر، والأنثى، قال بعضهم: وربما أنث إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة، وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها، لأن الإمام اسم لا صفة. انتهى المصباح جـ ١ ص ٢٣.
(أو خِلْوًا) بالنصب عطفًا على «إمامًا»، والخلو بكسر فسكون: الخالي، والمراد به هنا المنفرد.
(قال) عطاء (سمعت ابن عباس) ﵄ (يقول: أعتم رسول الله - ﷺ -) أي أبطأ، وتأخر (ذات ليلة) أي ليلة من الليالي، فذات مقحمة (بالعتمة) أي بصلاة العشاء.
(حتى رقد الناس) أي ناموا، ويقال: رَقَدَ، رَقْدًا، ورُقَادًا، بالضم: نام، ليلًا كان، أو نهارًا، وبعضهم يخصه بنوم الليل، والأول هو الحق، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]. قاله في المصباح.
والمراد بالناس: الحاضرون في المسجد.
(واستيقظوا، ورقدوا، واستيقظوا) يعني أن النوم والاستيقاظ تكرر منهم لطول الانتظار.
(فقام عمر) بن الخطاب ﵁.
(فقال: الصلاةَ الصلاةَ) زاد في رواية البخاري «نام النساء، والصبيان»، و«الصلاة» بالنصب على الإغراء، وعامله محذوفٌ وجوبًا، لكون المُغْرَى به مكررًا، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وكمُحذَّرٍ بلا «إِيَّا» اجْعلا … مُغْرى به في كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلا
بعد بيان حكم المحذَّر بقوله:
إيَّاك وَالشَّرَّ ونحْوهُ نَصَبْ … مُحذِّرٌ بِمَا اسْتتارُهُ وجَبْ
ودُون عَطْفٍ ذا لإيّا انْسُبْ وما … سواه سَترُ فعْلِه لنْ يَلْزَمَا
إِلا مع الْعَطْفِ أو التَكْرَارِ … كَالضَّيغم الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي
أي الزم الصلاة. ويحتمل أن يكون مفعولًا مطلقًا لمحذوف أي صَلِّ الصلاة، والتكرار للتأكيده.
(قال عطاء: قال ابن عباس: خرج نبي الله - ﷺ -) وفي نسخة «رسول الله - ﷺ -»؛ أي من حجرته إلى المسجد.
(كأني أنظر إِليه الآن) أي كأني أشاهده في الوقت الذي أحدثكم فيه، وهذا قاله ابن عباس تأكيدًا لكلامه، وأنه ما نَسِيَ الواقعة، بل
استحضرها في ذهنه، حتى كأنها مشاهَدَة له حين التحديث بها.
و«الآن» منصوب على الظرفية، متعلق بأنظر، وهو ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه ويلزم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف، لأن التعريف تمييز المشترِكات، وليس لهذا ما يَشْرَكُهُ في معناه.
قال ابن السَّرَّاج: ليس هوآنَ، وآن، حتى يدخل عليه الألف، واللام للتعريف، بل وُضِعَ مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثل «الثُّرَيَّا»، «والذي»، ونحوِ ذلك. قاله في المصباح.
والجملة في محل نصب حال من محذوف، أي أخبركم به حال كوني مشبهًا نفسي ناظرة إليه في الوقت الحاضر.
(يقطر رأسه ماءً) وكأنه اغتسل قبيل خروجه، والجملة حال من الضمير في «إليه»، ويحتمل أن تكون حالًا من «نبي الله»، و«ماءً» تمييز محول عن الفاعل.
(واضعًا يده) حال أيضًا، إما مترادف، أو متداخل.
(على شق رأسه) أي على جانب رأسه، وإنما وضع يده عليه ليعصر ما فيه من الماء.
(قال:) عطاء (وأشار) أي ابن عباس إلى كيفية وضع يده على شق رأسه.
قال ابن جريج (فاستثبت عطاء) أي طلبت منه التثبيت، يقال: اسْتَثْبَتَ في أمره: إذا شاور، وفحص عنه. قاله في اللسان.
(كيف وضع النبي - ﷺ - يده على رأسه، فأومأ إِليّ) أي أشار إلي موضحًا ذلك (كما أشار ابن عباس) إلى ذلك.
(فبدد لي عطاء) أي فرق، من التبديد، وهو التفريق (بين أصابعه بشيء من التبديد) أي تفريقًا قليلًا.
