HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٣٥

أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حِمْيَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعَتَمَةِ، فَنَادَاهُ عُمَرُ ﵁: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: مَا يَنْتَظِرُهَا غَيْرُكُمْ وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي يَوْمَئِذٍ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ: صَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» وَاللَّفْظُ لِابْنِ حِمْيَرٍ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص181
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٢٦٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن الدارمي, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٧ ص١٤٢
٢١ - آخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على آخر وقت العشاء. ولم يذكر المصنف ﵀ حديثًا صَريحًا يدل على آخر وقت العشاء، ولعله أراد بآخر الوقت آخر وقت الاختيار، لا وقت الجواز، كما هو رأي الجمهور، لكن الصحيح خلافه، وهو أن آخر وقت العشاء نصف الليل، لا يمتد إلى طلوع الفجر، وسنحققه في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. ٥٣٥ - أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حِمْيَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ … وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً بِالْعَتَمَةِ، فَنَادَاهُ عُمَرُ ﵁، نَامَ النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: «مَا يَنْتَظِرُهَا غَيْرُكُمْ»، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: «صَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ». وَاللَّفْظُ لاِبْنِ حِمْيَرَ. رجال هذا الإسناد: ثمانية ١ - (عمرو بن عثمان) بن سَعِيد بن كَثِير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحِمْصِيُّ، صدوق، توفي سنة ٢٥٠، من [١٠]. قال أبو زرعة: كان أحفظ من ابن مصفى، وأحب إلي منه. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. ووثقه المصنف في أسماء شيوخه، وكذا وثقه أبو داود، ومسلمة، أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه. ٢ - (محمد بن حمير) بن أنيس القضاعي، ثم السَّلِيحِيِّ، أبو عبد الحميد، ويقال. أبو عبد الله، الحمصي، صدوق، توفي سنة ٢٠٠ -، من [٩]. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا. وقال ابن معين، ودُحَيم: ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، ومحمد بن حرب، وبقية، أحب إليّ منه. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال ابن قانع: صالح. ونقل ابن الجوزي في الموضوعات عن يعقوب بن سفيان: أنه قال: ليس بالقوي. قال أبو سعيد بن يونس: توفي بحمص في صفر سنة ٢٠٠. وكذا قال البخاري عن يزيد بن عبد ربه. أخرج له البخاري، وأبو داود في «المراسيل»، والمصنف، وابن ماجه. ٣ - (إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ) -بسكون الباء- واسمه شِمْر -بكسر المعجمة- بن اليَقْظَان بن عبد الله المرتحل أبو إسماعيل، ويقال. أبو سعيد الرَّمْلِيِّ، وقيل: الدمشقي، ثقة. قال ابن معين، ودُحَيم، ويعقوب بن سفيان، والنسائى: ثقة. وقال ابنت المديني: كان أحد الثقات. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الذهبي: يا لك من رجل. وقال الدارقطني: الطرق إليه ليست تصفو، وهو ثقة، لا يخالف الثقات إذا روى عنه ثقة. وقال ضمرة بن ربيعة: ما رأيت أفصح منه. وفي كتاب ابن أبي حاتم عن أبيه: رأى ابن عمر، وروى عن واثلة ابن الأسقع، وهو صدوق ثقة. وقال البخاري في التاريخ: سمع ابن عمر. وأخرج الطبراني في مسند الشاميين من طريق إبراهيم، قال: «رأيت ابن عمر يحتبي يوم الجمعة». انتهى. وقال الذهبي في مختصر المستدرك: أرسل عن ابن عمر، وتبعه العلائي في المراسيل، فقال: لم يدرك ابن عمر. قال الحافظ: وهو متعقب بما أسلفناه. وقال النسائي في «التمييز»: ليس به بأس. وقال الخطيب: ثقة من تابعي أهل الشام، يُجْمَعُ حديثه. وقال ابن عبد البر في التمهيد: كان ثقة فاضلًا، له أدب، ومعرفة، وكان يقول الشعر الحسن. انتهى. وأغرب يحيى بن يحيى الليثي، فقال في الموطأ: عن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عَبْلَة، و«عبدُ الله» زيادة، لا حاجة إليها. توفي سنة ١٥١ أو ١٥٢ أو ١٥٣، من [٥]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه. ٤ - (عثمان بن سعيد) بن كَثير بن دِينار القرشي مولاهم، أبو عمرو الحمصي، ثقة عابد، توفي سنة ٢٠٩، من [٩]، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه، وتقدم في ٦٩/ ٨٥. ٥ - (شعيب) بن أبي حَمْزَةَ دينار الأموي مولاهم، أبو بشْرٍ الحمصي، ثقة عابد، من أثبت الناس في الزهري، توفي سنة ١٦٢ أو بعدها، من [٧]، وتقدم في ٦٩/ ٨٥. ٦ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الإمام الحجة الفقيه، من [٤]، تقدم في ١/ ١. ٧ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني الإمام الفقيه الحجة، من [٢]، تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٨ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن للمصنف ﵀ إلى الزهري فيه طريقان: إحداهما: عمرو بن عثمان، عن محمد بن حمير، عن إبراهيم بن أبي عَبْلَة، عنه، والثانية: عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن شعيب بن أبي حمزة، عنه. ومنها: أن رجاله ثقات، شاميون، إلا عروة، وعائشة، فمدنيان، والزهري، وإن كان مدنيًا، إلا أنه سكن الشام أيضًا. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ابن أبي عبلة، عن الزهري، عن عروة. ومنها: أن فيه وواية الابن عن أبيه، والراوي عن خالته؛ عروة عن عائشة. ومنها: أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة، روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: أعتم رسول الله - ﷺ -) أي دخل في العتمة، مثل أصبح: دخل في الصباح. (ليلة بالعتمة) أي بصلاة العشاء ولفظ البخاري «بالعشاء»، وسيأتي الكلام في تسميتها بالعتمة في الباب التالي إن شاء الله تعالى. (فناداه عمر) بن الخطاب ﵁ (نام النساء والصبيان) بالكسر، ويضم: جمع صبي، وتقدم هل المراد بهم الذين حضروا المسجد، أو الذين في البيوت، أو جميعهم؟، في شرح حديث ابن عباس في الباب الماضي. (فخرج رسول الله - ﷺ -) إلى أهل المسجد (وقال) لهم (ما) نافية (ينتظرها) أي صلاة العشاء (غيركم) أي غير أهل المدينة، كما بينه الراوي بقوله: (ولم يكن يصلى يومئذ إِلا بالمدينة)، اسم «يكن» ضمير الشأن الْمُفَسَّرُ بجملة خبرِها، و«يصلى» بالياء، والبناء للمفعول، يعني أنه ما كان يصلي الناس الصلاة يوم تكلم النبي - ﷺ - بهذا إلا بالمدينة، وللبخاري «ولا تصلي» بالتاء، والضمير عليه يعود إلى العشاء ورواية المصنف أعم، وجملة «يكن» معترضة أتي بها بيانًا لسبب قوله - ﷺ -: «ما ينتظرها غيركم». قال في الفتح: والمراد أنها لا تصلى بالهيئة المخصوصة، وهي الجماعة، إلا بالمدينة، وبه صرح الداودي، لأن من كان بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا سرًا، وأما غير أهل مكة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها. اهـ جـ ٢ ص ٦٠. (ثم قال) - ﷺ - (صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إِلى ثلث الليل) هكذا رواية المصنف بصيغة الأمر، ورواية البخاري «وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول» بصيغة الإخبار. قال في «الفتح». وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء، لما يُشعِر به السياق من المواظبة على ذلك. قال: وليس بين هذا، وبين قوله في حديث أنس: «إنه أخر الصلاة إلى نصف الليل» معارضة، لأن حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته - ﷺ -. اهـ جـ ٢ ص ٦٠. فائدة: زاد مسلم من رواية يونس عن ابن شهاب، في هذا الحديث، قال ابن شهاب: وذُكِرَ لي أن رسول الله - ﷺ - قال: «وما كان لكم أن تَنْزُرُوا رسول الله - ﷺ - للصلاة»، وذلك حين صاح عمر. وقوله: «تنزروا» بفتح المثناة الفوقانية وسكون النون، وضم الزاي بعدها، أي تُلِحُّوا عليه، ورُوي بضم أوله بعدها موحدة ثم راء مكسورة ثم زاي، أي تُخْرِجُوا. قاله في «الفتح» جـ ٢ ص ٦٠. قال المصنف ﵀: (واللفظ لابن حمير) أي اللفظ الذي ساقه هو لفظ محمد بن حمير، وأما والد عمرو، فرواه بمعناه، والله أعلم ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٣٥)، وفي «الكبرى» (١٥١٦)، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن حمير، عن ابن أبي عبلة -وعن عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن شعيب بن أبي حمزة- كلاهما عن الزهري، عن عروة، عنها. وفي (٥٣٦) عن إبراهيم بن الحسن، ويوسف بن سعيد، كلاهما، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم، عنها. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة به. وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن حاتم، كلاهما عن محمد بن بكر- وعن حجاج بن الشاعر، ومحمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق- وعن هارون بن عبد الله الحمال، عن حجاج بن محمد- ثلاثتهم عن ابن جريج، عن المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم، عنها. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: استحباب تأخير صلاة العشاء، لمن لا يشق عليه. ومنها: مشروعية تنبيه الصغير للكبير إذا ظن أنه غفل عن الصلاة. ومنها: حرص الصحابة على حضور صلاة الجماعة حتى يحضرون معهم الصبيان. ومنها: كون النوم لا ينقض الوضوء، وهذا محمول على من كان ممكنًا مقعدته على الأرض، عند الجمهور، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في كتاب الطهارة. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في آخر وقت العشاء: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في آخر وقت العشاء، فقال بعضهم: آخر وقتها إلى ربع الليل، هذا قول النخعي، ولا نعلم مع قائله حجة. وقالت طائفة أخرى: وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل، كذلك قال عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعمر بن عبد العزيز. ثم أخرج بسنده إلى أسلم: أن عمر كتب أن وقت العشاء الآخرة إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل الآخر ، ولا تؤخروا ذلك إلا من شغل. وأخرج بسنده عن أبي هريرة، قال: وَصَلِّ صلاة العشاء إذا ذهب الشفق، وادْلأمَّ الليل من ها هنا- وأشار إلى المشرق فيما بينك وبين ثلث الليل، وما عجلت بعد ذهاب بياض الأفق فهو أفضل. وبه قال الشافعي وقد كان يقول إذ هو بالعراق: وقتها نصف الليل، ولا يفوت إلى الفجر وهذا أصح قوليه، لأنه يجعل على المفيق قبل طلوع الفجر المغرب والعشاء، ولو كان الوقت فائتًا ما وجب القضاء بعد الفوات. ومن حجة من قال بقول عمر بن الخطاب، وأبي هريرة: حديث ابن عباس الذي فيه ذكر إمامة جبريل ﵇ النبي - ﷺ -. وقالت طائفة: وقتها إلى نصف الليل، وروي هذا القول عن عمر ابن الخطاب. ثم أخرج بسنده: أن عمر كتب إلى أبي موسى أن صل صلاة العشاء الآخرة إلى نصف الليل الأول، أي حيث تبيت. وبه قال الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: ومن صلاها بعد ما مضى نصف الليل يجزئه، ونكرهه له. ومن حجة من قال هذا القول حديث عبد الله بن عمرو. ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «وقت العشاء إلى نصف الليل». قال: وفيه قول رابع، وهو أن آخر وقت العشاء إلى طلوع الفجر، روي هذا القول عن ابن عباس، وقال عطاء: لا تفوت صلاة الليل، المغرب والعشاء حتى النهار، وقال طاوس، وعكرمة: وقت العشاء إلى الفجر. ومن حجة القائل بهذا القول: حديث أبي قتادة عن النبي - ﷺ -، قال: «إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». ثم رجح ابن المنذر قول من قال: إنه إلى طلوع الفجر. انتهى الأوسط جـ ٢ ص ٣٤٣ - ٣٤٦ بالاختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحق الذي يؤيده الدليل قول من قال: إن آخر وقت العشاء نصف الليل، فليس للعشاء وقت أداء بعد ذلك، وإنما هو قضاء، وأقوى دليل في ذلك وأصرحه، حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الذي أخرجه مسلم في «صحيحه»: «فإذا صليتم العشاء، فإنه وقت إلى نصف الليل». فهذا نص صريح في أن النصف هو الآخر، لا يزيد عليه، ولا يوجد نص صريح يدل على تأخره بعده. قال الحافظ ﵀: ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت. قال: ودليل الجمهور حديث أبي