(ثم وضعها) أي أصابعه على رأسه (فانتهى) أي بلغ (أطراف أصابعه إِلى مقدم الرأس، ثم ضمها) أي ضم أصابعه، وكذا عند البخاري «ضمها» بالضاد، ولمسلم «وصبها» بالصاد المهملة، والموحدة، وصوبه القاضي عياض، قال: لأنه يصف عصر الماء من الشعر باليد.
قال الجامع: ورواية المصنف، والبخاري، أيضًا موجهة، كما قال الحافظ، بأن ضم الأصابع صفة للعاصر، فلا اختلاف بين المعنيين.
(يمر هذا) من الإمرار رباعيًا، حال من الأصابع (كذلك) أي على مثل تلك الحال من الضم، والجار والمجرور: متعلق بحال مقدر، أي حال كون الإمرار كائنًا كذلك (على الرأس) متعلق بيمر.
(حتى مست إِبهاماه طرف الأذن) «إبهاماه» مرفوع على الفاعلية، و«طرَفَ» مفعول به.
(مما يلي الوجه، ثم) مَرَّ (على الصدغ) بضم، فسكون: ما بين
لَحْظِ العين إلى أصل الأذن، والجمع: أصداغ، مثل: قُفْل، وأقْفَال، ويسمى الشعر الذي تدلى على ذلك الموضع صُدْغًا. قاله في المصباح.
(وناحية الجَبين) أي جانب الجبين، و«الجبينُ»: ناحية الجبهة من مُحَاذَاة النَّزَعَةِ إلى الصدغ، وهما جبينان، عن يمين الجبهة، وشمالها، قاله الأزهري، وابن فارس، وغيرهما؛ فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه جُبُن، بضمتين، مثل بَرِيد، وبُرُد، وأجْبِنَةٌ، مثل أسْلِحَةٍ. قاله في المصباح.
(لا يقصر) من التقصير بالقاف؛ أي لا يبطىء. قال في الفتح: ووقع عند الكشميهني: «لا يعصر» بالعين، والأولى أصوب. اهـ.
(ولا يبطش) من باب نصر، وضرب، أي لا يستعجل.
وقوله (شيئًا) منصوب بنزع الخافض، متعلق بكل من يقصر، ويبطش، أي لا يقصر في شيء مما فعله من الإمرار، والعصر، ويحتمل أن يكون مفعولًا مطلقًا ليبطش، حذف نظيره من يقصر، أي لا يقصر في ذلك تقصيرًا، ولا يبطش بَطْشًا.
(إِلا كذلك) أي إلا مثل ما وصفه ابنُ عباس لعطاء، وعطاءٌ لابن جريج.
(ثم قال:) - ﷺ - مبينًا استحباب تأخير العشاء.
(لولا أن أشق على أمتي) «لولا» حرف امتناع لامتناع، و«أن أشق» في تأويل المصدر مبتدأ خبره محذوف وجوبًا، لقيام جواب «لولا» مقامه، وهو قوله (لأمرتهم) أي لولا خوف المشقة على أمتي في تأخير صلاة العشاء إلى هذا الوقت لأمرتهم (أن لا يصلوها) في تأويل المصدر مجرور بباء مقدرة قياسًا، أي بعدم صلاتها (إِلا هكذا) أي إلا في حال مشابهٍ لهذا، وهو كونها مؤخرة إلى هذا الوقت، وفي الرواية التالية «إنه الوقت، لولا أن أشق على أمتي». والله أعلم.
فائدة:
وقع في الطبراني من طريق طاوس في هذا الحديث بمعناه، قال: وذهب الناس إلا عثمان بن مظعون في ستة عشر رجلًا، فخرج النبي - ﷺ -، فقال: «ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم». قاله في الفتح جـ ٢ ص ٦٢. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٣١) عن إبراهيم بن الحسن، ويوسف بن سعيد،
كلاهما عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عنه.
وفي (٥٣٢) وفي «الكبرى» أيضًا (١٥٣١/ ٢) عن محمد بن منصور المكي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عنه. وعن ابن جريج، عن عطاء، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في «التمني» عن علي ابن المديني، عن سفيان، عن عمرو، عن عطاء، قال: أعتم النبي - ﷺ - … فذكره، وفيه تعليقًا: قال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أخر النبي - ﷺ - هذه الصلاة. وفي «الصلاة» عقيب حديث نافع عن ابن عمر- فقرن: عن محمود، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: قال ابن عباس: فخرج رسول الله - ﷺ - … الحديث. والله تعالى أعلم.
وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أي حين أحب إليك … الحديث.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم عليه المصنف ﵀، وهو استحباب التأخير بصلاة العشاء، وقد مر تفصيله في مسائل الحديث الماضي.
ومنها: حرص السلف في طلب الأوْلَى والأفضل من الأوقات