قتادة: «إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». قال: وعموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح، وعلى قول الشافعي الجديد في المغرب، فللإصطخري -يعني: القائل: إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء- أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور، وغيره من الأحاديث في العشاء، والله أعلم. اهـ فتح جـ ٢ ص ٦٢. قال الجامع: هذا التقرير من الحافظ ﵀ هو عين الإنصاف إعطاءً لكل ذي حق حقه، وليس فيه تهور واعتساف مجاراة للمذهب، وهو التحقيق الحقيق بالقبول، وفقنا الله تعالى لقبول الحق، فإنه أكرم مسئول. وقال العلامة المحدث الألباني في «تمام المنة»: ولا دليل فيه -يعني حديث أبي قتادة- على ما ذهبوا إليه؛ إذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك، وإنما لبيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا، سواء كان يَعْقُبُها صلاة أخرى مثل العصر مع المغرب، أو لا، مثل الصبح مع الظهر. ويدل على ذلك أن الحديث ورد في صلاة الفجر حين فاتته - ﷺ - مع أصحابه، وهم نائمون في سفر لهم، واستعظم الصحابة رضي الله عنهم وقوع ذلك منهم، فقال - ﷺ -: «أما لكم فِيَّ أسوة»؟ ثم ذكر الحديث، كذلك هو في صحيح مسلم وغيره. فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إليه من امتداد وقت كل صلاة إلى دخول الأخرى لكان نصًا صريحًا على امتداد وقت الصبح إلى وقت الظهر، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بينا من سبب الحديث يعود عليه بالإبطال، لأنه إنما ورد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصح استثناؤها؟ فالحق أن الحديث لم يرد من أجل التحديد، بل لإنكار تعمد إخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا. ولذلك قال ابن حزم في «المُحَلَّى» جـ ٣ ص ١٧٨ - مجيبًا على استدلالهم المذكور: هذا لا يدل على ما قالوه أصلًا، وهم مُجْمعُون معنا أن وقت صلاة الصبح لا يمتد إلى وقت الظهر، فصح أن هذا الخبر لا يدل على اتصال وقت كل صلاة بوقت التي بعدها، وإنما فيه معصية من أخر صلاة إلى وقت غيرها فقط. سواء أتصل آخر وقتها بأول الثانية، أم لم يتصل، وليس فيه أنه لا يكون مفرطًا أيضًا من أخرها إلى خروج وقتها، وإن لم يدخل وقت أخرى، ولا أنه يكون مفرطًا، بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نص على خروج وقت كل صلاة، والضرورة توجب أن مَن تَعَدَّى بكل عمل وقته الذي حده الله تعالى لذلك العمل، فقد تعدى حدود الله، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وإذ قد ثبت أن الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إلى الفجر فإنه يتحتم الرجوع إلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء، مثل قوله - ﷺ -: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط …» رواه مسلم، غيره. ويؤيده ما كتب به عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: «… وأن تصلي العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإن أخرت فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين». أخرجه مالك، والطحاوي، وابن حزم، وسنده صحيح. فهذا الحديث دليل واضح على أن وقت العشاء إنما يمتد إلى نصف الليل، فقط، وهو الحق، ولذلك اختاره الشوكاني في الدرر البهية، فقال: «… وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل». وتبعه صديق حسن خان في شرحه ٦٩ - ٧٠. وقد رُوي القول به عن مالك، كما في «بداية المجتهد»، وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الإصطخري، وغيره. انظر المجموع جـ ٣ ص ٤٠.اهـ «تمام المنة» ص ١٤٠ - ١٤٢. قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن ما اختاره هؤلاء الأئمة من أن آخر وقت العشاء هو نصف الليل هو الذي أختاره، وأرجحه، لكون
مصادر المؤلف (٣)

١. هكذا النسخة: «الآخر»، ولعل الصواب: «الأول».

٢. ادلأمَّ الليل: ادلهَمَّ: أي اسوَدَّ. اهـ «ق».

٣. قال في الأم: وآخر وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل، فإذا مضى ثلث الليل الأول فلا أراها إلا فائتة. اهـ جـ ١ ص ٧٤. اهـ من هامش الأوسط جـ ٢ ص ٣٤٣.